Share

رقصة فوق الجمر

last update publish date: 2026-05-22 00:53:12

بقيتُ في الشرفة الزجاجية وحدي لفترة طويلة بعد رحيله، أتأمل فنجان القهوة الفارغ والحدائق الممتدة أمامي كلوحة زيتية صامتة ومخيفة. الكلمات التي نطق بها ما زالت تتردد في أعماقي كصدى طبول مرعبة: "أنتِ من ستتوسلين للمساتي وقربي يوماً ما". شعرتُ بغيظ عارم يحرق صدري، وخوف غريب من أن تصدق نبوءته؛ فذلك التأثير الساحر والمخدر الذي يملكه عليّ بمجرد اقترابه كان حقيقة لا يمكنني إنكارها بيني وبين نفسي.

نهضتُ أخيراً، وقررتُ استغلال المساحة المتاحة لي لأكتشف هذا السجن الفاخر. سرتُ في الردهات الشاسعة، وكان رجاله، كما وعد، يراقبونني من بعيد كأشباح صامتة بالبدلات السوداء، ينحنون برؤوسهم كلما مررتُ بجانبهم، دون أن ينطقوا بكلمة أو يعترضوا طريقي. دخلتُ المكتبة الكبيرة في الطابق الأول، وكانت أشبه بمكتبات القصور الأسطورية؛ جدرانها مغطاة بالكامل برفوف خشبية داكنة تمتد حتى السقف، تفوح منها رائحة الورق القديم والجلد الفاخر.

قضيتُ ساعات النهار هناك، أحاول دفن قلقي وأفكاري بين صفحات الروايات التاريخية وكتب الفلسفة، لكن عقلي كان يرفض التركيز. كلما قرأتُ سطراً، تراءت لي عيناه الصقريتان الحادتان ونبرة صوته الجهورية.

عندما بدأت الشمس تميل نحو الغروب وتصبغ الأفق بلون أحمر قاني كالدماء، عادت "أمينة" إلى المكتبة، وكان وجهها يحمل علامات الجدية الصارمة.

"آنسة ليلى، حان الوقت للاستعداد،" قالت وهي تشير بوعاء يدها نحو الأعلى، "الضيوف سيصلون بعد ساعة من الآن، ومراد بيه أمر بأن تكوني في أبهى حلة. لقد وضعتُ لكِ في الجناح فستاناً خصصه ال بيه لهذه الليلة."

تنهدتُ بيأس، وعلمتُ أنني لا أملك ترف الرفض؛ فمواجهة ضيوف المافيا تتطلب مني أن أكون متيقظة لا متمردة فحسب. صعدتُ إلى الجناح، ووجدتُ فوق الفراش الحريري علبة مخملية سوداء كبيرة. فتحتها بأنامل ترتجف خفية، لتتسع عيناي ذهولاً.

كان فستاناً من المخمل الأسود الفاخر، طويل وضيق يبرز تفاصيل الجسد ببراعة ونضج، ذو أكمام طويلة من الدانتيل المشغول يدوياً، وفتحة عنق أنيقة على شكل حرف (V). وبجانب العلبة، كان هناك طقم من الألماس الخالص يتلألأ تحت الضوء كأنه قطرات من الندى المتجمد.

"إنه يريد استعراضي كإحدى ممتلكاته الثمينة،" زممتُ شفتي بغيظ وأنا أرتدي الفستان. كان يلتف حول جسدي كأنه صُنع لي خصيصاً، ليمنحني مظهراً يمزج بين البراءة الأنثوية والجاذبية الغامضة والخطيرة. رفعتُ شعري البني الطويل في كعكة كلاسيكية أنيقة، وتركتُ خصلات قليلة تتمرد على وجهي، ووضعتُ العقد الألماسي حول عنقي، ليلامس بشرتي ببرودته الشديدة.

وقفتُ أمام المرآة الطويلة، ولم أكد أتعرف على نفسي. لم أعد "ليلى" الفتاة الجامعية البسيطة التي يقتلها الملل؛ بل بدوتُ كأنني امرأة خرجت للتو من عالم الأساطير المظلمة، امرأة تليق بأن تقف بجانب زعيم المافيا.

دوت ثلاث طرقات خفيفة على الباب، ثم فُتح ببطء.

تجمدتُ في مكاني عندما رأيت انعكاس صورته في المرآة يقف خلفي مباشرة. كان مراد قد ارتدى حلة رسمية سوداء بالكامل (توكسيدو) صُنعت له في أشهر دور الأزياء العالمية، مع قميص أبيض ناصع يبرز سمرة بشرته الجذابة، وربطة عنق سوداء. كانت هالته الليلة مرعبة في هيبتها، ووسامته الشرسة كفيلة بإيقاف الأنفاس.

