Share

مخاوف العشق

last update publish date: 2026-06-03 08:15:49

تململ مالك بجسده وهو لا يريد منها أن تبتعد عنه بأي ثمن، كانت حدقتاه تشتعلان غضبًا مكتومًا، كمن انتُزع من لحظة خلاصٍ كان على بُعد أنفاسٍ منها، الطرق تكرر مرةً أخرى، أكثر إصرارًا، كأن القادم خلف الباب لن يرحل قبل أن يحطّم كل جدارٍ بينه وبين الداخل..

كانت أنفاسهما تتقاطع في صمتٍ متوتر، واللحظة التي كانت على وشك أن تكشف المستور تبعثرت وتلاشت كحلمٍ استيقظ صاحبه قبل اكتماله...

قام مالك من الفراش واندفع نحو الباب بخطواتٍ كانت تُحدث صدىً في صدر الأرض من تحته، قبضته انعقدت على المقبض بقوةٍ تنذر بالانفجار، وما إن فتح حتى بدا كأن الباب يُنتزع من مفاصله لا يُفتح فحسب..

في العتبة ظهر معاذ، وجهه محمّل بارتباكٍ وقلق، عيناه لا تكفان عن المسير بين أخته التي وقفت مذعورة وزوجها الذي يتأجج غضبًا..

قال معاذ بصوتٍ متقطعٍ يسبق أنفاسه:

- ملك… هل أنت بخير؟

لم ينتظر ردًّا، بل اندفع إلى الداخل كما يندفع منقذٌ إلى بيتٍ يشتعل، وأطبق ذراعيه على أخته، جاذبًا إياها إلى صدره، تمايل جسدها المرتجف بين ذراعيه كغصنٍ هشٍّ نالته الريح، فيما كانت عيناها تائهتين، لا تعرفان إلى أي وجهٍ تستقران: وجه أخٍ جاء مسرعًا يحمل القلق في ملامحه، أم وجه رجلٍ يقف شامخًا في منتصف الغرفة، عيناه شرارتان تتقدان بغضبٍ محتدم وألمٍ دفين..

أطبق مالك أنفاسه، وصوته خرج كحدّ السيف حين قال:

- أتعلم ما جرى هنا؟ أولًا لقد تذكرت ملك كل شئ.

تهلل وجه معاذ وهو يسألها بسعادة:

- هل بالفعل تذكرتِ؟!

اكتفت بإيماءة طفيفة قبل أن يتابع معاذ وهو يعاتبها بحزنٍ:

- هيا اعتذري الأن عن اتهاماتك لي ولأبي وسيل السب...

أوقفه مالك عن الاسترسال بصوته الجهوري وهو يقول له:

- ثانيًا أحدهم وضع لها في هذه الغرفة هاتفًا، وكان معروضًا عليه ذلك التسجيل… التسجيل الذي طاف العالم كما يطوف الوباء في المدن، ملثّم يلوّح بالدم والنار.

ارتجف معاذ من وقع الكلمات، وحدقت عيناه فيه بدهشةٍ أقرب إلى الصدمة، وانسحبت الدماء من وجهه كأنما أُفرغ فجأة من الحياة، فتح فمه كأنه يريد أن يتكلم، لكن صوته انكسر في حلقه، ولم يجد سوى صمتٍ ثقيل يجرجر نفسه إلى الخارج وهو لا يعرف تحديدًا ما الذي يجب عليه قوله، لقد عرفت ملك بالأمر في وقت مبكرًا للغاية بل وقاتل أيضًا!

رمقه مالك بنظرةٍ كأنها تُفكك أحشاءه، ثم استدار قليلًا وعاد يخترقه بعينيه الجمرتين، قال بغيظٍ مكبوت:

- أدعوتك لتكون شاهدًا أم لتقف صامتًا؟ لقد جلبتك هنا لتقول لأختك ما لم تصدّق من فمي، لتشهد أمامها أنني لست إرهابيًا كما صوروا… لكن يبدو أن المهمة انتهت قبل أن تبدأ.

