登入بقيتُ في الشرفة الزجاجية وحدي لفترة طويلة بعد رحيله، أتأمل فنجان القهوة الفارغ والحدائق الممتدة أمامي كلوحة زيتية صامتة ومخيفة. الكلمات التي نطق بها ما زالت تتردد في أعماقي كصدى طبول مرعبة: "أنتِ من ستتوسلين للمساتي وقربي يوماً ما". شعرتُ بغيظ عارم يحرق صدري، وخوف غريب من أن تصدق نبوءته؛ فذلك التأثير الساحر والمخدر الذي يملكه عليّ بمجرد اقترابه كان حقيقة لا يمكنني إنكارها بيني وبين نفسي.
نهضتُ أخيراً، وقررتُ استغلال المساحة المتاحة لي لأكتشف هذا السجن الفاخر. سرتُ في الردهات الشاسعة، وكان رجاله، كما وعد، يراقبونني من بعيد كأشباح صامتة بالبدلات السوداء، ينحنون برؤوسهم كلما مررتُ بجانبهم، دون أن ينطقوا بكلمة أو يعترضوا طريقي. دخلتُ المكتبة الكبيرة في الطابق الأول، وكانت أشبه بمكتبات القصور الأسطورية؛ جدرانها مغطاة بالكامل برفوف خشبية داكنة تمتد حتى السقف، تفوح منها رائحة الورق القديم والجلد الفاخر.
قضيتُ ساعات النهار هناك، أحاول دفن قلقي وأفكاري بين صفحات الروايات التاريخية وكتب الفلسفة، لكن عقلي كان يرفض التركيز. كلما قرأتُ سطراً، تراءت لي عيناه الصقريتان الحادتان ونبرة صوته الجهورية.
عندما بدأت الشمس تميل نحو الغروب وتصبغ الأفق بلون أحمر قاني كالدماء، عادت "أمينة" إلى المكتبة، وكان وجهها يحمل علامات الجدية الصارمة.
"آنسة ليلى، حان الوقت للاستعداد،" قالت وهي تشير بوعاء يدها نحو الأعلى، "الضيوف سيصلون بعد ساعة من الآن، ومراد بيه أمر بأن تكوني في أبهى حلة. لقد وضعتُ لكِ في الجناح فستاناً خصصه ال بيه لهذه الليلة."
تنهدتُ بيأس، وعلمتُ أنني لا أملك ترف الرفض؛ فمواجهة ضيوف المافيا تتطلب مني أن أكون متيقظة لا متمردة فحسب. صعدتُ إلى الجناح، ووجدتُ فوق الفراش الحريري علبة مخملية سوداء كبيرة. فتحتها بأنامل ترتجف خفية، لتتسع عيناي ذهولاً.
كان فستاناً من المخمل الأسود الفاخر، طويل وضيق يبرز تفاصيل الجسد ببراعة ونضج، ذو أكمام طويلة من الدانتيل المشغول يدوياً، وفتحة عنق أنيقة على شكل حرف (V). وبجانب العلبة، كان هناك طقم من الألماس الخالص يتلألأ تحت الضوء كأنه قطرات من الندى المتجمد.
"إنه يريد استعراضي كإحدى ممتلكاته الثمينة،" زممتُ شفتي بغيظ وأنا أرتدي الفستان. كان يلتف حول جسدي كأنه صُنع لي خصيصاً، ليمنحني مظهراً يمزج بين البراءة الأنثوية والجاذبية الغامضة والخطيرة. رفعتُ شعري البني الطويل في كعكة كلاسيكية أنيقة، وتركتُ خصلات قليلة تتمرد على وجهي، ووضعتُ العقد الألماسي حول عنقي، ليلامس بشرتي ببرودته الشديدة.
وقفتُ أمام المرآة الطويلة، ولم أكد أتعرف على نفسي. لم أعد "ليلى" الفتاة الجامعية البسيطة التي يقتلها الملل؛ بل بدوتُ كأنني امرأة خرجت للتو من عالم الأساطير المظلمة، امرأة تليق بأن تقف بجانب زعيم المافيا.
دوت ثلاث طرقات خفيفة على الباب، ثم فُتح ببطء.
تجمدتُ في مكاني عندما رأيت انعكاس صورته في المرآة يقف خلفي مباشرة. كان مراد قد ارتدى حلة رسمية سوداء بالكامل (توكسيدو) صُنعت له في أشهر دور الأزياء العالمية، مع قميص أبيض ناصع يبرز سمرة بشرته الجذابة، وربطة عنق سوداء. كانت هالته الليلة مرعبة في هيبتها، ووسامته الشرسة كفيلة بإيقاف الأنفاس.
ساد الصمت لثوانٍ وهو يتأمل انعكاسي في المرآة. تغلغلت نظراته الحادة في تفاصيل جسدي وفستاني الأسود، ورأيت بريقاً غامضاً، مشتعلاً بالرغبة والتملك، يلمع في عيني الصقر لديه. خطا خطوة إلى الأمام، ليصبح ظهري ملامساً لصدره العريض، وانحنى برأسه حتى أصبحت أنفاسه الحارة تداعب أذني.
