بيت / الرومانسية / رسالة إلى الشيطان / رماد الغيرة الحارقة

مشاركة

رماد الغيرة الحارقة

last update تاريخ النشر: 2026-06-07 06:02:35

لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"

​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."

​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.

​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عمياء ووحشية.

​على الشاشة الرقمية الباردة، ظهرت ليلى... قطته الفاتنة، وهي تجلس برداء الحرير القرمزي الداكن الناعم الذي يبرز نحرها الشاحب، وفوق الطاولة الرخامية الملاصقة لها، كان يجلس رجل آخر بكامل طوله وعرض منكبيه الشامخين ووسامته الشرسة؛ إنه الرائد الدكتور "إياد مهران". كانت الصورة تعرض لقطة مقربة حابسة للأنفاس، تظهر فيها يد إياد الكبيرة الدافئة وهي تلتف بنعومة وسحر ذكوري حول يد ليلى المرتجفة، بينما كان وجهه الوسيم قريباً للغاية من وجهها الفاتن، وإبهامه يمسح رقة بشرتها بنعومة تفيض بالتقرب العاطفي المريب. وفي صورة أخرى، كانت ليلى تنظر إلى عيني إياد العسليتين بذهول حاد ودموع تنساب كالشلالات، رضوخاً تحت وطأة حديثه النفسي الدافئ.

​"من هذا؟"

خرج صوت مراد بصيحة مكتومة، زئير جهوري مبحوح تقطر منه أسلحة الموت والوعيد المطلق. نهض بكامل طوله وهيبته الفتاكة، وسحب خنجره الفضي بغضب تدميري عارم جعل عروق معصمه وجبينه تنفر كالأفاعي من فرط الأدرينالين. تزلزلت الأرضية الرخامية تحت وطأة خطواته الملكية السريعة وهو يتقدم نحو الشاشات.

​"هـ.. هذا هو الرائد الدكتور إياد مهران، يا مراد بيه،" أجاب سليم بذهول حاد وجسده يرتعش بالكامل وراء الطاولة. "هو طبيب نفسي وضابط مخابرات رفيع المستوى موالٍ لجهاز العاصمة، أرسله اللواء رأفت علام بذريعة علاج ليلى هانم من صدمة الحرب. لكن التقارير الصوتية المخترقة تؤكد أنه يستخدم العلاج النفسي ليزرع الشك القاتل في قلبها! إنه يخبرها الآن أنك استخدمتها كدرع بشري وطعم تكتيكي للبارون، وأن تملككِ الشرس لها كان مجرد استغلال لسرقة المليارات السويسرية!"

​"أتحميه؟ أينظر إلى عينيها العسليتين ويلمس يدها الناعمة أمامي؟" زأر مراد السيوفي بجنون تملك مطلق أعمى بصيرته عن شلل العالم برمتّه.

​بضربة قاطعة وعنيفة للغاية من قبضته الفولاذية، هوى مراد بخنجره الفضي ليشطر الشاشة الرقمية التي تعرض صورة إياد وهو يمسك يد ليلى إلى نصفين، لتتطاير الشظايا الإلكترونية والشرارات الكهربائية في الهواء، ممتزجة بزئير غيظه ولوعته الشرسة. كان يتنفس الصعداء بجوع ملوكي، وعيناه تقطران ببحّة الدمار الشامل. لم يكن الألم في كتفه المصاب هو ما يحرق كيانه، بل نيران الغيرة الملوكية القاتلة التي اشتعلت في عروقه عند رؤية رجل آخر يتجرأ على لمس ممتلكاته الخاصة... أنثاه التي طبع وجدانها بأثر قبلاته الدموية الشرسة وسط الرماد.

