Masukفي غرفة مظلمة وسط مكان لا يعرفه إلا من اختبر تلك الطرق السرية، كانت الأجواء مشحونة برائحة العرق والبارود، والإضاءة الخافتة تكشف فقط عن ملامح الوجوه المشدودة، والخوف المبطّن بالغضب..
وفي منتصف الغرفة، تصاعد صوت اصطدام قوي، تبعه تدافع وهمسات عالية، قبل أن ينفجر أحدهم صارخًا:
- هذه ليست الصفقة التي اتفقنا عليها! إنه يتعمد استفزازنا!
كان اشتباكٌ عنيف قد اندلع بين رجال التهريب،
وبين ذلك المبعوث من قِبل مالك لاستلام الشحنة،
لا أحد ينادي أحدًا باسمه الحقيقي، فالألقاب وحدها تملأ المكان، والرصاص لا يحتاج إلى تعريف حين تتحدث فوهاته..
تبادل الرجال الضرب، صفعةٌ طائشة هوت على وجه أحدهم، وآخر مد يده نحو مسدسه،
لكن سرعان ما أُجبر على التراجع، بعد أن أُنتزع السلاح من قبضته بالقوة..
وكأنها لم تكن معركة سلاح، بل صراع سيطرة ونفوذ،
صرخ أحد المهربين وهو يدفع مبعوث مالك بقسوة:
- أهذا مَن أرسله مالك؟ لا شكّ أنه يشبهه.
لكن قبل أن تتدهور الأمور أكثر،
انشق السكون عن صوتٍ غليظ، جاء كحد السيف:
- هذا يعني أنك تجهل تمامًا من يكون مالك!
كان مالك يقف وكأنه جزء من الظلام المحيط به، عتمة لا تُرى إلا من خلال الشرارات الصغيرة التي تومض من حوله، كان يحمل بين يديه ورقة،
مختومة بختم غير تقليدي، تعرفه فقط أقوى الأيدي، وفي طرف الغرفة وقف رجالٌ بأجسامٍ ضخمة ووجوه لا تخلو من القسوة، ينتمون إلى كيانات لا تكترث سوى بالقوة والمصلحة، الجميع يعرف أن هذه الصفقة هي أكثر من مجرد تجارة سلاح؛ هي تسوية مستقبلية للنفوذ والسلطة...
و في حضور مالك كان الأمر أشبه بالقدر الذي يختار كيف تُكتب نهايات الجميع، تطلع إلى الوجوه التي كانت تتبادل بنظراتٍ حذرة لكنهم جميعًا كانوا يعلمون أنه لا مجال للخروج من تلك اللحظة إلا بإرادته، كان عقل مالك يعمل بسرعة لا يمكن للآخرين أن يدركوها، وفي ذات اللحظة التي دخل فيها إلى هذه الغرفة كانت الُلعبة قد انتهت، لأنه هو وحده الذي يملك خيوطها وهو وحده من يحدد ختامها!
ورغم سكونه الظاهر، كان الخطر يتسرّب من نظراته وصمته، فلا أحد يقترب من مالك لمسافة تقل عن متر... الجميع يعرف القاعدة غير المعلنة؛ هناك حدود غير مرئية تحيط به، رسمها بنفسه، ولم يجرؤ أحد على اختراقها قط، لا مجاملة ولا تحديًا.
تحرك "مالك" بخطى هادئة، صوت نعله يضرب الأرضية الرخامية مما زاد من التوتر في الجو، ألقى نظرة بطيئة على الحاضرين ثم توقف فجأة وهو يرفع رأسه وينظر مباشرة إلى الرجل الذي يتولى المفاوضات...
وبابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه قال بصوت منخفض لكنه محمّل بالثقة والقوة:
- أتظنون أنها صفقة سلاح؟
الأمر أعظم من ذلك بكثير...
اليوم، أنتم هنا لتسلموني مفاتيح سلطانكم، طوعًا، وتحت راية التجارة.
صمت للحظة ثم أكمل مع تركيز نظراته الحادة على الرجل:
- تظنون أنكم في موضع تفاوض؟
أنتم لا تملكون شيئًا للبيع... أنتم جئتم لتسلّموا، فحسب.
خطا خطوة بطيئة نحو الرجل لكنه لم يتجاوز الحاجز الوهمي الذي فرضه على الجميع وتابع ببرود:
- وأما من أرسلكم... فإن كان يظنّ نفسه شريكًا في هذه اللعبة، فليستعد... لأنني سوف أزيحه من طريقي، قبل حتى أن يدرك قواعدها.
دار بعينه عليهم جميعًا ثم أردف:
- والآن... أتفضلون الخروج من هذا المكان على أقدامكم؟ أم تُريدون الخروج على ظهوركم!
تردد الجميع في التنفس للحظة، لكنها لحظة طويلة بما يكفي ليشعر كل منهم بأن التهديد قد زحف إليه من كل اتجاه..
