Share

في قبضة النمر

last update publish date: 2026-05-21 07:02:41

كانت برودة عشب الحديقة المبلل بالندى تلسع قدميّ العاريتين، لكن الحرارة التي كانت تنبعث من جسد مراد السيوفي كفيلة بإحراق المكان بأسره. لم أكن قادرة على الحراك، ولا حتى على التنفس المنتظم؛ فقد كانت قبضته المحكمة حول معصميّ خلف ظهري كالأغلال الفولاذية، بينما كانت عيناه المظلمتان تحت ضوء القمر الشاحب تفترسان ملامحي المرتعبة بنوع من اللذة والسيطرة الطاغية.

"اتركني.. أنت تؤلمني!" هتفتُ بنبرة مخنوقة، حاولتُ فيها أن أجمع ما تبقى من كبريائي الجريح، لكن صوتي خانني وخرج مهتزاً، يكشف مدى ضعفي وسقوط دفاعاتي أمام هالته الشرسة.

لم يحرّك ساكناً، ولم تخفّ قبضته أنشاً واحداً. بل على العكس، زاد من قربي إليه حتى شعرت بعضلات صدره الصلبة تضغط على أنفاسي، وانحنى برأسه ببطء شديد حتى أصبحت أنفاسه الحارة، الممتزجة برائحة التبغ والصندل، تداعب بشرة عنقي المرتجف.

"الألم هو أول الدروس التي يتعلمها من يتجرأ على خرق قوانين مراد السيوفي يا قطتي،" همس بصوته الجهوري الذي يحمل بحّة ذكورية مخدرة للحواس، "لقد حذرتكِ قبل أقل من ساعتين، وأخبرتكِ أن عقاب الهروب سيكون شديداً.. لكنكِ فضلتِ اختبار خطوطي الحمراء، والآن عليكِ دفع الثمن."

وفجأة، ودون سابق إنذار، أفلت معصميّ ليحملني بين ذراعيه الضخمتين بلمحة عين وبخفة مرعبة، وكأنني لا أزن شيئاً. شهقتُ برعب وأحطتُ عنقه بيديّ تلقائياً خوفاً من السقوط، ملتسقة بصدره رغماً عني. بدأ بالسير بخطوات واسعة وواثقة، عائداً بي نحو القصر، لكنه لم يتجه نحو جُناحي، بل سلك ممرًا آخر يؤدي إلى جناحه الخاص في الطرف المقابل.

دفع الباب الخشبي الضخم بقدمه، ودخل بي إلى عرينه المظلم. كان جناحه أوسع وأكثر فخامة ورهبة؛ يطغى عليه اللون الأسود والرمادي الداكن، والستائر المخملية الثقيلة تحجب العالم الخارجي تماماً، وفي المنتصف يربض سرير ضخم يحيطه الغموض.

ألقى بي برفق طاغٍ فوق الفراش الحريري الناعم، لكن قبل أن أتمكن من الاعتدال أو الهروب إلى الطرف الآخر، كان قد اعتلى الفراش وحاصر جسدي بالكامل بين ذراعيه المسندتين على السرير. أصبح فوقي مباشرة، يمنعني من الحركة بقامته الفارهة وعرض منكبيه الذي سد عني رؤية الغرفة برمتها.

"ماذا.. ماذا ستفعل بي؟" سألتُ والذعر ينهش قلبي، بينما كانت عيناي تتأملان ملامح وجهه الحادة والوسيمة بشكل قاتل تحت الضوء الخافت للمصباح الجانبي.

امتدت يده الكبيرة، العارية من القفاز الآن، لتحط فوق وجهي ببطء. تحركت إبهامه الدافئة لتمر فوق شفتي السفلى المرتجفة، لمسة كانت ناعمة بشكل مربك، لكنها تحمل تهديداً جعل نبضات قلبي تقفز بشكل جنوني.

"سأعلمكِ كيف تطيعين يا ليلى،" قال ببرود قاتل، ونظراته مثبتة على شفتي، "العقاب في عالمي للرجال يكون بالرصاص.. أما عقابكِ أنتِ، فسيكون بالحرمان. الحرمان من تلك الحرية الطائشة التي تسيئين استخدامها."