ساد الصمت لثوانٍ وهو يتأمل انعكاسي في المرآة. تغلغلت نظراته الحادة في تفاصيل جسدي وفستاني الأسود، ورأيت بريقاً غامضاً، مشتعلاً بالرغبة والتملك، يلمع في عيني الصقر لديه. خطا خطوة إلى الأمام، ليصبح ظهري ملامساً لصدره العريض، وانحنى برأسه حتى أصبحت أنفاسه الحارة تداعب أذني.

"لقد تجاوزتِ كل توقعاتي يا قطتي،" همس ببحته الرجولية العميقة التي جعلت قشعريرة عنيفة تضرب عمودي الفقري، "الأسود لم يُخلق لامرأة غيركِ. الليلة، سيعلم الجميع من هي المرأة التي اختارها مراد السيوفي لتكون ملكة في عرينه."

التفتُّ إليه ببطء، وأنا أحاول الحفاظ على قناعي الجامد، وقُلت بصوت متهدج:

"أنا لست ملكتك، ولست فخورة بالوقوف بجانب رجل يرتعد الجميع من اسمه. من هم هؤلاء الضيوف الذين تجبرني على مقابلتهم؟"

امتدت يده الكبيرة، وتحركت أصابعه الدافئة لتتحسس العقد الألماسي حول عنقي ببطء، في لمسة جعلت نبضات قلبي تتسارع بشكل جنوني، ثم هبطت يده لتقبض على ذقني برفق، جاعلاً عيني تلتقي بعينيه الشرسيتين.

"الليلة ستقابلين قادة العائلات الأخرى،" قال ببرود حازم، وتحولت ملامحه إلى الجدية القاتلة، "رجال لا يعرفون الرحمة، وأعينهم تتربص بأي نقطة ضعف لدي. أريدكِ أن تكوني قوية، صامتة، ومرفوعة الرأس. لا تظهري أي خوف أمامهم، فخوفكِ قد يكون الثغرة التي يستغلونها. تذكري.. أنتِ الآن تحملين اسمي وحمايتي."

انحنى وطبع قبلة بطيئة وحارقة على فكي، لمسة كانت بمثابة ختم التملك والشراكة في الخطر، ثم شبك أصابعه الطويلة بأصابعي، ويسحبني خلفه بلطف طاغٍ نحو الأسفل.

عندما وصلنا إلى قاعة الطعام الكبرى، كانت الأجواء مشحونة برائحة السيجار الكوبي والتوتر المكتوم. كان هناك أربعة رجال بكبار السن، بملامح قاسية وندوب تحكي قصص صراعات دامية، يلتفون حول طاولة اجتماعات ضخمة يحيطهم حراسهم المدججون بالسلاح المخفي.

ما إن دخل مراد وهو يمسك بيدي، حتى ساد صمت مفاجئ وقاتل في القاعة. اتجهت كل الأنظار النحونا، وتحديداً نحو يدينا المشبوكتين، ونحوي أنا بفستاني الأسود وعقدي المتلألئ. شعرت برعب حقيقي ينهش أطرافي من نظراتهم القذرة والفاحصة، لكنني تذكرت كلماته؛ ضغطتُ على يده بقوة، ورفعتُ رأسي بكبرياء وعناد أنثوي.

نظر إليّ مراد بطرف عينه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانية وفخورة. سحب لي الكرسي الرئيسي المجاور له بكبرياء ملوك، وقال بصوته الجهوري الذي دوى في القاعة كالقضاء الصارم:

"أيها السادة.. أعرّفكم على ليلى.. المرأة التي تملك قلب وعقل مراد السيوفي، ومن يجرؤ على النظر إليها.. سأنتزع عينيه بيدّي هاتين."

انقبضت معدتي بقوة، وأدركت في تلك اللحظة بالذات، أنني لم أعد مجرد سجينة في قصر.. بل أصبحتُ في قلب حرب المافيا، والهدف الأول لكل أعدائه!

انثالت نظرات القادة الأربعة كخناجر مسمومة صامتة تخترق الهواء، لكن تحذير مراد الصارم كان كفيلاً بوضع جدار من الرعب بيني وبينهم. تنحنح أحدهم، وهو رجل عجوز ذو شعر رمادي وعين مشوهة يُدعى "عثمان"، وقال بنبرة متهدجة يحاول إخفاء خبثها:

"لم نكن نعلم أن للنمر وجهاً رقيقاً كهذا يا مراد بيه. لطالما ظننا أن قلبك قُدّ من صخر، لكن يبدو أن هذه الجميلة وجدت طريقها لثغراتك."

