Se connecterحاول أن يسيطر على الغليان داخله، وكتم غيظه بصعوبة، ثم قال بنبرة مشحونة لكنها ثابتة:
• حسنًا... أنا في طريقي الآن، وسأحاول فهم ما يحدث بنفسي، لكن إن تبيّن أن هناك أمرًا غير صحيح... لا أعلم ما الذي قد أفعله حينها.
رد معاذ بسرعة وبحسم:
• سأكون بانتظارك لتطمئنني، ولا تنسَ أن تخبرني بما فعلت في رحلتك.
شد مالك ذراعيه على عجلة القيادة وانطلق وعينيه مثبتة على الطريق الذي يمتد أمامه في الظلام، كانت الساعة متأخرة، وطائرته تنتظره في مقرها لتقله إلى قصره، ولكن بينما كان يقود السيارة باتجاه الطائرة كانت الأسئلة تتراكم في ذهنه، وكلما زادت كثافة هذه الأسئلة كانت الإجابات تهرب منه، وكأنها تتلاشى بعيدًا عن متناول يده....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
كان حمزة يقف أمام الباب، يديه ترتجفان بخوفٍ داخلي رغم مظهره الهادئ، الجو كان قارسًا والظلام يعم المكان بطريقة مشؤومة، شعر بشيء ثقيل يضغط على صدره بينما كانت عيونه تتنقل بين جدران الممر الضيق كأنه يترقب خيوط الحياة التي تقف عند هذه اللحظة الحاسمة، الطرقات على الباب كانت بطيئة كما لو أن كل دقة تنبض في قلبه، وقبل أن يترجم صوته إلى كلمات انفتح الباب فجأة وبسرعة..
ظهرت فريدة أمامه وحين نظر إليها شعر وكأن قلبه توقف عن الخفقان، كانت ملامحها ساحرة، الضوء الخافت الذي ينبعث من داخل الغرفة يسلط ظلالًا خفيفة على وجهها، فيما كانت عيونها تلمع بحيرةٍ مُتعمَّدة، تلك التي يعرفها جيدًا والتي كانت تنبض فيها أسئلة لا ينتهي الشك بها، ابتسمت له ابتسامة هادئة لكنها تحمل وراءها الكثير مما لا يستطيع فك شفرته في لحظة واحدة...
– حمزة.. أخيرًا تقابلنا؟!
قالت بلهجة مريحة لكنها خافتة، كأنها تبتسم لنفسها أو كأنها تعرف أن هذه اللحظة هي ما سعت إليه طويلاً..
ظل حمزة واقفًا للحظة، ممسكًا بمقابض قلبه الذي بدأ يتسارع في ضجيجٍ غير مفهوم، لم يستطع منع نفسه من الانجذاب إلى تلك الابتسامة التي كانت تذيب كل مخاوفه، كأنها تحترق له في وسط ظلمة مشاعره:
• هل كنتِ تريدينني يا فريدة؟
همس بكلمات تبدو ثقيلة في فمه وهو يحاول الحفاظ على هدوءه، رغم أن عينيه كانتا تتأملان تفاصيل وجهها الذي يزداد قربًا إليه.
فتحت فريدة الباب بشكل أوسع ودعته للدخول بحركة ناعمة لا يخطئها فَطِن، كان صوتها هادئًا كأنها تفتح له دربًا من النور في مكان ضيق مُعتم:
• تفضل... أميرنا ليس هنا، ولا شيء يمنعنا من الحديث سويًا.
دخل حمزة بخطوات ثقيلة وعينيه ما زالت تراقبها في توترٍ واضح، رغم اتساع المكان لكنه غريبًا في هدوئه، الضوء الخافت يتبعثر من المصابيح المتناثرة حول المكان، والجو مشبع بشيء من الصمت المطبق، لم تتركه فريدة يفكر كثيرًا، نظرت فريدة نحو الطرقة الطويلة يمينًا ويسارًا حتى تأكدت أن لا أحدًا شاهد حمزة عند بابها ثم أغلقت الباب خلفه بهدوء، تقدمت نحوه بخطواتها التي كانت تسير ببطء، ولكن كل خطوة كانت تكتسب وزنًا وثقلًا في نفسه...
اقتربت منه حتى أصبح وجهها أمام وجهه بمسافة قصيرة، بينما كانت عينيها تتأملان ملامحه كما لو كانت تدرس كل تفصيله فيه:
– أردتُ رؤيتك لأعترف لك بشيء يا حمزة.
قالت بصوتها الذي بدأ يتحول إلى همسات أكثر سحرًا، يدها تداعب طرف قميصه بلطفٍ كأنها تلمس قلبه مباشرة...