انحنى أكثر حتى تلامست أرنبة أنفه بأنفي، وشعرت بجاذبيته الشرسة والمظلمة تسلبني القدرة على المقاومة. تحركت يده من وجهي لتهبط ببطء ونعومة حارقة على طول عنقي، ثم استقرت فوق موضع قلبي النابض بعنف كعصفور سجين.

"منذ هذه اللحظة،" تابع وهمسه يلامس شفتي، "أنتِ ممنوعة من مغادرة هذا الجناح بالذات. ستنامين هنا، وتستيقظين هنا، وتحت نظراتي مباشرة. هاتفكِ الذي استخدمتيه لإرسال تلك المزحة القاتلة.. سيظل معي. لن تتصلي بأحد، ولن يراكِ أحد سوى رجالي الذين يحرسون هذا الباب."

"هذا ظلم! أنت سادي ومجنون!" صرخت والدموع تبحث عن طريقها لعينّي غضباً وعجزاً، وحاولت دفعه بكل ما أوتيت من قوة في يديّ، لكنني كنت كمن يحاول تحريك جبل من الرخام.

قبض على يديّ مجدداً وثبتهما فوق راسي على الوسادة الحريرية، ونظر في عيني برأفة مصطنعة تحمل وعيداً بالرومانسية المظلمة التي تقتحم الروح:

"سمّي ذلك ما شئتِ يا قطتي الصغيرة.. سادية، جنون، تملك. لكن الحقيقة الثابتة الآن هي أنكِ في قبضتي، وكلما قاومتِ أكثر، كلما زاد تمسكي بكِ وعقابي لكِ. الملل الذي كنتِ تشكين منه؟ أعدكِ أنه سيتلاشى تماماً في عالمي، فساعاتكِ القادمة ستكون مشحونة بكل ما لم تتوقعيه يوماً."

انحنى وطبع قبلة دافئة، بطيئة ومحملة بالتملك، على جبهتي، قبلة جعلت جسدي ينتفض بضعف، وشعرت بدموعي تتسلل على وجنتي رغماً عني.. دموع لا أعلم إن كانت من الخوف التام، أم من تلك الجاذبية الكهربائية المرعبة التي بدأت أنقاد إليها رغماً عن عقلي وكبريائي.

تراجع عني ببطء، ونهض بكامل طوله وجبروته، ثم التفت نحو الباب وخرج، مغلقاً إياه خلفه بالمفتاح، ليدوي صوت القفل كإعلان رسمي عن نهاية حياتي القديمة، وبداية كوني السجينة المفضلة والمملوكة لزعيم المافيا مراد السيوفي.

جلستُ في وسط السرير الضخم، أضم ركبتي إلى صدري، وأستنشق بقايا عِطره الفاخر الذي ملأ الغرفة، وأنا أعلم في أعماقي أن هذه المزحة الطائشة.. كانت حقاً المزحة القاتلة.

لم يكن رحيله وإغلاق الباب بالمفتاح يعني أن الخطر قد زال، بل كان الصمت الذي خلفه وراءه أشبه بالصمت الذي يسبق العاصفة المدمرة. ارتميت بجسدي فوق الفراش الحريري الأسود، وأنا أشعر بالمهانة والغضب يمزقان أحشائي. كيف سمحت لنفسي بأن أقع في هذا الفخ؟ كيف تحولت في غضون ساعات قليلة من فتاة عادية تشتكي الملل، إلى سجينة في عرين أخطر رجل مافيا في البلاد؟

أخذت أتنفس بصعوبة، وعيناي تجوبان أركان الجناح المظلم. كل شيء هنا يحمل بصمته؛ الألوان الداكنة، رائحة تبغه الفاخر العالقة في الستائر المخملية، وحتى السرير الضخم الذي بدا كأنه منصة لتقديم التضحيات. تذكرت لمساته الدافئة على عنقي، ونبرة صوته الجهورية التي كانت تخترق مسام جلدي لتسلبني إرادتي، وشعرت بخوف حقيقي.. ليس منه فحسب، بل من نفسي ومن ذلك التجاوب الخفي المرعب الذي يسري في عروقي كلما اقترب مني.

