تسجيل الدخولتسرّبت خيوط الفجر الأولى من خلال شقوق النوافذ الخشبية، فانسكب ضوئها على بيتٍ متواضع على طرف القرية، بيتٍ يشيخ جدرانهُ لكن يظلله دفء الألفة أكثر مما تحميه الحجارة، في المطبخ الواسع نسبيًا، التفّت الأسرة حول مائدة فطور بدويّ صريح؛ بيض بلدي تفوح رائحته من المقلاة، وجبن قديم تعتق في القِلل حتى اشتدّ طعمه، وسمن صافٍ يلمع بلونه الذهبي في الصحون الصغيرة، وإلى جانبه خبز التنور الساخن وشاي أسود ثقيل يعلوه بخار كثيف..
ساد بينهم هدوءٌ غريب لا يقطعهُ سوى خشخشة الملاعق وصوت ارتشاف خافت، حتى قطع الأب السكون، بصوته الجهوريٌّ العميق، كوقع الطبول في صمت الفجر، وهو يضع كوب الشاي بقوة على الطاولة قائلًا:
— عُسير أقنع آل واقاداب بعروس الدم.
انكسرت السكينة دفعة واحدة؛ بينما اتسعت عين الأم، وقد أفلتت الخبز من يدها ليسقط في الطبق، بينما التوأم تبادلتا نظرات حادة خاطفة؛ ضي شحب وجهها المرتبك، أما تولاي فقد تماسكت، تجاهد لتخفي ارتجافًا داخليًا لا يراه سواها..
تطلعت نحوه ضي بعينيها العذبتين اللتين اعتادتا أن ترسما في الوجود ألحانًا وألوانًا، رفعت وجهها نحو أبيها وقد ارتجف صوتها كوترٍ خافت:
– عروس الدم؟ تعني... يزوّجون بدل ما ياخذون بالثار؟
ارتعشت الكلمات على لسانها كما ترتعش نغمة في هواءٍ راكد..
أمّا تولاي، فكانت جالسة بظهرٍ منتصب كرمحٍ لا ينثني، عيناها تقدحان بريقًا من الحدة، غير أنّ أصابعها التي ضمّتها أسفل المائدة خانتها برجفةٍ خفيفة، كأن وقع الكلمة اخترق صلابتها وأصابها في العمق..
أما والدهم فقد انعكس نور الفجر على قسمات وجهه المرهق، أدار نظره بين وجوههم واحدًا واحدًا، ثم قال ببطءٍ ثقيل، وصوته يهبط على القلوب كالحجارة:
– إي نعم... هذه مشورة عسير، يُزوَّج القاتل من بنات آل واقاداب، وتُزفّ بنات الجعافرة إلى رجالهم، وبذلك يُخمد لهيب الثأر.
ترددت أصداء كلماته في أرجاء المطبخ الخاص بمنزلهم، حتى بدا وكأن الجدران نفسها اختزنت وقعها..
تفجّر التوتر على المائدة الصغيرة، والخبز الساخن والجبنة القديمة والبيض البلدي لم يعد لهم طَعم، وقد أثقل الكلام صدورهم..
وضعت الأم يدها على صدرها وهي تلهث بقلقٍ ظاهر:
– لكن هاذا ظلم للبنات، يطلعن من بيوت أهلهن مكسورات، محرومات من عزّهن!
فيما أطرقت ضي رأسها، وعيناها الحالمة تتراءى فيهما صور بنات يُسقن مثل قطيعٍ إلى مصيرٍ لم يخترنه، كأوتار موسيقى تُجبر على لحنٍ لا يُعزَف برغبتها..
