Masukلم تنم رهف تلك الليلة.
رغم أن الساعة تجاوزت الثالثة فجرًا، كانت ما تزال جالسة فوق سريرها، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحدق في الظلام. كلما أغمضت عينيها، عاد إليها نفس المشهد. نفس النظرة. نفس الصوت. ونفس السؤال. "إنتي ليكي علاقة بالرسائل دي." لم يكن اتهامًا. ولم يكن سؤالًا عاديًا. كان أشبه بيقين خرج من فم شخص لا يعرفها. وهذا أكثر ما أخافها. كيف استطاع أن يشعر بذلك؟ كيف نظر إليها وكأنه يرى ما تحاول إخفاءه منذ سنوات؟ أغلقت عينيها بقوة. لكن الصورة لم تختفِ. بل ازدادت وضوحًا. آدم. الرجل الذي لم تره من قبل. والذي شعرت للحظة غريبة أنه يعرفها أكثر مما يجب. تنهدت بضيق. ثم مدت يدها نحو الدفتر الأسود الموضوع فوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير. ترددت لثوانٍ. قبل أن تفتحه ببطء. كانت آخر صفحة كتبت فيها قبل أسابيع. كلمات غير مرتبة. سطور متقطعة. وأفكار كتبتها في ليلة سيئة. مرت أصابعها فوق الحبر وكأنها تلمس ذكرى قديمة. ثم همست: – ليه حاسة إن كل حاجة بتخرج من إيدي؟ لم يجبها أحد. كالعادة. لكن هذه المرة كان الصمت أثقل من أي وقت مضى. في الجهة الأخرى من المدينة... كان آدم يقف أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف في شقته. المدينة أسفل قدميه كانت مستيقظة رغم الوقت المتأخر. أضواء السيارات. إشارات المرور. مبانٍ لا تنام. لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا. على وجه فتاة دخلت غرفة الاجتماعات دون أن تقول شيئًا. فتاة بدا عليها الارتباك أكثر من الذنب. والخوف أكثر من الكذب. وذلك تحديدًا ما جعله غير قادر على تجاهلها. لو كانت تخفي شيئًا... فهي لا تعرف كيف تخفيه جيدًا. جلس على الأريكة. أمسك هاتفه. ثم فتح الملف الذي جمع فيه ملاحظاته خلال الأيام الماضية. رسائل لم تُرسل الكاتب مجهول. نادين تخفي معلومات. هناك شخص آخر خلف النصوص. رهف مرتبكة بشكل غير طبيعي. توقف عند الاسم الأخير. رهف. لم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا. لكن إحساسًا داخله أخبره أن الخيط الحقيقي يبدأ منها. أغلق الهاتف. وحاول إقناع نفسه أن الأمر مجرد فضول. لكنه كان يعرف أنه يكذب. منذ فترة طويلة لم يهتم بشخص أو بشيء إلى هذه الدرجة. ومنذ فترة أطول لم يشعر أن هناك لغزًا يستحق أن يلاحقه. في صباح اليوم التالي... وصلت رهف إلى دار النشر مبكرًا. أبكر من الجميع تقريبًا. كانت تحتاج بعض الهدوء. بعض الوقت لترتب أفكارها. لكن بمجرد دخولها المبنى شعرت أن شيئًا تغير. الأنظار. الهمسات. الوجوه. كل شيء. كأن وجودها أصبح ملحوظًا أكثر من المعتاد. تجاهلت الأمر. وتابعت طريقها نحو مكتبها. لكن قبل أن تصل... سمعت صوتًا يناديها. – رهف. التفتت. كانت نادين. تبدو مرهقة. وتحت عينيها دوائر داكنة لم تكن موجودة قبل أيام. اقتربت منها رهف. – مالك؟ ابتسمت نادين ابتسامة باهتة. – مفيش. رفعت رهف حاجبها. – دي أكتر كلمة كدابة في التاريخ. ضحكت نادين بخفة. لكن الضحكة لم تصل لعينيها. ثم قالت: – محتاجين نتكلم. شعرت رهف بانقباض داخل صدرها. – عن إيه؟ – فوق. في المكتب. بعد دقائق... كانت الاثنتان جالستين داخل مكتب نادين. أغلقت الأخيرة الباب. ثم ظلت صامتة لعدة ثوانٍ. وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة. أخيرًا قالت: – آدم بدأ يدور ورا الرسائل بشكل جدي. رهف لم تفاجأ. لسبب ما كانت تتوقع ذلك. – وبعدين؟ – وبعدين إنه مش هيسكت. – وإنتِ خايفة من إيه؟ نظرت نادين إليها مباشرة. – خايفة يوصل ليكي. ساد الصمت. لثوانٍ طويلة. قبل أن تضحك رهف بسخرية. – وأنا ليه أخاف؟ – لأنك مش مستعدة. اختفت الابتسامة من وجه رهف. – مستعدة لإيه؟ لكن نادين لم تجب. بل أبعدت نظرها. وهنا فقط... بدأ القلق الحقيقي يتسلل إلى قلب رهف. في نفس الوقت... كان آدم يجلس داخل مكتبه. وأمامه ملف جديد. ملف يحمل اسمًا واحدًا فقط. رهف. وصلته بعض المعلومات البسيطة. العمر. الدراسة. مكان العمل. لا شيء مميز. ولا شيء يفسر ما يشعر به. لكن هناك صورة شخصية صغيرة مرفقة بالملف. نفس الوجه الذي رآه بالأمس. نظر إليها طويلًا. ثم تنهد. شيء ما لم يكن منطقيًا. لو كانت هي الكاتبة... فلماذا بدت خائفة؟ ولماذا تصرفت وكأنها لا تعرف شيئًا؟ أما إذا لم تكن الكاتبة... فلماذا شعرت نادين بالتوتر لحظة دخولها؟ أغلق الملف. ثم نهض من مكانه. هناك شيء ناقص. قطعة مفقودة من الصورة. وعليه أن يجدها. عند الظهيرة... كانت رهف تجلس وحدها في الكافتيريا الصغيرة الخاصة بالدار. تحاول التركيز في شاشة اللابتوب أمامها. لكنها لم تكتب حرفًا واحدًا منذ أكثر من نصف ساعة. كل أفكارها كانت تدور حول نفس الشيء. آدم. واللقاء القصير. وكلام نادين. ثم فجأة... وضع أحدهم كوب قهوة على الطاولة أمامها. رفعت رأسها باستغراب. لتتجمد في مكانها. آدم. وقف أمامها بهدوء. يرتدي قميصًا أسود بسيطًا. ونفس النظرة الثابتة التي أربكتها بالأمس. قال: – أعتقد إنك محتاجة القهوة دي أكتر مني. لثانية كاملة... نسيت رهف كيف تتكلم. تجمدت رهف للحظات وهي تنظر إلى كوب القهوة. ثم رفعت عينيها ببطء نحو آدم. لم تكن تتوقع أن تراه مرة أخرى بهذه السرعة. ولا أن يقف أمامها بهذه البساطة وكأن لقاء الأمس لم يكن مليئًا بالتوتر والأسئلة. قالت أخيرًا: – شكرًا. جلس آدم على الكرسي المقابل دون أن يطلب الإذن. لكن طريقته لم تكن مستفزة. بل هادئة على نحو غريب. كأنه اعتاد أن يجلس أمام الناس ويقرأ ما لا يقولونه. ساد صمت قصير. قطعه آدم: – واضح إنك مش مرتاحة. عقدت رهف حاجبيها. – حضرتك تعرفني من إمتى عشان تحكم إني مرتاحة أو لا؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على طرف فمه. – من امبارح. – يوم كامل يعني؟ – أحيانًا ساعة واحدة بتكون كفاية. شعرت رهف بالضيق. ليس من كلامه. بل من إحساسها أنه يلاحظ أشياء تحاول إخفاءها. أمسكت الكوب بين يديها. وقالت: – حضرتك دايمًا بتحلل الناس كده؟ – لا. – أومال؟ – بس الناس اللي تلفت انتباهي. ولأول مرة شعرت رهف أن قلبها اضطرب دون سبب واضح. فخفضت نظرها سريعًا. في الطابق العلوي... كانت نادين تقف خلف الزجاج. وترى الاثنين من بعيد. شعرت بانقباض داخل صدرها. هذا بالضبط ما كانت تخشاه. أن يقترب آدم من رهف مباشرة. كل شيء كان يمكن السيطرة عليه طالما بقيت هي الوسيط بينهما. أما الآن... فالوضع بدأ يخرج من يديها. أخرجت هاتفها بسرعة. ثم كتبت رسالة قصيرة. لكنها حذفتها قبل الإرسال. ثم كتبت أخرى. وحذفتها أيضًا. لم تكن تعرف ماذا تفعل. لأن المشكلة لم تعد في الرسائل. المشكلة أصبحت في الأشخاص. في الكافتيريا... سأل آدم فجأة: – بتحبي الكتابة؟ رفعت رهف رأسها باستغراب. – سؤال غريب. – ليه؟ – لأننا في دار نشر. – وده معناه إن الكل بيحب الكتابة؟ سكتت للحظة. ثم قالت: – لا. – عشان كده سألت. تنهدت رهف. ثم أجابت: – أيوه. بحبها. – من زمان؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة. لأول مرة منذ بداية الحديث. – من وأنا طفلة. – وبتكتبي إيه؟ ترددت. ثم قالت: – أي حاجة. قصص. خواطر. أفكار. حاجات لنفسي. هز آدم رأسه ببطء. وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة. ثم قال: – الحاجات اللي بنكتبها لنفسنا بتكون أخطر حاجة. تجمدت رهف. وشعرت أن الجملة أصابتها مباشرة. كأنها لا تتحدث عن الكتابة. بل عن دفترها الأسود. عن كل ما أخفته داخله. في تلك اللحظة... دخل أحد الموظفين مسرعًا. واتجه نحو رهف. – الأستاذة نادين عايزاكي فوق. نهضت رهف بسرعة. شعرت بالراحة لأنها حصلت على فرصة للهروب من هذا الحوار. لكن قبل أن تتحرك... قال آدم: – رهف. التفتت نحوه. – أيوه؟ نظر إليها لثوانٍ. ثم قال: – خلي بالك من الحاجات اللي بتسيبيها للناس. لم تفهم قصده. لكن طريقته جعلت الجملة تبدو كتحذير. أو نصيحة. أو ربما شيئًا بين الاثنين. ثم غادرت. بعد دقائق... دخلت مكتب نادين. وأغلقت الباب خلفها. كانت نادين تسير ذهابًا وإيابًا. في توتر واضح. – كنتي قاعدة معاه ليه؟ سألتها مباشرة. تفاجأت رهف. – هو اللي جه قعد. – واتكلم معاكي عن إيه؟ – كلام عادي. رفعت نادين حاجبها. – آدم عمره ما بيتكلم في كلام عادي. – مش فاهمة. اقتربت منها نادين. – لازم تبقي بعيدة عنه. شعرت رهف بالضيق. – ليه؟ – عشان ده الأفضل. – الأفضل لمين؟ صمتت نادين. وهذا الصمت كان إجابة كافية. في المساء... عاد آدم إلى مكتبه. لكن هذه المرة كان يحمل شيئًا جديدًا. شعورًا مختلفًا. كل ما رآه اليوم أكد له أمرًا واحدًا: رهف ليست بعيدة عن الرسائل. حتى لو لم تكن الكاتبة. فهي جزء من الحقيقة. جلس أمام مكتبه. وأخرج نسخة مطبوعة من إحدى الرسائل. ثم بدأ يقرأها مرة أخرى. لكن هذه المرة... توقف عند فقرة لم ينتبه لها من قبل. "أحيانًا لا نخاف من أن يعرف الآخرون أسرارنا... بل نخاف أن يجدوا أنفسهم داخلها." أعاد قراءة السطر مرة. ثم مرتين. ثم ثلاثًا. شعر بقشعريرة تسري في جسده. لأن هذا بالضبط ما كان يحدث معه. هو لم يكن يبحث عن الكاتبة فقط. بل كان يبحث عن السبب الذي جعله يرى نفسه في كلمات شخص مجهول.