مرت ساعة كاملة وأنا على هذه الحال، حتى سمعت حركة قفل الباب تدور من جديد.

انقبضت معدتي، وتيبس جسدي فوق الفراش. انفتح الباب ببطء، ودخل هو. لم يكن يرتدي معطفه، بل كان بقميصه الأسود الذي شمر أكمامه ليظهر عضلات ساعديه القويتين والموشومة برموز غامضة. كان يحمل في يده صينية فضية صغيرة عليها كوب من الحليب الدافئ وبعض قطع الحلوى الفاخرة.

تقدم نحوي بخطواته الرزينة الهادئة التي تقطع الأنفاس، ووضع الصينية على الطاولة المجاورة للسرير. ثم التفت إليّ، وتأمل وجهي الشاحب وعيني المنتفختين من أثر الدموع بنظرة هادئة، غامضة، خالية من أي قسوة هذه المرة.

"تناولي هذا،" قال بصوته الرخيم، وهو يشير إلى الكوب، "جسدكِ يرتجف من البرد والإرهاق، وأنا لا أحب أن أرى ممتلكاتي ضعيفة أو هزيلة."

نظرت إلى الكوب ثم رفعت عيني لأتحدّاه بقوة زنيت بها من وسط أنقاض انكساري:

"لن أتناول شيئاً من يدك! أنا لست من ممتلكاتك، ولن أكون أبداً! يمكنك أن تحبسني في هذا الجناح، وتمنع عني الهواء، لكنك لن تملك عقلي أو قلبي.. سأظل أكرهك وأمقت جبروتك إلى آخر نفس في صدري."

حرك رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانية مثيرة خطفت أنفاسي. خطا خطوة إضافية وجلس على حافة السرير بالقرب مني، مما جعل الفراش يهبط تحت ثقل جسده الضخم. انحنى نحوي، ومد يده ليمسك بخصلات شعري الثائرة ويداعبها بأصابعه الطويلة بلطف وعناية يتناقضان تماماً مع مهنته الملوثة بالدماء.

"الكراهية بداية جيدة يا قطتي،" همس وعيناه تتوهجان ببريق خطير ومغري، "فالكراهية شعور عنيف، والشعور العنيف يسهل تحويله إلى نقيضه تماماً عندما يحين الوقت المناسب. عنادكِ هذا هو ما يجعل اللعبة ممتعة.. لو استسلمتِ من اللحظة الأولى لمللتُ منكِ وألقيت بكِ لرجالي."

قشعريرة عنيفة ضربت جسدي عندما نطق بالكلمة الأخيرة، واقترب بوجهه أكثر حتى أصبحنا نتنفس الهواء ذاته:

"لكنكِ هنا الآن، في غرفتي، وعلى سريري. والآن، تناولي هذا الحليب طواعية، وإلا أقسم لكِ أنني سأجبركِ على شربه بطريقتي الخاصة.. وحينها، لن تلومي إلا نفسكِ."

نظرت إلى شفتيه القريبتين جداً، وشعرت بأن مقاومتي تتبخر تحت تأثير عِطره الطاغية ونظراته الشرسة. ابتلعت ريقي بصعوبة، ومددت يدي المرتعشة لأمسك بالكوب الدافئ، وبدأت بالشرب ببطء تحت نظراته المحتفلة بالنصر.

وقف مراد بكامل طوله وجبروته بعد أن تأكد من انصياعي، وعدّل قميصه ببرود، ثم التفت نحو الباب وقال دون أن ينظر خلفه:

"تصبحين على خير يا ليلى.. ارتاحي جيداً، فبداية من الغد، ستتعلمين شروطاً جديدة للحياة في قبضة النمر."