​"إياد مهران..." همس مراد بصوت رخيم مبحوح يقطر بحق بحّة الموت، ونبرته تحمل قسوة لا تنحني أمام حصون الدول وصراعات الملوك، "لقد ارتكبت الخطيئة الكبرى التي لن تغفر في شريعة المافيا الدولية! لقد اعتقدت أن أسوار الجارحي وحصون العاصمة تحميك من نفوذي؟ اقسم بنيراني التي تحرق روما الليلة... واقسم بكل قطرة دم نزفتها لأجل ليلى... سأقتلع عظام صدرك بيدي هاتين، وسأهدم هذا الملاذ الآمن فوق رؤوسكم جميعاً!"

​التفت مراد نحو سليم وعيناه تلمعان بشغف مظلم خالص لا يرحم الضعف. "سليم! جهز مروحيتنا التكتيكية والشحنات المتفجرة فوراً. نحن لن ننتظر معركة المجلس الأعلى في روما؛ وجهتنا الآن هي الشرق الأوسط... إلى معقل الجارحي في سيناء!"

​"ولكن يا مراد بيه... الجبل محاصر بمنظومات دفاع جوي وحساسات حركة حرارية، ورأفت علام يراقب المنطقة!" صاح سليم بذعر.

​"أنا من أسس قوانين الموت في هذا العالم، يا سليم، وأنا من علّم ملوكهم كيف يتنفسون البارود!" قال مراد بصوته الجهوري وهو يسحب مدفعه الرشاش الثقيل بيد واحدة ويغرس خنجره الفضي في غمده الجلدي بكبرياء شامخ. "حرم النمر لا تخرج من قبضته إلا إلى قبر يضم كفني وكفنها معاً، وإذا كان طبيبك هذا يعتقد أنه يستطيع زرع الشك في قلب قطتي الفاتنة... سآتي لأعيد كتابة التاريخ تحت قدميها، ولأنتزعها من حصونهم رغماً عن قوانين دولهم وصراعات ملوكهم برمتها!"

​تحرك مراد بخطوات ثابتة خارج الكنيسة الأثرية وسط ضباب الفجر، تاركاً خلفه شاشات محطمة ورماداً أعلن بداية غضب النمر المدمر واشتعال بركان الغيرة الحارقة التي ستحرق أخضر العاصمة ويابسها لاستعادة أنثاه رغماً عن أنف الجبابرة...

لم يكن الغضب الذي يعصف بجسد مراد السيوفي الفاره مجرد انفعال بشريّ عابر؛ بل كان زلزالاً مدمراً تلاشت معه كل ملامح العقل والمنطق التكتيكي، ليحل محلها جنون الافتراس المطلق. في عمق الكنيسة الأثرية المهجورة، حيث تتشابك ظلال الهيكل الحجري العتيق مع الإضاءة الزرقاء الباردة المتبقية من الشاشات المحطمة، تحوّلت أنفاسه الذكورية الحادة، اللاهثة والمتدفقة بنبرة تفيض بالوعيد والدمار الشامل، إلى جمر يلفح هدوء المكان. تحوّلت عيناه الصقريتان الحادتان بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل، ونفرت عروق جبينه ومعصميه كأفاعٍ تكتيكية تتغذى على الأدرينالين الخالص، معلنةً ثورة نمر أعمى الشغف المظلم بصيرته عن شلل العالم المحيط به.

بقبضته الفولاذية الضخمة التي كانت تنبض بالقوة والوحشية، اندفع مراد نحو الطاولة الخشبية حيث تناثرت النسخ الورقية المطبوعة والتقارير السرية المسربة التي أحضرها سليم. لم يكتفِ بتدمير الشاشات الرقمية؛ بل هجم بيده اليمين ليقبض على تلك الصور الفوتوغرافية التي تجسد خيانة الوعي التي يديرها الدكتور إياد مهران في العاصمة. تلاقت عيناه مجدداً بتفاصيل الصورة: يد إياد تلتف بعاطفة وتقرّب مريب حول معصم ليلى الناعم، وجسده الفاره ينحني فوق فستانها الحريري القرمزي، بينما كانت عيناها العسليتان تفيضان بدموع الشرخ النفسي والشك.

