Share

ظهور الملك

last update Tanggal publikasi: 2026-05-21 06:10:19

في غرفة مظلمة وسط مكان لا يعرفه إلا من اختبر تلك الطرق السرية، كانت الأجواء مشحونة برائحة العرق والبارود، والإضاءة الخافتة تكشف فقط عن ملامح الوجوه المشدودة، والخوف المبطّن بالغضب..

وفي منتصف الغرفة، تصاعد صوت اصطدام قوي، تبعه تدافع وهمسات عالية، قبل أن ينفجر أحدهم صارخًا:

- هذه ليست الصفقة التي اتفقنا عليها! إنه يتعمد استفزازنا!

كان اشتباكٌ عنيف قد اندلع بين رجال التهريب،

وبين ذلك المبعوث من قِبل مالك لاستلام الشحنة،

لا أحد ينادي أحدًا باسمه الحقيقي، فالألقاب وحدها تملأ المكان، والرصاص لا يحتاج إلى تعريف حين تتحدث فوهاته..

تبادل الرجال الضرب، صفعةٌ طائشة هوت على وجه أحدهم، وآخر مد يده نحو مسدسه،

لكن سرعان ما أُجبر على التراجع، بعد أن أُنتزع السلاح من قبضته بالقوة..

وكأنها لم تكن معركة سلاح، بل صراع سيطرة ونفوذ،

صرخ أحد المهربين وهو يدفع مبعوث مالك بقسوة:

- أهذا مَن أرسله مالك؟ لا شكّ أنه يشبهه.

لكن قبل أن تتدهور الأمور أكثر،

انشق السكون عن صوتٍ غليظ، جاء كحد السيف:

- هذا يعني أنك تجهل تمامًا من يكون مالك!

كان مالك يقف وكأنه جزء من الظلام المحيط به، عتمة لا تُرى إلا من خلال الشرارات الصغيرة التي تومض من حوله، كان يحمل بين يديه ورقة،

مختومة بختم غير تقليدي، تعرفه فقط أقوى الأيدي، وفي طرف الغرفة وقف رجالٌ بأجسامٍ ضخمة ووجوه لا تخلو من القسوة، ينتمون إلى كيانات لا تكترث سوى بالقوة والمصلحة، الجميع يعرف أن هذه الصفقة هي أكثر من مجرد تجارة سلاح؛ هي تسوية مستقبلية للنفوذ والسلطة...

و في حضور مالك كان الأمر أشبه بالقدر الذي يختار كيف تُكتب نهايات الجميع، تطلع إلى الوجوه التي كانت تتبادل بنظراتٍ حذرة لكنهم جميعًا كانوا يعلمون أنه لا مجال للخروج من تلك اللحظة إلا بإرادته، كان عقل مالك يعمل بسرعة لا يمكن للآخرين أن يدركوها، وفي ذات اللحظة التي دخل فيها إلى هذه الغرفة كانت الُلعبة قد انتهت، لأنه هو وحده الذي يملك خيوطها وهو وحده من يحدد ختامها!

ورغم سكونه الظاهر، كان الخطر يتسرّب من نظراته وصمته، فلا أحد يقترب من مالك لمسافة تقل عن متر... الجميع يعرف القاعدة غير المعلنة؛ هناك حدود غير مرئية تحيط به، رسمها بنفسه، ولم يجرؤ أحد على اختراقها قط، لا مجاملة ولا تحديًا.

تحرك "مالك" بخطى هادئة، صوت نعله يضرب الأرضية الرخامية مما زاد من التوتر في الجو، ألقى نظرة بطيئة على الحاضرين ثم توقف فجأة وهو يرفع رأسه وينظر مباشرة إلى الرجل الذي يتولى المفاوضات...

وبابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه قال بصوت منخفض لكنه محمّل بالثقة والقوة:

- أتظنون أنها صفقة سلاح؟

الأمر أعظم من ذلك بكثير...

اليوم، أنتم هنا لتسلموني مفاتيح سلطانكم، طوعًا، وتحت راية التجارة.

صمت للحظة ثم أكمل مع تركيز نظراته الحادة على الرجل:

- تظنون أنكم في موضع تفاوض؟

أنتم لا تملكون شيئًا للبيع... أنتم جئتم لتسلّموا، فحسب.

