LOGINاستيقظتُ على صوت زقزقة عصافير بدت غريبة عن مسمعي، وكأنها تأتي من عالم آخر غير عالمي. فتحتُ عيني ببطء، لتستقبلني تفاصيل السقف الشاهق والنجف الكريستالي الذي يعكس أشعة الشمس الصباحية المتسللة من خلف الستائر المخملية الثقيلة. للحظة واحدة، خلتُ أنني ما زلت في غرفتي الصغيرة، وأن كل ما حدث بالأمس كان مجرد كابوس ثقيل نتج عن قراءة رواية مرعبة قبل النوم.
لكن رائحة التبغ الفاخر والصندل التي كانت تملأ الغرفة، والملمس الحريري الأسود للأغطية، أعاداني إلى الواقع بقسوة صفعة باردة. أنا في جناح مراد السيوفي.. أنا سجينة زعيم المافيا.
التفتُّ بجسدي بوجل نحو الجانب الآخر من السرير الضخم، وتنفستُ الصعداء عندما وجدته فارغاً. لم يكن هناك أثر لجسده الطاغي، لكن وسادته كانت ما تزال تحمل انخفاضاً بسيطاً يشي بأنه كان هنا منذ وقت ليس ببعيد. نهضتُ وأنا أشعر بألم خفيف في معصميّ إثر قبضته الشرسة ليلة أمس، وسرتُ بخطى حذرة نحو الحمام الرخامي الملحق بالجناح.
غسلتُ وجهي بالماء البارد لعلي أستعيد بعضاً من شتات نفسي المبعثرة. نظرتُ إلى انعكاس صورتي في المرآة؛ عيناي عسليتان واسعتان يحيطهما إرهاق شديد، وشعري البني الطويل منسدل بفوضوية. بدوتُ كضحية، لكن البريق المتحدي في عينيّ لم ينطفئ بعد. لن أستسلم له بهذه السهولة، حتى لو كان يملك العالم تحت قدميه.
عندما خرجتُ إلى الغرفة مجدداً، وجدتُ الباب يفتح بهدوء وتدخل "أمينة"، المرأة المسنة التي رأيتها بالأمس. كانت تحمل في يدها مجموعة من الملابس الفاخرة، وتضعها على طرف الفراش بأدب جم.
"صباح الخير يا آنسة ليلى،" قالت أمينة بنبرة هادئة وخفيضة، "لقد أمرني مراد بيه أن أحضر لكِ هذه الملابس، وأن أبلغكِ أن الإفطار جاهز في الشرفة الصيفية، وهو بانتظاركِ."
نظرتُ إلى الملابس، وكانت عبارة عن فستان شتوي طويل من الصوف الناعم بلون نبيذي دافئ، ينم عن ذوق رفيع ومكلف للغاية. قلتُ بنبرة جافة:
"أخبري سيدكِ أنني لا أريد ملابسه، ولا أريد إفطاره. أريد فقط هاتفِي لأطمئن عائلتي."
ابتسمت أمينة ابتسامة باهتة تحمل الكثير من الشفقة والخبرة بأحوال هذا القصر، وقالت:
"نصيحة من امرأة عاصرت مراد بيه منذ طفولته يا ابنتي.. لا تجعليه ينتظر. أوامره هنا كالقضاء والقدر، والعناد معه لن يجلب لكِ سوى المتاعب. ارتدي ملابسكِ واهبطي، فال بيه لا يحب التكرار."
غادرت أمينة الغرفة، وتركتني في صراع مرير مع كبريائي. لكن عقلي أخبرني أن الجوع والضعف لن يساعداني على التفكير في طريقة للخروج من هنا. ارتديتُ الفستان بقلب مثقل، وكان مقاسي تماماً وكأنه صُنع لي، مما أثار ريبتي؛ كيف لرجل لم يرني سوى ليلة واحدة أن يعرف تفاصيل جسدي بدقة كهذه؟
خرجتُ من الجناح وسرتُ في الممرات الطويلة التي كانت تبدو أكثر وضوحاً وأقل رعباً تحت ضوء النهار، لكنها لم تفقد هيبتها القوطية. نزلتُ الدرج الرخامي اللولبي، ليتلقاني أحد الحراس الضخام وينحني باحترام مشيراً بيده نحو ممر يؤدي إلى شرفة زجاجية واسعة تطل على المسبح والحدائق الغناء.