شحب وجهي، وشعرت برعب ينهش أطرافي؛ فالرجل كان يلمح بوضوح إلى أنني أصبحتُ نقطة ضعفه التي يمكنهم استخدامها للتخلص منه. وقبل أن يتملكني الذعر بالكامل، شعرت بيد مراد الكبيرة والدافئة تحيط بخصري تحت الطاولة، وضمني إليه بقوة وحزم غريبين، ضمة منحتني دفئاً وشجاعة لم أكن أظن أنني أملكها.

"عثمان،" قال مراد، وانخفض صوته الجهوري نغمة واحدة، وهي النغمة التي علمتُ أنها تسبق انهمار الدماء دائماً، "إياك أن تخطئ في الحسابات. ليلى ليست ثغرة، بل هي القوة التي تجعلني أكثر شراسة في حماية ما يخصني. والآن.. دعينا نغلق هذا الملف ونلتفت لما جئتم من أجله."

بدأ العشاء، وبدأت معه مناقشاتهم المعقدة والمخيفة عن طرق التهريب، صفقات السلاح، والنزاعات على مناطق النفوذ في العاصمة. كانت الكلمات تمر على مسمعي كالكوابيس، لكنني أجبرتُ نفسي على البقاء صامتة ومرفوعة الرأس كما أوصاني. وكل هذا الوقت، لم تفارق يده خصرِ، بل كانت أصابعه تتحرك ببطء ونعومة بين الحين والأخر فوق مخمل فستاني الأسود، في لمسات سرية وحارقة كانت ترسل كهرباء غامضة تسري في كل أنش من جسدي، وتجعل نبضات قلبي تقفز بشكل جنوني يشتت عقلي عن مخاطر الجلسة.

استمر الاجتماع لأكثر من ساعتين، والتوتر في القاعة يكاد يرى بالعين المجردة. وفجأة، نهض "عثمان" وأشار لرجاله، معلناً انتهاء الجلسة، ونظر إليّ نظرة أخيرة باردة قبل أن يلتفت لمراد ويقول: "اتفاقنا ساري المفعول إذن.. طالما أن النمر لا يفقد تركيزه بسبب قطته."

غادر القادة وحراسهم، وما إن أُغلق الباب الخشبي الضخم وتأكدنا من رحيلهم تماماً، حتى شعرت بجسدي يرتخي كلياً وكأن طاقتي قد استُنزفت. تنهدت بصوت مسموع، ووضعت يدي فوق موضع قلبي المتسارع.

التفتّ إليّ مراد فوراً. تلاشت ملامحه الجافة والباردة، وحلت محلها نظرة مشتعلة بالرغبة والإعجاب الطاغي. نهض من مقعده بحركته المتأنية والملكية، وانحنى نحوي ليمسك بيديّ المرتعشتين ويجبرني على النهوض لأقف أمامه مباشرة.

"لقد كنتِ مذهلة يا ليلى،" همس وعيناه الصقريتان الحادتان تلتهمان وجهي الشاحب، "كبرياؤكِ وعنادكِ اللذان يثوران ضدي، هما ذاتهما اللذان جعلاكِ تبدين كملكة حقيقية أمام هؤلاء الذئاب. لقد جعلتني فخوراً بكِ الليلة."

نظرت في عينيه، وكان قربه في هذا الصمت الطاغي بعد العاصفة مخدراً للحواس. قُلت بأنفاس متلاحقة:

"أنا.. أنا كنت مرعوبة يا مراد. نظراتهم كانت تريد قتلي. كيف تعيش في وسط هذا الجحيم كل يوم؟ وكيف تقحمني معك رغماً عني؟"

بدلاً من أن يجيبني بالكلمات، تحركت يده الكبيرة الدافئة ببطء شديد، لتتحسس بشرة وجهي بنعومة قاتلة. أزاح خصلة شعر متمردة كانت تسقط على عيني، وثبت إبهامه فوق شفتي السفلى المرتجفة، في لمسة جعلت أنفاسي تتوقف تماماً. انحنى بقامته الفارهة أكثر، حتى شعرت بحرارة جسده الطاغية تقتحم حصوني، وامتزجت أنفاسنا معاً في حيز ضيق ومثير.

"أقحمتكِ لأنكِ ترياقي يا ليلى،" همس ببحته الذكورية الساحرة، وعيناه تفيضان برومانسية مظلمة وشرسة، "عالمي مظلم ومليء بالدماء، وصوتكِ الطائش في تلك الرسالة كان النور الوحيد الذي تجرأ على اختراق عتمتي. لن أسمح لأي ذئب منهم أن يلمس شعرة منكِ.. قوتي كلها مسخرة لحمايتكِ، والآن.. أريدكِ أن تنسي كل ما حدث في هذه القاعة، وتتذكري شيئاً واحداً فقط."

