Home / الرومانسية / رسالة إلى الشيطان / صدام العشق والشك الحارق

Share

صدام العشق والشك الحارق

last update publish date: 2026-06-08 06:00:10

ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم.

"سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"

عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه النافرة؛ فكرة أن هذا الطبيب الغامض يجلس مع أنثاه الفاتنة في عتمة الليل، ويمس يدها الناعمة ليزرع الشك والخديعة النفسية في قلبها العسلي، كانت كفيلة بجعله يدمر حصون دولهم برمتها.

"سليم..." همس مراد بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة ذكورية ساحرة ومخيفة تغلغلت في خلايا روحه المستهلكة بالعشق والغضب. "أغلق بوابات الطوارئ الفولاذية لغرفة العمليات الغربية عبر النظام الفضائي؛ أريد عزل أدهم الجارحي ورجاله داخل جحرهم لمدة خمس دقائق فقط. سأذهب بنفسي لتطهير الجناح الشرقي ونزع رأس هذا الطبيب وإعادة كتابة شريعتي بالدم تحت قدمي قطتي الفاتنة!"

"علم يا مراد بيه... تم تفعيل الإغلاق الهيدروليكي العازل لأدهم الآن!" جاء صوت سليم المرتعش عبر سماعة الأذن الرقمية.

تحرك مراد بخطوات ملكية سريعة وثابتة عبر الممرات الداخلية الضيقة والفاخرة للقصر السري. كانت إضاءة الطوارئ الحمراء ترسم ظلالاً وحشية لجسده الطاغي فوق جدران الحجر الجيري العتيق. مر بجانب ثلاثة حراس آخرين في الردهة الرئيسية؛ وبلمحة عين خارقة، أطلق رصاصات صامتة ودقيقة من مسدسه الرشاش الثقيل لتخترق معاصمهم وجباههم ببرود عسكري خارق، ليسقطوا جثثاً هامدة فوق السجاد المخملي الداكن دون أن تفارق عينيه الصقريتين تلك البوابة الخشبية الضخمة ذات النقوش الذهبية المؤدية للجناح الشرقي.

كان يتنفس الصعداء بجوع ملكي، والأدرينالين يضخ بغزارة في عضلات صدره ليقاوم وطأة النزيف الحاد في ظهره. لم يعد هناك مجال للخوف أو التراجع، بل زحف مقدس لنمر لا يسمح لجلاد أو صياد آخر أن يلمس ممتلكاته الخاصة.

وقف أمام بوابة جناح ليلى، وقبض بيده الفولاذية الكبيرة على مقبض الباب، مستعداً لاقتحام الغرفة الحمراء وإعادة فرض تملكه المطلق والشرس فوق جسد ووعي أنثاه الفاتنة، رغماً عن مؤامرات العاصمة وحصون الملوك التي ستتحول الليلة إلى رماد تحت وطأة أنفاسه الحارة المشحونة بالعشق والدمار الشامل...

لم يكن الاقتحام دويّاً ميكانيكياً فحسب، بل كان إعصاراً بشرياً اقتلع الحصون الخشبية للجناح الشرقي لتتداعى معه كل حواجز الصمت التي فرضتها أسوار الجارحي. اندفعت البوابة الضخمة ذات النقوش الذهبية لتتحطم مفصلاتها الفولاذية تحت وطأة ركلة قاطعة من قدم مراد السيوفي الصلبة، مرسلةً شظايا الأخشاب الفاخرة لتتناثر فوق السجاد المخملي الداكن كرماد تذروه الرياح وسط المعركة.

في تلك اللحظة الخاطفة التي جمدت الدماء في العروق، تجسد جبروت النمر كآلة دمار فتاكة. خطا مراد داخل الجناح بكامل طوله الشامخ وهيبته الطاغية التي تسلب الأنفاس، وكان رداء الكوماندوز الأسود الملتصق بجسده الفاره يقطر بماء المطر والعرق، بينما كان معطفه الجلدي يرفرف خلفه ببرود مميت. عيناه الصقريتان الحادتان تحولتا إلى كتلتين من الجمر القاني المشتعل بنيران غيرة عمياء تعمي بصيرته عن شلل العالم؛ تفقد الغرفة في لمحة عين صاعقة، ليتسمر كالنمر الشرس عندما وقعت نظرته الفتاكة على ليلى.