"لقد تجاوزتِ كل توقعاتي يا قطتي،" همس ببحته الرجولية العميقة التي جعلت قشعريرة عنيفة تضرب عمودي الفقري، "الأسود لم يُخلق لامرأة غيركِ. الليلة، سيعلم الجميع من هي المرأة التي اختارها مراد السيوفي لتكون ملكة في عرينه."
التفتُّ إليه ببطء، وأنا أحاول الحفاظ على قناعي الجامد، وقُلت بصوت متهدج:
"أنا لست ملكتك، ولست فخورة بالوقوف بجانب رجل يرتعد الجميع من اسمه. من هم هؤلاء الضيوف الذين تجبرني على مقابلتهم؟"
امتدت يده الكبيرة، وتحركت أصابعه الدافئة لتتحسس العقد الألماسي حول عنقي ببطء، في لمسة جعلت نبضات قلبي تتسارع بشكل جنوني، ثم هبطت يده لتقبض على ذقني برفق، جاعلاً عيني تلتقي بعينيه الشرسيتين.
"الليلة ستقابلين قادة العائلات الأخرى،" قال ببرود حازم، وتحولت ملامحه إلى الجدية القاتلة، "رجال لا يعرفون الرحمة، وأعينهم تتربص بأي نقطة ضعف لدي. أريدكِ أن تكوني قوية، صامتة، ومرفوعة الرأس. لا تظهري أي خوف أمامهم، فخوفكِ قد يكون الثغرة التي يستغلونها. تذكري.. أنتِ الآن تحملين اسمي وحمايتي."
انحنى وطبع قبلة بطيئة وحارقة على فكي، لمسة كانت بمثابة ختم التملك والشراكة في الخطر، ثم شبك أصابعه الطويلة بأصابعي، ويسحبني خلفه بلطف طاغٍ نحو الأسفل.
عندما وصلنا إلى قاعة الطعام الكبرى، كانت الأجواء مشحونة برائحة السيجار الكوبي والتوتر المكتوم. كان هناك أربعة رجال بكبار السن، بملامح قاسية وندوب تحكي قصص صراعات دامية، يلتفون حول طاولة اجتماعات ضخمة يحيطهم حراسهم المدججون بالسلاح المخفي.
ما إن دخل مراد وهو يمسك بيدي، حتى ساد صمت مفاجئ وقاتل في القاعة. اتجهت كل الأنظار النحونا، وتحديداً نحو يدينا المشبوكتين، ونحوي أنا بفستاني الأسود وعقدي المتلألئ. شعرت برعب حقيقي ينهش أطرافي من نظراتهم القذرة والفاحصة، لكنني تذكرت كلماته؛ ضغطتُ على يده بقوة، ورفعتُ رأسي بكبرياء وعناد أنثوي.
نظر إليّ مراد بطرف عينه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانية وفخورة. سحب لي الكرسي الرئيسي المجاور له بكبرياء ملوك، وقال بصوته الجهوري الذي دوى في القاعة كالقضاء الصارم:
"أيها السادة.. أعرّفكم على ليلى.. المرأة التي تملك قلب وعقل مراد السيوفي، ومن يجرؤ على النظر إليها.. سأنتزع عينيه بيدّي هاتين."
انقبضت معدتي بقوة، وأدركت في تلك اللحظة بالذات، أنني لم أعد مجرد سجينة في قصر.. بل أصبحتُ في قلب حرب المافيا، والهدف الأول لكل أعدائه!
انثالت نظرات القادة الأربعة كخناجر مسمومة صامتة تخترق الهواء، لكن تحذير مراد الصارم كان كفيلاً بوضع جدار من الرعب بيني وبينهم. تنحنح أحدهم، وهو رجل عجوز ذو شعر رمادي وعين مشوهة يُدعى "عثمان"، وقال بنبرة متهدجة يحاول إخفاء خبثها:
"لم نكن نعلم أن للنمر وجهاً رقيقاً كهذا يا مراد بيه. لطالما ظننا أن قلبك قُدّ من صخر، لكن يبدو أن هذه الجميلة وجدت طريقها لثغراتك."
شحب وجهي، وشعرت برعب ينهش أطرافي؛ فالرجل كان يلمح بوضوح إلى أنني أصبحتُ نقطة ضعفه التي يمكنهم استخدامها للتخلص منه. وقبل أن يتملكني الذعر بالكامل، شعرت بيد مراد الكبيرة والدافئة تحيط بخصري تحت الطاولة، وضمني إليه بقوة وحزم غريبين، ضمة منحتني دفئاً وشجاعة لم أكن أظن أنني أملكها.
"عثمان،" قال مراد، وانخفض صوته الجهوري نغمة واحدة، وهي النغمة التي علمتُ أنها تسبق انهمار الدماء دائماً، "إياك أن تخطئ في الحسابات. ليلى ليست ثغرة، بل هي القوة التي تجعلني أكثر شراسة في حماية ما يخصني. والآن.. دعينا نغلق هذا الملف ونلتفت لما جئتم من أجله."
