Home / الرومانسية / رسائل لم تُرسل / الفصل الرابع و العشرون

Share

الفصل الرابع و العشرون

last update publish date: 2026-06-20 05:44:58

ساد صمت ثقيل داخل القبو.

لم يتحرك أحد.

ولم ينطق أحد بكلمة.

كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.

رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.

شعره يغزوه الشيب.

يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.

وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.

ابتسم مرة أخرى.

ثم أعاد نظره إلى رهف.

وقال:

"كنتِ أصغر مما توقعت."

شعرت رهف بقشعريرة.

لم يعجبها أسلوبه.

ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.

وكأنه يعرفها منذ سنوات.

قال آدم بحدة:

"مين أنت؟"

نظر الرجل إليه.

ثم ابتسم.

"سؤال جميل."

تنهد بخفة.

وأضاف:

"بس المفروض تسأل أبوك الأول."

تجمد آدم.

أما فارس فشحب وجهه.

والراوي أطلق لعنة منخفضة.

كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.

لاحظت رهف ذلك.

وقالت:

"واضح إنكم تعرفوه."

ساد الصمت للحظات.

قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.

وكان صوته مختلفًا هذه المرة.

أثقل.

وأبطأ.

وكأنه يجر الكلمات جراً.

"اسمه الدكتور مراد."

ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل.

"سعيد إنك لسه فاكرني."

قال الراوي ببرود:

"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."

لكن مراد لم يغضب.

بل بدا مستمتعًا.

كأنه يسمع مجاملة.

تقدمت رهف خطوة للأمام.

"أنت اللي فتحت القبو؟"

"طبعًا."

"ليه؟"

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

"عشان الحقيقة ملك أصحابها."

وأردف:

"وأنتِ صاحبة الحقيقة دي."

شعرت رهف بأن رأسها يزداد ثقلًا.

كل شخص تقابله يقول نصف جملة.

ثم يختفي أو يغير الموضوع.

لم تعد تحتمل ذلك.

صرخت فجأة:

"كفاية!"

ارتد صدى صوتها داخل القبو.

والتفتت إلى الجميع.

"كفاية أسرار."

ثم أشارت إلى الملفات حولها.

"من أول ما دخلت القصة دي وكل واحد بيقول جزء صغير ويسيب الباقي."

نظرت إلى فارس.

"إنت."

ثم إلى ياسين.

"وإنت."

ثم الراوي.

"وإنت كمان."

وأخيرًا مراد.

"لو حد عنده حقيقة يقولها كاملة."

ساد الصمت.

حتى مراد نفسه لم يبتسم هذه المرة.

ظل ينظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

"تمام."

تجمد الجميع.

لأنهم لم يتوقعوا موافقته.

اقترب مراد من الطاولة.

وأخذ الملف المفتوح.

ثم وضعه أمام رهف.

وقال:

"ابدئي من هنا."

نظرت رهف إلى الصفحة الأولى.

وكان عنوانها:

تقرير المشروع 17

أسفل العنوان تاريخ قديم.

ثم أسماء.

أسماء كثيرة.

أطباء.

وباحثين.

ومشرفين.

ومن بينهم...

اسم والدها.

واسم والد آدم.

وفارس.

وياسين.

وآخرون لا تعرفهم.

شعرت بأن قلبها انقبض.

لكنها أكملت القراءة.

وفجأة...

توقفت عند سطر واحد.

سطر جعل الدم يتجمد في عروقها.

"الهدف من المشروع: دراسة التأثيرات طويلة المدى للذاكرة المزروعة."

رفعت رأسها ببطء.

"ذاكرة مزروعة؟"

نظر مراد إليها.

وأومأ.

قالت رهف بعدم تصديق:

"يعني إيه؟"

أجاب بهدوء:

"يعني مش كل الذكريات اللي عايشاها حقيقية."

ساد الصمت.

شعرت رهف أن الأرض تميل تحت قدميها.

لا.

هذا مستحيل.

مستحيل.

لكن مراد أكمل:

"المشروع بدأ كتجربة نفسية."

"تجربة على أطفال؟"

سألت بغضب.

"في البداية كان المفروض تكون آمنة."

رد بهدوء.

ضحك ياسين فجأة.

ضحكة مريرة.

ثم قال:

"ودي أكبر كذبة سمعناها وقتها."

نظر إليه مراد.

لكن ياسين أكمل.