كانت ليلى تقف في منتصف الغرفة، ورداء الحرير القرمزي الداكن يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نحرها الشاحب الذي تلون بومضات الإضاءة الحمراء المتقطعة لصافرات الإنذار. وعلى بعد خطوتين منها، كان الرائد الدكتور إياد مهران يقف متصلباً، ملامحه الوسيمة الشرسة تلونت بصدمة حادة لم يتوقعها ضابط مخابرات برتبته، ويده كانت لا تزال معلقة في الهواء بعد أن كان يلمس معصم ليلى قبل ثانية واحدة ليزرع سم الشك في وعيها.

"مراد..."

خرج الاسم من بين شفتي ليلى كشهقة ممزقة، كصرخة دوت من أعماق القبر. اتسعت عيناها العسليتان بذهول حاد جمد الأنفاس في صدرها الفاتن، وتلاشت قدرتها على الحركة وهي تراه حياً.. تراه بكامل عضلات صدره الطاغي وعرض منكبيه، رغماً عن رصاصة الغدر والنزيف الحاد الذي كان يتدفق دماً قرمزياً دافئاً من كتفه الخلفي ليلطخ سواد ثيابه. عاد إليها كل شغفها المظلم في تلك اللحظة، لكنه امتزج فوراً بإعصار الشك النفسي الممنهج الذي غرزه إياد في قلبها الشاب.

لم يمنح مراد إياد فرصة للتراجع أو سحب سلاحه الميري؛ بلمحة عين خارقة للأدرينالين، اندفع مراد كوحش كاسر يقتلع ممتلكاته من مخالب الصيادين. سدد قبضته الفولاذية اليسرى مباشرة نحو فك إياد بضربة تدميرية قاطعة، أرسلت ضابط المخابرات الفاره متدحرجاً بعنف فوق الأرضية الرخامية ليرتطم بالطاولة الخشبية التي تحطمت تحت ثقل جسده، فاقداً الوعي والدم يتدفق من فمه الموشى بالوسامة الشرسة.

التفت مراد بكامل كبريائه الملوكي نحو ليلى، واقترب منها بخطوات ملكية سريعة وثابتة تحمل الوعيد والتملك المطلق. وبذراعه الفولاذية الضخمة التي كانت تنبض بعروق نافرة من فرط الغيرة، أحكم قبضته حول خصريها الضيق وجذبها إليه بعنف وشغف أعمى، ليرتطم جسدها المرتجف بصدره العريض الحار، ولفحت أنفاسه المبحوحة عنقها الفاتن كالجمر الذي يذيب صقيع الحبس.

"ألم أخبركِ من قبل يا قطتي الفاتنة؟" همس بصوته الرخيم الجهوري المبحوح، وبحته الذكورية الساحرة تتغلغل في خلايا روحها، "حتى لو انشطرت الأرض لنصفين، وتآمرت خيانات العاصمة برمتها، ستبقين أنثى مراد السيوفي التي لا تخرج من قبضته إلا إلى قبر يضم كفني وكفنها معاً! أتحمين رجلاً آخر في عتمة الليل؟ أيدع عيناه تتأملان نحركِ الشاحب أمامي؟"

لكن، وبخلاف المرات السابقة التي كانت ليلى تنصهر فيها تحت وطأة لمساته الشرسة، استيقظ داخلها بركان الرفض والكبرياء الممزق بالخديعة النفسية. تذكرت كلمات إياد المسمومة: "استخدمكِ كدرع بشري وطعم تكتيكي لسرقة المليارات"، فنبت الشك القاتل في عروقها كالأسيد الحارق.