كان هناك، يجلس برأسه المرفوع وكبريائه المعهود أمام طاولة خشبية عتيقة حافلة بأصناف الطعام. لم يكن يرتدي بدلة رسمية اليوم، بل كان يكتفي بكنزة صوفية سوداء بياقة عالية تبرز عرض منكبيه وجسده الرياضي المتناسق. كان يمسك بيده جريدة الصباح ويحتسي قهوته السوداء بروية.
توقفت خطواتي على عتبة الشرفة. شعر بوجودي دون أن ينظر، فوضع فنجان القهوة ببطء، وطوى الجريدة ليرفع عينيه الصقريتين الحادتين نحوي. تأملني بفستاني النبيذي بنظرة فاحصة، عميقة، دامت لثوانٍ جعلت الدماء تتدفق حارة إلى وجنتي، وشعرت بقشعريرة مألوفة تسري في جسدي.
"اللون النبيذي يليق بشرتكِ البيضاء يا قطتي،" قال بصوته الجهوري الذي يحمل تلك البحة المثيرة التي تذيب العناد، "اجلسي."
تقدمتُ بخطى متماسكة وجلستُ على المقعد المقابل له مباشرة، وحرصتُ على ألا تظهر ريبتي. قُلت بنبرة حادة:
"أنا هنا لأنني جائعة، وليس لأنني أمتثل لأوامرك. والآن، أين هاتفي؟ عائلتي بالتأكيد ستموت قلقاً عليّ."
انحنى مراد بجسده نحو الطاولة، وشبك أصابعه الطويلة معاً، ونظر إليّ بابتسامة باردة وجانية:
"عائلتكِ؟ لقد تكفل رجالي بالأمر. أرسلنا لهم رسالة نصية من هاتفكِ تخبرينهم فيها أنكِ حصلتِ على فرصة عمل مفاجئة كمترجمة شخصية لسيدة أعمال ثرية في العاصمة، وأنكِ ستضطرين للإقامة في قصرها دون تواصل مستمر بسبب طبيعة العمل السرية. وقد أرفقنا مع الرسالة مبلغاً مالياً كبيراً كدفعة أولى من راتبكِ.. وحسب تقارير رجالي، عائلتكِ سعيدة جداً بـ 'نجاحكِ' المفاجئ."
توسعت عيناي بذهول وصدمة، وشعرت بغضب عارم يجتاحني. ضربتُ الطاولة بيدي وقُلت بصوت مرتجف:
"أنت شيطان! كيف تجرؤ على التلاعب بعائلتي وبهذه الطريقة؟ أنت تزور حياتي!"
لم يهتز له جفن، بل ظل يراقب غضبي ببرود وثقة تامة. امتدت يده الكبيرة فجأة، وقبض على رسغي فوق الطاولة بحركة سريعة ومحكمة. كانت لمسته حارة وقوية، منعتني من سحب يدي رغماً عني.
"أنا لا أزور حياتكِ يا ليلى، أنا أمنحكِ حياة جديدة،" همس بنبرة منخفضة مليئة بالتملك الشرس، وعيناه تتغلغلان في أعماق عيني، "عائلتكِ الآن آمنة ومكتفية مادياً، وهذا أفضل ما يمكن أن يقدمه رجل مثلي لهم. أما أنتِ.. فمكانكِ هنا، في قبضة النمر. والآن، تناولي إفطاركِ، فلدينا الكثير من الشروط لنناقشها اليوم في عالمنا الجديد."
أنفاسه الحارة التي دعت وجهي، وقربه الطاغي، جعلا عقلي يتوقف عن التفكير مجدداً، مستسلمة لتلك الرومانسية المظلمة الشرسة التي تفرض نفسها عليّ في كل لحظة.
سحبتُ يدي من قبضته الحارة بقوة بعد أن أرخى أصابعه قليلاً، وجلستُ أتنفس بحدة، وعيناي لا تفارقانه. كان البرود الذي يبديه مستفزاً لدرجة تجعلني أرغب في تحطيم فنجان القهوة الصيني على وجهه الوسيم والنحيت كتمثال إغريقي. كيف لرجل أن يجمع بين هذه الوحشية الطاغية والهدوء المرعب في آن واحد؟
"أنت مريض.. مريض بالسيطرة والتملك،" قُلتها بنبرة مخنوقة بالغضب، وأنا أحاول التظاهر بالانشغال بقطع الخبز أمامي حتى لا يرى ارتعاش أصابعي.
اتكأ مراد بظهره إلى الكرسي، ووضع يده فوق الطاولة عابثاً بخاتمه الفضي العتيق. نظراته كانت ثقيلة، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً. قال بنبرة رخيمة تحمل وعيداً مبطناً:
"السيطرة في عالمي ليست مرضاً يا ليلى، بل هي غريزة بقاء. الرجل الذي لا يسيطر على كل أنش حوله، ينتهي به الأمر بجثة هامدة في زقاق مظلم. وأنتِ الآن جزء من هذا النطاق، لذا.. السيطرة عليكِ حماية لكِ قبل أي شيء آخر."
"حماية؟" ضحكتُ بسخرية حارقة، "تسمي حبسي، وتزوير الحقائق لعائلتي، وتهديدي بالعقاب حماية؟ أنا لست دمية في مسرحك المظلم هذا!"
أشار بيده ببرود لأحد الخدم ليفرغ فنجان قهوته ويعيد ملأه، ثم التفت إليّ وعيناه تتوهجان ببريق شرس وخطير:
"دعينا من الجدال العققيم الذي لن يغير من الواقع شيئاً. أنتِ هنا، وهذا أمر قُضي فيه. الآن.. دعينا نتحدث عن قوانين إقامتكِ في هذا القصر، أو ما أسميتِها أنتِ 'شروط اللعبة'."
اعتدلتُ في جلستي، ورغم الخوف الكامن في أعماقي، إلا أن كبريائي وعنادي الأنثوي أبيا الاستسلام. نظرتُ إليه مباشرة وقُلت بفصاحة حازمة:
"إذا كنتُ مجبرة على البقاء خلف هذه الأسوار، فلن أكون مجرد زينة في قصرك. أريد شروطاً تضمن لي آدميتي.. لن أقبل أن أكون سجينة في زنزانة مظلمة."
ابتسم ابتسامة جانية، أظهرت جانباً ساحراً ومربكاً من شخصيته، وقال:
"تفضلي.. أريني ما تملكه قطتي الصغيرة من شروط."
"أولاً،" بدأتُ وأنا أستجمع شجاعتي، "أريد حريتي في التحرك داخل القصر والحدائق دون أن يتبعني رجالك كأني مجرمة فارّة. ثانياً، أريد كتباً، هاتفاً بإنترنت لمتابعة العالم دون إجراء اتصالات، وأي شيء يقتل هذا الفراغ.. وإلا سأموت جنوناً هنا. وثالثاً.. والأهم.."
توقفتُ للحظة، ونشفت الدماء في عروقي وأنا أنظر إلى شفتيه الحادتين وعينيه اللتين تلتهمان ملامحي، ثم أكملت بصوت خفيض ومرتجف:
"أن تظل بعيداً عني.. لا تلمسني، ولا تقترب مني رغماً عني. جسدي ليس ملكاً لك."
ساد صمت مطبق في الشرفة الزجاجية. حتى صوت الرياح بالخارج بدا كأنه تراجع احتراماً لهيبة اللحظة. وضع مراد فنجان قهوته ببطء شديد، وانحنى بجسده الضخم نحو الطاولة مجدداً حتى أصبح وجهه على بعد إنشات قليلة من وجهي. تغلغلت نظراته المظلمة في أعماق عيني، وشعرت بأنفاسه الحارة تلفح بشرتي كالجمر المشتعل.
"شروطكِ مثيرة للاهتمام،" همس ببحته الذكورية الطاغية التي جعلت ركبتيّ ترتجفان تحت الطاولة، "بالنسبة للشرط الأول والثاني.. لكِ ما أردتِ. سآمر رجالي بمراقبتكِ عن بُعد دون إزعاجكِ، وسأوفر لكِ كل وسائل الترفيه والكتب التي تطلبينها. فأنا أيضاً لا أحب الأنثى الجاهلة أو المملة."