- ها؟ أين ذهبت ألسنتكم؟ أم أن الخوف عقدها؟
ثم قال مالك بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل في طياتها عاصفة كاملة، لم يكن بحاجة إلى تصعيد أو تهديد مباشر، كان يكفي أن يعلموا أن تلك الصفقة ستكون بداية لمرحلة جديدة، حيث لا مجال للضعف أو التردد..
ثم بنظرة ثاقبة لكبيرهم قال:
– أفهمت؟
الرجل الآخر الذي كان يبدو واثقًا في البداية شعر فجأة بأن الأرض قد تهتز من تحته فأجابه بصوتٍ خافت وبكلمة مقتضبة:
– فهمت.
كانت عيناه مسمرة على مالك، الذي بدا كأنه يُجمد الزمن بنظراته الحادة وهو يقول بصوت ثابت وقاطع:
– الصفقة ستتم بشروطي، ومن هذه اللحظة، الفشل لم يعُد خيارًا، والانسحاب لم يعُد واردًا، إما أن تكونوا معي... أو ضدي..
ولا مكان بعد الآن لمن يقف في المنتصف.
وضع مالك الورقة على الطاولة بحركة سريعة وعينيه تتنقل بين الوجوه التي بدأت تتوتر، تلك الورقة كانت أكثر من مجرد اتفاق مكتوب؛ كانت حكمًا ينتظر تنفيذه، وكان مالك هو القاضي، المدعي، والمحامي في ذات الوقت و جميعهم كانوا يعلمون أنه لا مكان للهروب منه!
لكن كان هناك شيء واحد فقط كان يجب على الجميع معرفته: في عالم مالك، لا أحد يملك فرصة ثانية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
في صالة تغمرها أضواء دافئة تنساب عبر ثريات مُذهبة، ارتسمت تفاصيل الجدران بلمسات أرستقراطية تحكي عن مكانة العائلة المضيفة، كانت الزهور البيضاء المنتشرة في الأركان تعبق برائحة هادئة تتسلل كرسالة خفية عن أهمية هذا اللقاء الخاص..
جلست ملك على أريكة وثيرة تنسدل أطرافها برقة تشبه ثوبها الحريري بلونه الذي يقترب من زرقة الشفق، كان ظهرها مستقيم ويديها في حجرها كأنها تنسج منهما حاجزًا يحميها من توتر اللحظة، كانت ملامحها كتمثال منحوت جميل وهادئ.. لكن عينيها؟ عينيها كانتا قصيدة من الحيرة والتمرد المكبوت..
وعلى بُعد خطوات معدودة وقف والدها يراقب الباب كأنه ينتظر قدوم فارس سيغير مصير العائلة، وحين انفتح الباب أخيرًا انبثق منه شاب طويل القامة يرتدي بذلة سوداء مصممة بخيوط من الكمال، ملامحه متزنة وعينيه تنطقان بثقة رجل معتاد على أن تُفتح له الأبواب دون عناء، خلفه والديه يحملان ابتسامات تخفي مزيجًا من الفخر والتوقعات العالية، قال والد ملك بصوتٍ جهوري مُرحبًا بقدوم العريس وعائلته:
– أهلًا وسهلًا، لقد أنرتم بيتنا المتواضع..
تحرك العريس بخطوات واثقة لكنه حين رأى ملك ارتبك للحظة وبطأت خطواته، جمالها لم يكن من النوع الذي يسرق الأنظار فحسب بل كان يزرع تساؤلات في القلب من نوع "هل استطيع الحصول عليها الأن!"
جلس مقابلاً لها موجهًا حديثه للجميع لكن عينيه لم تفارقها:
– مساء الخير، في الحقيقة، قد سمعنا كثيرًا عن كرمكم وحُسن أخلاقكم، ويشرفنا أن نكون في ضيافتكم هذا المساء.
ابتسم والد ملك بفخر بينما أضافت والدتها بحماسة:
– يشرفنا وجودكم، وملك... تستحق حقًا رجلًا محترمًا مثلكم.
لم تتحرك ملك ولم تفلح الكلمات المتبادلة في كسر صمتها، لكنها حين التقت عيناهما شعرت بثقل نظراته عليها، كان يراقبها وكأنه يبحث عن مفاتيح خفية لفهمها، أو ربما لإثبات شيء لنفسه..
قال العريس بنبرة هادئة:
– الآنسة ملك... إنه لشرف كبير لي أن ألتقي بكِ أخيرًا. لقد سمعت الكثير عن موهبتك في التصميم، وفي مجال التسويق بشكل عام.
رفعت ملك عينيها ببطء ثم أجابت بصوت خافت لكنه واضح:
– شكراً لكَ.. أنا ما زلت في بداية الطريق.
ابتسم العريس برفق وأضاف بنبرة واثقة:
– البداية أحيانًا تكون أهم من أي أمر آخر، لا سيما حين تكون موهبتك بهذا الوضوح والتألق.