بكل ما أوتيت من قوة استمدتها من صراعها النفسي العنيف، رفعت يديها الصغيرتين المرتجفتين ودفعته في صدره العريض بكل قوتها، صامدة في وجه وحشيته وجبروته الشامخ. حاولت انتزاع جسدها من محيط ذراعه الدافئة التي ترفض الإفراج عنها أنشاً واحداً.

"ابتعد عني! اتركني يا مراد!" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وعيناها العسليتان تفيضان بدموع العشق المظلم الممتزج بالحقد والوجع الشديد. "لا تلمسني بقبضتك القذرة! لا تقترب من أنفاسي! لقد كشفوا لي كل شيء... كل دهاليز سيادتك وتكتيكات دمك اللعينة! أنت لم تأتِ لإنقاذي لأنني حرمك الفاتنة كما تدعي... أنت جئت لأنك لا ترحم الضعف، ولأن كبرياء المافيا الدولية يمنعك من ترك فريستك لصياد آخر!"

انقبضت ملامح مراد الوسيمة بشغف عارم وذهول حاد من تمرد قطته، لكن قبضته الفولاذية حول خصرها لم تفرط فيها؛ بل زادت إحكاماً وتملكاً رغماً عن ضرباتها المتتالية فوق صدره الملطخ بدمائه وبحرارة بشرته.

"ليلى! استعيدي وعيكِ قبل أن أحرق هذا الحصن فوق رؤوسهم!" زأر مراد بصوته الجهوري المبحوح، وعيناه الصقريتان تخترقان وعيها بنيران غيرة عمياء. "أتنصتين لخديعة ضابط مخابرات أرسلته العاصمة ليقتلع أثري من عروقكِ؟ خضوعكِ لي كتبناه بالدم وسط رماد صخرة الغراب، ولن أسمح لسموم دولهم أن تلوث ملكي!"

"أنت من لوث كل شيء يا مراد!" هتفت ليلى بصوت متهدج ممزق، والدموع تنهمر كالشلالات فوق وجنتيها الشاحبتين وهي تتأرجح في أحضانه بعنف ورغبة عارمة في الهروب من تأثير عطر عوده الحاد الذي يسلبها القدرة على التفكير. "إياد أخبرني بالحقيقة... أنت استخدمتني كطعم تكتيكي لتشغل البارون إدوارد وأساطيل المنظمة الدولية! تركتني معلقة بين نيران قاذفات اللهب والتدمير الذاتي فقط لتضمن عبر سليم الاختراق النهائي للمليارات السويسرية وتحويلها لحساباتك! لقد جعلت مني بوقاً لخياناتك، وجعلت من عاطفتي درعاً لسيادتك الملوكية في روما! أنت جلاد متملك.. جلاد أعمى لا يرى فيّ سوى ممتلكات خاصة يحبسها في غرف المخمل!"

عند سماع اتهاماتها بالخداع والاستغلال، انفتحت نيران الجحيم في عيني مراد الصقرية. لم يكن الألم الحاد المتدفق من النزيف الخلفي لكتفه يضاهي فظاعة الوجع النفسي الذي أصاب كبرياء الطاغية الأكبر وهو يرى الشك ينبت في قلب أنثاه. تحركت أنفاسه الحارة اللاهثة بعنف، وجثا بجسده الفاره فوقها بالكامل محاصراً إياها ضد الجدار الخرساني السميك للجناح، مثبتاً معصميها الناعمين بيده اليسرى فوق رأسها بقوة شرسة لا تنثني.

"استغلال؟" همس مراد بصوت رخيم مبحوح يقطر بحق بحّة الموت، ونبرته تحمل قسوة لا ترحم الضعف وتغلغلت في أعمق خلايا روحها المستهلكة بالعشق المظلم. "لو كان تملكي لكِ استغلالاً يا قطتي الفاتنة... لما وضعتُ ظهري وكتفي كترس بشري ليتحمل صدمة شظايا البارون! لو كان وجودكِ في عروقي مجرد ورقة تكتيكية... لما جئتُ الليلة بطائرة شبحية واخترقتُ منظومة الدفاع الجوي لعائلتكِ وصنعتُ مجزرة بروتوكولية برسم الدم لأقتلع رأس هذا اللعين الذي يتجرأ على لمس معصمكِ! عقلكِ المنهك بمؤامرات العاصمة يحاول الخروج من قبضتي... لكن وجدانكِ المطبوع بأثر قبلاتي يعلم أنكِ خُلقتِ لتكوني حرم النمر رغماً عن حصون الدول وصراعات الملوك!"