خرج وأغلق الباب خلفه، لكنه هذه المرة لم يقفله بالمفتاح؛ فقد علم تماماً أنه نجح في ترويض رغبتي في الهروب، وأن روحي أصبحت سجينة حصنه قبل جسدي. ارتميت على الوسادة وأنا أستسلم للنوم تدريجياً، وأنا أعلم أن الغد سيحمل فصلاً جديداً ومثيراً من الصراع بين عنادي وجبروته.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   ترياق العاصمة وعقيدة النمر الأوحد

    في تلك الثواني الرقمية المتسارعة التي أعقبت وعيد مبعوثة مجلس الملوك، تحول القبو البازلتي إلى ساحة لحرب نفسية طحنت باطن وعي مراد السيوفي. كان العداد البيومتري الفضي يلتهم ذرات الوقت بقسوة هندسية لا ترحم، معلنًا بقاء خمس دقائق رقمية فقط قبل الفناء البيولوجي الشامل. نظر مراد إلى يوسف، شقيقه العائد من غياهب الموت، والذي بات اللحظة يحمل في خلايا دمه فيروسًا مشفرًا بيولوجيًا كفيلًا بإنهاء سلالة آل السيوفي برمتها، ثم التفت نحو مبعوثة روما التي توجه فوهة سلاح البلازما نحو عنق ليلى.شعر بمرارة بركانية كادت تقتلع صمام أمان ثباته العسكري. الخيار الذي طرحته روما لم يكن سوى انحناء تكتيكي كامل لطاغية صاغ الخديعة من رحم حصونهم، إما أن يقتل شقيقه بيده، أو يرى ملكته الفاتنة تتناثر كرماد مالح. لكن النمر لا يتفاوض تحت وطأة الوعيد، وعقيدة حكمه المشترك لا تقبل السقوط.وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف بجسدها الرقيق الملتف بالفستان المخملي الأسود الطويل، وشعرها الأسود الغجري يتطاير بفعل العصف الهيدروليكي للبوابات. انشطر باطن روحها إلى نصفين؛ كبرياء آل الجارحي الذي تلطخ بخيانة أبيها أدهم، وولاؤها ا

  • رسالة إلى الشيطان   عتمة الروح

    لم يكن الصمت الذي أعقب انقطاع البث الفيدرالي الفضي مجرد غياب للصوت، بل كان هبوطًا مروعًا لبرزخ أسود استقر في جوف القبو البازلتي، وكأن جدران القصر القديم قد أطبقت فكيها على الأنفاس برمتها. تحولت الأنظمة الإلكترونية الشاملة إلى جثث تكنولوجية هامدة، وانطفأت الأضواء الزرقاء الفيدرالية لتفسح المجال لعتمة مطلقة، عتمة لا يكسر ضراوتها سوى الوميض الأحمر الشاحب المنبعث من بطاريات الطوارئ الهيدروليكية، والذي كان ينعكس على الوجوه كدماء طازجة سالت لتوها في ساحة إعدام مجهولة.في تلك الظلمة المطبقة، كان الصراع النفسي يطحن باطن وعي مراد السيوفي كرحى عملاقة من الفولاذ. شعر بالنمر الرابض في أعماقه يتلوى غيظًا وكمدًا؛ فالانتصار التكتيكي الساحق الذي حققه لتوّه على أدهم الجارحي تبخر في ذرات ثانية رقمية واحدة، ليتحول إلى مجرد فخ طفولي صاغته أيدي "مجلس الملوك" في روما. كانت الخديعة أكبر من عقيدته العسكرية الفيدرالية، وأعمق من شفراته الاستخباراتية الشاملة. نظر في الظلام نحو شقيقه يوسف، المستند بجسده الواهن إلى حافة المنصة البازلتية، وشعر بمرارة لاذعة تملأ حلقه؛ أيكون شقيقه العائد من غياهب الموت مجرد حص

