Share

السجن الأسطوري

last update publish date: 2026-06-09 06:00:02

تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.

فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جلد النمر، برائحة الأثاث الخشبي العتيق المعالج برفق.

وجدت ليلى جسدها الرقيق مدثراً بأغطية حريرية سوداء ودافئة، فوق فراش ملكي وثير يتسع لكتلة عضلات مراد الطاغية وعرض منكبيه الشامخين. تحركت بنعومة وسحبت الأغطية عنها لتكتشف أنها ترتدي قميصاً ناعماً من الحرير الأسود السابغ، بديلًا عن رداء الحرير القرمزي الذي مزقته قبضة مراد الشرسة عنوة في ليلة التملك المطلق. ارتجف نحرها الشاحب، وتلمست شفتيها المطبوعتين بأثر قبلته التدميرية العنيفة التي أخرست بها كلماتها وتهم الشك التي زرعها الرائد إياد في قلبها الشاب.

نهضت من الفراش بخطوات مرتجفة، حافية القدمين، ولامست بشرتها الناعمة رخام الأرضية الدافئ بفضل شبكة التدفئة الرقمية المخفية في الأسفل. كان الجناح شاسعاً كقاعة ملوك، يغرق في فخامة مخملية داكنة تحبس الأنفاس؛ الجدران مكسوة بورق حائط من القطيفة الزيتية الداكنة، والستائر المخملية الثقيلة المنسدلة من الأسقف العالية تحجب صقيع الثلوج وتمنع حتى طيف الضوء من التسلل دون إذن. الأثاث مصنوع من خشب الأبنوس النادر ذي النقوش الفضية التي تعكس ومضات باهتة لإضاءة الشموع العسلية التي لا تنطفئ في الزوايا.

تقدمت ليلى نحو الواجهة الزجاجية الكبيرة، وضعت كفيها الصغيرتين فوق الزجاج البارد، ونظرت للخارج بذهول حاد جمد الدماء في عروقها. كانت غابات الصنوبر الكثيفة تكتسي بالبياض الناصع أسفل الجرف، والهاوية السحيقة تمتد كفجوة من صقيع وضباب تعزل القصر تماماً عن العالم البشري. كانت تدرك في تلك اللحظة أنها انتقلت من قفص عائلتها المحصن بالبنادق الرسمية إلى "سجن أسطوري مخملي" يديره رجل لا يعترف بقوانين الدول.

التفتت بسرعة نحو الباب الفولاذي الضخم ذي المقبض الفضي المصقول، والمدمج في الحائط الخشبي بدقة تكتيكية تحرمها من رؤية أي شفرات قفل ميكانيكية. تقدمت نحو الباب وحاولت فتح المقبض بقوة، لكنه لم يتحرك مليمترًا واحدًا. كان الباب مغلقاً بإحكام هيدروليكي رقمي لا يُفتح إلا عبر بصمة العين أو شفرة التحكم الفضائية الخاصة بمراد السيوفي.

"افتحوا هذا الباب اللعين! أسمعتموني؟ افتحوا الباب!" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وضربت الباب الفولاذي بقبضتها الصغيرة بقوة متولدة من صراعها النفسي العنيف وجنون الغيرة والشك الذي عاد ليشتعل في وعيها المنهك. "أدهم! سليم! أخرجوني من هنا! مراد... يا مراد! أهذا هو عشقك المظلم؟ تحبسني كجارية في حصون صقيعك؟"

لم يجلب صراخها سوى الصدى المكتوم الذي ارتد من جدران القطيفة الزيتية. وفجأة، أصدرت لوحة التحكم الرقمية المخفية بجانب الباب أزيراً متسارعاً باللون الأخضر الخافت، وانفتحت البوابة الفولاذية ببطء ميكانيكي حذر دون أن تحدث صوتاً.

لم يكن الداخل مراد السيوفي بجبروته الشامخ؛ بل كانت فتاة ممشوقة القوام، ترتدي رداءً أسود موحداً وحازماً يخص نخبة الخدم التابعين للمجلس الأعلى السابق، والذين أعلنوا ولاءهم المطلق للنمر بعد مجزرة روما. كانت تحمل في يديها صينية فضية فاخرة تحتوي على طعام مترف ومحاليل طبية، وخلفها في الممر المظلم، كان يقف اثنان من أضخم قتلة المافيا الدولية، يحملون بنادق هجومية صامتة من طراز "هكلر أند كوخ" وتتحرك عيونهم بحذر قاتل وراء النظارات التكتيكية.

"صباح الخير، ليلى هانم،" قالت الفتاة بنبرة منخفضة، هادئة وصارمة للغاية تخلو من أي تعاطف بشري. "أنا تُدعى 'إيلينا'.. سيادة مراد بيه أمرني بتولي رعايتكِ الشخصية وتوفير كافة سبل الراحة الفاخرة لكِ داخل الجناح."

اندفعت ليلى نحو البوابة محاولة تخطي إيلينا ورجال الحراسة، وصاحت بنبرة تفيض بكبرياء يرفض الخضوع: "ابتعدي عن طريقي! أريد الخروج من هذا القصر فوراً! أين هاتف الخروج؟ أين أدهم الجارحي وسليم؟ أريد تواصلًا خارجياً مع عائلتي في العاصمة!"

تحرك الحارسان الضخمان في ذات جزء الثانية الخاطف، وسدا فراغ الممر بعرض منكبيهما الشامخين وفوهات بنادقهما الساخنة، ببرود فتاك منع ليلى من التقدم إنشاً واحداً.