نظرت ليلى إلى عينيه اللتين عاد إليهما كل شغفهما المظلم الشرس، ورأت جرح كتفه ينزف دماءً قرمزية دافئة بدأت تسيل لتلطخ رداء حريرها القرمزي، لتختلط دماء النمر بلون ثوبها في لقطة مرعبة جمدت الأنفاس داخل الصدر. تداخلت مشاعر الخوف العارم بلذة تملك شرس لا يرحم، وشعرت بحصون شكوكها تتزلزل رغماً عنها تحت وطأة طغيانه وجبروت أنفاسه الحارة التي تذيب صقيع خديعة إياد.

"مراد... أنت تدمرني..." همست بصوت مخنوق بالدموع والشغف المظلم، وقبضت بأصابعها المرتعشة على ياقة رداءه الكوماندوز الأسود. "أنت تملكني برعبك وعشقك المظلم، لكن عتمتك تحرق روحي... لا تتركني لشكوكهم، ولا تأخذني لعالم دمائك!"

انقبضت ملامحه الوسيمة الشامخة بشغف عارم، وتلاقت نظرات الجبارين في خضوع تام لسيطرة نمر لا يعرف التراجع. انحنى بكامل هيبته وفخامته، والتهم شفتيها بقبلة تدميرية، عنيفة وحارقة للغاية، قبلة سحبت منها آخر ذرات المقاومة وأخرست كلمات الشك والتمرد، معلناً خروجها من حصن الجارحي وعودتها المطلقة لملكه وعرينه رغماً عن حصون الدول وخيانات الملوك برمتها...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   الشك القاتل

    امتدت أصابع ليلى الناعمة لتتحرك فوق شاشة الجهاز ببطء مميت، والعرين يتفصد من جبينها الشاحب ونحرها الفاتن يرتجف بفعل فيضان الأدرينالين الخالص. كانت الوثائق تعرض تقارير استخباراتية قديمة ومزيفة بدقة متناهية، تتهم مراد السيوفي بأنه كان العقل المدبر وراء صفقة سلاح دولية مشبوهة نُفذت في روما قبل خمس سنوات، وهي ذات الصفقة التي تسببت في مقتل عم ليلى (والد المستشار أدهم الجارحي) وتدمير الذراع المالي لعائلتها في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل احتوت الوثائق على تسجيلات صوتية مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التكتيكي، يظهر فيها صوت مراد الجهوري المبحوح وهو يتحدث ببرود مميت مع البارون إدوارد عثمان قائلًا: "عائلة الجارحي يجب أن تُسحق في العاصمة، وابنتهم ليلى ستكون المفتاح البديل الذي سنستخدمه لشل حركتهم وسحب المليارات السويسرية رغماً عن حصون قوانينهم."نزلت هذه البيانات المسمومة فوق رأس ليلى كصاعقة تدميرية اقتلعت بقايا الاستقرار الحميمي الذي عاشته بين أحضانه. تزلزل كيانها النفسي بالكامل، وشعرت بشرخ عاطفي مرعب يتسع في زوايا روحها المنهكة. تذكرت اعتراف مراد الصادق أمام نيران المد