"إحنا وافقنا لأنهم قالوا إنها مجرد دراسة."

ثم نظر إلى رهف.

وكانت المرة الأولى التي ترى فيها الندم الحقيقي في عينيه.

"لكن الأمور خرجت عن السيطرة."

أغلقت رهف الملف بعنف.

لم تعد تريد القراءة.

كانت تشعر أن كل صفحة تدمر جزءًا جديدًا من حياتها.

لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.

لأن رفيف كانت تقلب صفحات أخرى بصمت.

وفجأة...

تجمدت.

اختفى اللون من وجهها.

وسقط الملف من يدها.

التفت الجميع إليها.

قال فارس بسرعة:

"في إيه؟"

لكنها لم تجب.

كانت تحدق في صفحة معينة.

وعيناها ممتلئتان بالصدمة.

التقط آدم الصفحة.

ثم قرأ السطر الأول.

وتغير وجهه هو الآخر.

أخذت رهف الورقة منه بسرعة.

ونظرت إليها.

وكان عنوانها:

إجراءات ما بعد الحادثة

ثم أسفلها مباشرة:

"تم إعلان وفاة الطفل الرابع رسميًا رغم بقائه على قيد الحياة."

شعرت رهف بقشعريرة.

وتابعت القراءة.

"تم نقل الطفل إلى منشأة بديلة تحت إشراف مباشر من الدكتور مراد."

رفعت رأسها ببطء.

ونظرت إلى مراد.

الذي لم يعد يبتسم.

وقالت:

"الطفل الرابع..."

ابتلعت ريقها.

"...فينه؟"

ساد الصمت داخل القبو.

صمت طويل.

ثم أجاب مراد أخيرًا:

"أقرب مما تتخيلوا."

وفي اللحظة نفسها...

انطفأت الأنوار.

دفعة واحدة.

وغرق القبو في الظلام.

تبع ذلك صوت ارتطام قوي.

ثم صرخة.

ثم صوت إطلاق نار واحد.

ومع عودة الضوء بعد ثوانٍ...

تجمد الجميع.

لأن الدكتور مراد لم يعد واقفًا في مكانه.

لقد اختفى.

وكان الملف الذي يحمله قد اختفى معه.

لكن ذلك لم يكن أكثر ما أرعب رهف.

بل الشيء الذي وجدته مكتوبًا على الصفحة الأخيرة فوق الطاولة:

"ابحثوا عن الرسالة الأخيرة."

ثم أسفلها بخط مختلف:

"قبل أن يجدها هو."

وانتهى السطر عند توقيع واحد فقط...

الطفل الرابع.

ظل الجميع واقفين في أماكنهم لعدة ثوانٍ.

وكأن عقولهم رفضت استيعاب ما حدث.

اختفى مراد.

في لحظة واحدة.

دون أثر.

وكأن الأرض ابتلعته.

أسرع آدم نحو باب القبو.

تفحص الممر.

ثم عاد غاضبًا.

"مفيش حد."

نظر إليه الراوي ببرود.

"أكيد فيه مخرج تاني."

كان واضحًا أنه لا يحب الاعتراف بذلك.

لكن مراد سبقهم بخطوة أخرى.

كما فعل دائمًا.

تقدمت رهف نحو الطاولة.

وأعادت قراءة الجملة المكتوبة.

ابحثوا عن الرسالة الأخيرة.

ثم:

قبل أن يجدها هو.

شعرت بشيء غريب.

شيء لم ينتبه له الآخرون.

مراد لم يكتب الرسالة.

الخط مختلف.

والحبر مختلف.

وكأن شخصًا آخر كان هنا قبل دقائق فقط.

شخص ترك لهم تحذيرًا.

أو طلب استغاثة.

مدت يدها نحو الصفحة.

فلاحظت شيئًا صغيرًا أسفل الورقة.

زاوية بيضاء بارزة.

سحبتها بحذر.

لتخرج صورة قديمة.

صورة مهترئة الأطراف.

تجمع أربعة أطفال.

رهف.

رفيف.

سلمى.

والطفل الرابع.

لكن الغريب...

أن الصورة كانت مختلفة عن تلك التي رأوها سابقًا.

في الخلفية ظهر مبنى قديم.

وفوق الباب لوحة معدنية صغيرة.

كبر آدم الصورة أمام الضوء.

ثم قال:

"دي مش جمعية الأفق."

اقترب فارس.

وعندما رأى اللوحة...

