Home / الرومانسية / رسائل لم تُرسل / الفصل الثالث و العشرون

Share

الفصل الثالث و العشرون

last update publish date: 2026-06-20 05:42:30

الحقيقة التي لا يريدها أحد

ظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.

في البداية ظنت أنها مزيفة.

خدعة جديدة.

ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.

لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...

كلما ازداد الخوف داخلها.

الاسم صحيح.

تاريخ الميلاد صحيح.

حتى رقم القيد كان موجودًا.

أما اسم الأم...

فلم يكن اسم والدتها.

أبدًا.

رفعت رأسها ببطء.

وعيناها متجهتان نحو ياسين.

قالت بصوت خافت:

"دي مزورة."

لم يرد.

فكررت الجملة.

هذه المرة بقوة أكبر.

"دي مزورة."

تنهد ياسين.

ثم قال:

"كنت عارف إن ده أول رد فعل."

شعرت رهف بالغضب.

مزقت الورقة إلى نصفين.

ثم إلى أربعة أجزاء.

وألقتها على الأرض.

لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.

لا فارس.

ولا الراوي.

ولا حتى رفيف.

وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.

لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.

نظر فارس إلى الأرض للحظات.

ثم رفع عينيه نحو رهف.

ولأول مرة منذ بداية الأحداث...

ظهر التعب على وجهه.

تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.

قال بهدوء:

"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."

التفتت إليه رهف بسرعة.

"يعني إيه؟"

لم يجب مباشرة.

فصرخت:

"يعني إيه؟!"

ساد الصمت.

ثم قال:

"الورقة حقيقية."

شعرت رهف وكأن شخصًا صفعها.

تراجعت خطوة للخلف.

ثم أخرى.

حتى اصطدم ظهرها بالحائط.

أما رفيف فبدا عليها الذهول أيضًا.

لأنها لم تكن تتوقع هذا الاعتراف.

قالت وهي تنظر إلى فارس:

"إنت كنت عارف؟"

أغلق عينيه للحظة.

ثم أومأ ببطء.

كان ذلك كافيًا.

كافيًا لتنهار قطعة جديدة من العالم الذي عرفته رهف طوال حياتها.

في تلك اللحظة...

تقدم الراوي خطوة للأمام.

وقال بصوت هادئ:

"وده مش أكبر سر."

التفت الجميع إليه.

فأكمل:

"لأن الأم المكتوبة في الشهادة هي نفسها الأم المكتوبة في شهادة رفيف."

اتسعت عينا رهف.

واتسعت عينا رفيف أيضًا.

أما ياسين فظل صامتًا.

وكأنه يترك الحقيقة تقوم بعملها.

شعرت رهف بدوار مفاجئ.

نفس الأم؟

كيف؟

إذا كانت هي ورفيف ليستا توأمًا...

فكيف تحملان اسم الأم نفسها؟

ولماذا تم إخفاء ذلك؟

ولماذا تم تفريقهما؟

وماذا كان المشروع 17 أصلًا؟

أسئلة كثيرة.

أكثر من أن تحتملها دفعة واحدة.

وفجأة...

قطع الصمت صوت هاتف فارس.

مرة أخرى.

لكن هذه المرة لم يتجاهله.

نظر إلى الشاشة.

ثم تغير وجهه تمامًا.

قال الراوي فورًا:

"إيه اللي حصل؟"

رفع فارس رأسه ببطء.

وقال:

"القبو اتفتح."

ساد الصمت.

هذه المرة كان صمتًا حقيقيًا.

حتى ياسين بدا مذهولًا.

"مستحيل."

قالها بسرعة.

"المفتاح معانا."

أجابه فارس:

"واضح إن في حد عنده نسخة تانية."

شعرت رهف بأن قلبها تسارع.

إذا كان القبو قد فُتح بالفعل...

فهذا يعني أن شخصًا سبقهم إليه.

وشخصًا يعرف الأسرار كلها.

قال ياسين فجأة:

"لازم نوصل هناك قبل فوات الأوان."

ولأول مرة منذ التقوا...

كان فارس والراوي وياسين متفقين على شيء واحد.

الخطر الحقيقي لم يعد بينهم.

بل في الشخص الذي فتح القبو.

---

في مكان مجهول...

كان رجل يجلس داخل غرفة ضخمة تحت الأرض.

الغرفة مليئة بالملفات.

والصور.

وأشرطة التسجيل القديمة.

والوثائق الصفراء التي أكلها الزمن.

أمام الرجل طاولة خشبية كبيرة.

وعلى الطاولة...

صندوق معدني مفتوح.