  • رسالة إلى الشيطان   الرسالة المخترقة

    انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بغيرة عمياء وشغف عارم، وقبل أن ينطق بكلمة لتهدئة روعها وإعادة فرض سيادته، أصدرت لوحة التحكم الرقمية المخفية بجانب البوابة الفولاذية أزيراً حاداً ومتسارعاً باللون الأحمر الخافت، وانفتحت البوابة ببطء ميكانيكي حذر ليعلن عن قطع لحظة تلاحمهما الرومانسي.دخل سليم بخطوات متعثرة، لاهثة ومذعورة للغاية، وهو يقبض على حقيبته الرقمية المعدنية بإحكام كأنها حياته برمتها. كان وجهه الشاب شاحباً كالموت، والعرين يتصبب من جبينه بمجرد أن تلاقت عيناه بجبروت مراد السيوفي الطاغي الذي لا يرحم المقاطعة في أوقات خلوته بحرمه."مراد بيه... معذرة على الاختراق المفاجئ للجناح!" صاح سليم بنبرة مخنوقة بالذعر الحاد والتكتيك، وهو يتراجع خطوتين للخلف بوجل خوفاً من بطش النمر. "الوضع التكتيكي بالخارج انهار بالكامل، والهدوء الحالي ما هو إلا خديعة رادارية كبرى أدارها المجلس الأعلى للمافيا في روما بالتعاون مع أجهزة العاصمة!"نهض مراد بكامل طوله وهيبته الفتاكة، وسحب ياقته ببرود مميت يتناقض تماماً مع ثورته قبل ثوانٍ، وتلاقت عيناه الصقريتان بعيني سليم بنظرة تقطر ببحّة الموت والوعيد المط

  • رسالة إلى الشيطان   الاعتراف المظلم

    تراقصت ألسنة اللهب البرتقالية الشرسة داخل تجويف المدفأة الحجرية العتيقة، مطلقةً طرقعة حادة وجافة لجذوع حطب البلوط التي كانت تلتهمها النيران بجوع مستعر. صبغت الإضاءة الدافئة عتمة الكوخ الخشبي بظلال ملحمية طويلة، تمددت فوق جدرانه السميكة وسجاده المصنوع من جلد الدب الطبيعي، لتعزل الجبارين تماماً عن صخب العاصفة الثلجية التي كانت تزمجر في الخارج، وتضرب جبال الألب السويسرية بعنفوان قطبيّ حاد. لم يعد هناك وجود لأساطيل أليكساندر الشبحية، ولا لصواريخ كروز البحرية التابعة للواء رأفت علام في العاصمة؛ فقد انصهر كيان الكون برمتّه ليدور في فلك تلك المساحة الصغيرة المضاءة بالنار والبارود المالح. وسط هذا الدفء الحارق المتسلل إلى أطرافها الناعمة، كانت ليلى تجلس محتواة بالكامل بين أحضان مراد السيوفي، وجسدها الرقيق المدثر بالبطانية الصوفية السميكة قد تخلص أخيراً من رعب التجمد ونوبات الذعر الميكانيكية التي عقبت محاولة الهروب الفاشلة. تلاقت عيناها العسليتان اللتان لا تزالان تلمعان بدموع الوجع والشرخ النفسي بصدره العريض العاري، حيث كانت قطرات دمائه الملكية الدافئة قد بدأت تتخثر ببطء فوق عضلاته

  • رسالة إلى الشيطان   دفء وسط الصقيع

    كانت أنفاس ليلى تخرج من صدرها الفاتن على هيئة سحب بيضاء متقطعة، تتلاشى بسرعة وسط إعصار الجليد الذي يمزق أحشاء غابة الصنوبر المحيطة بأساسات القصر المعزول. لم يعد كبرياء التمرد الذي قاد خطاها خارج قفص مراد المخملي سوى ذكرى باهتة تتجمد في عروقها؛ فقد تحوّلت المسارات البيضاء ل جبال الألب السويسرية إلى متاهة مغلقة من الصقيع القطبي الطاغي، الذي كان يخترق ثيابها وألياف الكربون العازلة لمعطفها، ليمتص آخر ذرات الطاقة البشرية من جسدها الرقيق. انزلقت قدماها الشاحبتان فوق تلال الثلج المتراكم، واهتز وعيها بالكامل تحت وطأة انخفاض حاد في الحمل الحراري لدمها العسلي، لتترنح كأوراق شجر في مهب عاصفة بركانية، وتكاد تسقط مغشياً عليها في جوف الهاوية المتجمدة.وفي تلك اللحظة الخاطفة التي جمدت الدماء في كيان الكون، وتحديداً بعد ثوانٍ من سقوط الملازم كارل جثة هامدة وسط الثلوج، اندفع جبروت مراد السيوفي كآلة إنقاذ وحشية خارقة لكل المقاييس الفيزيائية. ومع بداية ميلان جسدها المرتجف نحو الأرضية الجليدية الباردة، لم ينظر النمر إلى مروحيات أليكساندر الشبحية التي كانت تمزق الغلاف الجوي بالأعلى، ولم يلتفت إلى إن