ثم عاد وأدار بصره نحو ملك، نظرته مشوبة بسعادة وتفهُم، وقال:

- الأمر الأن قد بات واضحًا… أنها فهمت.

انسلّت ملك من ذراعي أخيها بخطوةٍ واهنة، ووقفت وحدها، كأن الأرض ترفض حمل ثقلها، ثم رفعت وجهها نحوهما، وعيناها مشبعتان بالدموع، وقد سالت دمعة على خدها ثم لحقتها أخرى مثل الشلال، ارتجف صوتها وهي تصرخ:

- فهمت؟! أيّ فهمٍ تتحدث عنه؟! لم أفهم شيئًا بعد… لا أنت، ولا هذا الجحيم الذي أعيش فيه!

ثم اقتربت من أخيها بخطواتٍ نارية وهي تدفعه بقوة قائلة:

- وأنت كيف جئت إلى هنا بهذه السرعة؟! اتعيش معي تحت سقف هذا القصر البغيض وتخفي نفسك عني كل تلك الأيام!

ارتدّ صدى صوتها في الجدران، وكأن الغرفة أطبقت عليهم جميعًا، ضاقت المسافة، وتكثّف الهواء حتى صار خانقًا، فيما نظرات الثلاثة تشتبك في مواجهةٍ لا يعرف أحدهم كيف يخرج منها دون أن ينكسر أو يحترق!

تجمّد معاذ في مكانه، كأن وقع كلماتها شلّ أطرافه، لم يعرف أيمد يده إليها ليهدئها أم يتركها تتقد غضبًا أمام عينيه، ارتسم على وجهه ذهول لم يُخفِ ارتباكه، بينما عيناه تجولان بين أخته التي ترتعد من ثورتها، وبين مالك الذي بدا وكأنه قاب قوسين من الانفجار..

رفع مالك يده إلى رأسه بعصبية، وأخذ يشد شعره بقسوة، كأن الألم الجسدي وحده قادر على إخماد البركان المشتعل في صدره، كانت عيناه تلاحق ملك بحدةٍ مميتة، تسألها بصمت: كيف تحوّلتِ في لحظةٍ من امرأةٍ انصهرت بين ذراعيه منذ قليل وقد كاد أن يمتلكها، إلى خصمٍ يجلده بالاتهامات؟!

ملك، بعينيها المتقدتين، دفعت معاذ مرةً أخرى، حتى كاد يفقد توازنه، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح متكسّر من شدّة الانفعال:

– أتظنّ أني غافلة؟! أنتم تتآمرون خلف ظهري… أخي! دمي ولحمي! يعيش في هذا الجحيم ولا ينبس بكلمة! أهذا ما أوصتك به أمّنا؟ أن تتركني وحدي بين يدي رجلٍ لا أعرف إن كان زوجًا أم سجّانًا؟!

انكمش معاذ للحظة، وكأن السهام اخترقت صدره، ولم يجد ردًا إلا صمتًا مذعورًا يفضحه، التفت بعينيه نحو مالك، يبحث فيه عن أي كلمة، أي طوق نجاة ينقذه من مواجهة لا يملك لها حيلة..

لكن مالك، وقد بلغ به الغيظ مبلغًا، ألقى الكلمات كالرصاص، بصوتٍ متهدّج من الغضب زمجر وهو يحدّق في ملك، وعيناه تحترقان بمرارةٍ لم يعرف لها مثيل:

- أيُعقل هذا؟! منذ لحظاتٍ كنتِ تستكينين إلى صدري كطفلةٍ وجدت مأواها، والآن تصرخين في وجهي كأنني شيطانٌ جئتُ لافتراس روحك؟! أي لعنةٍ تسكنكِ يا ملك؟!