  • رسالة إلى الشيطان   معادلة الدم

    انغلقت البوابات الحديدية المؤتمتة ذات الوجوه المصفحة بأزيز هيدروليكي صاعق، ليعزل القبو البازلتي السفلي لقصر العاصمة القديمة عن الكون برمتها. تحول الهواء في ذرات الثواني الرقمية العشر الأخيرة إلى حطب يابس يشعل غيظ مراد السيوفي البركاني. كان صوت صفارات الإنذار الحمراء يعوي في فراغ القاعة كذئب جريح، بينما تراقصت الأرقام المضيئة على شاشة العد التنازلي التلقائي بجنون هستيري: 00:09... 00:08... 00:07... كل جزء من الثانية كان يلتهم فرصة النجاة ويقرب جسد يوسف السيوفي القابع في الأسر من التناثر كرماد مالح. تجمد مراد السيوفي في موضعه بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، ولم تكن الصدمة لتزلزل توازنه التكتيكي العسكري، بل أشعلت في عينيه الصقريتين الحادتين نيرانا من الجحيم الخالص. التفتت عيناه من القفص الرقمي الذي يضم شقيقه العائد من غياهب الموت، لتستقر اللحظة على وجه أدهم الجارحي؛ الرجل الذي كان حتى هذه الثانية يمثل صمام الأمان الاستراتيجي لعقيدة حكمهما المشترك. كان الصراع النفسي يطحن باطن روحه الشرسة؛ كيف تحول حليفه الأكبر ووالد ملكته الفاتنة إلى أليكساندر، الجلاد الفعلي وصياد المل

  • رسالة إلى الشيطان   سيمفونية الموت والحرير

    لم تكن دقات الساعة الميكانيكية المنبعثة من شاشات الاختراق الكبرى مجرد عد تنازلي للزمن، بل كانت بمثابة معزوفة جنائزية تعلن ذوبان الحدود الفاصلة بين الحياة والفناء. تحولت جدران الحصن الجبلي في سيناء إلى سجن من الغرانيت والضوء الأحمر الخالص، بينما كان أزيز الطائرات المسيرة بالخارج يطوق الأجواء كأسراب من الطيور الكاسرة المستعدة لتمزيق جسد الجبل. وقف مراد السيوفي بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، وعيناه الصقريتان تحدقان في شاشة الرصد بغليان بركاني صامت، بينما تيبست أصابعه الكبيرة الساخنة فوق خصر ليلى، محكما قبضة التملك الشرس التي تعبر عن ذروة صراعه النفسي الطاحن. في تلك اللحظة الرقمية الحرجة، كان عقل مراد يدور في حلقة مفرغة من النار والبارود. شقيقه يوسف، القطعة المفقودة من تاريخه المعمد بالدم، يقع الآن تحت رحمة جلاد روما الفعلي، ونبضات قلبه مرتبطة بشفرة تفجير ستحول العاصمة القديمة إلى رماد مالح. والشرط؟ أن يسلم ليلى، ملكته الفاتنة وملاذه الأنثوي الأوحد، كصك تنازل أبدي عن كبريائه وهيبته الدولية. كان الصراع النفسي يمزق نياط قلبه الشرس؛ هل يضحي بنصف روحه وشقيقه العائد من مقا

  • رسالة إلى الشيطان   دهاليز الرماد

    انقطع البث الرقمي المباغت تاركا جمرات الغضب تتطاير من عيني مراد السيوفي، ليعود الجناح الجبلي المحصن في عمق سيناء إلى عتمته النسبية، إلا من ومضات خافتة زرقاء انبعثت من شاشات التحكم الفيدرالية. تداخل صوت صفير الرياح الصحراوية الجافة بالخارج مع صدى كلمات أليكساندر الصقيعية التي لا تزال تتردد في الفراغ كقذائف فكرية موجهة لتدمير ثبات المنظومة. تجمد جسد مراد الفاره في موضعه كتمثال من الغرانيت الصلد، وعضلات صدره العريض تعلو وتهبط بعنفوان مرعب، بينما استقرت يده الفولاذية محكمة الحصار حول خصر ليلى الضيق بقوة تملكية تكاد تقترب من الشراسة الواهنة. في تلك الثواني الرقمية الحرجة، كان الصراع النفسي يطحن وعي مراد طحنا. فكرة أن شقيقه يوسف، قطعة من روحه المفقودة ودمائه المعراة تحت ركام الماضي، يتنفس الآن داخل زنزانة رقمية تحت ركام قصر العاصمة القديم، جعلت دماء السيوفي تغلي في عروقه بوعيد حارق. شعر للحظة بضآلة كل معاركه التكتيكية السابقة أمام هذا الاختراق الوجودي؛ إذ تحول من صياد للملوك إلى هدف تتحكم في مصيره ساعة عد تنازلي يملك مفتاحها جلاد روما الفعلي. تلاطمت الأفكار في عقله كأمواج

