LOGINالهواء كان يملأ أروقة القصر كأنه يحمل ثِقل اللحظة، ومالك يتقدم بخطوات واثقة رغم الهدوء القاتل الذي يغمر المكان، السجاد الفاخر تحت قدميه لا يصدر صوتًا لكنهُ شعر بصداه في قلبه، كان هاتفه في يده اليمنى أنامله تحيط به بحذر كأنه يزن الكلمات التي عليه قولها قبل أن يبدأ المكالمة، ضغط على اسم معاذ ثم قرّب الهاتف إلى أذنه..
رن الهاتف مرتين قبل أن يأتي صوت معاذ على الطرف الآخر مليئًا بقلق واضح:
– مرحبًا يا مالك، هل أفاقت أم ما تزال فاقدة الوعي؟
توقف مالك للحظة يتأمل الباب الكبير أمامه و صوت صرير الأبواب خلفه كان يُضيف رهبة للموقف لكنه رد بنبرة هادئة متعمدة:
• عدتُ للتو من تلك المهمة التي تعرفها، وأظن أنها لم تُفق بعد... أتوقع أنها بحاجة لبعض الوقت لتستعيد وعيها بالكامل.
تنهد معاذ ثم قال بصوت خافت لكنه محمّل بالعتاب متغاضيًا عن سؤاله عن ما حدث مع تجار السلاح هؤلاء:
• ملك لن تسامحك بسهولة على الطريقة التي أخذتها بها، يا مالك.
وانتبه... والدي اضطر للموافقة على ما ستفعله، لكنه يعلم – وأنت تعلم – أن الأمر ليس بهذه البساطة، ولا هي كانت مستعدة في هذا التوقيت.
على الأقل، كان ينبغي أن تترك لها بعض الوقت لتفهم ما هي مُقدمة عليه.
ضحك مالك ضحكة صغيرة لكنها كانت أقرب إلى السخرية من نفسه:
• أعلم، يا معاذ، أنها عنيدة ولن تقتنع بسهولة...
لكنني فعلت ما كان يجب علي فعله،
لو تركت لها حرية الاختيار، ما كانت لتختار أن تأتي معي أصلًا.
تنهد للحظة وهو يثبت حدقتيه على الباب الخشبي ليُردف بثقة وقد ظهر طيف غضبٍ على نظراته:
• كنتُ مستعدًا لمواجهة العالم كلّه وقتها،
أتظنّ أنني كنتُ سأقف متفرجًا بينما ذلك الأحمق يحاول أخذها مني؟!
احمد ربك أنني لم أفقأ عينه وهو يحدّق بها بذلك الشكل الوقح.
صمت معاذ لثوانٍ ثم أضاف بحذر:
• أنت تعلم أنني معك منذ البداية يا مالك، ولستَ مجرد صديق… أنت أخي،
لكن لا تجعل ما فعلته يُفسد كل شيء،
ملك ليست كأي فتاة، وإن شعرت للحظةٍ أنها أسيرة هذا الوضع…
قد ينتهي الأمر بطريقة لا تُرضي أحدًا.
كان مالك قد وصل إلى باب الغرفة التي كانت ملك ترقد فيها، وضع يده على المِقبض لكنه لم يفتحه و بدلاً من ذلك قال بصوت خافت لكنه حازم:
– لستَ بحاجة لأن تشرح لي من تكون، فأنا أعرفها أكثر من أيّ أحد، وكل خطوة أخطوها إنما أفعلها من أجلها، لأنها الوحيدة التي أحببتها… وأنت تعلم ذلك جيدًا، حتى وإن كانت هي لا ترى ذلك الآن.
بدا معاذ أنه يحاول السيطرة على قلقه وهو يقول له بلهجة تحذيرية:
– لن يطول صبر والدي كثيرًا حتى يطمئن عليها، بالكاد استطعنا تهدئة والدتي، وأنا أيضًا لن أتمكن من السيطرة عليهم إذا شعروا أنك غير قادر على احتواء الموقف، ملك أختي… وهي شديدة الحساسية، وأنت بالتأكيد لا تريد رؤيتها مدمّرة.
رفع مالك رأسه كأنه يحاول أن يطرد الأفكار الثقيلة من عقله، تلك الأفكار التي يدفعها صديقه نحوه بأقصى قوة، نظر إلى الساعة في معصمه وهو ينهي معه المحادثة:
– أنا مُسيطر على الوضع بالكامل، فلا تقلق… لقد أفاقت الآن، وسأدخل للاطمئنان عليها، وإن جدّ جديد سأبلغك فورًا.
وقبل أن يتمكن معاذ من الرد، أغلق مالك الهاتف بضغطٍ حاسم.
سريعة على الشاشة ووضع الهاتف في جيبه، ثم أمسك بمقبض الباب وفتحه ببطء...
انتفضت من الفراش بذعرٍ وهي لا تزال راسخة في عالمٍ من الرعب والخوف، لتتوقف أنفاسها على صوت أزيز الباب، شعرت بقدميها ترتعشان رغم محاولاتها للثبات، ورفعت نظرها إلى الباب الخشبي الكبير الذي أطل منه، شامخًا بجسده الفارع وعينيه الثاقبتين اللتين تلمعان بحدةٍ تخترق دفاعاتها، ابتلعت ريقها بصعوبة و قلبها يخفق بقوة وهي تسترجع وجهه ذاته! هذه اللحظة التي لمحت طيفه فيها قبل أن يغشى عليها.
عاد إليها الدوار وكأن الأرض تميد تحت قدميها حتى فقدت توازنها وكادت أن تسقط، لكنه تقدم بخفة وحاصر خصرها بذراع واحدة ورفعها كريشةٍ بلا ثقل ثم وضعها على الفراش برفقٍ وهو يسألها بنبرةٍ هادئة لكنها محملة بسلطة لا يمكن تجاهلها مما زاد من ارتعاشها بين ذراعيه:
– هل أنتِ بخير؟!