تحت النيران"انبطحوا!"جاء صوت سامر حادًا، فتفرق الجميع في لحظة.احتمت رهف خلف كتلة صخرية، بينما جذبها كريم من ذراعها قبل أن تمر رصاصة أخرى فوق المكان الذي كانت تقف فيه بثوانٍ.ارتطم المقذوف بالصخور، وتناثر الغبار في الهواء.قال سامر وهو يراقب مصدر إطلاق النار:"القناص بعيد... فوق المخازن."همس يوسف:"مش شايفه."رد سامر:"وده المطلوب."---ظل عادل منحنياً خلف الصخرة.كان يضم الملف إلى صدره.نظر إلى سامر وقال:"لو فضلنا هنا... هيحاصرونا."سأله كريم:"في طريق تاني؟"أشار عادل إلى ممر ضيق بين المخازن القديمة."في مخرج بيوصل للطريق الخلفي."هز سامر رأسه."هنخرج واحد واحد."ثم نظر إلى يوسف."إنت الأول."اعترض يوسف."لا... رهف."قال سامر بحزم:"رهف في النص.""إحنا الاتنين قدام وورا."أومأ الجميع.---استغلوا لحظة الصمت القصيرة.ركض يوسف أولًا حتى وصل إلى المخزن المقابل.ثم أشار بيده.تحركت رهف.كانت تكاد تصل إلى الجدار عندما دوى صوت رصاصة جديدة.شعرت بيد قوية تدفعها إلى الداخل.سقطت على الأرض.رفعت رأسها.كان كريم فوقها يحتمي بالجدار.سألته بقلق:"إنت كويس؟"ابتسم رغم أنفاسه المتسارعة."لسه
أغلق كريم الحقيبة بإحكام، ثم رفع نظره إلى سامر.قال بثبات:"لو فضلنا نتحرك بنفس الطريقة... هيفضلوا سابقينا."أومأ سامر."يبقى من اللحظة دي، محدش يعرف إحنا رايحين فين غير قبلها بدقايق."نظر يوسف إلى رهف."ومافيش اتصالات إلا للضرورة."وافقت رهف بصمت.كانت لا تزال تفكر في الرجل الذي كان يجلس داخل السيارة السوداء.لم تستطع رؤية ملامحه جيدًا...لكن إحساسًا غريبًا أخبرها أنها رأته من قبل.---قبل أن يغادروا المنزل، عادت رهف إلى مكتب والدها مرة أخيرة.مرت يدها فوق سطح المكتب الخشبي.ثم فتحت الدرج العلوي الذي كانوا قد فتشوه أكثر من مرة.ابتسم كريم."لسه بتدوري؟"أجابته وهي تبتسم بخفة:"بابا كان دايمًا يقول...""لو ملقيتش اللي بتدور عليه... ارجع من الأول."أغلقت الدرج.لكنها لاحظت شيئًا صغيرًا.كان أحد جوانب الدرج أكثر سُمكًا من الآخر.طرقت عليه بأطراف أصابعها.صدر صوت أجوف.اقترب سامر.ساعدها في إخراج الدرج بالكامل.ثم قلبه.كانت هناك قطعة خشبية رفيعة مثبتة من الداخل.أدخل يوسف طرف مفك صغير كان يحمله دائمًا.فانفصلت القطعة بسهولة.سقطت منها ورقة مطوية.التقطتها رهف بسرعة.فتحتها.لم تكن رسالة
لم تستغرق الطريق إلى بيت رهف القديم أكثر من أربعين دقيقة.لكن بالنسبة إليها...بدت الرحلة أطول من سنوات.كانت تنظر من نافذة السيارة في صمت، بينما كانت الشوارع تصبح أكثر ألفة مع كل دقيقة تمر.لاحظ كريم شرودها.قال بهدوء:"لو حابة نرجع..."هزت رأسها بسرعة."لا."ثم ابتسمت ابتسامة باهتة."أنا اللي لازم أواجه المكان."لم يعلق.اكتفى بأن ظل جالسًا إلى جوارها، وكأن وجوده وحده يمنحها شيئًا من الطمأنينة.---توقفت السيارة أمام منزل قديم مكون من طابقين.كان السور الحديدي قد غطاه الصدأ، بينما تسلقت نباتات يابسة أجزاءً من الجدران.قال يوسف وهو ينظر إلى المنزل:"واضح إنه مقفول من سنين."أخرجت رهف مفتاحًا صغيرًا من حقيبتها.نظر إليها سامر باستغراب."لسه معاكي؟"ابتسمت بحزن."ماما قالت لي احتفظ بيه... وماعرفتش وقتها ليه."تقدمت نحو الباب.أدخلت المفتاح.في البداية لم يتحرك.أدارته مرة أخرى بقوة.صدر صوت احتكاك قديم...ثم انفتح الباب ببطء.---دخلوا جميعًا.رائحة الغبار والخشب القديم ملأت المكان.كانت الأثاث مغطى بأقمشة بيضاء، وكأن الزمن توقف هنا يوم رحلت الأسرة.سارت رهف ببطء.لمست طرف الطاولة في ا
ساد صمت طويل داخل المكتب.كانت عينا رهف معلقتين بالصفحة المفتوحة، بينما بقي كريم ينظر إليها دون أن ينطق بكلمة.مد سامر يده إلى الدفتر."كملي."أخذت رهف نفسًا عميقًا، ثم بدأت تقرأ."لو وصلتي للسطر ده، فغالبًا هتسألي نفسك: ليه كريم؟"توقفت لحظة.ثم تابعت."الإجابة مش لأنه ابن صديقي... ولا لأنه كان قريب من اللي حصل.""الإجابة لأنه الوحيد اللي كنت واثق إنه هيفضل يدور على الحقيقة حتى لو كانت ضد أقرب الناس ليه."رفع كريم رأسه ببطء.شعر بثقل الكلمات على صدره.أكملت رهف."أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي... واليوم اللي هتتقابلوا فيه، لازم كل واحد فيكم يسمع التاني قبل ما يحكم عليه."ساد الصمت.نظر كريم إلى الأرض.ثم قال بصوت خافت:"أنا عمري ما عرفت إنه كان كاتب الكلام ده."ابتسم المحامي نبيل بحزن."أبوك كمان ماكانش يعرف."التفت الجميع إليه.قال:"الرسائل دي... والد رهف كتبها بنفسه، وما ورّاش حد محتواها."قلبت رهف الصفحة التالية.كان التاريخ المكتوب في أعلاها:14 مايوبدأت تقرأ."قابلت والد كريم النهارده.""كان أول واحد يرفض يوقّع على المستندات المعدلة.""قال لي: لو وافقت النهارده... هفضل ندمان ط
بداية الحكايةأمسكت رهف بالدفتر الجلدي بحذر.مررت أصابعها على غلافه البني القديم، وقد بهت لونه من كثرة السنين.كان صامتًا...لكنه بدا وكأنه يحمل عمرًا كاملًا من الأسرار.نظر المحامي نبيل فؤاد إليها وقال بهدوء:"اقري.""لكن من أول صفحة.""وما تتخطّيش أي سطر."أومأت رهف.ثم فتحت الدفتر.في الصفحة الأولى...لم تجد مستندات أو أرقامًا.وجدت سطرًا واحدًا بخط والدها.«"لو وصلتي للدفتر ده يا رهف... يبقى قدرتي تحافظي على أهم حاجة طلبتها منك، وهي إنك ما تستسلميش."»اغرورقت عيناها بالدموع.لكنها تماسكت.وأكملت القراءة.---15 فبراير«"اليوم بدأنا أول اجتماع تحضيري للمشروع. كنا مقتنعين إننا بنبني حاجة هتفيد ناس كتير. مكنش في حد فينا يتخيل إن بعد كام سنة... هنقف قدام بعض وإحنا مش عارفين نثق في مين."»قلبت الصفحة.---3 مارس«"اتعرفت النهارده على مهندس اسمه شريف منصور. راجل محترم، وصريح زيادة عن اللزوم. قال لي جملة ما خرجتش من دماغي: (أخطر حاجة مش الفساد... أخطر حاجة إن الناس الشريفة تسكت)."»نظر كريم إلى رهف."ده نفس شريف اللي لقينا اسمه."أومأت بصمت.وأكملت.---18 مارس«"كريم الصغير جه مع والده