ارتعشت شفتاها، لكنها لم تُجب، فقط أجهشت بالبكاء، وصوتها يتكسّر بين شهقةٍ وأخرى، كأنها تدفع بدموعها ما عجز لسانها عن شرحه..

أما معاذ فقد عبثت أصابعه في الهواء وكأنه يبحث عن كلمة تُنقذه، لكن كل الحروف خانته، التفت نحو مالك بارتباكٍ ظاهر، ووجهه شاحبٌ كمن ضُبط في جريمةٍ لم يرتكبها، وقال بصوتٍ متردد يكاد يتلاشى:

- مالك… قل لها شيئًا، افعل شيئًا، إنها لن تُصغي إليّ…!

رمقه مالك بنظرةٍ حادة كالسهم، تخللتها مرارةٌ واحتقارٌ مكتوم، كأنه يقول له دون صوت:

"أأنت المنقذ حقًا أم مجرد ظلٍّ يتوارى حين يُستدعى؟"

دنا منها خطوة واحدة وأخبرها بصوتِ حاد:

- أنا الذي طلبته ليأتي كي يكون بجوارك وأنا في مهمتي تلك التي رأيتها عبر هذا الهاتف، والأن طلبته للمجيء ليُقنعك أني لست كما صورني هذا العالم! ظننت أنك ستفهمين… أنك ستصغين… لكنك ما زلتِ عمياء، لا ترين إلا ما يلوكه الناس في وجوهنا!

رفع معاذ حاجبيه بذهول، لم يستوعب ما يسمعه، حتى جمدت نظراته حين أكمل مالك بحدّة:

– نعم، لقد عرضوا عليك ذلك المقطع الذي حطّم حياة الكثيرين، وسلبني وجهي بين البشر! جئتُ بأخيكِ ليكون شاهداً على الحقيقة، فإذا به يجد نفسه غارقًا في اتهاماتٍ أبشع مما قذفتِني بها.

سقطت الكلمات في الغرفة كصخرةٍ انحدرت من قمةٍ شاهقة، تتحطم على أرضٍ هشة فتبعثر كل يقينٍ كان قائمًا، اتسعت عينا ملك حتى كاد فيهما البريق ينطفئ، وارتجفت أنفاسها للحظة قبل أن تنكسر شفتاها المرتعشتان ثم انطلقت منها همسة أقرب إلى البكاء منها إلى الكلام:

– نعم… كنتُ عمياء.

ولم تضف شيئًا بعدها؛ كأنها لفظت الحقيقة دفعةً واحدة، ثم خارت قواها ولم تجد ما تقوله بعد الآن..

تراجعت بضع خطوات إلى الوراء حتى كادت تلتصق بالجدار، لكن الغرفة ضاقت فجأة، وكأن جدرانها اندفعت لتطوقها، لتخنقها، لتسلبها آخر ما تبقى من هواء، كان الصمت كثيفًا، محمَّلًا بكل ما لم يُقال..

كان معاذ ما زال مأخوذ بارتباكٍ خانق، عيناه ما زالت تتنقلان بين أخته والرجل الذي يقف أمامه، كأنه يبحث عن تفسيرٍ لم يفهمه حتى الأن، أما مالك، فقد بدا كبركانٍ يغلي من الداخل، عضلاته مشدودة، كفه يوشك أن يمزق شعره من جنون تقلبها؛ لحظات قليلة كانت مستكينة في حضنه، والآن تقف أمامه تصرخ وتنهار..

ابتسم ابتسامةً دامية تحمل كل غضب الأرض، ثم التفت فجأة، فتح الباب بعنفٍ حتى ارتطم بالجدار، وغادر بخطواتٍ صاخبة، كأن صوته وحده إعلانٌ بالانسحاب والهزيمة، لكن بعاصفةٍ لن تهدأ..