حاولت أن تلجم أنفاسها المرتعشة وأخرجت صوتًا واهنًا متقطعًا لكنها أجبرته على الثبات قدر المستطاع:
– من أنت؟! وما الذي تريده مني؟!
جلس بجوارها يريحها على الفراش بهدوء بينما عيناه تلتهب بشوقٍ عميق وكأنه يُعيد إحياء ذكرى اشتاق إليها حدَّ الهوس، فقال بنبرة مفعمةٍ بالغموض:
– هل يُعقل أنكِ لا تذكريني، يا ملاكي؟!
رفعت حاجبيها بدهشة وارتباك وهي تتمتم:
– من أين عرفت هذا الاسم؟!
قطعت دهشتها طرقات قوية على الباب فأجفلت من الصوت، بينما هو تركها واستدار بخطواتٍ ثابتة ليفتح ذلك الباب اللعين ببطء، تناهى إلى مسامعها صوتٌ خشنٌ وجاف يقول:
– زوجاتك وملكات يمينك قد اجتمعن، وينتظرنك في الخارج يا أمير المؤمنين.
لم تسمع ردّه، لكنها رفعت رأسها لترى نظرةً حادةً تبعتها حركة بكفه وبإيماءة مقتضبةٍ للرجل خلف الباب كإشارةٍ خفية أجاب الآخر بانحناءة صغيرة:
– أمرك يا أمير.
أغلق الباب وعاد نحوها عينيه مركزتان عليها بحدة، وتزين وجهه ابتسامة غامضة لا تفهم مغزاها، لكن توترها ازداد وتوجسها اشتدّ وفجأة ثقب أذنيها صوت طلقات نارية متتالية، لم تستطع التحكم بشهقة الرعب التي أفلتتها، لكنه شدها بسرعة إلى أحضانه، ضامًّا إياها بحمايةٍ ثم همس لها بصوت يبعث شيئًا من الطمأنينة رغم كل ما حولها:
– لا ينبغي لزوجة أمير المؤمنين أن تخاف.
لم تستطع ملك أن تحبس اهتزاز جسدها رغم الكلمات التي همس بها في أذنها، كان صوته هادئًا لكن هناك في نبرة حروفه ما يعمق القلق في قلبها وكأن ما يحدث حولهم أكبر بكثير من مجرد طلقات نارية أو حتى تهديدات..
ابتلعت ريقها بصعوبة وعيناها تتنقلان بين ملامح وجهه، تلك التي مازالت تزينها ابتسامة غامضة لم تختفي رغم صوت الطلقات المرعبة، لكن عينيه كانت مشتعلة بشيء آخر، أكان ذلك خوفًا، أم كان يقينًا بما سيحدث؟
"لا ينبغي لزوجة أمير المؤمنين أن تخاف؟"
ترددت كلماته في عقلها لكن الرد لم يكن في كلماتٍ، بل في ارتعاش قلبها الذي ما لبث أن بدأ ينبض بسرعة شديدة كأنه يحاول الهروب من هذا المكان الغريب..
هزت رأسها بحركة خفيفة ونظرت في عينيه على الرغم من أنها كانت لا تعرف تمامًا ماهية ما تشعر به!
كان الوضع كله مربكًا وملتبسًا...
نعم كان أميرًا.. ولكن كيف يُمكِنُها أن تُصدّق تلك الكلمات وأن يكون حقًا كل شيء على ما يرام في هذا العالم المُظلم الذي كانت قد غرقت فيه فجأة وعلى حين غُرة؟
هل هي حقًا زوجته؟! كيف ومتى؟! بل الحقيقة أنها مجرد رهينة في لعبة أكبر منها..
شعرت بشيء في قلبها يتغير فجأة وكأن صوت الطلقات النارية يزداد حدّة ويخترق صمت الغرفة الثقيل...
ارتفعت حرارة جسدها بعصبية وحاولت أن تنزع يدها من يده لكنها شعرت وكأن يدها معلقة في الهواء تتأرجح بين الخوف والانزعاج...
ووسط تلك اللحظة التي أحست فيها وكأنها تفقد السيطرة على نفسها تحدثت أخيرًا وصوتها يكاد لا يسمع بسبب ارتجافها بين يديه وعلى صدره:
– مستحيل!
نطقتها بسرعة وبفزع ثم ابتعدت عنه وعادت للخلف وكأنها تحاول بناء حاجز بينها وبينه وهي تُكمل بنبرة أقوى:
– مستحيل أن أكون جزء من لعبة كهذه.
أسرع يده في محاولة للإمساك بها، لكن ملك دفعته عنها وهي تنزل من أعلى الفراش محاولة الثبات في وقفتها و نظرتها حادة في عينيه ووجهها مغطى بالغضب والارتباك..
– اخرج من هنا حالًا..
قالتها وهي تتنفس بصعوبة وعيناها مشتعلة بالغضب وكأنها ترفض أن تكون جزءًا من هذا الظلام الذي يحيط بها ولا تعرف عنه شيء!
ابتعد عنها وعيناه كانت مليئة بالدهشة لكن ملك لم تعطه فرصة للحديث، نظرت له للحظة أخرى وكأنها تُودع كل شيء يخصه وهو يخطو خارج الغرفة ببطء وكأنه لم يكن يتوقع ردة فعله هذه!
أغلقت الباب خلفه بقوة ثم ارتمت جالسة على الفراش وهي تضع يدها على قلبها وهناك شعورٌ مرير يزحف داخلها بأن الأرض تتسحب من تحت قدميها وتهوي بها في مكانٍ سحيق..
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