بداية الخيطخرج الأربعة من المخزن بحذر.كان الشارع خاليًا تمامًا، وكأن أحدًا لم يكن هناك قبل دقائق.توقف سامر عند الباب الخارجي.نظر إلى القفل المكسور، ثم إلى آثار الإطارات على الأرض المبتلة بالمطر.انحنى قليلًا.قال يوسف:"لقيت حاجة؟"أشار سامر إلى الأرض."العربية اللي كانت هنا خرجت بسرعة."سأله كريم:"إزاي عرفت؟"ابتسم ابتسامة خفيفة."بص على آثار الكاوتش."ثم اعتدل واقفًا."بس مش ده المهم."نظر إلى الجميع."المهم إنهم دخلوا يفتشوا... وخرجوا من غير الملف."أمسك كريم بالحقيبة التي وضع فيها الملف والصورة والساعة القديمة.وقال:"وده معناه إنهم لسه بيدوروا."---في السيارة...لم يتكلم أحد لعدة دقائق.كانت رهف تحتضن ساعة والدها بين يديها.تتأمل العبارة المحفورة على ظهرها."الحقيقة لا تعيش في الورق وحده."أغلقت الساعة في راحة يدها.وقالت بصوت هادئ:"بابا كان يقصد إيه؟"رد يوسف:"يمكن يقصد الشهود."هز سامر رأسه."أو التسجيلات."أما كريم...فظل صامتًا.لاحظت رهف ذلك.التفتت إليه."إنت ساكت ليه؟"رفع رأسه إليها.وقال بعد تفكير:"لأن والدك ما كانش بيكتب جملة إلا لو ليها معنى مباشر.""يعني؟"نظ
"حين خرجت الرسالة من الدفتر"لم يكن الليل في مدينة آدم مختلفًا عن أي ليلة أخرى، لكن الشعور داخله كان مختلفًا تمامًا.كل شيء حوله ثابت: شقته الواسعة، الإضاءة الباردة، الزجاج الذي يعكس المدينة كلوحة بلا روح.و مع ذلك… كان هناك شيء غير ثابت داخله.شيء يتحرك ببطء مزعج، كأنه يحاول أن يوقظه من سكون طويل.
"حين خرجت الكلمات من الدفتر"لم تكن رهف تحب الصباحات التي تُجبرها على مواجهة الواقع بسرعة.كانت تفضّل اللحظات الهادئة بين النوم و اليقظة… تلك اللحظات التي لا تكون فيها مضطرة لأن تكون أي شخص.لكن هذا الصباح كان مختلفًا.الهواء في غرفتها بدا أثقل من المعتاد، و الضوء المتسلل من النافذة لم يكن دافئًا ك
الرسالة الاولى"بعض الأشخاص يرحلون من حياتنا، لكنهم يتركون خلفهم فوضى لا ترحل أبدًا."كانت تلك الجملة آخر ما كتبته رهف قبل أن تضع القلم جانبًا و تغلق دفترها الأسود ببطء.تأملت الغلاف للحظات طويلة.ذلك الدفتر لم يكن مجرد أوراق و حبر، بل كان صندوق أسرارها، المكان الوحيد الذي تستطيع أن تكون فيه على طب
تجمدت رهف أمام باب المنزل المهجور.الهواء كان ساكنًا بشكل غريب.لا صوت سيارات.لا صوت بشر.حتى الريح بدت وكأنها توقفت.وكأن المكان كله يحبس أنفاسه.---أما هي...فكانت تسمع دقات قلبها فقط.---الصوت الذي جاء من الداخل ما زال يتردد في أذنيها."اتأخرتِ يا رهف."---نفس طبقة صوتها تقريبًا.نفس النبرة.