شعر حمزة بشيء غريب في صدره، خليط من الارتباك والفضول لكن الكلمات التي خرجت من فم فريدة كانت كالعاصفة تجتاحه دون أن يملك خيارًا في مواجهتها:
– لم أعد أنام أو آكل، لم أعد أستطيع أن أكون مع غيرك… لكن مالك… مالك قد يقتلني إن علم، ومع ذلك لا يهمني، كل ما أريده هو أن أكون لك أنت وحدك.
كان حديثها مغلفًا بحنانٍ زائف، مملوءًا بمكرٍ غير ظاهر، شعر حمزة بشيء يضغط على قلبه، لم يستطع منع نفسه من الانجذاب إليها، كان يعشق تفاصيلها الصغيرة، لكن هناك شيء غامض في نبرتها جعله يشعر بشيء غير طبيعي فهمس وصوته مليء بالحيرة:
– ما الذي تقولينه يا فريدة؟! أتعين ما تفعلين؟
لم تجبه فريدة بل اقتربت أكثر، ووضعت يدها على صدره بل مباشرة على قلبه وكأنها تفرض عليه أن يشعر بضرباته:
– أقول لك يا حمزة إنني أحبك، ومن هذه اللحظة، لا شيء سيمنعني من أن أكون معك.
بدأ يشعر بشيء يتغير بداخله، شيء غير قادر على تفسيره، لكنه في نفس اللحظة شعر بأن فريدة كانت تقوده نحو هاوية كان يجهل ملامحها، تحركت يدها على وجهه وانتقلت تلعب في خصلات شعره بلطفٍ وكأنها تزرع بذور شك في قلبه، لكن في ذات الوقت لا يستطيع أن ينكر الارتياح الغريب الذي شعر به، كما لو أن كل شيء في هذه اللحظة كان يتحدث إليه..
– وأنا أيضًا أحبك منذ زمن، لكن لا أدري يا فريدة ما الذي يمكننا فعله لنكون معًا.
ثم همس بصوت خافتًا ولكن رغبته في فهم هذا الانجذاب الذي يشعر به كانت أكبر من أي شيء:
- ما نفعله الآن خطأ… أليس كذلك؟
ابتسمت فريدة ابتسامة غامضة، كانت نصف خبيثة، ونصف ناعمة وهي تؤكد له بلهفة:
وما الخطأ في ذلك؟! أنت لا تفهم يا حمزة!
أقول لك إنني أحبك… لكن إن كنت تخشى مالك ولا تقدر على أن تكون معي، فعليك أن تختار فورًا.
قالت هذه الكلمات بهدوء وفي عينيها بريق غريب كأنها تبتسم بفوز لا يزال بعيدًا...
شعر حمزة أنه يغرق أكثر في تلك العيون المضيئة، كان قلبه يضخ دماءه بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وكل جزء في عقله كان يصرخ محذرًا، لكنه في نفس اللحظة كان يشعر أنه لا يستطيع مقاومة تلك الكلمات، تلك النظرات، ذلك العالم الذي بدأت فريدة تخلقه له، عالم من الوعود والمخاطر التي لا يمكنه الهروب منها بل سيسعى جاهدًا لامتلاك هذا الجسد الذي يتوق إليه حد الموت..
لم تكتفِ فريدة فقط بالحديث عن نفسها، بل كانت تعي تمامًا كيفية استغلال اللحظة لصالحها، ابتسمت ابتسامة شبه ساخرة ورفعت حاجبها كأنها تعرف كل شيء، بل وكأنها تستطيع قراءة أفكار حمزة وهو يقف أمامها مشوشًا..
– حمزة، أريد أن أفهم أمرًا، أنت بالتأكيد تعلم ماذا يجري مع مالك، أليس كذلك؟
قالت بصوتها الهادئ لكنها كانت تراقب كل حركة فيه عن كثب:
– من هذه الفتاة التي سيطرت على مالك بهذا الشكل؟ وكيف دخلت غرفته؟
كانت كلماتها تشق طريقها داخل عقله وكأنها تلعب على أوتار قلبه ثم تجرجره في دوامة من الأسئلة لا يقدر على الهروب منها، كانت عيونها تلمع بحذر لكن نبرة صوتها كانت تحمل حدةً مختبئة وراء هدوء ظاهر، خطوة واحدة دنت بها منه ثم سحبت كفيها الأثنان برقة غير متوقعة وضعتها على صدرها كأنها تقول له بصمت:
"أنت في قبضتي الآن."