  • رسالة إلى الشيطان   مطاردة الفريسة

    تسلل مارك من فتحة النافذة، ووجهه الشاب مشوه ببرودة الطقس وذعر المطاردة الدولية، وكان يحمل معطفاً فضفاضاً مصنوعاً من ألياف الكربون العازلة للحمل الحراري."بسرعة يا ليلى هانم! سليم يواجه الآن اختراقاً مضاداً من روما، ومروحية أليكساندر الشبحية تم رصد طيفها اللاسلكي على بعد عشرة أميال!" همس مارك بصوت مخنوق بالذعر الحاد، وعيناه الزرقاوان تلتفتان بنظرات مرعوبة نحو الممرات الداخلية للقصر. "مراد السيوفي سيعلم بغيابكِ في أي ثانية، وإن لم نصل إلى عمق الغابة الثلجية أسفل الجرف قبل تفعيل الحراسة الآلية... فلن يتبقى منا سوى جثث تتفحم تحت وطأة خنجره الفضي!"لم تنطق ليلى بكلمة؛ بل ألجمت لسانها لوعة العشق المظلم الذي يمزق أحشاءها. نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة، إلى الفراش الملكي الوثير المكسو بالحرير الأسود حيث انصهرت مقاومتها بالكامل تحت وطأة أنفاس مراد الحارة، وشعرت بشرخ نفسي مرعب يتسع بين رغبتها في الحرية وهوسها بتملك النمر الذي وشم جسدها باسمه. قبضت بيديها الصغيرتين المرتجفتين على حافة المعطف العازل، واندفعت خلف مارك عبر فتحة النافذة نحو الممر الخارجي الضيق المعلق في الهواء كجسر سري فوق

  • رسالة إلى الشيطان   شرخ في جدار التملّك

    كانت الغرفة الأسطورية الشاسعة تغرق في صمتٍ مطبق يحمل في طياته هيبةً جنائزية، كأنها قاعة معزولة في حصنٍ تهاوت دونه عروش الجبابرة. تلاشت تدرجات الضوء البرتقالي الشرس لليلة الشغف العنيف، ليحل محلها وهج رمادي شاحب، منبعث من خلال الألواح الزجاجية العملاقة المصفحة ضد القذائف والانفجارات. خلف ذلك الزجاج المنيع، كانت جبال الألب السويسرية تبدو ككتل من الغرانيت المتجمد، تلتف حولها سحب الضباب الكثيف المنبعث من الهاوية السحيقة أسفل الجرف، بينما كانت العاصفة الثلجية تضرب الجدران الخارجية بدوي تكتيكي مكتوم يشبه نبضات قلب الأرض المذعورة.فوق الفراش الملكي الوثير، المكسو بالحرير الأسود الداكن، كانت ليلى مستيقظة منذ ساعات الفجر الأولى. كان جسدها الرقيق، الملفوف برداء الحرير الأسود الناعم، ينبض بحرارة دافئة متبقية من أثر الاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادة النمر. تلمست شفتيها المطبوعتين بأثر قبلاته التدميرية العنيفة، وشعرت ببقايا عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جلد مراد يطوق أنفاسها كالقيد غير المرئي. وعلى الرغم من أن جسدها الفاتن قد انصهر تماماً تحت لمساته الشرسة المليئة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status