بدأ العشاء، وبدأت معه مناقشاتهم المعقدة والمخيفة عن طرق التهريب، صفقات السلاح، والنزاعات على مناطق النفوذ في العاصمة. كانت الكلمات تمر على مسمعي كالكوابيس، لكنني أجبرتُ نفسي على البقاء صامتة ومرفوعة الرأس كما أوصاني. وكل هذا الوقت، لم تفارق يده خصرِ، بل كانت أصابعه تتحرك ببطء ونعومة بين الحين والأخر فوق مخمل فستاني الأسود، في لمسات سرية وحارقة كانت ترسل كهرباء غامضة تسري في كل أنش من جسدي، وتجعل نبضات قلبي تقفز بشكل جنوني يشتت عقلي عن مخاطر الجلسة.
استمر الاجتماع لأكثر من ساعتين، والتوتر في القاعة يكاد يرى بالعين المجردة. وفجأة، نهض "عثمان" وأشار لرجاله، معلناً انتهاء الجلسة، ونظر إليّ نظرة أخيرة باردة قبل أن يلتفت لمراد ويقول: "اتفاقنا ساري المفعول إذن.. طالما أن النمر لا يفقد تركيزه بسبب قطته."
غادر القادة وحراسهم، وما إن أُغلق الباب الخشبي الضخم وتأكدنا من رحيلهم تماماً، حتى شعرت بجسدي يرتخي كلياً وكأن طاقتي قد استُنزفت. تنهدت بصوت مسموع، ووضعت يدي فوق موضع قلبي المتسارع.
التفتّ إليّ مراد فوراً. تلاشت ملامحه الجافة والباردة، وحلت محلها نظرة مشتعلة بالرغبة والإعجاب الطاغي. نهض من مقعده بحركته المتأنية والملكية، وانحنى نحوي ليمسك بيديّ المرتعشتين ويجبرني على النهوض لأقف أمامه مباشرة.
"لقد كنتِ مذهلة يا ليلى،" همس وعيناه الصقريتان الحادتان تلتهمان وجهي الشاحب، "كبرياؤكِ وعنادكِ اللذان يثوران ضدي، هما ذاتهما اللذان جعلاكِ تبدين كملكة حقيقية أمام هؤلاء الذئاب. لقد جعلتني فخوراً بكِ الليلة."
نظرت في عينيه، وكان قربه في هذا الصمت الطاغي بعد العاصفة مخدراً للحواس. قُلت بأنفاس متلاحقة:
"أنا.. أنا كنت مرعوبة يا مراد. نظراتهم كانت تريد قتلي. كيف تعيش في وسط هذا الجحيم كل يوم؟ وكيف تقحمني معك رغماً عني؟"
بدلاً من أن يجيبني بالكلمات، تحركت يده الكبيرة الدافئة ببطء شديد، لتتحسس بشرة وجهي بنعومة قاتلة. أزاح خصلة شعر متمردة كانت تسقط على عيني، وثبت إبهامه فوق شفتي السفلى المرتجفة، في لمسة جعلت أنفاسي تتوقف تماماً. انحنى بقامته الفارهة أكثر، حتى شعرت بحرارة جسده الطاغية تقتحم حصوني، وامتزجت أنفاسنا معاً في حيز ضيق ومثير.
"أقحمتكِ لأنكِ ترياقي يا ليلى،" همس ببحته الذكورية الساحرة، وعيناه تفيضان برومانسية مظلمة وشرسة، "عالمي مظلم ومليء بالدماء، وصوتكِ الطائش في تلك الرسالة كان النور الوحيد الذي تجرأ على اختراق عتمتي. لن أسمح لأي ذئب منهم أن يلمس شعرة منكِ.. قوتي كلها مسخرة لحمايتكِ، والآن.. أريدكِ أن تنسي كل ما حدث في هذه القاعة، وتتذكري شيئاً واحداً فقط."
"ما هو؟" سألت بصوت خفيض يكاد لا يُسمع، وجسدي يستسلم تماماً لقربه وجاذبيته التي تذيب الحديد.
"تتذكري أنكِ ملكي.. طواعية أو كرهاً، أنتِ تخصين مراد السيوفي،" قالها وعيناه تتوهجان بشغف خالص، ثم انحنى أكثر ليتحدث بجانب أذني مباشرة، لتلامس شفتاه شحمة أذني بخفة أرسلت رعشة حارقة في عمودي الفقري، "والآن، ما رأيكِ برقصة هادئة تحت ضوء القمر في الشرفة؟ رقصة ننسى فيها المافيا، والدماء، والشرط الثالث.. رقصة نكون فيها أنا وأنتِ فقط؟"
لم أقو على الرفض؛ فقلتي الذي كان يكره جبروته منذ ساعات، أصبح ينبض بعنف لمشاعره الطاغية ووسامته القاتلة. أومأت برأسي بضعف، فابتسم ابتسامته الجانية الساحرة، وشبك أصابعه بأصابعه وسحبني خلفه ببطء نحو الشرفة المفتوحة، حيث كان ضوء القمر الفضي يغسل المكان، ممهداً للحظات رومانسية حارقة ستغير مجرى كل شيء بيننا.
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي