Share

الفصل التاسع

last update publish date: 2026-06-13 17:26:03

لم تنم رهف تلك الليلة.

رغم أن الساعة تجاوزت الثالثة فجرًا، كانت ما تزال جالسة فوق سريرها، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحدق في الظلام.

كلما أغمضت عينيها، عاد إليها نفس المشهد.

نفس النظرة.

نفس الصوت.

ونفس السؤال.

"إنتي ليكي علاقة بالرسائل دي."

لم يكن اتهامًا.

ولم يكن سؤالًا عاديًا.

كان أشبه بيقين خرج من فم شخص لا يعرفها.

وهذا أكثر ما أخافها.

كيف استطاع أن يشعر بذلك؟

كيف نظر إليها وكأنه يرى ما تحاول إخفاءه منذ سنوات؟

أغلقت عينيها بقوة.

لكن الصورة لم تختفِ.

بل ازدادت وضوحًا.

آدم.

الرجل الذي لم تره من قبل.

والذي شعرت للحظة غريبة أنه يعرفها أكثر مما يجب.

تنهدت بضيق.

ثم مدت يدها نحو الدفتر الأسود الموضوع فوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير.

ترددت لثوانٍ.

قبل أن تفتحه ببطء.

كانت آخر صفحة كتبت فيها قبل أسابيع.

كلمات غير مرتبة.

سطور متقطعة.

وأفكار كتبتها في ليلة سيئة.

مرت أصابعها فوق الحبر وكأنها تلمس ذكرى قديمة.

ثم همست:

– ليه حاسة إن كل حاجة بتخرج من إيدي؟

لم يجبها أحد.

كالعادة.

لكن هذه المرة كان الصمت أثقل من أي وقت مضى.

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان آدم يقف أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف في شقته.

المدينة أسفل قدميه كانت مستيقظة رغم الوقت المتأخر.

أضواء السيارات.

إشارات المرور.

مبانٍ لا تنام.

لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا.

على وجه فتاة دخلت غرفة الاجتماعات دون أن تقول شيئًا.

فتاة بدا عليها الارتباك أكثر من الذنب.

والخوف أكثر من الكذب.

وذلك تحديدًا ما جعله غير قادر على تجاهلها.

لو كانت تخفي شيئًا...

فهي لا تعرف كيف تخفيه جيدًا.

جلس على الأريكة.

أمسك هاتفه.

ثم فتح الملف الذي جمع فيه ملاحظاته خلال الأيام الماضية.

رسائل لم تُرسل

الكاتب مجهول.

نادين تخفي معلومات.

هناك شخص آخر خلف النصوص.

رهف مرتبكة بشكل غير طبيعي.

توقف عند الاسم الأخير.

رهف.

لم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا.

لكن إحساسًا داخله أخبره أن الخيط الحقيقي يبدأ منها.

أغلق الهاتف.

وحاول إقناع نفسه أن الأمر مجرد فضول.

لكنه كان يعرف أنه يكذب.

منذ فترة طويلة لم يهتم بشخص أو بشيء إلى هذه الدرجة.

ومنذ فترة أطول لم يشعر أن هناك لغزًا يستحق أن يلاحقه.

في صباح اليوم التالي...

وصلت رهف إلى دار النشر مبكرًا.

أبكر من الجميع تقريبًا.

كانت تحتاج بعض الهدوء.

بعض الوقت لترتب أفكارها.

لكن بمجرد دخولها المبنى شعرت أن شيئًا تغير.

الأنظار.

الهمسات.

الوجوه.

كل شيء.

كأن وجودها أصبح ملحوظًا أكثر من المعتاد.

تجاهلت الأمر.

وتابعت طريقها نحو مكتبها.

لكن قبل أن تصل...

سمعت صوتًا يناديها.

– رهف.

التفتت.

كانت نادين.

تبدو مرهقة.

وتحت عينيها دوائر داكنة لم تكن موجودة قبل أيام.

اقتربت منها رهف.

– مالك؟

ابتسمت نادين ابتسامة باهتة.

– مفيش.

رفعت رهف حاجبها.

– دي أكتر كلمة كدابة في التاريخ.

ضحكت نادين بخفة.

لكن الضحكة لم تصل لعينيها.

ثم قالت:

– محتاجين نتكلم.

شعرت رهف بانقباض داخل صدرها.

– عن إيه؟

– فوق.

في المكتب.

بعد دقائق...