ظلّت تولاي جالسة مشدودة الظهر، أصابعها تتشابك على ركبتيها بإحكام، كأنها تمسك سرًّا لو أفلت لضاع منها كل شيء، بينما يشتعل في صدرها لهيب تعرف وحدها مصدره:
ذاك اللقاء القصير قبل أسابيع مع رئيس مباحث البلدة، حين صادفها في الطريق إلى السوق وتوقّف ليسألها عن همسٍ يجري بين الناس بخصوص مقتل سعدون، عيناه كانتا حادّتين، لكن خلفهما دفء غامض لم تستطع أن تتجاهله. قال لها إنه يريد الحقيقة، وإنه يثق بصدقها هي، وبدافع الخوف والاضطراب، أفلتت منه كلمات قليلة عن ما تعرفه... ثم ندمت، ومنذ تلك اللحظة، صار السر يحترق في صدرها.. أن رجلًا من أهل السلطة يعرف طرفًا من الحقيقة، وأن اسمها قد يُذكر في أية لحظة إن فُضح المستور..
رفع الأب رأسه، ونظر إليها بعينين نافذتين وقال:
– يا تولاي... مالج ساكته؟ ما عندج كلام؟
رفعت عينيها ببطء، وابتسمت ابتسامة ثابتة تُخفي ارتجافة دقيقة في شفتيها، ثم قالت بلهجةٍ واثقة:
– أنا أقول يا بَه... الدم ما ينمحي بزواج، الجرح يظل ينزف لين ما يندمل بالعدل.
حدّقت ضي بأختها بدهشة، كأنها تراها لأول مرة، والإعجاب يرتسم في ملامحها لم تكن تعلم أن وراء هذه الكلمات ثِقل سرّ دفين ينهش قلب أختها كل ليلة..
ارتفعت أصوات الكراسي وهي تُسحب عن المائدة، تلك الفوضى الصباحية المألوفة قبل ذهاب البنات إلى المدرسة، الأم تجمع بقايا الخبز، والأب يشد عباءته ويتهيأ للخروج، بينما التوأم نهضتا معًا..
قالت تولاي بصوتٍ خافت أقرب للهمس، وقد أطرقت رأسها تجاه ضي قليلًا:
– ضي… اسبَقيني إلى المدرسة، لديّ أمر عاجل أقضيه أوّلًا.
توقّفت ضي عند العتبة، رفعت حاجبيها بدهشة:
– أي أمر هذا في مثل هذا الوقت؟
أجابت تولاي بسرعة، وعيناها تفرّان بعيدًا:
– أمر بسيط… لا تقلقي.
لم يزدها هذا إلا ريبة، لكنها ابتسمت ابتسامةً مُرغَمة، ثم هزّت رأسها وغادرت..
خطتا الشقيقتين انطلقتا معًا في باحة البيت، ثم افترقتا عند أول الطريق، نسمة الصباح مرّت على شعر ضي الطويل الناعم الذي انسدل على ظهرها خيطًا من ضوء، بينما تولاي بخطوات ثابتة رفعت طرف شَعرها الغجري الأسود الكثيف، كما لو أن الليل نفسه ينساب معها أينما مشت..
في تلك اللحظة، كان الطريق يُفَرِّق جسدين متشابهين في الملامح، لكنه يُخفي سرًّا آخذًا في الاتساع بين قلبين لم يعرفا يومًا الفُرقة..
كانت تولاي تسير بخطى سريعة على الطريق البعيد عن الأنظار، تحمل هاتفها بيدٍ متوترة، كل بضع لحظات يضيء برسالة جديدة تزيدها ضيقًا، ملامحها الحادة التي اعتادت السيطرة انكسرت قليلًا، وفي عينيها غضبٌ متقد، ليس على الرجل الذي يصرّ على لقائها فحسب، بل على نفسها لأنها لم تستطع تجاهل رسائله..
وقفت عند حافة بستان قديم، يحيطه صمت الصباح، وقد تساقط الندى من على الأعشاب بهدوءٍ رتيب حتى اهتز الهاتف مرة أخرى في يدها:
" لقد رأيتك الأن"
تنفست بحدة، ورفعت رأسها لترى ظلًا يقترب بخطوات واثقة، كان هو، رئيس المباحث "فارس الجداوي" يحمل في عينيه ثبات رجلٍ اعتاد مواجهة الحقائق مهما اشتدت..