الصندوق الذي ظل مغلقًا لأكثر من عشرين عامًا.

ابتسم الرجل وهو يقلب أول ملف.

ثم همس:

"أخيرًا."

رفع صورة قديمة.

صورة لأربعة أطفال.

وليس ثلاثة.

ولا اثنين.

أربعة.

ثم مرر إصبعه فوق وجه طفل صغير في الصورة.

وقال بهدوء:

"كلهم كانوا بيدوروا على الشخص الغلط."

وفي تلك اللحظة...

دق باب الغرفة.

دخل شخص آخر.

وقال بتوتر:

"هما عرفوا إن القبو اتفتح."

ابتسم الرجل دون أن يرفع رأسه.

وقال:

"خليهم ييجوا."

ثم أغلق الملف أمامه.

وأضاف:

"بعد اللي هيشوفوه هنا... عمرهم ما هيرجعوا زي الأول."

---

في السيارة التي انطلقت نحو جمعية الأفق...

جلس الجميع في صمت.

رهف.

رفيف.

آدم.

فارس.

والراوي.

حتى ياسين.

لم يكن أحد يملك طاقة للكلام.

لكن رهف كانت تشعر بشيء غريب.

شيء يزداد كلما اقتربوا.

إحساس بأنها تقترب من لحظة غير قابلة للعودة.

لحظة ستقسم حياتها إلى نصفين.

ما قبل القبو.

وما بعد القبو.

وفجأة...

مد آدم يده نحوها.

ناولها صورة صغيرة.

نظرت إليها.

فتجمدت.

لأنها كانت صورة والدها.

لكن ليس وحده.

كان يقف بجوار والد آدم.

وفارس.

وياسين.

وشخص خامس مجهول.

خلفهم لافتة كبيرة مكتوب عليها:

مؤسسة الأفق للأبحاث السلوكية – 1998

شعرت رهف بقشعريرة.

الأمر لم يكن مجرد مشروع.

ولم يكن مجرد اختطاف.

ولم يكن مجرد أسرار عائلية.

كان أكبر من ذلك بكثير.

أكبر مما تخيلت.

وأخطر أيضًا.

ثم توقفت السيارة فجأة أمام مبنى جمعية الأفق القديم.

نظر فارس إلى المبنى.

وأخذ نفسًا عميقًا.

وقال بصوت منخفض:

"بعد عشرين سنة..."

ثم نزل من السيارة.

وأكمل:

"رجعنا لنقطة البداية."

وقف الجميع أمام مبنى جمعية الأفق.

كان المبنى أقدم مما تخيلت رهف.

رأت صورًا له من قبل في الملفات، لكنها لم تتخيل أنه سيبدو بهذا القدر من الكآبة.

الجدران الرمادية متشققة.

النوافذ مغلقة بألواح خشبية قديمة.

أما الحديقة المحيطة به فكانت مهملة منذ سنوات طويلة.

وكأن الزمن توقف هنا.

منذ الليلة التي بدأ فيها كل شيء.

تقدمت رهف ببطء.

ورغم خوفها، لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب.

شعور مألوف.

كأنها زارت هذا المكان من قبل.

لكن ذلك مستحيل.

أو هكذا كانت تعتقد.

لاحظ فارس نظرتها.

فسألها:

"حاسّة بإيه؟"

ظلت تنظر إلى المبنى للحظات.

ثم قالت:

"مش عارفة."

سكتت قليلًا.

وأكملت:

"بس حاسة إني أعرف المكان ده."

تبادل فارس والراوي نظرة سريعة.

نظرة لم تفلت من انتباه آدم.

لكن قبل أن يسأل، انفتح باب المبنى فجأة.

ببطء.

دون أن يلمسه أحد.

وتردد صوت ارتطامه داخل السكون المحيط بهم.

شعرت رهف بقشعريرة.

أما ياسين فتغيرت ملامحه.

وقال بصوت منخفض:

"إحنا متأخرين."

دخلوا جميعًا.

كان الظلام يملأ المكان.

ولم يكن هناك سوى ضوء خافت قادم من أعماق المبنى.

ضوء أصفر باهت.

كأنه يدعوهم للدخول.

أو يحذرهم.

ساروا عبر ممر طويل.

على الجدران كانت هناك صور قديمة معلقة داخل إطارات خشبية.

صور لندوات.

ومؤتمرات.

واجتماعات علمية.

لكن شيئًا ما كان غريبًا.

في أغلب الصور...

ظهر الأشخاص أنفسهم.

نفس الوجوه.

رغم أن التواريخ مختلفة.

قال آدم فجأة:

"بصوا."