سقطت ملك على حافة السرير منهارة، يداها ترتجفان وهي تغطي وجهها الغارق بالدموع، اقترب معاذ على عجل، جلس بجوارها، طوّق كتفيها بذراعيه محاولًا أن يردّها إلى ثباتها، وصوته يتهدّج برجاءٍ يائس:

– أنا معكِ يا ملك… لا تبكي، أنا هنا.

لكنها لم تجبه، كل ما سمعه أنينها المكبوت، وكل ما رآه ظلّ رجلٍ غادر الغرفة تاركًا وراءه خرابًا أثقل من أن يُحتمل..

كان صدى خطواته يدوّي في الممرّ الطويل كطبولٍ معلنةٍ عن هزيمةٍ لم يعترف بها، جدران القصر الموحشة ارتجفت من وقع حذائه، والمصابيح المعلقة أرسلت ضوءًا شاحبًا لا يزيد المكان إلا كآبة، كان يمشي كمن يطارد نفسه، كتفاه مشدودتان، وعيناه لا تريان شيئًا مما حوله، بل تغليان بصورٍ متضاربة لوجهها وهي تبتعد عنه، ولدموعها التي انهمرت دون أن يجد إليها سبيلًا..

ظهر حمزة في الطرف المقابل، يهرول بخطى ثابتة حتى اعترض طريقه، جسده قائم كجدارٍ في الظل، وصوته خرج مطمئنًا:

– كل ما أمرتَ به قد تمّ تنفيذه يا سيدي.

لم يرفع مالك عينيه نحوه، اكتفى بحركةٍ خاطفة من يده، كأنها سيفٌ يقطع الكلام من جذوره، إشارةً قاطعة بأنه لا يريد أن يسمع حرفًا آخر، تراجع حمزة خطوة إلى الوراء، طأطأ رأسه في صمت، أما مالك فقد واصل مسيره كعاصفةٍ لا يوقفها شيء..

بلغ باب غرفته ففتحه بحدة، ثم أغلقه خلفه كمن يضع سدًّا بينه وبين العالم أجمع، تقدم ببطء نحو الزجاج الفاصل، ذاك الجدار الشفاف الذي كشف له ما أراد وما لم يُرد..

وقف هناك، والظلال تلتف حوله، والضوء المنبعث من الغرفة الأخرى يرسم ملامحها المرهقة..

رآها مطروحة على السرير، كتفاها يرتجفان تحت ثقل الانهيار، ويد أخيها تمسّد شعرها محاولًا أن يواسيها، الصورة انغرست في صدره كخنجرٍ مسموم، أحسّ أنه غريب في مملكته، كأن الجدار بينهما لم يكن زجاجًا وحسب، بل جدارًا من عجزٍ مطبق، حاجزًا لا يُكسر مهما حاول تحطيمه بكل ما يملك من عشقٍ لها..

مدّ كفّه ليلمس السطح البارد، وكأن دفء أصابعه قد يستطيع أن يعبر إلى هناك، لكنه لم يجد سوى برودةٍ تلسع جلده، عيناه التمعتا بنارٍ لا تجد سبيلًا للخروج، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطّعة، كمن يوشك أن ينفجر..

مزيجٌ غريب كان يعتصره و حنينٌ يصرخ في داخله، وغضبٌ لا يهدأ، وحبٌ يوشك أن يتحول إلى لعنة، أراد أن يحطّم الزجاج ليقتحم عليها وحدتها، لكنه تراجع، يداه ترتجفان، وعيناه تفضحان قلة حيلته..

كان ملكًا لا يهاب عروش الأرض، لكنه أمام دمعةٍ منها صار أسيرًا، عاجزًا، لا يملك إلا أن يراقبها من بعيد..

وفي تلك اللحظة، أحسّ أنه لم يكن سوى ظلٍّ لرجلٍ كان يومًا صلبًا، وأن كل قوته تهاوت أمام امرأة واحدة لا تريد أن ترى قلبه كما هو، بل كما صوّرته مخاوفها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status