قالت وهي تشد قبضتها على الهاتف:
– لماذا تصرّ على ملاحقتي؟ قلت لك إنني لا أريد التورط في ما لا يعنيني!
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكن صوته كان جادًا:
– بل يعنيك أكثر من أي أحد يا تولاي… أنتِ تعرفين أن ما يُحاك في الظل لا يخصّ العائلات وحدها، بل
سيجر معه تلك البلدة بأكملها وإن سكتِّ، ستجرّك العواقب معهم.
ارتجفت شفتاها لحظة قبل أن تجيب بحدةٍ متكسّرة:
– الحقيقة التي تريدها ستكسرني إن خرجت من فمي! فلتتركني وشأني، قبل أن أصبح أنا الضحية!
تبادل كلاهما نظراتٍ صامتة، والجو من حولهما بدا أثقل من أن يُحتمل؛ حتى أصوات العصافير التي اعتادت أن تملأ البستان في ذلك الوقت خفتت، وكأنها انسحبت أمام صراعٍ أكبر من قدرتها على الشهادة..
مدّ فارس يده إلى جيبه وأخرج سيجارة، لكنه لم يشعلها، تركها بين أصابعه وهو يطالع تولاي بنظرةٍ طويلة امتزج فيها الجدّ بالشيء الذي حاول طويلًا أن يخفيه، قال بصوتٍ منخفض، فيه رفق غير معتاد:
– أنا لن أضغط عليكِ أكثر من هذا يا تولاي... لكن إن قررتِ يومًا أن تشهدي بالحقيقة، فستكونين قد صنعتِ معروفًا عظيمًا لي... ولي وحدي قبل أن يكون للقضية.
أطرقت تولاي رأسها، وهناك شعورٌ غامض اجتاحها وهي تسمع نبرة مختلفة في صوته، ليست نبرة التحقيق، ولا نبرة الشرطي الذي يفتش عن خيوط جريمة..
تابع وهو يزفر ببطء، يشيح بوجهه للحظة كأنه يخجل من اعترافٍ يوشك أن ينفلت من بين شفتيه:
– أتعلمين؟ إصراري على لقياكِ... لم يكن من أجل دمٍ سُفك، ولا من أجل ملفٍ في درج مكتبي، الأمر أبسط من ذلك... وأعقد.. كل مرة أراكِ فيها، أجد نفسي أهدأ، كأن ضجيج الدنيا يخفّ.
رفعت تولاي عينيها نحوه بتردد، وقلبها يخفق أسرع مما تود، تحاول أن تحافظ على صلابتها المعهودة، لكن لمحة الارتباك مرّت في نظرتها كطيفٍ عابر..
هو ابتسم ابتسامة صغيرة، لم تخلُ من مرارة، ثم قال:
– يكفيني أن تعرفي هذا... سواء حملتِ السر أو أفصحتِ به، أنا لن أرى فيكِ شاهدة فحسب، بل شيئًا أبعد.
شعرت تولاي بحرارةٍ تصعد إلى وجهها، وارتبكت من أن تبقى أكثر ذلك، فخطت خطوتين بعيدًا عنه دون أن تجرؤ على النظر في عينيه، وقد كانت خطواتها تسبق تفكيرها، لكنها توقفت فجأة، كأن شيئًا ما جرّها للوراء..
استدارت نصف استدارة، ولم ترفع بصرها إليه كاملًا، وقد جاء صوتها خفيضًا، متماسكًا قدر ما استطاعت:
– لقد تحسّن مستور ابنتك في الدراسة وصارت تكتب بشكل أفضل، وتقرأ أسرع… فلا تقلق عليها.
ثم عادت وأكملت انسحابها بخطواتٍ سريعة، تاركة خلفها فارس يقف وحده ويبتسم ابتسامة غامضة، وكأن تلك الكلمات البسيطة كانت عنده أثمن من أي اعتراف..
خرجت تولاي من المكان مسرعة، لكن خطواتها هذه المرة لم تكن مثقلة كما قبل، بل كانت خفيفة تحمل في طياتها رجفة سرية لا تراها العيون، السعادة كانت تتسرب في صدرها كنسمة فجرٍ باردة، تضيء وجهها بابتسامةٍ صغيرة لم تستطع كبحها..
وفي الطريق إلى المدرسة، بينما كان تراقب ظلها يمتد على الأرض، غمرتها ذكرى لقائهما الأول... ذاك اليوم حين دخل الضابط أبواب المدرسة بخطواتٍ واثقة، يسأل عن مستوى ابنته، وقد جمع المدرّسين في مكتب مدير المدرسة وكان هو بينهم جادًا، عينيه تلمعان بقلق أبٍ لا يعرف كيف يقترب من طفلته، جلست تولاي وقتها تشرح له أن الصغيرة تعاني في الكتابة بالعربية لأنها اعتادت لغة أخرى، وأنها ستوليها عناية خاصة، يومها أوصاها عليها كمن يسلّمها وديعة، وقال بلهجةٍ صادقة أثرت فيها:
– أنا لا أملك في حياتي سواها.
وفي تلك اللحظة لم تستطع أن تمنع نفسها من سؤاله:
– ووالدتها؟
أجاب بصوتٍ منخفض، يحمل غصة دفينة:
– انفصلنا… وقد تركتها لدي عقابًا لي.
تذكرت تولاي كيف ارتجف قلبها يومها، ليس شفقة على الطفلة وحدها، بل على رجلٍ يحمل وجعًا في عينيه ويخفيه خلف صلابةٍ مصطنعة، ومنذ ذلك اليوم، لم يغادر الإعجاب مكانه في قلبها، وإن حاولت أن تنكره..
دخلت تولاي المدرسة بخطواتٍ متسارعة، تخفي في صدرها اضطرابًا لم يزل يلاحقها منذ لقائها الخاطف به، ليتكرر ذلك اللقاء عدة مرات قبل أن تحدث جريمتي القتل الذي جعله يحاول أن يفهم ما يجري في تلك البلدة الغريبة الذي جاءها منذ وقتٍ قصير..
ما إن عبرت تولاي البوابة وهي شاردة حتى اعترضتها ضي، واقفة أمامها بذراعين متشابكتين، وعينيها الواسعتين تلمعان بحدةٍ وقلق..
قالت ضي بصوتٍ حاد لكنه ممتزج بالعتاب:
– "ين كنتِ يا تولاي؟ سبقتك منذ وقتٍ طويل، وأنتِ لم تصلي إلا الآن.
توقفت تولاي، حاولت أن تخفي ارتباكها بابتسامةٍ خاطفة، وأجابت وهي تصلح خصلةً من شعرها:
– أتظنين أنني تأخرت بلا سبب؟
لم تُحوّل ضي نظرها عنها، بل رفعت حاجبها وكأنها تنقب عمّا تخفيه وهي تقول لها:
– لا أظن… بل أعلم جيدًا أنكِ هربِ مني في الصبح لسببٍ هام، وللعجب فإن ملامحك تقول أكثر مما تحاولين إخفاءه.
ارتبكت تولاي للحظة، ثم تماسكت وردّت بنبرةٍ ثابتة:
– ضي، لا تُكثري من الأسئلة، ليس كل ما في القلب يصلح أن يُقال، هيا بنا فأنا لدي حصة هامة الأن.
لكن ضي، وهي تتبع أختها بخطواتٍ بطيئة، شعرت أنه قد ارتفع بينهما حاجز جديد.. خفيّ لكنه حاضر… وهناك سرّ ثقيل بدأ يفصلها عن نصفها الآخر.