تغير وجهه فجأة.

"مستشفى النور."

التفت الجميع إليه.

قالت رهف:

"إيه مستشفى النور؟"

أجاب بصوت منخفض:

"مكان اتقفل من أكتر من عشرين سنة."

سكت قليلًا.

ثم أكمل:

"وهناك بدأت التجربة الحقيقية."

شعرت رهف بقشعريرة.

كانت كل إجابة تفتح عشرة أسئلة جديدة.

لكن قبل أن تتكلم...

انحنت رفيف فجأة نحو الأرض.

التقطت شيئًا صغيرًا.

ثم فتحت كفها.

كان مفتاحًا آخر.

أصغر من مفتاح القبو.

وعليه رقم محفور.

4

ساد الصمت.

قال الراوي:

"ده مكانش هنا من شوية."

أومأت رفيف.

"حد سابه."

نظر الجميع إلى بعضهم.

ولم يكن هناك سوى احتمال واحد.

مراد.

لكنه لماذا يترك لهم دليلًا؟

ولماذا يساعدهم أصلًا؟

---

في الجهة الأخرى من المدينة...

كانت سلمى تقف أمام نافذة الغرفة التي احتُجزت فيها مع نادين.

لكن هذه المرة...

لم تكن هادئة.

منذ ساعة تقريبًا وصلتها رسالة.

رسالة جعلتها تفقد لون وجهها.

لاحظت نادين ذلك.

وقالت:

"إيه اللي حصل؟"

لم تجب سلمى فورًا.

ظلت تنظر إلى شاشة الهاتف.

ثم همست:

"لقوه."

شعرت نادين بالتوتر.

"لقوا مين؟"

أغلقت سلمى الهاتف.

وقالت بصوت مرتجف:

"الطفل الرابع."

ساد الصمت.

ثم أضافت:

"أو هو اللي لقاهم."

---

عاد الجميع لتفتيش القبو.

وبعد نصف ساعة من البحث...

اكتشف آدم شيئًا غريبًا.

خلف إحدى الخزائن المعدنية.

كان هناك درج مخفي.

احتاجوا عدة دقائق لفتحه.

لكن عندما انزاح أخيرًا...

ظهر صندوق خشبي صغير.

قديم جدًا.

مغلق بقفل صدئ.

نظرت رهف إلى المفتاح رقم 4 في يدها.

ثم إلى الصندوق.

شعرت أن قلبها بدأ يدق أسرع.

وضعت المفتاح داخل القفل.

وأدارته ببطء.

صدر صوت خافت.

ثم انفتح الصندوق.

وفي داخله...

لم يكن هناك ذهب.

ولا وثائق.

ولا تسجيلات.

بل شيء أبسط بكثير.

دفتر أسود.

قديم.

ومهترئ.

يشبه بشكل مخيف دفتر رهف الشخصي.

رفعت رهف الدفتر ببطء.

وعلى الغلاف كانت توجد كلمات مكتوبة بخط اليد:

"الرسائل التي لم تُرسل."

تجمدت رهف.

وتجمد الجميع معها.

لأن هذا الاسم لم يكن مجرد عنوان.

بل الاسم نفسه الذي كانت تكتبه أعلى صفحات دفترها منذ سنوات.

شعرت بأن أنفاسها اختنقت.

وقالت بصوت يكاد لا يُسمع:

"مستحيل..."

فتحت الصفحة الأولى.

وكانت هناك جملة واحدة فقط.

جملة جعلت الدم يتجمد في عروقها.

"إذا كنتِ تقرئين هذا الآن يا رهف... فهذا يعني أنني متأخر جدًا."

ارتجفت يدها.

وأكملت القراءة.

"اسمي الحقيقي ليس مهمًا..."

"لكن الجميع ينادونني بالطفل الرابع."

ساد الصمت داخل القبو.

أما رهف...

فشعرت للمرة الأولى منذ بداية هذه الرحلة...

أنها اقتربت فعلًا من الحقيقة.

لكنها لم تكن تعرف أن الصفحة التالية ستكشف سرًا أخطر من كل ما عرفته حتى الآن.

سرًا سيجعلها تشك في كل ذكرياتها.

وفي كل الأشخاص الذين أحبتهم.

بل وفي نفسها أيضًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و العشرون

    خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و العشرون

    توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و العشرون

    تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و العشرون

    كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و العشرون

    ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و العشرون

    الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status