تردد حمزة للحظة وقد شعر بتلك اللمسة على صدره وكأنها تخترق قلبه مباشرة، كانت يديها ناعمتين بشكل يثير التوتر في عروقه لكن عقله كان مشغولًا بالأسئلة التي بدأت تتراكم داخله، هل هو يواجه هنا تحديًا أكبر مما يظن؟ هل كانت فريدة تسعى للوصول إلى شيء أكبر من مجرد كلماتٍ عابرة؟
سألته فريدة وعينيها تراقبان شفتيه بشغف وكأن كل كلمة منه هي المفتاح لحل اللغز الذي تلاحقه:
– أسألك لكي أخبرك أن مالك لم يعد واعياً لنا، وكأنه لم يعد يهتم بأي شيء، ولا حتي بي.
اقتربت منه أكثر خطواتها كانت بطيئة لكنها كانت تجعل المسافة بينهما تتناقص بطريقة غريبة، كل خطوة كانت تقربه إليها أكثر وكأنها كانت تضعه في دائرة لا مفر منها...
بدأ يشعر بشيء غريب يسري في عروقه، حاول أن يُمسك بأعصابه حتى لا يقع بها وتنتهي حياته على يد سيده، لكنه كان غارقًا في تأثيرها، كانت نظراتها حادة، وتحركاتها مدروسة وهو يقول لها:
– لا شيء واضح حتى الآن يا فريدة، لكن مالك تغير وهناك أمور غير طبيعية تحدث معه، ومن الواضح أن ملك لها مكانة خاصة عنده.
همس بكلماتٍ متقطعة بينما كانت يدها تداعب ذراعه بحركة خفيفة وكأنها تأخذ منه ما تحتاجه شيئًا فشيئًا...
لكن فريدة لم تُظهر أي علامة على التوقف، و بدلاً من ذلك أخذت خطوة أخرى إلى الأمام واقتربت منه أكثر تدفعه نحو نقطة لا يمكنه الرجوع منها:
– اشرح لي، ماذا تعني بالتحديد؟ ما هي التغييرات التي طرأت عليه؟ وكيف تكون ملك ذات مكانة خاصة لديه؟
قالت بصوت مغرٍ يخرج من بين شفتيها كأنها تسحب منه الكلمات واحدة تلو الأخرى...
لم يجيبها وحاول التمسك بالقليل من الثبات قبل أن يفقد عقله معها..
و فجأة غيرت فريدة أسلوبها فابتسمت ابتسامة خفيفة ثم أمسكت بيده ووضعتها على خصرها برفق قائلة:
– يا حمزة، لا أريد منك سوى أمرٍ واحد فقط.
همست وعينيها تتأملان وجهه عن كثب:
– أريدك أن تخبرني بكل شيء عن مالك وملك، ما سرها؟ كيف دخلت حياته بهذا الشكل؟ وعندها سأجد ثغرة يمكننا من خلالها أن نجتمع معًا.
كانت تجره معها دون أن تترك له مجالًا للرفض، تتحرك برشاقة ونعومة وعينيها لا تفارقان عينيه، تلتقطان كل بادرةٍ صغيرة وكل تلميح يظهر على وجهه، كانت تريد أن تعرف كل شيء وكل كلمة كانت تقال تُشعره أنه ليس في وضع السيطرة بل في وضع الانجذاب والميل...
شعر حمزة بأن كل شيء حوله يبدأ بالتلاشي، تلك اللمسات التي لم يكن يتوقعها، تلك النبرات التي كانت تحرك في قلبه مشاعر معقدة، كانت تأخذه إلى نقطة اللاعودة...
بدأ عقله يراوغ وكل تلك الأسئلة حول مالك وملك أصبحت ضبابية في ذهنه، بينما كان كل شيء آخر يتضح أكثر فأكثر:
– لا أستطيع أن أفشي أي معلومة عنهما يا فريدة، وإلا...
همس بألم لكن فريدة لم تتركه يُكمل بل التصقت به بشكل غير متوقع، ثم ألقت بذراعيها حوله وضغطت جسمها عليه برقة مشبعة بالألم الخفي كأنها تهمس في أذنه:
– لا تخف يا حمزة، أنا التي تحبك وسأظل مخلصة لك، وحافظة أسرارك، وأريد فقط أن أعرف كل شيء لأكون إلى جانبك وأكون لك وحدك.
كانت كل كلمة منها تحمل معها مغناطيسًا جذابًا، وكل لمسة تجعل عقله يغرق أكثر في الظلام، بينما هي تتلاعب به وهو في قبضتها بالكامل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته