登入كانت برودة عشب الحديقة المبلل بالندى تلسع قدميّ العاريتين، لكن الحرارة التي كانت تنبعث من جسد مراد السيوفي كفيلة بإحراق المكان بأسره. لم أكن قادرة على الحراك، ولا حتى على التنفس المنتظم؛ فقد كانت قبضته المحكمة حول معصميّ خلف ظهري كالأغلال الفولاذية، بينما كانت عيناه المظلمتان تحت ضوء القمر الشاحب تفترسان ملامحي المرتعبة بنوع من اللذة والسيطرة الطاغية.
"اتركني.. أنت تؤلمني!" هتفتُ بنبرة مخنوقة، حاولتُ فيها أن أجمع ما تبقى من كبريائي الجريح، لكن صوتي خانني وخرج مهتزاً، يكشف مدى ضعفي وسقوط دفاعاتي أمام هالته الشرسة.
لم يحرّك ساكناً، ولم تخفّ قبضته أنشاً واحداً. بل على العكس، زاد من قربي إليه حتى شعرت بعضلات صدره الصلبة تضغط على أنفاسي، وانحنى برأسه ببطء شديد حتى أصبحت أنفاسه الحارة، الممتزجة برائحة التبغ والصندل، تداعب بشرة عنقي المرتجف.
"الألم هو أول الدروس التي يتعلمها من يتجرأ على خرق قوانين مراد السيوفي يا قطتي،" همس بصوته الجهوري الذي يحمل بحّة ذكورية مخدرة للحواس، "لقد حذرتكِ قبل أقل من ساعتين، وأخبرتكِ أن عقاب الهروب سيكون شديداً.. لكنكِ فضلتِ اختبار خطوطي الحمراء، والآن عليكِ دفع الثمن."
وفجأة، ودون سابق إنذار، أفلت معصميّ ليحملني بين ذراعيه الضخمتين بلمحة عين وبخفة مرعبة، وكأنني لا أزن شيئاً. شهقتُ برعب وأحطتُ عنقه بيديّ تلقائياً خوفاً من السقوط، ملتسقة بصدره رغماً عني. بدأ بالسير بخطوات واسعة وواثقة، عائداً بي نحو القصر، لكنه لم يتجه نحو جُناحي، بل سلك ممرًا آخر يؤدي إلى جناحه الخاص في الطرف المقابل.
دفع الباب الخشبي الضخم بقدمه، ودخل بي إلى عرينه المظلم. كان جناحه أوسع وأكثر فخامة ورهبة؛ يطغى عليه اللون الأسود والرمادي الداكن، والستائر المخملية الثقيلة تحجب العالم الخارجي تماماً، وفي المنتصف يربض سرير ضخم يحيطه الغموض.
ألقى بي برفق طاغٍ فوق الفراش الحريري الناعم، لكن قبل أن أتمكن من الاعتدال أو الهروب إلى الطرف الآخر، كان قد اعتلى الفراش وحاصر جسدي بالكامل بين ذراعيه المسندتين على السرير. أصبح فوقي مباشرة، يمنعني من الحركة بقامته الفارهة وعرض منكبيه الذي سد عني رؤية الغرفة برمتها.
"ماذا.. ماذا ستفعل بي؟" سألتُ والذعر ينهش قلبي، بينما كانت عيناي تتأملان ملامح وجهه الحادة والوسيمة بشكل قاتل تحت الضوء الخافت للمصباح الجانبي.
امتدت يده الكبيرة، العارية من القفاز الآن، لتحط فوق وجهي ببطء. تحركت إبهامه الدافئة لتمر فوق شفتي السفلى المرتجفة، لمسة كانت ناعمة بشكل مربك، لكنها تحمل تهديداً جعل نبضات قلبي تقفز بشكل جنوني.
"سأعلمكِ كيف تطيعين يا ليلى،" قال ببرود قاتل، ونظراته مثبتة على شفتي، "العقاب في عالمي للرجال يكون بالرصاص.. أما عقابكِ أنتِ، فسيكون بالحرمان. الحرمان من تلك الحرية الطائشة التي تسيئين استخدامها."
انحنى أكثر حتى تلامست أرنبة أنفه بأنفي، وشعرت بجاذبيته الشرسة والمظلمة تسلبني القدرة على المقاومة. تحركت يده من وجهي لتهبط ببطء ونعومة حارقة على طول عنقي، ثم استقرت فوق موضع قلبي النابض بعنف كعصفور سجين.
"منذ هذه اللحظة،" تابع وهمسه يلامس شفتي، "أنتِ ممنوعة من مغادرة هذا الجناح بالذات. ستنامين هنا، وتستيقظين هنا، وتحت نظراتي مباشرة. هاتفكِ الذي استخدمتيه لإرسال تلك المزحة القاتلة.. سيظل معي. لن تتصلي بأحد، ولن يراكِ أحد سوى رجالي الذين يحرسون هذا الباب."
"هذا ظلم! أنت سادي ومجنون!" صرخت والدموع تبحث عن طريقها لعينّي غضباً وعجزاً، وحاولت دفعه بكل ما أوتيت من قوة في يديّ، لكنني كنت كمن يحاول تحريك جبل من الرخام.
قبض على يديّ مجدداً وثبتهما فوق راسي على الوسادة الحريرية، ونظر في عيني برأفة مصطنعة تحمل وعيداً بالرومانسية المظلمة التي تقتحم الروح:
"سمّي ذلك ما شئتِ يا قطتي الصغيرة.. سادية، جنون، تملك. لكن الحقيقة الثابتة الآن هي أنكِ في قبضتي، وكلما قاومتِ أكثر، كلما زاد تمسكي بكِ وعقابي لكِ. الملل الذي كنتِ تشكين منه؟ أعدكِ أنه سيتلاشى تماماً في عالمي، فساعاتكِ القادمة ستكون مشحونة بكل ما لم تتوقعيه يوماً."
انحنى وطبع قبلة دافئة، بطيئة ومحملة بالتملك، على جبهتي، قبلة جعلت جسدي ينتفض بضعف، وشعرت بدموعي تتسلل على وجنتي رغماً عني.. دموع لا أعلم إن كانت من الخوف التام، أم من تلك الجاذبية الكهربائية المرعبة التي بدأت أنقاد إليها رغماً عن عقلي وكبريائي.
تراجع عني ببطء، ونهض بكامل طوله وجبروته، ثم التفت نحو الباب وخرج، مغلقاً إياه خلفه بالمفتاح، ليدوي صوت القفل كإعلان رسمي عن نهاية حياتي القديمة، وبداية كوني السجينة المفضلة والمملوكة لزعيم المافيا مراد السيوفي.
جلستُ في وسط السرير الضخم، أضم ركبتي إلى صدري، وأستنشق بقايا عِطره الفاخر الذي ملأ الغرفة، وأنا أعلم في أعماقي أن هذه المزحة الطائشة.. كانت حقاً المزحة القاتلة.
لم يكن رحيله وإغلاق الباب بالمفتاح يعني أن الخطر قد زال، بل كان الصمت الذي خلفه وراءه أشبه بالصمت الذي يسبق العاصفة المدمرة. ارتميت بجسدي فوق الفراش الحريري الأسود، وأنا أشعر بالمهانة والغضب يمزقان أحشائي. كيف سمحت لنفسي بأن أقع في هذا الفخ؟ كيف تحولت في غضون ساعات قليلة من فتاة عادية تشتكي الملل، إلى سجينة في عرين أخطر رجل مافيا في البلاد؟
أخذت أتنفس بصعوبة، وعيناي تجوبان أركان الجناح المظلم. كل شيء هنا يحمل بصمته؛ الألوان الداكنة، رائحة تبغه الفاخر العالقة في الستائر المخملية، وحتى السرير الضخم الذي بدا كأنه منصة لتقديم التضحيات. تذكرت لمساته الدافئة على عنقي، ونبرة صوته الجهورية التي كانت تخترق مسام جلدي لتسلبني إرادتي، وشعرت بخوف حقيقي.. ليس منه فحسب، بل من نفسي ومن ذلك التجاوب الخفي المرعب الذي يسري في عروقي كلما اقترب مني.
مرت ساعة كاملة وأنا على هذه الحال، حتى سمعت حركة قفل الباب تدور من جديد.
انقبضت معدتي، وتيبس جسدي فوق الفراش. انفتح الباب ببطء، ودخل هو. لم يكن يرتدي معطفه، بل كان بقميصه الأسود الذي شمر أكمامه ليظهر عضلات ساعديه القويتين والموشومة برموز غامضة. كان يحمل في يده صينية فضية صغيرة عليها كوب من الحليب الدافئ وبعض قطع الحلوى الفاخرة.
تقدم نحوي بخطواته الرزينة الهادئة التي تقطع الأنفاس، ووضع الصينية على الطاولة المجاورة للسرير. ثم التفت إليّ، وتأمل وجهي الشاحب وعيني المنتفختين من أثر الدموع بنظرة هادئة، غامضة، خالية من أي قسوة هذه المرة.
"تناولي هذا،" قال بصوته الرخيم، وهو يشير إلى الكوب، "جسدكِ يرتجف من البرد والإرهاق، وأنا لا أحب أن أرى ممتلكاتي ضعيفة أو هزيلة."
نظرت إلى الكوب ثم رفعت عيني لأتحدّاه بقوة زنيت بها من وسط أنقاض انكساري:
"لن أتناول شيئاً من يدك! أنا لست من ممتلكاتك، ولن أكون أبداً! يمكنك أن تحبسني في هذا الجناح، وتمنع عني الهواء، لكنك لن تملك عقلي أو قلبي.. سأظل أكرهك وأمقت جبروتك إلى آخر نفس في صدري."
حرك رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانية مثيرة خطفت أنفاسي. خطا خطوة إضافية وجلس على حافة السرير بالقرب مني، مما جعل الفراش يهبط تحت ثقل جسده الضخم. انحنى نحوي، ومد يده ليمسك بخصلات شعري الثائرة ويداعبها بأصابعه الطويلة بلطف وعناية يتناقضان تماماً مع مهنته الملوثة بالدماء.
"الكراهية بداية جيدة يا قطتي،" همس وعيناه تتوهجان ببريق خطير ومغري، "فالكراهية شعور عنيف، والشعور العنيف يسهل تحويله إلى نقيضه تماماً عندما يحين الوقت المناسب. عنادكِ هذا هو ما يجعل اللعبة ممتعة.. لو استسلمتِ من اللحظة الأولى لمللتُ منكِ وألقيت بكِ لرجالي."
قشعريرة عنيفة ضربت جسدي عندما نطق بالكلمة الأخيرة، واقترب بوجهه أكثر حتى أصبحنا نتنفس الهواء ذاته:
"لكنكِ هنا الآن، في غرفتي، وعلى سريري. والآن، تناولي هذا الحليب طواعية، وإلا أقسم لكِ أنني سأجبركِ على شربه بطريقتي الخاصة.. وحينها، لن تلومي إلا نفسكِ."
نظرت إلى شفتيه القريبتين جداً، وشعرت بأن مقاومتي تتبخر تحت تأثير عِطره الطاغية ونظراته الشرسة. ابتلعت ريقي بصعوبة، ومددت يدي المرتعشة لأمسك بالكوب الدافئ، وبدأت بالشرب ببطء تحت نظراته المحتفلة بالنصر.
وقف مراد بكامل طوله وجبروته بعد أن تأكد من انصياعي، وعدّل قميصه ببرود، ثم التفت نحو الباب وقال دون أن ينظر خلفه:
"تصبحين على خير يا ليلى.. ارتاحي جيداً، فبداية من الغد، ستتعلمين شروطاً جديدة للحياة في قبضة النمر."
خرج وأغلق الباب خلفه، لكنه هذه المرة لم يقفله بالمفتاح؛ فقد علم تماماً أنه نجح في ترويض رغبتي في الهروب، وأن روحي أصبحت سجينة حصنه قبل جسدي. ارتميت على الوسادة وأنا أستسلم للنوم تدريجياً، وأنا أعلم أن الغد سيحمل فصلاً جديداً ومثيراً من الصراع بين عنادي وجبروته.
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