توقف الجميع.

وأشار إلى صورة معلقة على الحائط.

اقتربت رهف منها.

ثم شعرت بأن قلبها توقف للحظة.

في الصورة كانت توجد امرأة شابة.

تبتسم للكاميرا.

لكن المشكلة...

أن المرأة تشبهها.

بدرجة مرعبة.

ليست مجرد ملامح متقاربة.

بل نسخة أكبر سنًا منها.

همست رهف:

"مين دي؟"

اقترب ياسين.

ونظر إلى الصورة طويلًا.

ثم قال:

"اسمها دكتورة نجلاء."

ساد الصمت.

وأكمل:

"وهي السبب في كل اللي حصل."

شعرت رهف بالارتباك.

"إزاي؟"

لكن ياسين لم يجب.

بل أكمل السير.

وكأن الحديث عن نجلاء مؤلم أكثر مما يستطيع تحمله.

بعد دقائق وصلوا إلى قاعة واسعة.

وفي منتصف القاعة...

كان يوجد باب حديدي ضخم.

وعليه رقم واحد فقط.

شعرت رهف بأن قبضتها اشتدت حول المفتاح.

هذا هو.

القبو.

المكان الذي يطارده الجميع.

والمكان الذي قُتل واختفى بسببه أشخاص لا تعرف عددهم.

اقترب فارس من الباب.

ثم توقف فجأة.

لأن الباب كان مفتوحًا بالفعل.

بضعة سنتيمترات فقط.

لكنها كانت كافية.

قال الراوي بصوت خافت:

"حد دخل قبلنا."

اقترب آدم.

ودفع الباب أكثر.

فصدر صوت صرير طويل.

ثم انفتح ببطء.

وكان الظلام ينتظرهم في الداخل.

نزلوا درجات السلم الحجري بحذر.

درجة.

ثم أخرى.

ثم ثالثة.

حتى وصلوا إلى القبو.

وتجمدوا جميعًا.

المكان لم يكن مجرد غرفة.

بل أرشيف كامل.

صفوف طويلة من الخزائن المعدنية.

مئات الملفات.

أجهزة تسجيل قديمة.

أشرطة فيديو.

صور.

وصناديق تحمل أرقامًا متسلسلة.

كأنهم دخلوا ذاكرة شخص ما.

ذاكرة احتفظت بكل شيء.

قال آدم بدهشة:

"يا إلهي..."

أما رهف فكانت تنظر حولها بصمت.

ثم انتبهت إلى شيء غريب.

في نهاية القبو.

كانت توجد طاولة مضاءة بمصباح صغير.

وفوق الطاولة...

ملف مفتوح.

كأن شخصًا كان يقرأه منذ لحظات.

اقترب الجميع بحذر.

حتى وصلوا إليه.

ثم نظرت رهف إلى الصفحة المفتوحة.

وشعرت بأن الدم انسحب من وجهها.

لأن الصفحة كانت تحمل عنوانًا واضحًا:

الحالة رقم 17

وتحت العنوان مباشرة...

كانت توجد صورتها.

لكنها لم تكن وحدها.

بجوارها صورة رفيف.

وصورة سلمى.

ثم صورة رابعة.

صورة لشاب في عمرهما تقريبًا.

وجه لم تره من قبل.

لكن الملاحظات المكتوبة أسفل الصورة جعلت قلبها يتوقف.

الناجي الوحيد.

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

ثم سأل آدم:

"مين ده؟"

لم يجب أحد.

حتى ياسين بدا مصدومًا.

أما فارس...

فكان ينظر إلى الصورة وكأنه رأى شبحًا.

همست رفيف:

"مستحيل..."

التفتت رهف إليها بسرعة.

"إنتِ تعرفيه؟"

ابتلعت رفيف ريقها.

وبدت شاحبة بشكل لم تره عليها من قبل.

ثم قالت بصوت مرتجف:

"كنت فاكرة إنه مات."

وفي اللحظة نفسها...

جاء صوت تصفيق هادئ من خلفهم.

تصفيق بطيء.

متعمد.

تجمد الجميع.

واستداروا في نفس اللحظة.

ليجدوا رجلًا يقف عند مدخل القبو.

يراقبهم.

وعلى وجهه ابتسامة غامضة.

قال بهدوء:

"أخيرًا وصلتوا."

ثم نظر مباشرة إلى رهف.

وأضاف:

"أهلاً بيكي في الحقيقة يا رقم 17."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و العشرون

    خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و العشرون

    توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و العشرون

    تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و العشرون

    كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و العشرون

    ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و العشرون

    الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status