  • رسالة إلى الشيطان   بركان سيناء الكامن

    لم تكن شمس سيناء تشرق كبقية العواصم، بل كانت تنبثق من خلف الهضاب الحجرية العاتية ككتلة من الذهب المستعر، لتلقي بظلالها القاسية فوق الرمال الممتدة التي شهدت على مر العقود دفن أسرار الملوك والجبابرة. وفي قلب ذلك المدى الموحش، وعلى قمة رصيف مروحيات سري مصفح ومحفور بدقة تكتيكية في بطن الجبل، استقرت المروحية العسكرية السوداء لآل السيوفي، مخلفة وراءها عاصفة من الغبار والرمال الحارقة التي تلاشت تدريجياً أمام وقار المشهد الحاسم.هبط مراد السيوفي من جوف الطائرة بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، مرتدياً سُترته الجلدية السوداء الطويلة التي تحركت أطرافها بعنفوان مع نسمات الفجر الجافة. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تقرأان تضاريس الصحراء بغليان خالص؛ فكل ذرة رمل هنا تذكره بجراحه المعراة القديمة، وبدمائه التي سُفكت قبل سنوات في حروب العاصمة القذرة. لم يكن صراعه النفسي داخله هذه المرة مجرد غيظ بركاني عابر، بل كان زلزالاً يضرب عقيدته العسكرية والتكتيكية؛ شقيقه يوسف، الذي ظن لعقود أنه صار رماداً مالحاً، قد يكون محتجزاً في هذه البقعة الجغرافية اللعينة كشفرة مساومة دولية يصوغها أليكساندر من م

  • رسالة إلى الشيطان   تحالف الأفاعي

    لم يكن هدير أمواج البحر في ميناء العاصمة كافياً ليغطي على زئير الشك والوجل الذي كان يعصف بصدر مراد السيوفي. كان واقفاً وسط رجاله، والملفات والصفقات تتطاير أمامه دون أن تسترعي انتباهه؛ فعقله وقلبه كانا هناك، في ذلك الجناح الرئيسي حيث ترك قطته الفاتنة بفستانها الشيفون الأبيض وعطرها المخدر.و

  • رسالة إلى الشيطان   غريمة في العرين

    لم يكن من السهل على زعيم مافيا يحيط به الأعداء من كل حدب وصوب أن ينام ملء جفنيه، خاصة بعد أن امتدت أصابع المؤامرة لتطال الأنثى التي سحرت عقله. غادر مراد الجناح مع بزوغ الشمس تاركاً خلفه أمراً عسكرياً مشدداً بحراستي، ومغلفاً مشحوناً بالشكوك والوعيد لطارق الجارحي.بقيتُ في الغرفة، أذرع الأرض

  • رسالة إلى الشيطان   ليلة الانتقام

    "أنا هنا يا قطتي.. أنا هنا وستظلين في حمايتي دائماً،" همس بصوته الرخيم بجانب أذني، وتلمست شفتاه بشرة عنقي بعمق وشغف جعل كل إنش في جسدي ينتفض رغماً عني، "والآن.. انتهت معركة الدفاع، وبدأت معركة الانتقام. عثمان تجرأ على تهديد ملكتي.. وسأجعل اسمه أثراً بعد عين قبل أن ينتهي هذا الليل."كانت ضم

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة

    دوى صدى تحطّم الهاتف على الأرضية الرخامية كأنه طلقة رصاص أولى أعلنت بداية الحرب. شعرتُ بركبتيّ تخونانني، لولا أن ذراعه القوية كانت ما تزال تحيط بخصري كطوق من حديد، تثبتني إلى جسده الطاغي الذي ينبض بحرارة مرعبة وغضب لافح. كانت أنفاسه المتلاحقة تصطدم بوجهي، وعيناه الصقريتان تدوران في محجريها كوحش حُص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status