Masukدوى صوت أجهزة الإنذار اليدوية في أرجاء القناصل المحصنة لعائلة الجارحي كأنه طبول القيامة التي انطلقت فجأة لتمزق سكون الليل الضبابي. انعكست الأضواء الكشافة الحادة والبيضاء المنبعثة من مصابيح بنادق رجال العمليات الخاصة فوق الجدران المخملية البيضاء للجناح، محولةً ملاذي الآمن إلى ساحة إعدام علنية. وتحركت مؤشرات الليزر القرمزية المتشابكة برعب عبر عتمة الغرفة، لتستقر بدقة مخيفة فوق جبهة مراد العريضة وصدره العريض، كأنه طريدة حوصرت في شباك صياد لا يرحم.
رغم فوهات البنادق المشرعة ونقاط الموت المتربصة بجسده، لم يتزحزح مراد أنشاً واحداً. أحسستُ بعضلات ظهره الصلبة كالجدار الرخامي تتصلب بقوة خارقة، وظلت ذراعه الضخمة محيطة بخصري بعنف وشغف عارم، يجذبني إلى صدره الحار كأنه يفرض تملكه الشرس رغماً عن أنوف رجال الدولة وقناصيها. تحركت أنفاسه الحارة المتلاحقة لتلفح بشرة وجنتي المبللة بدموع الذعر، وانحنى برأسه الفاره ليتحدث ببحته الذكورية المبحوحة التي تحمل هالة مرعبة من الجبروت والوسامة الشرسة:
"لا ترتجفي يا قطتي،" همس بصوت منخفض للغاية، لكنه كان قاطعاً كالسيف تغلغل في صخب الإنذارات، "لقد أخبرتكِ سابقاً.. نفوذ أدهم الجارحي وجيشه ليسوا سوى عقبات واهية أمام جنون تملكي بكِ. جئتُ لأستعيد ملكتي، ولن يخرج النمر من هذا الوكر الخائن دون أن ينزع قلب من يجرؤ على حجبكِ عنه."
لم يهتز للمستشار أدهم الجارحي جفن. كان واقفاً على عتبة الباب بكامل هيبته الرسمية الطاغية، معطفه العسكري الكحلي ينسدل حول منكبيه العريضين بكبرياء صارم، ويمسك بمسدسه الرسمي اللامع ببرود مميت. عيناه السوداوان الحادتان كانتا تقطران بغضب مكتوم، وتحركت عضلات فكه الحاد بقسوة بالغة وهو يرى يد مراد ما زالت تتجرأ على لمس ابنة عمه وضمه لحرمه وعنقه الفاتن.
"مراد السيوفي.. لقد بلغت بك السذاجة حداً جعلتك تظن أن اختراق الأنظمة السيبرانية لقصر الجارحي بالأمر الهين،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة العسكرية التي لا تنحني، "الانقطاع المفاجئ للكهرباء وتعطل أجهزة المراقبة لم يكن سوى طعم نسيجه لك رجالي بالتعاون مع جهاز الأمن الوطني، لأننا نعلم أن رجل المافيا لا تحركه العقول بل تقوده غرائزه وتملكه الطائش. أنت الآن في عقر دار الدولة، ورصاص رجالي لا يعرف الشروط أو التفاوض."
خطا أدهم خطوة واسعة نحو الأمام، ليدوي حذاؤه العسكري بقوة فوق الأرضية، ورفع مسدسه ليوجهه مباشرة نحو قلب مراد، وأكمل بنبرة قاطعة:
"تنحَّ عن ليلى، وضَع سلاحك أرضاً واركع على ركبتيك. إذا حركت أنملة واحدة نحو مسدسك الفضي.. سأعطي الأمر فوراً بتحويل هذا الجسد الموشوم إلى رماد أمام عينيها، ولن ينقذك اتفاق الأمس بعد أن انتهكت حرمة قصرِي."
في تلك اللحظات المشحونة برعب لا مثيل له، تلاقت نظراتي بنظرات مراد الصقرية المشتعلة بالشغف الخالص والتحدي الانتحاري. رأيت يده اليمنى تتحرك خفية تحت رداء الحرير الأحمر لتتحسس مقبض مسدسه الفضي، وعلمتُ رغماً عن خوفي أنه مستعد لخوض معركة دموية خاسرة والموت في غرفتي لكي لا يُسجل في تاريخه أنه تفرغ عن ملكته طواعية. انصهر كبريائي تماماً أمام هذا الشغف المظلم؛ فكيف لي أن أسمح بموته بعد أن جاء يخترق حصون الموت لأجل ابتسامتي؟
وبحركة سريعة ومفاجئة، أفلتُّ نفسي من ذراعه الضخمة، واندفعتُ للأمام لأقف بجسدي الصغير في منتصف المسافة بين الجبارين، مستقبِلةً نقاط الليزر الحمراء فوق صدري ورداء الحرير، لأتحول للمرة الثانية إلى الدرع البشري الذي يفصل بين رجل المافيا ورجل القانون.
"توقفوا! لا تطلقوا النار!" صرختُ بأعلى صوتي، والدموع تنهمر كالشلالات الحارقة على وجنتيّ، وجسدي ينتفض بعنف.
"ليلى! تراجعي خلفي فوراً!" زأر مراد بصوت وحشي كاسر حمل رعباً حقيقياً تملكه لأجل حياتي، وامتدت يده لتجذبني بعنف وشغف متناقضين، لكنني ثبتُّ في مكاني والتفتُّ نحو أدهم الجارحي وقُلت بنبرة فصيحة وحازمة ورثتها من جينات عائلتي الجديدة:
"سيادة المستشار.. أدهم! أرجوك، لقد جئتُ معك بالأمس طواعية لإنقاذ حياته ولأنفذ قانون العائلة. مراد لم يأتِ ليؤذيني، بل جاء بدافع جنونه وغليان دمه. إذا كنتَ تحب دم الجارحي الذي في عروقي حقاً، فلا تقتله في غرفتي. اسمح له بالمغادرة، وأنا أعدك.. أقسم لك بشرف عائلتنا، لن أحاول الهرب من هذا القصر، وسأنصاع لكل أحكام حصونك المخملية. لكن اترك النمر يعود لعرينه حياً!"
ساد صمت مطبق وخانق في الجناح، لم يشقه سوى دوي إنذار الطوارئ البعيد وأنفاس مراد الحارة التي كانت تصدر من صدره العريض كحمم بركانية توشك على الانفجار. تأمل أدهم الجارحي ملامحي الباكية والشجاعة، ورأى في عينيّ ذلك العشق المظلم الذي يربطني برجل المافيا رغماً عن أسوار الدولة. تحركت عضلات فكه بقسوة، ثم أنزل مسدسه ببطء، وأشار لرجاله بخفض فوهات بنادقهم بآلية صامتة.
"لقد منحتكِ شرف اسم الجارحي بالأمس يا ليلى، وشجاعتكِ الليلة هي الوحيدة التي تحميه من حبل المشنقة،" قال أدهم بصوته الرخيم القاطع، ثم التفت بنظراته الباردة نحو مراد وأكمل بوعيد مميت:
"مراد السيوفي.. قواتي ستفتح لك ممراً آمناً للخروج من الحديقة الشرقية الليلة فقط، احتراماً لدموع ابنة عمي. خذ رجالك وعُد لعرينك المكلوم، وتذكر.. هذه هي المرة الأخيرة التي تغض فيها الدولة بصرها عن حماقاتك. إذا لمحتُ طيفك حول أسوارِي مجدداً، سأنسى كل العهود وأسحق مملكتك تحت مجنزراتنا الرسمية."
التفت مراد بكامل جسده الطاغي وعرض منكبيه النحيت نحوي للمرة الأخيرة في هذه الليلة المشحونة بالإثارة. لم ينظر لأدهم أو لرجاله؛ بل تقدم نحوي بخطواته الثقيلة الفتاكة، وقبض على معصمي بقوة وضمة حازمة جعلت أنفاسي تتلاحق بعنف. جذبني إليه ليرتطم جسدي بصدره الصلب الدافئ، وانحنى برأسه الفاره ليهمز بجانب أذنّي مباشرة، لتلامس شفتاه بشرة عنقي المكشوفة ببحّة غيرة قاتلة وتملك مطلق أعمى بصيرته:
"تظنين أن قانون الجارحي وشباكه أطبقت على عنقي يا قطتي؟" همس بصوته الجهوري المبحوح الذي يحمل وعيداً حارقاً وجاذبية كهربائية تذيب الروح، "أنتِ مخطئة.. النمر لا يسقط في الفخاخ التي يصنعها الهواة. تركتكِ الليلة لأن دموعكِ غالية، ولأنني أستمتع بلعبة حصار الحصون. خضوعكِ لقوانينهم مؤقت.. وختم تملُّكي المطبوع فوق بشرتكِ بأثر قبلاتي سيعيدكِ إلى أحضاني رغماً عن أنوف جيوشهم. انتظريني.. فلهيب غيرتي وغليان دمي سيهدمان قصر الجارحي فوق رؤوسهم قريباً، وسأستعيد ملكتي طواعية أو كرهاً!"
انحنى ليطبع قبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية على شفتي، قبلة امتزج فيها لهيب العشق الشرس برائحة الخطر والوعيد، لتسلبني آخر ذرات وعيي وتجعلني أتشبث بقميصه الأسود الفاخر بيدين مرتعشتين. أطلق سراحي بلطف طاغٍ، والتفت ليغادر عبر الشرفة الزجاجية المحطمة، ويختفي كالشبح وسط الضباب الكثيف وليل الشتاء القارس.
بقيتُ واقفة في منتصف الغرفة، ورداء الحرير الأحمر ينساب حولي، وعيناي معلقتان بالسراب الذي اختفى فيه، بينما كان المستشار أدهم الجارحي يراقب الموقف بوقار حزين وصارم، يدرك في أعماقه أن شباك العدالة وقوانين الدولة قد أطبقت بالفعل.. لكن على جسد الطريدة، أما قلبها فقد غدا مملوكاً للنمر في عرين المافيا!
تلاشى طيف مراد السيوفي في عتمة الضباب الكثيف الذي ابتلع حديقة القصر الشرقية، لكن عِطره الأخاذ الممتزج برائحة الصندل الحار والتبغ الفاخر ظل عالقاً في أجواء غرفتي، كأنه مادة ملموسة تحدت الإنذارات الكاشفة وهيبة رجال العمليات الخاصة. بقيتُ واقفة في منتصف الجناح الملكي، ورداء الحرير الأحمر يلتف حول جسدي المنهك كأنه جمرة مشتعلة تذكرني بلمساته الشرسة وقبلته العنيفة التي ما زالت شفتي تحتفظ برعشتها الحارقة.
تنفستُ بصعوبة، وصدرِي يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، بينما كانت حبات العرق البارد تتساقط على وجنتيّ الشاحبتين. التفتُّ ببطء نحو الباب، لأجد المستشار أدهم الجارحي يقف بكامل قامته الفارهة وضخامة منكبيه، وقد أعاد مسدسه الرسمي إلى غِماده الجلدي، لكن نظراته السوداء الحادة كانت تقطر بقسوة صارمة وعتاب عائلي مرير. أشار لرجاله بيده الكبيرة، فانسحبوا بآلية صامتة وأغلقوا الباب الخشبي الضخم، ليعود الصمت المخملي ويفرض حصاره الخانق علينا.
خطا أدهم نحوي بخطوات عسكرية رزينة، وثقيلة هزت أرضية الجناح. توقف أمامي مباشرة، لتلفحني أنفاسه الباردة، وجالت عيناه بفحص شديد في ملامحي الباكية وفي ذراعي الملفوفة بالشاش الأبيض، ثم قال بصوته الرخيم الجهوري الذي يحمل نبرة قاطعة كالقضاء:
"لقد جازفتِ بحياتكِ وباسم عائلتكِ الليلة من أجل سفاح يا ليلى. وقوفكِ في مواجهة بنادق رجالي لحماية مراد السيوفي كان خطيئة لا تليق بفتاة يجري في عروقها دم الجارحي. أنا منحتكِ الحصانة والاسم بالأمس، والاتفاق الذي أبرمتُه مع ذلك الطائش كان احتراماً لشجاعتكِ، لكن يبدو أن أسوار هذا القصر الفاخر لم تكن كافية لتطهير عقلكِ من أوهام المافيا."
رفعتُ رأسي بعناد أنثوي وكبرياء ورثتُه من جينات عائلتي الجديدة، وقُلت بصوت متهدج حاول الثبات رغماً عن الدموع:
"سيادة المستشار.. أدهم! أنا لم أختر أن أكون محوراً لصراعاتكم. مراد السيوفي لم يأتِ ليؤذيني، بل جاء ليعيد ما يعتبره ملكه الخاص. تضحيتي الليلة لم تكن خيانة لقانونك، بل كانت وفاءً لرجل تلقى رصاصة غادرة في كتفه بالأمس ليحميني من نصل آسر. إذا كنت تريدني أن أنصاع لحصونك المخملية وثروتك، فلا تجبرني على رؤية الرجل الذي أحببتُه رغماً عن كبريائي يُقتل أمام عيني."
تحركت عضلات فك أدهم النحيت بقسوة بالغة، وتلاشت ملامح العطف من وجهه لتحل محلها الجدية القاتلة لزعيم المخابرات، وانحنى قليلاً ليقترب من وجهي وقُلت بنبرة منخفضة مسمومة:
"العاطفة في عالمنا هي الداء الذي يودي بالملوك يا ابنة أخي.. ومراد الذي تدافعين عنه ليس سوى نمر جريح توشك شباكنا الدولية على خنقه. اللعبة لم تعد مقتصرة على اختراقه لقصرِي الليلة؛ بل هناك صفقات أضخم تُحاك خلف الستار، صفقات ستجعل النمر يركع رغماً عن جنون تملكه وغليان دمه."
التفت وغادر الجناح بكبرياء حازم، تاركاً الكلمات تدوي في عقلي كصواعق مرعبة أنذرت بإنفجار حرب جديدة لا ترحم الخاسرين.
وفي ذات الساعات المتأخرة من الليل، وداخل المقر السري لجهاز الأمن الوطني، كان المستشار أدهم الجارحي يجلس خلف مكتبه العريض المصنوع من خشب الأبنوس الداكن. الأوراق والملفات الاستخباراتية كانت مبعثرة أمامه تحت ضوء مصباح مكتبي باهت، وبجانبه كان يقف "طارق الجارحي"؟ لا.. طارق قد قُتل في المستودع، بل كان هذا "اللواء حازم عبد الحق"، مدير غرفة العمليات المشتركة والذراع التنفيذي للقرارات السيادية.
"أدهم بيه،" قال اللواء حازم وهو يقدم مغلفاً جلدياً رمادي اللون ويحمل ختماً شمعياً أحمر، "لقد وردتنا برقية عاجلة من المجلس الأعلى للمافيا العالمية في إيطاليا. تصفية مراد لعائلات عثمان والجارحي الصغير قد تسببت في شلل تام لخطوط تهريب السلاح عبر البحر المتوسط، والكبار في الخارج غاضبون للغاية. إنهم يعرضون صفقة تسوية سرية."
فتح أدهم المغلف ببرود مميت، وجالت عيناه السوداوان بين السطور المكتوبة بشفرات رقمية معقدة. ارتسمت على شفتيه النحيفتين ابتسامة باردة وساخرة، وقال بصوته العميق الرخيم:
"وما هي شروط المنظمة الدولية للتخلي عن ذراعهم الأقوى في العاصمة؟"
"المنظمة مستعدة لرفع غطائها الدولي بالكامل عن مراد السيوفي، وتسهيل عملية القبض عليه وتصفية مملكته من قِبل قواتنا الرسمية دون أي تدخل خارجي،" أجاب اللواء حازم بنبرة حازمة، "بشرط واحد.. أن يتم تسليمهم الآنسة ليلى. المنظمة تعتقد أن ليلى تملك الشفرات الحيوية للحسابات السرية لطارق الجارحي القديم، والتي تُقدر بمليارات الدولارات المخفية في بنوك سويسرا. إنهم يريدون الفتاة مقابل رأس مراد."
انقبضت ملامح أدهم الجارحي بغضب عارم، وضغط بقبضته الكبيرة فوق الطاولة الخشبية حتى تكسرت قطعة من الأبنوس تحت قوة يده الشامخة، وصاح بصوت رعدي منخفض:
"ليلى تحمل اسم الجارحي الآن، ودمها محرم على المنظمة الدولية وعلى كل كلاب المافيا! أنا قبلتُ بشرطها بالأمس لأحميها، ولن أسمح بأن تكون ابنة أخي ورقة تفاوض في صفقاتهم القذرة. أخبر المنظمة أن قانون الدولة لا يساوم على شرفه.. سنصفي مملكة السيوفي بأسلوبنا، وليلى ستبقى في حصون قصري رغماً عن أنوف الكبار في إيطاليا."
وفي هذه الأثناء، وداخل العرين المحطم للسيوفي، كان لهيب الغيرة الشرسة والتملك الأعمى يطغى على برودة شتاء العاصمة بالخارج. كان مراد قد عاد إلى جناحه الرئيسي بكامل غضبه وجبروته، وقميصه الأسود الفاخر ممزق عند الصدر إثر قفزته الانتحارية من شرفة قصر الجارحي. جرح كتفه القديم كان ينزف مجدداً، ليلوث بشرته الحارة بقطرات قرمزية دافئة لم يمنحها التفاتة واحدة؛ فعقله وقلبه كانا يشتعلان بجنون لا يرحم.
كان يمسك بمسدسه الفضي بيد ثابتة لا تعرف الارتجاف، وعيناه الصقريتان الحادتان تدوران في محجريها كنيران الجحيم المستعرة. الفكرة ذاتها.. فكرة أن ليلى قد وقفت أمام الرصاص لتنقذ حياته، وأنها استسلمت لقوانين أدهم لتضمن سلامته، كانت تسلب منه صوابه وتجعله يشعر بالهزيمة لأول مرة في تاريخه الدموي.
"سليم!" صاح بصوته الجهوري المبحوح الذي يحمل بحّة غيرة قاتلة وتملك مطلق هز أركان الغرفة، ليدخل ذراعه الأيمن مرتجفاً كالعادة من فرط الهالة التدميرية لسيده.
"أريد معرفة تفاصيل الصفقة التي يخطط لها أدهم الجارحي مع الكبار في الخارج!" صرخ مراد وعضلات فكه تنحت بقسوة مرعبة، "جواسيسنا داخل جهاز الأمن الوطني يجب أن يأتوا بالمعلومات الليلة! أدهم يظن أنه أطبق شباكه عليّ، ولم يفهم بعد أن النمر عندما يُجرح.. يلتهم الصياد وشباكه وقانونه بالكامل!"
"مراد بيه.. لقد وصلنا تسريب خطير بالفعل منذ دقائق،" قال سليم بصوت مضطرب متهدج وهو يقدم جهازاً لوحياً مشفراً، "المنظمة الدولية في إيطاليا عرضت على أدهم تسليمك مقابل الحصول على الآنسة ليلى وحسابات الجارحي القديمة.. لكن المستشار أدهم رفض الصفقة بالكامل وأعلن حمايته الرسمية لها رغماً عن الكبار."
توقف مراد فجأة عن الحركة. تأمل البيانات المكتوبة، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة جانية، حادة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي. ألقى بالجهاز اللوحي فوق الفراش الحريري الأسود، وتحرك نحو النافذة المطلة على العاصفة، وقال بنبرة منخفضة تحمل وعيداً حارقاً وجاذبية كهربائية:
"أدهم الجارحي يملك شرفاً عسكرياً يمنعه من بيع دم عائلته.. وهذا هو الخطأ الذي سيقضي عليه. المنظمة الدولية لن تقبل بالرفض، وسيرسلون قريباً قوات النخبة العالمية لاقتحام حصون الجارحي وانتزاع ليلى بالقوة. اللعبة أصبحت مكشوفة يا سليم.. وأنا لن أنتظر هجومهم. اجمع كل رجال الاستخبارات ونخبة حراسنا المتبقين.. سنستغل صراع الدولة مع المنظمة الدولية لنقتحم القصر وسط الفوضى، وأستعيد ملكتي طواعية أو كرهاً. ليلى تحمل خَتم تملُّكي بأثر قبلاتي، وستعود لعريني حتى لو تحول العالم بأسره إلى رماد."
انقضت الأيام الثلاثة التالية كأنها دهور من العذاب والترقب الصامت داخل الحصون المخملية لقصر الجارحي. كنتُ مستلقية فوق الفراش الملكي الواسع، أرتدي رداءً ناعماً من القطيفة السوداء الداكنة، يغطي عنقي بالكامل ليخفي تلك الآثار الشغوفة لمراد، وعيناي معلقتان بالنافذة الزجاجية الضخمة التي كانت تعكس الضباب الكثيف الذي لم يغادر أرجاء الحدائق.
وفجأة، عند الساعة الثالثة فجراً من ليل اليوم السادس....
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







