登入استيقظتُ على صوت زقزقة عصافير بدت غريبة عن مسمعي، وكأنها تأتي من عالم آخر غير عالمي. فتحتُ عيني ببطء، لتستقبلني تفاصيل السقف الشاهق والنجف الكريستالي الذي يعكس أشعة الشمس الصباحية المتسللة من خلف الستائر المخملية الثقيلة. للحظة واحدة، خلتُ أنني ما زلت في غرفتي الصغيرة، وأن كل ما حدث بالأمس كان مجرد كابوس ثقيل نتج عن قراءة رواية مرعبة قبل النوم.
لكن رائحة التبغ الفاخر والصندل التي كانت تملأ الغرفة، والملمس الحريري الأسود للأغطية، أعاداني إلى الواقع بقسوة صفعة باردة. أنا في جناح مراد السيوفي.. أنا سجينة زعيم المافيا.
التفتُّ بجسدي بوجل نحو الجانب الآخر من السرير الضخم، وتنفستُ الصعداء عندما وجدته فارغاً. لم يكن هناك أثر لجسده الطاغي، لكن وسادته كانت ما تزال تحمل انخفاضاً بسيطاً يشي بأنه كان هنا منذ وقت ليس ببعيد. نهضتُ وأنا أشعر بألم خفيف في معصميّ إثر قبضته الشرسة ليلة أمس، وسرتُ بخطى حذرة نحو الحمام الرخامي الملحق بالجناح.
غسلتُ وجهي بالماء البارد لعلي أستعيد بعضاً من شتات نفسي المبعثرة. نظرتُ إلى انعكاس صورتي في المرآة؛ عيناي عسليتان واسعتان يحيطهما إرهاق شديد، وشعري البني الطويل منسدل بفوضوية. بدوتُ كضحية، لكن البريق المتحدي في عينيّ لم ينطفئ بعد. لن أستسلم له بهذه السهولة، حتى لو كان يملك العالم تحت قدميه.
عندما خرجتُ إلى الغرفة مجدداً، وجدتُ الباب يفتح بهدوء وتدخل "أمينة"، المرأة المسنة التي رأيتها بالأمس. كانت تحمل في يدها مجموعة من الملابس الفاخرة، وتضعها على طرف الفراش بأدب جم.
"صباح الخير يا آنسة ليلى،" قالت أمينة بنبرة هادئة وخفيضة، "لقد أمرني مراد بيه أن أحضر لكِ هذه الملابس، وأن أبلغكِ أن الإفطار جاهز في الشرفة الصيفية، وهو بانتظاركِ."
نظرتُ إلى الملابس، وكانت عبارة عن فستان شتوي طويل من الصوف الناعم بلون نبيذي دافئ، ينم عن ذوق رفيع ومكلف للغاية. قلتُ بنبرة جافة:
"أخبري سيدكِ أنني لا أريد ملابسه، ولا أريد إفطاره. أريد فقط هاتفِي لأطمئن عائلتي."
ابتسمت أمينة ابتسامة باهتة تحمل الكثير من الشفقة والخبرة بأحوال هذا القصر، وقالت:
"نصيحة من امرأة عاصرت مراد بيه منذ طفولته يا ابنتي.. لا تجعليه ينتظر. أوامره هنا كالقضاء والقدر، والعناد معه لن يجلب لكِ سوى المتاعب. ارتدي ملابسكِ واهبطي، فال بيه لا يحب التكرار."
غادرت أمينة الغرفة، وتركتني في صراع مرير مع كبريائي. لكن عقلي أخبرني أن الجوع والضعف لن يساعداني على التفكير في طريقة للخروج من هنا. ارتديتُ الفستان بقلب مثقل، وكان مقاسي تماماً وكأنه صُنع لي، مما أثار ريبتي؛ كيف لرجل لم يرني سوى ليلة واحدة أن يعرف تفاصيل جسدي بدقة كهذه؟
خرجتُ من الجناح وسرتُ في الممرات الطويلة التي كانت تبدو أكثر وضوحاً وأقل رعباً تحت ضوء النهار، لكنها لم تفقد هيبتها القوطية. نزلتُ الدرج الرخامي اللولبي، ليتلقاني أحد الحراس الضخام وينحني باحترام مشيراً بيده نحو ممر يؤدي إلى شرفة زجاجية واسعة تطل على المسبح والحدائق الغناء.
كان هناك، يجلس برأسه المرفوع وكبريائه المعهود أمام طاولة خشبية عتيقة حافلة بأصناف الطعام. لم يكن يرتدي بدلة رسمية اليوم، بل كان يكتفي بكنزة صوفية سوداء بياقة عالية تبرز عرض منكبيه وجسده الرياضي المتناسق. كان يمسك بيده جريدة الصباح ويحتسي قهوته السوداء بروية.