تراجعت إيلينا خطوة، وضعت الصينية فوق الطاولة الرخامية، والتفتت نحو ليلى بنظرة تقطر بالمؤامرات والتعليمات السيادية الصارمة. "معذرة، ليلى هانم... التعليمات الصادرة من مراد بيه شخصياً فتاكة ولا تقبل النقاش أو التراجع،" قالت إيلينا بصوتها الرخيم الهادئ. "يُمنع منعاً باتاً خروجكِ من هذا الجناح المخملي، ويُمنع أي تواصل خارجي أو شبكي مع العاصمة أو مع جهاز المستشار أدهم الجارحي. القصر برمته معزول تكتيكياً عبر منظومة تشويش فضائية تديرها شفرات سليم الرقمية بأمر النمر."

"عزل كامل؟" همست ليلى، وتراجع جسدها المرتجف ليرتطم بحافة الفراش الوثير. شعرت بمرارة الشك النفسي الممنهج الذي زرعه إياد في قلبها يعود ليزلزل كيانها. هل كان حبسها هنا لحمايتها من بقايا المافيا الدولية كما يدعي مراد، أم أنه حبس تملكي لمنع عقلها من فك شفرات الخديعة؟ لمنعها من معرفة ما إذا كان قد استخدمها كطعم تكتيكي لسرقة المليارات السويسرية؟

"أين مراد؟" سألت ليلى بصوت مبحوح ممزق، وعيناها العسليتان تشعان بنيران شغف مظلم مستهلك لروحها. "أين هو ليواجهني بنفسه بدلاً من الاختباء وراء بنادق حراسه القتلة؟"

"مراد بيه يتواجد الآن في قاعة العمليات السفلية مع سليم، يدير خطوط الدفاع والاتصالات الحربية ضد أسطول أليكساندر واللواء رأفت علام،" أجابت إيلينا وهي تتحرك ببرود نحو المخرج. "لقد طلب مني إبلاغكِ بقسمه الدموي الليلة الماضية: حتى لو تآمر ملوك العالم برمتهم، ستبقين ممتلكاته الخاصة التي لا يحق للضوء أن يمس بشرتها الشاحبة دون إذنه. تناولي طعامكِ يا هانم... التمرد هنا لا يغيّر قوانين التملك التي صاغها النمر بالدم."

انسحبت إيلينا بخطوات منسقة، وانغلقت البوابة الفولاذية الضخمة وراءها بدوي مكتوم أعلن تفعيل الحصار التام. سقطت ليلى فوق حرير الفراش الأسود، وقبضت بيديها الصغيرتين على الأغطية الحارقة والدموع تنهمر كالشلالات فوق وجنتيها الشاحبتين. تداخلت لذة تملكه الشرس برعب عتمته المطبوعة في خلايا روحها؛ كانت تعلم أن عقل الصراعات يحاول تدميرها بالشك، لكن وجدانها المطبوع بأثر أنفاسه الحارة يعلم أنها أنثى مراد السيوفي التي انصهرت عروقها لتكون ملكه رغماً عن حصون الدول وصراعات الملوك، لتستسلم مجدداً لعزلتها المظلمة في انتظار مواجهة عنيفة قادمة تحرق أسوار الصقيع برمتها...

كان سكون الجناح الملكي المطبق يبدو كهدوء ما قبل الانفجار التكتيكي في أحشاء منشأة عسكرية مغلقة. لم يكن الهواء الصامت المحيط بـ ليلى رفيقاً لوعيها المنهك؛ بل تحوّل إلى جدران وهمية من الكبرياء والشرخ النفسي تضغط على صدرها الفاتن لتسلبها القدرة على التقاط أنفاسها اللاهثة. على جبال الألب، كان الصقيع يفرض سيادته البيضاء على القمم الخارجية، لكن في الداخل، كان دم ليلى العسلي يغلي بنيران تمرد وحشي، تمرد ولِد من رحم الشك المسموم الذي زرعه الرائد إياد في عروقها، واكتمل بحبسها المطلق وراء بوابات مراد الفولاذية الموصدة.

نظرت ليلى إلى الصينية الفضية المترفة التي وضعتها إيلينا فوق الطاولة الرخامية. كانت الأطعمة الفاخرة والمحاليل الطبية المصممة لإعادة بناء طاقتها الجسدية تبدو في عينيها العسليتين كأدوات ترويض ذكية، أدوات يستخدمها النمر لتهدئة فريسته الفاتنة حتى تنصهر تماماً تحت وطأة ملكه، رغماً عن المؤامرات الدولية التي تدور حولهما.

"أيعتقد أنني سأخضع لقوانين تملكه الملوكي بهذه السهولة؟"

خرج صوتها بحّة حادة، ممزقة، وعيناها تشعان بغضب تدميري عارم. وبحركة تكتيكية مفاجئة وسريعة للغاية، اندفعت نحو الطاولة الرخامية، وبكل ما أوتيت من قوة استمدتها من صراعها الوجداني، قبضت على حافة الصينية الفضية وقذفت بها في الهواء رغماً عن ضعف بنيتها. ارتدت الصينية بعنف، وتناثرت الأواني الفاخرة لتتحطم فوق الرخام البارد بدويّ معدني عنيف زلزل أركان الجناح الصامت، وسالت المحاليل الطبية لتلطخ السجاد المخملي الداكن في لقطة أعلنت بداية الثورة الشرسة.

لم يهدأ البركان بداخلها عند هذا الحد؛ بل تحولت ليلى إلى كتلة من الفوضى البشرية الخالصة لإجبار مراد السيوفي على الخروج من قاعة العمليات السفلية ومواجهتها عيناً لعين. تحركت بخطوات ملكية ثائرة ورداء حريرها الأسود يرفرف حول جسدها الرقيق المرتجف، وامتدت يداها الصغيرتان الموشومتان بنعومة حارقة نحو التحف والمقتنيات الكريستالية الفاخرة التي تزين أرجاء الجناح.

قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها.

"أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status