ـــــــــــــــــــــــــ
ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…
كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا
كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق
استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل
وعلى الجانب الأخر كان حمزة يسير في ممرّ الدور الأول محاولًا أن يستعيد هدوءه بعد اللقاء المربك مع مالك، خطواته كانت متردّدة كأن الأرض صارت أثقل من أن يحملها جسده، وفجأة، يدٌ باردة امتدّت من الظلام، وقبضت على معصمه بقوةٍ مباغتة، فشهق بفزع، ودار بوجهه ليجد فريدة تجرّه خلفها كصيّادةٍ تسحب فريستها..فتح فمه محتجًّا، وصوته خرج متقطّعًا وهو يقاوم قبضتها:– ما الذي تفعلينه؟! أأصبتِ بالجنون؟! مالك… مالك في حجرته! سيشعر بنا يا مجنونة.لكنها لم تلتفت إلى اعتراضه، عيناها تتوهجان ببريقٍ غامض، وابتسامةٌ متشفّية تتلوّى على شفتيها، دفعت الباب الصغير لغرفتها بقوة، وأدخلته معها، ثم أوصدته خلفهما ببطءٍ متعمَّد، كأنها تُحكم فخًّا لن ينجو منه..اقتربت منه بخطواتٍ محسوبة، كتفاها يهتزّان بضحكةٍ مكتومة، ثم قالت بصوتٍ يقطر مكرًا:– لا تخشَ شيئًا… لن يحسّ بشئ على الأقل ليس الآن، يكفيه ما فعلته تلك البائسة التي جلبها إلى هذا القصر… لقد مزّقت صلابته وأفقدته اتزانه.جفّ حلق حمزة، وعيناه تراقبانها في ريبةٍ مشوبة بالرعب، وهو يقول لها بصوتٍ حاد:– ماذا تقصدين؟! ماذا فعلتِ؟!ضحكت ضحكة قصيرة، ثم أمالت رأسها جانبًا، تن
تململ مالك بجسده وهو لا يريد منها أن تبتعد عنه بأي ثمن، كانت حدقتاه تشتعلان غضبًا مكتومًا، كمن انتُزع من لحظة خلاصٍ كان على بُعد أنفاسٍ منها، الطرق تكرر مرةً أخرى، أكثر إصرارًا، كأن القادم خلف الباب لن يرحل قبل أن يحطّم كل جدارٍ بينه وبين الداخل..كانت أنفاسهما تتقاطع في صمتٍ متوتر، واللحظة التي كانت على وشك أن تكشف المستور تبعثرت وتلاشت كحلمٍ استيقظ صاحبه قبل اكتماله...قام مالك من الفراش واندفع نحو الباب بخطواتٍ كانت تُحدث صدىً في صدر الأرض من تحته، قبضته انعقدت على المقبض بقوةٍ تنذر بالانفجار، وما إن فتح حتى بدا كأن الباب يُنتزع من مفاصله لا يُفتح فحسب..في العتبة ظهر معاذ، وجهه محمّل بارتباكٍ وقلق، عيناه لا تكفان عن المسير بين أخته التي وقفت مذعورة وزوجها الذي يتأجج غضبًا..قال معاذ بصوتٍ متقطعٍ يسبق أنفاسه:- ملك… هل أنت بخير؟لم ينتظر ردًّا، بل اندفع إلى الداخل كما يندفع منقذٌ إلى بيتٍ يشتعل، وأطبق ذراعيه على أخته، جاذبًا إياها إلى صدره، تمايل جسدها المرتجف بين ذراعيه كغصنٍ هشٍّ نالته الريح، فيما كانت عيناها تائهتين، لا تعرفان إلى أي وجهٍ تستقران: وجه أخٍ جاء مسرعًا يحمل القلق ف