كانت الاثنتان جالستين داخل مكتب نادين.

أغلقت الأخيرة الباب.

ثم ظلت صامتة لعدة ثوانٍ.

وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.

أخيرًا قالت:

– آدم بدأ يدور ورا الرسائل بشكل جدي.

رهف لم تفاجأ.

لسبب ما كانت تتوقع ذلك.

– وبعدين؟

– وبعدين إنه مش هيسكت.

– وإنتِ خايفة من إيه؟

نظرت نادين إليها مباشرة.

– خايفة يوصل ليكي.

ساد الصمت.

لثوانٍ طويلة.

قبل أن تضحك رهف بسخرية.

– وأنا ليه أخاف؟

– لأنك مش مستعدة.

اختفت الابتسامة من وجه رهف.

– مستعدة لإيه؟

لكن نادين لم تجب.

بل أبعدت نظرها.

وهنا فقط...

بدأ القلق الحقيقي يتسلل إلى قلب رهف.

في نفس الوقت...

كان آدم يجلس داخل مكتبه.

وأمامه ملف جديد.

ملف يحمل اسمًا واحدًا فقط.

رهف.

وصلته بعض المعلومات البسيطة.

العمر.

الدراسة.

مكان العمل.

لا شيء مميز.

ولا شيء يفسر ما يشعر به.

لكن هناك صورة شخصية صغيرة مرفقة بالملف.

نفس الوجه الذي رآه بالأمس.

نظر إليها طويلًا.

ثم تنهد.

شيء ما لم يكن منطقيًا.

لو كانت هي الكاتبة...

فلماذا بدت خائفة؟

ولماذا تصرفت وكأنها لا تعرف شيئًا؟

أما إذا لم تكن الكاتبة...

فلماذا شعرت نادين بالتوتر لحظة دخولها؟

أغلق الملف.

ثم نهض من مكانه.

هناك شيء ناقص.

قطعة مفقودة من الصورة.

وعليه أن يجدها.

عند الظهيرة...

كانت رهف تجلس وحدها في الكافتيريا الصغيرة الخاصة بالدار.

تحاول التركيز في شاشة اللابتوب أمامها.

لكنها لم تكتب حرفًا واحدًا منذ أكثر من نصف ساعة.

كل أفكارها كانت تدور حول نفس الشيء.

آدم.

واللقاء القصير.

وكلام نادين.

ثم فجأة...

وضع أحدهم كوب قهوة على الطاولة أمامها.

رفعت رأسها باستغراب.

لتتجمد في مكانها.

آدم.

وقف أمامها بهدوء.

يرتدي قميصًا أسود بسيطًا.

ونفس النظرة الثابتة التي أربكتها بالأمس.

قال:

– أعتقد إنك محتاجة القهوة دي أكتر مني.

لثانية كاملة...

نسيت رهف كيف تتكلم.

تجمدت رهف للحظات وهي تنظر إلى كوب القهوة.

ثم رفعت عينيها ببطء نحو آدم.

لم تكن تتوقع أن تراه مرة أخرى بهذه السرعة.

ولا أن يقف أمامها بهذه البساطة وكأن لقاء الأمس لم يكن مليئًا بالتوتر والأسئلة.

قالت أخيرًا:

– شكرًا.

جلس آدم على الكرسي المقابل دون أن يطلب الإذن.

لكن طريقته لم تكن مستفزة.

بل هادئة على نحو غريب.

كأنه اعتاد أن يجلس أمام الناس ويقرأ ما لا يقولونه.

ساد صمت قصير.

قطعه آدم:

– واضح إنك مش مرتاحة.

عقدت رهف حاجبيها.

– حضرتك تعرفني من إمتى عشان تحكم إني مرتاحة أو لا؟

ظهرت ابتسامة خفيفة على طرف فمه.

– من امبارح.

– يوم كامل يعني؟

– أحيانًا ساعة واحدة بتكون كفاية.

شعرت رهف بالضيق.

ليس من كلامه.

بل من إحساسها أنه يلاحظ أشياء تحاول إخفاءها.

أمسكت الكوب بين يديها.

وقالت:

– حضرتك دايمًا بتحلل الناس كده؟

– لا.

– أومال؟

– بس الناس اللي تلفت انتباهي.

ولأول مرة شعرت رهف أن قلبها اضطرب دون سبب واضح.

فخفضت نظرها سريعًا.

في الطابق العلوي...