توقفت أصابعه الطويلة لتتحرك فجأة ببطء ونعومة قاتلة على طول الطاولة، حتى لمست أطراف أصابعي. لمسة كهربائية حارقة أرسلت قشعريرة في كل أنش من جسدي. تابع وعيناه تثبتان على شفتي المرتجفتين بتملك مطلق:
"أما الشرط الثالث يا ليلى.. فهو الشرط الوحيد الذي لا تملكين حق فرضه. أنتِ من أرسلتِ تبحثين عن زوج مستقبل ينقذكِ من الملل، وأنا قبلتُ التحدي. لن أجبركِ على شيء، لكنني أعدكِ.. أنكِ أنتِ من ستتوسلين للمساتي وقربي يوماً ما. عنادكِ هذا سور سأستمتع بهدمه حجراً بحجر."
تراجعتُ إلى الخلف بجسدي، وأنا أشعر بقلبي يدق كطبول الحرب. الجاذبية التي ينضح بها هذا الرجل كانت مخدرة، مرعبة، وتفوق قدرتي على الصمود. وقف مراد بكامل طوله وعرض منكبيه، وعدّل كنزته السوداء ببرود، ثم نظر إليّ نظرة أخيرة حملت كل معاني السيطرة والرومانسية المظلمة:
"ارتاحي اليوم وتجولي في أرجاء القصر.. فمساءً، لدينا ضيوف، وأريدكِ أن تكوني بجانبي بكامل أناقتكِ كملكة تليق بمراد السيوفي."
التفت وغادر الشرفة بخطواته الواثقة، تاركاً إياي غارقة في ذهولي، وأنا أدرك أن شروطه هي خيوط حريرية تلتف حول عنقي ببطء.. خيوط تصنع من سجني مكاناً لا يمكنني الهروب منه، ولا حتى مقاومته.
في تلك الثواني الرقمية المتسارعة التي أعقبت وعيد مبعوثة مجلس الملوك، تحول القبو البازلتي إلى ساحة لحرب نفسية طحنت باطن وعي مراد السيوفي. كان العداد البيومتري الفضي يلتهم ذرات الوقت بقسوة هندسية لا ترحم، معلنًا بقاء خمس دقائق رقمية فقط قبل الفناء البيولوجي الشامل. نظر مراد إلى يوسف، شقيقه العائد من غياهب الموت، والذي بات اللحظة يحمل في خلايا دمه فيروسًا مشفرًا بيولوجيًا كفيلًا بإنهاء سلالة آل السيوفي برمتها، ثم التفت نحو مبعوثة روما التي توجه فوهة سلاح البلازما نحو عنق ليلى.شعر بمرارة بركانية كادت تقتلع صمام أمان ثباته العسكري. الخيار الذي طرحته روما لم يكن سوى انحناء تكتيكي كامل لطاغية صاغ الخديعة من رحم حصونهم، إما أن يقتل شقيقه بيده، أو يرى ملكته الفاتنة تتناثر كرماد مالح. لكن النمر لا يتفاوض تحت وطأة الوعيد، وعقيدة حكمه المشترك لا تقبل السقوط.وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف بجسدها الرقيق الملتف بالفستان المخملي الأسود الطويل، وشعرها الأسود الغجري يتطاير بفعل العصف الهيدروليكي للبوابات. انشطر باطن روحها إلى نصفين؛ كبرياء آل الجارحي الذي تلطخ بخيانة أبيها أدهم، وولاؤها ا
لم يكن الصمت الذي أعقب انقطاع البث الفيدرالي الفضي مجرد غياب للصوت، بل كان هبوطًا مروعًا لبرزخ أسود استقر في جوف القبو البازلتي، وكأن جدران القصر القديم قد أطبقت فكيها على الأنفاس برمتها. تحولت الأنظمة الإلكترونية الشاملة إلى جثث تكنولوجية هامدة، وانطفأت الأضواء الزرقاء الفيدرالية لتفسح المجال لعتمة مطلقة، عتمة لا يكسر ضراوتها سوى الوميض الأحمر الشاحب المنبعث من بطاريات الطوارئ الهيدروليكية، والذي كان ينعكس على الوجوه كدماء طازجة سالت لتوها في ساحة إعدام مجهولة.في تلك الظلمة المطبقة، كان الصراع النفسي يطحن باطن وعي مراد السيوفي كرحى عملاقة من الفولاذ. شعر بالنمر الرابض في أعماقه يتلوى غيظًا وكمدًا؛ فالانتصار التكتيكي الساحق الذي حققه لتوّه على أدهم الجارحي تبخر في ذرات ثانية رقمية واحدة، ليتحول إلى مجرد فخ طفولي صاغته أيدي "مجلس الملوك" في روما. كانت الخديعة أكبر من عقيدته العسكرية الفيدرالية، وأعمق من شفراته الاستخباراتية الشاملة. نظر في الظلام نحو شقيقه يوسف، المستند بجسده الواهن إلى حافة المنصة البازلتية، وشعر بمرارة لاذعة تملأ حلقه؛ أيكون شقيقه العائد من غياهب الموت مجرد حص