"أتمسك يده؟ أينبت الشك في قلبكِ يا قطتي الفاتنة بعد كل ما كتبناه بالدم؟"

زأر مراد بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة ذكورية ساحرة ومخيفة هزت أساسات الحصن الحجري بالكامل. وبحركة عنيفة، شرسة ومملوءة بكبرياء ملوكي يرفض أن يشاركه رجل آخر في ممتلكاته الخاصة، مزق الصور بيديه العاريتين، محولاً إياها إلى شظايا وقصاصات صغيرة تهاوت فوق الرخام البارد كأوراق الخريف المتفحمة وسط الرماد. لم يكن يمزق الورق؛ بل كان يمزق بوعيه كل الحصون والقوانين الدولية التي تحاول انتزاع "حرم النمر" من بين يديه.

كان سليم يقف على بعد أربع خطوات، وجسده بالكامل يرتعش برعب حقيقي، وعيناه متسعتان بذهول حاد وهو يرى الدماء القرمزية الدافئة وقد بدأت تنزف بغزارة مجدداً من جرح كتف مراد الخلفي، لتسيل فوق قميصه الممزق ومعطفه الجلدي الأسود، رغماً عن مركبات التخثر الطبية. لكن مراد كان في حالة خضوع تام لسيطرة نمر لا يرحم الضعف؛ كان يتجاهل ألم الجسد بجوع ملكي للانتقام وإعادة فرض السيادة.

"مراد بيه... أرجوك، اهدأ قليلاً لنتصرف بحكمة!" صاح سليم بنبرة مخنوقة بالذعر، وهو يحاول حماية ما تبقى من شاشات حقيبته الرقمية. "المؤامرة أعقد مما نظن. الطبيب إياد مهران ليس مجرد ضابط معالج؛ التقارير المشفرة التي سحبتها للتو تشير إلى أن اللواء رأفت علام منح إياد صلاحيات سيادية كاملة لاستخدام ليلى هانم كطعم سياسي. إنهم يريدون توقيعها على وثائق تنازل رقمية تمنح العاصمة رخصة للسيطرة على الأسطول البحري وخطوط إمداد السلاح في الشرق الأوسط، مقابل تسليمها للمجلس الأعلى للمافيا في روما! أليكساندر والبارون إدوارد الراحل وضعوا هذه الخطة لشل نفوذك بالكامل، وإياد ينفذ الخديعة بذكاء نفسي مدمر!"

ارتسمت على شفتي مراد الحادتين ابتسامته الجانية، الساخرة الحادة التي تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الذي لا ينحني أمام بوارج أو طائرات. تقدم خطوتين نحو سليم، وجسده الطاغي يلقي بظلاله الملحمية فوق الطاولة، وقبض بيده الفولاذية على ياقة قميص سليم المرتعش ليقتلعه من فوق الأرض تقريباً.

"سيادية؟ شفرات؟ طعم سياسي؟" همس مراد بصوت رخيم مبحوح، ونبرته تقطر ببحّة الموت والوعيد المطلق الذي تغلغل في خلايا روح سليم المذعورة. "ليلى ليست ورقة تكتيكية في خوادم دولهم، يا سليم! ليلى هي أنثى مراد السيوفي التي لا تخرج من قبضته إلا إلى قبر يضم كفني وكفنها معاً! لقد أخطأ رأفت علام، وأخطأ طبيبه الغامض عندما اعتقدوا أن أسوار الجارحي وحصون العاصمة يمكنها أن تحمي رجلاً يتجرأ على النظر لعينيها العسليتين أو لمس بشرتها الشاحبة! تملككِ في عروقي شريعة كُتبت بالدم، وإذا كان العالم يحتاج إلى مجزرة ليعرف من هو النمر، فسأمنحهم محرقة لم يشهدها التاريخ منذ سقوط روما برمتها!"