كانت نادين تقف خلف الزجاج.

وترى الاثنين من بعيد.

شعرت بانقباض داخل صدرها.

هذا بالضبط ما كانت تخشاه.

أن يقترب آدم من رهف مباشرة.

كل شيء كان يمكن السيطرة عليه طالما بقيت هي الوسيط بينهما.

أما الآن...

فالوضع بدأ يخرج من يديها.

أخرجت هاتفها بسرعة.

ثم كتبت رسالة قصيرة.

لكنها حذفتها قبل الإرسال.

ثم كتبت أخرى.

وحذفتها أيضًا.

لم تكن تعرف ماذا تفعل.

لأن المشكلة لم تعد في الرسائل.

المشكلة أصبحت في الأشخاص.

في الكافتيريا...

سأل آدم فجأة:

– بتحبي الكتابة؟

رفعت رهف رأسها باستغراب.

– سؤال غريب.

– ليه؟

– لأننا في دار نشر.

– وده معناه إن الكل بيحب الكتابة؟

سكتت للحظة.

ثم قالت:

– لا.

– عشان كده سألت.

تنهدت رهف.

ثم أجابت:

– أيوه.

بحبها.

– من زمان؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

لأول مرة منذ بداية الحديث.

– من وأنا طفلة.

– وبتكتبي إيه؟

ترددت.

ثم قالت:

– أي حاجة.

قصص.

خواطر.

أفكار.

حاجات لنفسي.

هز آدم رأسه ببطء.

وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة.

ثم قال:

– الحاجات اللي بنكتبها لنفسنا بتكون أخطر حاجة.

تجمدت رهف.

وشعرت أن الجملة أصابتها مباشرة.

كأنها لا تتحدث عن الكتابة.

بل عن دفترها الأسود.

عن كل ما أخفته داخله.

في تلك اللحظة...

دخل أحد الموظفين مسرعًا.

واتجه نحو رهف.

– الأستاذة نادين عايزاكي فوق.

نهضت رهف بسرعة.

شعرت بالراحة لأنها حصلت على فرصة للهروب من هذا الحوار.

لكن قبل أن تتحرك...

قال آدم:

– رهف.

التفتت نحوه.

– أيوه؟

نظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

– خلي بالك من الحاجات اللي بتسيبيها للناس.

لم تفهم قصده.

لكن طريقته جعلت الجملة تبدو كتحذير.

أو نصيحة.

أو ربما شيئًا بين الاثنين.

ثم غادرت.

بعد دقائق...

دخلت مكتب نادين.

وأغلقت الباب خلفها.

كانت نادين تسير ذهابًا وإيابًا.

في توتر واضح.

– كنتي قاعدة معاه ليه؟

سألتها مباشرة.

تفاجأت رهف.

– هو اللي جه قعد.

– واتكلم معاكي عن إيه؟

– كلام عادي.

رفعت نادين حاجبها.

– آدم عمره ما بيتكلم في كلام عادي.

– مش فاهمة.

اقتربت منها نادين.

– لازم تبقي بعيدة عنه.

شعرت رهف بالضيق.

– ليه؟

– عشان ده الأفضل.

– الأفضل لمين؟

صمتت نادين.

وهذا الصمت كان إجابة كافية.

في المساء...

عاد آدم إلى مكتبه.

لكن هذه المرة كان يحمل شيئًا جديدًا.

شعورًا مختلفًا.

كل ما رآه اليوم أكد له أمرًا واحدًا:

رهف ليست بعيدة عن الرسائل.

حتى لو لم تكن الكاتبة.

فهي جزء من الحقيقة.

جلس أمام مكتبه.

وأخرج نسخة مطبوعة من إحدى الرسائل.

ثم بدأ يقرأها مرة أخرى.

لكن هذه المرة...

توقف عند فقرة لم ينتبه لها من قبل.

"أحيانًا لا نخاف من أن يعرف الآخرون أسرارنا... بل نخاف أن يجدوا أنفسهم داخلها."

أعاد قراءة السطر مرة.

ثم مرتين.

ثم ثلاثًا.

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

لأن هذا بالضبط ما كان يحدث معه.

هو لم يكن يبحث عن الكاتبة فقط.

بل كان يبحث عن السبب الذي جعله يرى نفسه في كلمات شخص مجهول.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و العشرون

    خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و العشرون

    توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و العشرون

    تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و العشرون

    كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و العشرون

    ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و العشرون

    الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status