توقفت خطواتي على عتبة الشرفة. شعر بوجودي دون أن ينظر، فوضع فنجان القهوة ببطء، وطوى الجريدة ليرفع عينيه الصقريتين الحادتين نحوي. تأملني بفستاني النبيذي بنظرة فاحصة، عميقة، دامت لثوانٍ جعلت الدماء تتدفق حارة إلى وجنتي، وشعرت بقشعريرة مألوفة تسري في جسدي.
"اللون النبيذي يليق بشرتكِ البيضاء يا قطتي،" قال بصوته الجهوري الذي يحمل تلك البحة المثيرة التي تذيب العناد، "اجلسي."
تقدمتُ بخطى متماسكة وجلستُ على المقعد المقابل له مباشرة، وحرصتُ على ألا تظهر ريبتي. قُلت بنبرة حادة:
"أنا هنا لأنني جائعة، وليس لأنني أمتثل لأوامرك. والآن، أين هاتفي؟ عائلتي بالتأكيد ستموت قلقاً عليّ."
انحنى مراد بجسده نحو الطاولة، وشبك أصابعه الطويلة معاً، ونظر إليّ بابتسامة باردة وجانية:
"عائلتكِ؟ لقد تكفل رجالي بالأمر. أرسلنا لهم رسالة نصية من هاتفكِ تخبرينهم فيها أنكِ حصلتِ على فرصة عمل مفاجئة كمترجمة شخصية لسيدة أعمال ثرية في العاصمة، وأنكِ ستضطرين للإقامة في قصرها دون تواصل مستمر بسبب طبيعة العمل السرية. وقد أرفقنا مع الرسالة مبلغاً مالياً كبيراً كدفعة أولى من راتبكِ.. وحسب تقارير رجالي، عائلتكِ سعيدة جداً بـ 'نجاحكِ' المفاجئ."
توسعت عيناي بذهول وصدمة، وشعرت بغضب عارم يجتاحني. ضربتُ الطاولة بيدي وقُلت بصوت مرتجف:
"أنت شيطان! كيف تجرؤ على التلاعب بعائلتي وبهذه الطريقة؟ أنت تزور حياتي!"
لم يهتز له جفن، بل ظل يراقب غضبي ببرود وثقة تامة. امتدت يده الكبيرة فجأة، وقبض على رسغي فوق الطاولة بحركة سريعة ومحكمة. كانت لمسته حارة وقوية، منعتني من سحب يدي رغماً عني.
"أنا لا أزور حياتكِ يا ليلى، أنا أمنحكِ حياة جديدة،" همس بنبرة منخفضة مليئة بالتملك الشرس، وعيناه تتغلغلان في أعماق عيني، "عائلتكِ الآن آمنة ومكتفية مادياً، وهذا أفضل ما يمكن أن يقدمه رجل مثلي لهم. أما أنتِ.. فمكانكِ هنا، في قبضة النمر. والآن، تناولي إفطاركِ، فلدينا الكثير من الشروط لنناقشها اليوم في عالمنا الجديد."
أنفاسه الحارة التي دعت وجهي، وقربه الطاغي، جعلا عقلي يتوقف عن التفكير مجدداً، مستسلمة لتلك الرومانسية المظلمة الشرسة التي تفرض نفسها عليّ في كل لحظة.
سحبتُ يدي من قبضته الحارة بقوة بعد أن أرخى أصابعه قليلاً، وجلستُ أتنفس بحدة، وعيناي لا تفارقانه. كان البرود الذي يبديه مستفزاً لدرجة تجعلني أرغب في تحطيم فنجان القهوة الصيني على وجهه الوسيم والنحيت كتمثال إغريقي. كيف لرجل أن يجمع بين هذه الوحشية الطاغية والهدوء المرعب في آن واحد؟
"أنت مريض.. مريض بالسيطرة والتملك،" قُلتها بنبرة مخنوقة بالغضب، وأنا أحاول التظاهر بالانشغال بقطع الخبز أمامي حتى لا يرى ارتعاش أصابعي.
اتكأ مراد بظهره إلى الكرسي، ووضع يده فوق الطاولة عابثاً بخاتمه الفضي العتيق. نظراته كانت ثقيلة، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً. قال بنبرة رخيمة تحمل وعيداً مبطناً:
"السيطرة في عالمي ليست مرضاً يا ليلى، بل هي غريزة بقاء. الرجل الذي لا يسيطر على كل أنش حوله، ينتهي به الأمر بجثة هامدة في زقاق مظلم. وأنتِ الآن جزء من هذا النطاق، لذا.. السيطرة عليكِ حماية لكِ قبل أي شيء آخر."
"حماية؟" ضحكتُ بسخرية حارقة، "تسمي حبسي، وتزوير الحقائق لعائلتي، وتهديدي بالعقاب حماية؟ أنا لست دمية في مسرحك المظلم هذا!"