خطا خطوة بطيئة نحو الرجل لكنه لم يتجاوز الحاجز الوهمي الذي فرضه على الجميع وتابع ببرود:

- وأما من أرسلكم... فإن كان يظنّ نفسه شريكًا في هذه اللعبة، فليستعد... لأنني سوف أزيحه من طريقي، قبل حتى أن يدرك قواعدها.

دار بعينه عليهم جميعًا ثم أردف:

- والآن... أتفضلون الخروج من هذا المكان على أقدامكم؟ أم تُريدون الخروج على ظهوركم!

تردد الجميع في التنفس للحظة، لكنها لحظة طويلة بما يكفي ليشعر كل منهم بأن التهديد قد زحف إليه من كل اتجاه..

- ها؟ أين ذهبت ألسنتكم؟ أم أن الخوف عقدها؟

ثم قال مالك بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل في طياتها عاصفة كاملة، لم يكن بحاجة إلى تصعيد أو تهديد مباشر، كان يكفي أن يعلموا أن تلك الصفقة ستكون بداية لمرحلة جديدة، حيث لا مجال للضعف أو التردد..

ثم بنظرة ثاقبة لكبيرهم قال:

– أفهمت؟

الرجل الآخر الذي كان يبدو واثقًا في البداية شعر فجأة بأن الأرض قد تهتز من تحته فأجابه بصوتٍ خافت وبكلمة مقتضبة:

– فهمت.

كانت عيناه مسمرة على مالك، الذي بدا كأنه يُجمد الزمن بنظراته الحادة وهو يقول بصوت ثابت وقاطع:

– الصفقة ستتم بشروطي، ومن هذه اللحظة، الفشل لم يعُد خيارًا، والانسحاب لم يعُد واردًا، إما أن تكونوا معي... أو ضدي..

ولا مكان بعد الآن لمن يقف في المنتصف.

وضع مالك الورقة على الطاولة بحركة سريعة وعينيه تتنقل بين الوجوه التي بدأت تتوتر، تلك الورقة كانت أكثر من مجرد اتفاق مكتوب؛ كانت حكمًا ينتظر تنفيذه، وكان مالك هو القاضي، المدعي، والمحامي في ذات الوقت و جميعهم كانوا يعلمون أنه لا مكان للهروب منه!

لكن كان هناك شيء واحد فقط كان يجب على الجميع معرفته: في عالم مالك، لا أحد يملك فرصة ثانية.

ــــــــــــــــــــــــــــ

في صالة تغمرها أضواء دافئة تنساب عبر ثريات مُذهبة، ارتسمت تفاصيل الجدران بلمسات أرستقراطية تحكي عن مكانة العائلة المضيفة، كانت الزهور البيضاء المنتشرة في الأركان تعبق برائحة هادئة تتسلل كرسالة خفية عن أهمية هذا اللقاء الخاص..

جلست ملك على أريكة وثيرة تنسدل أطرافها برقة تشبه ثوبها الحريري بلونه الذي يقترب من زرقة الشفق، كان ظهرها مستقيم ويديها في حجرها كأنها تنسج منهما حاجزًا يحميها من توتر اللحظة، كانت ملامحها كتمثال منحوت جميل وهادئ.. لكن عينيها؟ عينيها كانتا قصيدة من الحيرة والتمرد المكبوت..

وعلى بُعد خطوات معدودة وقف والدها يراقب الباب كأنه ينتظر قدوم فارس سيغير مصير العائلة، وحين انفتح الباب أخيرًا انبثق منه شاب طويل القامة يرتدي بذلة سوداء مصممة بخيوط من الكمال، ملامحه متزنة وعينيه تنطقان بثقة رجل معتاد على أن تُفتح له الأبواب دون عناء، خلفه والديه يحملان ابتسامات تخفي مزيجًا من الفخر والتوقعات العالية، قال والد ملك بصوتٍ جهوري مُرحبًا بقدوم العريس وعائلته:

– أهلًا وسهلًا، لقد أنرتم بيتنا المتواضع..

تحرك العريس بخطوات واثقة لكنه حين رأى ملك ارتبك للحظة وبطأت خطواته، جمالها لم يكن من النوع الذي يسرق الأنظار فحسب بل كان يزرع تساؤلات في القلب من نوع "هل استطيع الحصول عليها الأن!"

جلس مقابلاً لها موجهًا حديثه للجميع لكن عينيه لم تفارقها:

– مساء الخير، في الحقيقة، قد سمعنا كثيرًا عن كرمكم وحُسن أخلاقكم، ويشرفنا أن نكون في ضيافتكم هذا المساء.