كانت كلماته مدروسة، لكنها لم تكن كافية لتشعل شرارة بداخلها، شعرت وكأن كل شيء يُدار بشكل مثالي، مثالي لدرجة تُشعرها بالاختناق..
تدخلت والدتها بسرعة وكأنها تخشى أن يُساء فهم هدوء ابنتها:
– ملكُ طموحُها عالٍ كما تعلم، ولا شكّ أن حياتَها ستكون أفضل مع شريكٍ يُدرك قيمتها ويُقدّر هذا الطموح.
كان العريس يحاول أن يبدو متماسكًا، لكنه لم يستطع إخفاء إعجابه الواضح بملك في كل مرة تتحرك فيها يدها أو ترفع عينيها، كان يزداد اقتناعه بأنها مختلفة عن أي فتاة قابلها من قبل..
قال والد ملك بنبرة مازحة:
– ملك ليست كثيرة الحديث، لكن حين تألف من حولها، تستطيع أن تفتح قلبها وتحادثهم حتى آخر الليل.
ضحك العريس بهدوء وأضاف:
– أحيانًا، يكون للكلام الكثير أثرٌ أقل من الصمت، فبعض الأشخاص يُجيدون التعبير بصمتهم أكثر مما يُجيده غيرهم بالكلمات.
شعرت ملك بشيء من الإطراء، لكن قلبها ظل جامدًا يتساءل: هل هذا الرجل يفهمني حقًا؟ أم أنني مجرد صورة جميلة يُضاف إليها لقب عائلته؟
استمر اللقاء والحديث يتنقل بين مواضيع عامة وأحاديث عائلية، لكن بداخل ملك كانت هناك عاصفة هادئة تُثير تساؤلاتها، لماذا تشعر أن حياتها تُسلب منها ببطء وأنها تُدفع نحو شيء لم تختره بإرادتها؟
*****
وعند هذه الذكرى والتساؤلات تتأرجح في عقلها مثل لعبة بهلوانية فقد محركها السيطرة عليها، فجأة فاقت ملك من كابوسها فزعة وهي تشهق بعنفٍ وبداخلها ذات الشعور بالاختناق الذي شعرت به في نفس ذات الليلة..
نظرت حولها بريبة فوجدت نفسها في غرفةٍ خافتة الضوء، لم تستطع تمييز أي شيء فيها بوضوح بسبب الدوار الذي يغشى عقلها ويثقل عينيها، أغمضت جفنيها محاولةً استجماع ما حدث لها، فأخر ما تذكرته هي جلستها على مقعدٍ مُزين وعريسها الذي أُجبرت عليه كان يقف في زاوية يطالعها بطريقة أفزعتها وكأنه يلتهمها بعينيه، ثم بعد ذلك لا شيء..
وضعت كفيها أعلى رأسها وهي تُغمض عينيها بقوة لتظهر في ذهنها صورٌ متفرقة: سلاحٌ مسدَّد، طلقاتٌ نارية، دماءٌ تُغمر أرضية المكان صوت أبيها العالي وصراخ أمها الذي يثقب أذنيها..
ثم رائحة سائل لا تعرفه... وفقدانٌ مفاجئٌ للوعي!
ـــــــــــــــــ
توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً
تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
اسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.ــــــــــــــــــــــــــــــــركب مالك السيارة التي كانت تنتظره أمام المقر السري، وداخل السيارة غلفه صمتٌ مشحونٌ بالتوتر، الهواء
كانت ملك جالسة على طرف فراشها، يحيط بها ظلام ثقيل لا يشبه العتمة التي تملأ الغرفة بل عتمة أخرى أكثر عمقًا، تجثم على صدرها وتسد أنفاسها، الأضواء الخافتة المرتعشة بالكاد تكشف عن ملامح وجهها الباهت، بينما كانت عيناها تبحثان بلا جدوى عن مخرج وسط هذا السكون الذي صار خانقًا...انتبهت حينما كسر ا
كان يمان ممددًا على السرير، جسده مستسلم تمامًا للنوم العميق، لكن داخله كان مضطربًا كبحرٍ يموج في ليلة عاصفة، كل شيء من حوله كان ساكنًا بشكل مريب، وكأن الغرفة بأكملها تآمرت ضده لتُسكت حتى أصغر الأصوات، الهواء ثقيل مشبع برائحة اللافندر التي لطالما كانت علامة مميزة لوجود أمه.. زهرة..تسللت ال
استفاق مالك من نومه فجأة وعيناه ما زالت غارقتين في بقايا الأحلام، غرفة نومه الواسعة التي تعكس ذوقه الرفيع وحياته المترفة كانت تغمرها أشعة الشمس التي تسللت عبر النوافذ الكبيرة المضيئة بالزخارف واللوحات التي تزين الجدران من حولها، هو كان في قلب الراحة والهدوء لكن خلف تلك الأجواء كان عقله لا يهدأ أب