ألقى مراد بسليم بعنف فوق المقعد، ثم التفت بكامل طوله وجبروته الشامخ، وسحب مسدسه الرشاش الثقيل ليفحص مخزن الرصاص ببرود مميت يتناقض تماماً مع وحشيته قبل ثوانٍ. تلاقت أفكاره بصورة ليلى، تذكر ملمس خصريها الضيق ونحيرها الفاتن تحت وطأة لمساته الشرسة وسط لهيب "صخرة الغراب"، وشعر بلذة تملك مطلق تعيد بناء طاقته البشرية رغماً عن نزيف الظهر والكتف.

"سليم... كم من الوقت تحتاجه لإعداد خطة التسلل الجوي الأعمى نحو قصر الجارحي في سيناء؟" سأل مراد بصوت جهوري قاطع لا يقبل النقاش أو التراجع.

ابتلع سليم ريقه بصعوبة حادة، وبأصابع مرتعشة بدأ في إدخال الشفرات الرقمية على خريطة ثلاثية الأبعاد للجبل، وأجاب بذهول: "المروحية التكتيكية الشبحية جاهزة في المرفأ السري بضواحي روما، وهي معزولة عن رادارات المنظمة الدولية... ولكن، يا مراد بيه، القصر محاط بمنظومة دفاع جوي صاروخية وحساسات حركة حرارية متطورة يديرها المستشار أدهم الجارحي بنفسه. التسلل يتطلب اختراق نظام البث الفضائي للعاصمة لتعطيل الرادارات لمدة ثلاث دقائق فقط... أي خطأ يعني أن مروحيتنا ستتحول إلى حطام ممتزج بالبحر قبل أن تلمس أقدامنا الرصيف البازلتي!"

"ثلاث دقائق هي أكثر مما أحتاجه لأطهر ممرات قصرهم من الخونة،" قال مراد بصوته المبحوح، ونبرته تحمل قسوة العقيدة وثبات الجبارين. "أدهم الجارحي يعتقد أن شرف عائلته وقانونه يمكنهما الوقوف في وجهي. لقد نسي أنني أنا من علّم البارون كيف يتنفس البارود، وأنا من صاغ قوانين الموت في روما! سليم... فعل الاختراق فوراً، وجهز الشحنات المتفجرة التكتيكية. نحن لن نذهب للاختباء في الجحور؛ نحن ذاهبون لنزع رأس إياد مهران وإعادة كتابة التاريخ تحت قدمي قطتي الفاتنة!"

وقف مراد أمام النافذة الزجاجية المحطمة للكنيسة، وتطلع نحو الأفق المظلم للشرق حيث البحر الهائج يعكس خيانات العواصم ومؤامرات الملوك. قبض بيده اليمنى على قلادة فضية صغيرة كانت ليلى قد تركتها في قصر روما، وضغط عليها حتى انغرزت حوافها الحادة في جلد كفه لتمتزج بدمائه الدافئة، وأطلق قسماً دموياً تزلزلت له أركان المكان:

"اقسم بنيران غيرتي التي تذيب الصقيع... واقسم بكل قطرة دم نزفت من جسدي لأجلكِ يا ليلى... سأحرق أسطول أليكساندر، وسأهدم حصون عائلتكِ وقوانين دولتهم فوق رؤوسهم! هروبكِ تحت الماء لم يكن نهاية اللعبة؛ بل كان بداية الطوفان. سأعود لأنتزعكِ من بين يد طبيبهم الغامض، وسأجعل العاصمة برمتها تركع تحت وطأة أنفاسنا الحارة... رغماً عن حصون الدول وصراعات الملوك، ستبقين ملكي... ملك النمر الذي لا يرحم الضعف!"

التفت مراد بكامل هيبته وفخامته الشرسة، يتبعه سليم الذي انصاع تماماً لجبروت الطاغية الأكبر للمافيا الدولية. انقشع ضباب الفجر ليعلن عن بدء رحلة الدم والسيادة، وبداية مجزرة علنية ستحرق ممرات الملاذ الآمن، وتعيد ليلى المستسلمة للشك إلى أحضان الشغف المستهلك والتملك الشرس الذي لا يموّت...

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status