انغلقت البوابات الحديدية المؤتمتة ذات الوجوه المصفحة بأزيز هيدروليكي صاعق، ليعزل القبو البازلتي السفلي لقصر العاصمة القديمة عن الكون برمتها. تحول الهواء في ذرات الثواني الرقمية العشر الأخيرة إلى حطب يابس يشعل غيظ مراد السيوفي البركاني. كان صوت صفارات الإنذار الحمراء يعوي في فراغ القاعة كذئب جريح، بينما تراقصت الأرقام المضيئة على شاشة العد التنازلي التلقائي بجنون هستيري: 00:09... 00:08... 00:07... كل جزء من الثانية كان يلتهم فرصة النجاة ويقرب جسد يوسف السيوفي القابع في الأسر من التناثر كرماد مالح. تجمد مراد السيوفي في موضعه بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، ولم تكن الصدمة لتزلزل توازنه التكتيكي العسكري، بل أشعلت في عينيه الصقريتين الحادتين نيرانا من الجحيم الخالص. التفتت عيناه من القفص الرقمي الذي يضم شقيقه العائد من غياهب الموت، لتستقر اللحظة على وجه أدهم الجارحي؛ الرجل الذي كان حتى هذه الثانية يمثل صمام الأمان الاستراتيجي لعقيدة حكمهما المشترك. كان الصراع النفسي يطحن باطن روحه الشرسة؛ كيف تحول حليفه الأكبر ووالد ملكته الفاتنة إلى أليكساندر، الجلاد الفعلي وصياد المل
لم تكن دقات الساعة الميكانيكية المنبعثة من شاشات الاختراق الكبرى مجرد عد تنازلي للزمن، بل كانت بمثابة معزوفة جنائزية تعلن ذوبان الحدود الفاصلة بين الحياة والفناء. تحولت جدران الحصن الجبلي في سيناء إلى سجن من الغرانيت والضوء الأحمر الخالص، بينما كان أزيز الطائرات المسيرة بالخارج يطوق الأجواء كأسراب من الطيور الكاسرة المستعدة لتمزيق جسد الجبل. وقف مراد السيوفي بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، وعيناه الصقريتان تحدقان في شاشة الرصد بغليان بركاني صامت، بينما تيبست أصابعه الكبيرة الساخنة فوق خصر ليلى، محكما قبضة التملك الشرس التي تعبر عن ذروة صراعه النفسي الطاحن. في تلك اللحظة الرقمية الحرجة، كان عقل مراد يدور في حلقة مفرغة من النار والبارود. شقيقه يوسف، القطعة المفقودة من تاريخه المعمد بالدم، يقع الآن تحت رحمة جلاد روما الفعلي، ونبضات قلبه مرتبطة بشفرة تفجير ستحول العاصمة القديمة إلى رماد مالح. والشرط؟ أن يسلم ليلى، ملكته الفاتنة وملاذه الأنثوي الأوحد، كصك تنازل أبدي عن كبريائه وهيبته الدولية. كان الصراع النفسي يمزق نياط قلبه الشرس؛ هل يضحي بنصف روحه وشقيقه العائد من مقا
انقطع البث الرقمي المباغت تاركا جمرات الغضب تتطاير من عيني مراد السيوفي، ليعود الجناح الجبلي المحصن في عمق سيناء إلى عتمته النسبية، إلا من ومضات خافتة زرقاء انبعثت من شاشات التحكم الفيدرالية. تداخل صوت صفير الرياح الصحراوية الجافة بالخارج مع صدى كلمات أليكساندر الصقيعية التي لا تزال تتردد في الفراغ كقذائف فكرية موجهة لتدمير ثبات المنظومة. تجمد جسد مراد الفاره في موضعه كتمثال من الغرانيت الصلد، وعضلات صدره العريض تعلو وتهبط بعنفوان مرعب، بينما