أشار بيده ببرود لأحد الخدم ليفرغ فنجان قهوته ويعيد ملأه، ثم التفت إليّ وعيناه تتوهجان ببريق شرس وخطير:
"دعينا من الجدال العققيم الذي لن يغير من الواقع شيئاً. أنتِ هنا، وهذا أمر قُضي فيه. الآن.. دعينا نتحدث عن قوانين إقامتكِ في هذا القصر، أو ما أسميتِها أنتِ 'شروط اللعبة'."
اعتدلتُ في جلستي، ورغم الخوف الكامن في أعماقي، إلا أن كبريائي وعنادي الأنثوي أبيا الاستسلام. نظرتُ إليه مباشرة وقُلت بفصاحة حازمة:
"إذا كنتُ مجبرة على البقاء خلف هذه الأسوار، فلن أكون مجرد زينة في قصرك. أريد شروطاً تضمن لي آدميتي.. لن أقبل أن أكون سجينة في زنزانة مظلمة."
ابتسم ابتسامة جانية، أظهرت جانباً ساحراً ومربكاً من شخصيته، وقال:
"تفضلي.. أريني ما تملكه قطتي الصغيرة من شروط."
"أولاً،" بدأتُ وأنا أستجمع شجاعتي، "أريد حريتي في التحرك داخل القصر والحدائق دون أن يتبعني رجالك كأني مجرمة فارّة. ثانياً، أريد كتباً، هاتفاً بإنترنت لمتابعة العالم دون إجراء اتصالات، وأي شيء يقتل هذا الفراغ.. وإلا سأموت جنوناً هنا. وثالثاً.. والأهم.."
توقفتُ للحظة، ونشفت الدماء في عروقي وأنا أنظر إلى شفتيه الحادتين وعينيه اللتين تلتهمان ملامحي، ثم أكملت بصوت خفيض ومرتجف:
"أن تظل بعيداً عني.. لا تلمسني، ولا تقترب مني رغماً عني. جسدي ليس ملكاً لك."
ساد صمت مطبق في الشرفة الزجاجية. حتى صوت الرياح بالخارج بدا كأنه تراجع احتراماً لهيبة اللحظة. وضع مراد فنجان قهوته ببطء شديد، وانحنى بجسده الضخم نحو الطاولة مجدداً حتى أصبح وجهه على بعد إنشات قليلة من وجهي. تغلغلت نظراته المظلمة في أعماق عيني، وشعرت بأنفاسه الحارة تلفح بشرتي كالجمر المشتعل.
"شروطكِ مثيرة للاهتمام،" همس ببحته الذكورية الطاغية التي جعلت ركبتيّ ترتجفان تحت الطاولة، "بالنسبة للشرط الأول والثاني.. لكِ ما أردتِ. سآمر رجالي بمراقبتكِ عن بُعد دون إزعاجكِ، وسأوفر لكِ كل وسائل الترفيه والكتب التي تطلبينها. فأنا أيضاً لا أحب الأنثى الجاهلة أو المملة."
توقفت أصابعه الطويلة لتتحرك فجأة ببطء ونعومة قاتلة على طول الطاولة، حتى لمست أطراف أصابعي. لمسة كهربائية حارقة أرسلت قشعريرة في كل أنش من جسدي. تابع وعيناه تثبتان على شفتي المرتجفتين بتملك مطلق:
"أما الشرط الثالث يا ليلى.. فهو الشرط الوحيد الذي لا تملكين حق فرضه. أنتِ من أرسلتِ تبحثين عن زوج مستقبل ينقذكِ من الملل، وأنا قبلتُ التحدي. لن أجبركِ على شيء، لكنني أعدكِ.. أنكِ أنتِ من ستتوسلين للمساتي وقربي يوماً ما. عنادكِ هذا سور سأستمتع بهدمه حجراً بحجر."
تراجعتُ إلى الخلف بجسدي، وأنا أشعر بقلبي يدق كطبول الحرب. الجاذبية التي ينضح بها هذا الرجل كانت مخدرة، مرعبة، وتفوق قدرتي على الصمود. وقف مراد بكامل طوله وعرض منكبيه، وعدّل كنزته السوداء ببرود، ثم نظر إليّ نظرة أخيرة حملت كل معاني السيطرة والرومانسية المظلمة:
"ارتاحي اليوم وتجولي في أرجاء القصر.. فمساءً، لدينا ضيوف، وأريدكِ أن تكوني بجانبي بكامل أناقتكِ كملكة تليق بمراد السيوفي."
التفت وغادر الشرفة بخطواته الواثقة، تاركاً إياي غارقة في ذهولي، وأنا أدرك أن شروطه هي خيوط حريرية تلتف حول عنقي ببطء.. خيوط تصنع من سجني مكاناً لا يمكنني الهروب منه، ولا حتى مقاومته.
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