ابتسم والد ملك بفخر بينما أضافت والدتها بحماسة:

– يشرفنا وجودكم، وملك... تستحق حقًا رجلًا محترمًا مثلكم.

لم تتحرك ملك ولم تفلح الكلمات المتبادلة في كسر صمتها، لكنها حين التقت عيناهما شعرت بثقل نظراته عليها، كان يراقبها وكأنه يبحث عن مفاتيح خفية لفهمها، أو ربما لإثبات شيء لنفسه..

قال العريس بنبرة هادئة:

– الآنسة ملك... إنه لشرف كبير لي أن ألتقي بكِ أخيرًا. لقد سمعت الكثير عن موهبتك في التصميم، وفي مجال التسويق بشكل عام.

رفعت ملك عينيها ببطء ثم أجابت بصوت خافت لكنه واضح:

– شكراً لكَ.. أنا ما زلت في بداية الطريق.

ابتسم العريس برفق وأضاف بنبرة واثقة:

– البداية أحيانًا تكون أهم من أي أمر آخر، لا سيما حين تكون موهبتك بهذا الوضوح والتألق.

كانت كلماته مدروسة، لكنها لم تكن كافية لتشعل شرارة بداخلها، شعرت وكأن كل شيء يُدار بشكل مثالي، مثالي لدرجة تُشعرها بالاختناق..

تدخلت والدتها بسرعة وكأنها تخشى أن يُساء فهم هدوء ابنتها:

– ملكُ طموحُها عالٍ كما تعلم، ولا شكّ أن حياتَها ستكون أفضل مع شريكٍ يُدرك قيمتها ويُقدّر هذا الطموح.

كان العريس يحاول أن يبدو متماسكًا، لكنه لم يستطع إخفاء إعجابه الواضح بملك في كل مرة تتحرك فيها يدها أو ترفع عينيها، كان يزداد اقتناعه بأنها مختلفة عن أي فتاة قابلها من قبل..

قال والد ملك بنبرة مازحة:

– ملك ليست كثيرة الحديث، لكن حين تألف من حولها، تستطيع أن تفتح قلبها وتحادثهم حتى آخر الليل.

ضحك العريس بهدوء وأضاف:

– أحيانًا، يكون للكلام الكثير أثرٌ أقل من الصمت، فبعض الأشخاص يُجيدون التعبير بصمتهم أكثر مما يُجيده غيرهم بالكلمات.

شعرت ملك بشيء من الإطراء، لكن قلبها ظل جامدًا يتساءل: هل هذا الرجل يفهمني حقًا؟ أم أنني مجرد صورة جميلة يُضاف إليها لقب عائلته؟

استمر اللقاء والحديث يتنقل بين مواضيع عامة وأحاديث عائلية، لكن بداخل ملك كانت هناك عاصفة هادئة تُثير تساؤلاتها، لماذا تشعر أن حياتها تُسلب منها ببطء وأنها تُدفع نحو شيء لم تختره بإرادتها؟

*****

وعند هذه الذكرى والتساؤلات تتأرجح في عقلها مثل لعبة بهلوانية فقد محركها السيطرة عليها، فجأة فاقت ملك من كابوسها فزعة وهي تشهق بعنفٍ وبداخلها ذات الشعور بالاختناق الذي شعرت به في نفس ذات الليلة..

نظرت حولها بريبة فوجدت نفسها في غرفةٍ خافتة الضوء، لم تستطع تمييز أي شيء فيها بوضوح بسبب الدوار الذي يغشى عقلها ويثقل عينيها، أغمضت جفنيها محاولةً استجماع ما حدث لها، فأخر ما تذكرته هي جلستها على مقعدٍ مُزين وعريسها الذي أُجبرت عليه كان يقف في زاوية يطالعها بطريقة أفزعتها وكأنه يلتهمها بعينيه، ثم بعد ذلك لا شيء..

وضعت كفيها أعلى رأسها وهي تُغمض عينيها بقوة لتظهر في ذهنها صورٌ متفرقة: سلاحٌ مسدَّد، طلقاتٌ نارية، دماءٌ تُغمر أرضية المكان صوت أبيها العالي وصراخ أمها الذي يثقب أذنيها..

ثم رائحة سائل لا تعرفه... وفقدانٌ مفاجئٌ للوعي!

ـــــــــــــــــ

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status