استقرت يده الفولاذية محكمة الحصار حول خصر ليلى الضيق بقوة تملكية تكاد تقترب من الشراسة الواهنة. في تلك الثواني الرقمية الحرجة، كان الصراع النفسي يطحن وعي مراد طحنا. فكرة أن شقيقه يوسف، قطعة من روحه المفقودة ودمائه المعراة تحت ركام الماضي، يتنفس الآن داخل زنزانة رقمية تحت ركام قصر العاصمة القديم، جعلت دماء السيوفي تغلي في عروقه بوعيد حارق. شعر للحظة بضآلة كل معاركه التكتيكية السابقة أمام هذا الاختراق الوجودي؛ إذ تحول من صياد للملوك إلى هدف تتحكم في مصيره ساعة عد تنازلي يملك مفتاحها جلاد روما الفعلي. تلاطمت الأفكار في عقله كأمواج
لم تكن شمس سيناء تشرق كبقية العواصم، بل كانت تنبثق من خلف الهضاب الحجرية العاتية ككتلة من الذهب المستعر، لتلقي بظلالها القاسية فوق الرمال الممتدة التي شهدت على مر العقود دفن أسرار الملوك والجبابرة. وفي قلب ذلك المدى الموحش، وعلى قمة رصيف مروحيات سري مصفح ومحفور بدقة تكتيكية في بطن الجبل، استقرت المروحية العسكرية السوداء لآل السيوفي، مخلفة وراءها عاصفة من الغبار والرمال الحارقة التي تلاشت تدريجياً أمام وقار المشهد الحاسم.هبط مراد السيوفي من جوف الطائرة بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، مرتدياً سُترته الجلدية السوداء الطويلة التي تحركت أطرافها بعنفوان مع نسمات الفجر الجافة. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تقرأان تضاريس الصحراء بغليان خالص؛ فكل ذرة رمل هنا تذكره بجراحه المعراة القديمة، وبدمائه التي سُفكت قبل سنوات في حروب العاصمة القذرة. لم يكن صراعه النفسي داخله هذه المرة مجرد غيظ بركاني عابر، بل كان زلزالاً يضرب عقيدته العسكرية والتكتيكية؛ شقيقه يوسف، الذي ظن لعقود أنه صار رماداً مالحاً، قد يكون محتجزاً في هذه البقعة الجغرافية اللعينة كشفرة مساومة دولية يصوغها أليكساندر من م
لم يكن هدير أمواج البحر في ميناء العاصمة كافياً ليغطي على زئير الشك والوجل الذي كان يعصف بصدر مراد السيوفي. كان واقفاً وسط رجاله، والملفات والصفقات تتطاير أمامه دون أن تسترعي انتباهه؛ فعقله وقلبه كانا هناك، في ذلك الجناح الرئيسي حيث ترك قطته الفاتنة بفستانها الشيفون الأبيض وعطرها المخدر.و
لم يكن من السهل على زعيم مافيا يحيط به الأعداء من كل حدب وصوب أن ينام ملء جفنيه، خاصة بعد أن امتدت أصابع المؤامرة لتطال الأنثى التي سحرت عقله. غادر مراد الجناح مع بزوغ الشمس تاركاً خلفه أمراً عسكرياً مشدداً بحراستي، ومغلفاً مشحوناً بالشكوك والوعيد لطارق الجارحي.بقيتُ في الغرفة، أذرع الأرض
"أنا هنا يا قطتي.. أنا هنا وستظلين في حمايتي دائماً،" همس بصوته الرخيم بجانب أذني، وتلمست شفتاه بشرة عنقي بعمق وشغف جعل كل إنش في جسدي ينتفض رغماً عني، "والآن.. انتهت معركة الدفاع، وبدأت معركة الانتقام. عثمان تجرأ على تهديد ملكتي.. وسأجعل اسمه أثراً بعد عين قبل أن ينتهي هذا الليل."كانت ضم
دوى صدى تحطّم الهاتف على الأرضية الرخامية كأنه طلقة رصاص أولى أعلنت بداية الحرب. شعرتُ بركبتيّ تخونانني، لولا أن ذراعه القوية كانت ما تزال تحيط بخصري كطوق من حديد، تثبتني إلى جسده الطاغي الذي ينبض بحرارة مرعبة وغضب لافح. كانت أنفاسه المتلاحقة تصطدم بوجهي، وعيناه الصقريتان تدوران في محجريها كوحش حُص