"ما هو؟" سألت بصوت خفيض يكاد لا يُسمع، وجسدي يستسلم تماماً لقربه وجاذبيته التي تذيب الحديد.

"تتذكري أنكِ ملكي.. طواعية أو كرهاً، أنتِ تخصين مراد السيوفي،" قالها وعيناه تتوهجان بشغف خالص، ثم انحنى أكثر ليتحدث بجانب أذني مباشرة، لتلامس شفتاه شحمة أذني بخفة أرسلت رعشة حارقة في عمودي الفقري، "والآن، ما رأيكِ برقصة هادئة تحت ضوء القمر في الشرفة؟ رقصة ننسى فيها المافيا، والدماء، والشرط الثالث.. رقصة نكون فيها أنا وأنتِ فقط؟"

لم أقو على الرفض؛ فقلتي الذي كان يكره جبروته منذ ساعات، أصبح ينبض بعنف لمشاعره الطاغية ووسامته القاتلة. أومأت برأسي بضعف، فابتسم ابتسامته الجانية الساحرة، وشبك أصابعه بأصابعه وسحبني خلفه ببطء نحو الشرفة المفتوحة، حيث كان ضوء القمر الفضي يغسل المكان، ممهداً للحظات رومانسية حارقة ستغير مجرى كل شيء بيننا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   ترياق العاصمة وعقيدة النمر الأوحد

    في تلك الثواني الرقمية المتسارعة التي أعقبت وعيد مبعوثة مجلس الملوك، تحول القبو البازلتي إلى ساحة لحرب نفسية طحنت باطن وعي مراد السيوفي. كان العداد البيومتري الفضي يلتهم ذرات الوقت بقسوة هندسية لا ترحم، معلنًا بقاء خمس دقائق رقمية فقط قبل الفناء البيولوجي الشامل. نظر مراد إلى يوسف، شقيقه العائد من غياهب الموت، والذي بات اللحظة يحمل في خلايا دمه فيروسًا مشفرًا بيولوجيًا كفيلًا بإنهاء سلالة آل السيوفي برمتها، ثم التفت نحو مبعوثة روما التي توجه فوهة سلاح البلازما نحو عنق ليلى.شعر بمرارة بركانية كادت تقتلع صمام أمان ثباته العسكري. الخيار الذي طرحته روما لم يكن سوى انحناء تكتيكي كامل لطاغية صاغ الخديعة من رحم حصونهم، إما أن يقتل شقيقه بيده، أو يرى ملكته الفاتنة تتناثر كرماد مالح. لكن النمر لا يتفاوض تحت وطأة الوعيد، وعقيدة حكمه المشترك لا تقبل السقوط.وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف بجسدها الرقيق الملتف بالفستان المخملي الأسود الطويل، وشعرها الأسود الغجري يتطاير بفعل العصف الهيدروليكي للبوابات. انشطر باطن روحها إلى نصفين؛ كبرياء آل الجارحي الذي تلطخ بخيانة أبيها أدهم، وولاؤها ا

  • رسالة إلى الشيطان   عتمة الروح

    لم يكن الصمت الذي أعقب انقطاع البث الفيدرالي الفضي مجرد غياب للصوت، بل كان هبوطًا مروعًا لبرزخ أسود استقر في جوف القبو البازلتي، وكأن جدران القصر القديم قد أطبقت فكيها على الأنفاس برمتها. تحولت الأنظمة الإلكترونية الشاملة إلى جثث تكنولوجية هامدة، وانطفأت الأضواء الزرقاء الفيدرالية لتفسح المجال لعتمة مطلقة، عتمة لا يكسر ضراوتها سوى الوميض الأحمر الشاحب المنبعث من بطاريات الطوارئ الهيدروليكية، والذي كان ينعكس على الوجوه كدماء طازجة سالت لتوها في ساحة إعدام مجهولة.في تلك الظلمة المطبقة، كان الصراع النفسي يطحن باطن وعي مراد السيوفي كرحى عملاقة من الفولاذ. شعر بالنمر الرابض في أعماقه يتلوى غيظًا وكمدًا؛ فالانتصار التكتيكي الساحق الذي حققه لتوّه على أدهم الجارحي تبخر في ذرات ثانية رقمية واحدة، ليتحول إلى مجرد فخ طفولي صاغته أيدي "مجلس الملوك" في روما. كانت الخديعة أكبر من عقيدته العسكرية الفيدرالية، وأعمق من شفراته الاستخباراتية الشاملة. نظر في الظلام نحو شقيقه يوسف، المستند بجسده الواهن إلى حافة المنصة البازلتية، وشعر بمرارة لاذعة تملأ حلقه؛ أيكون شقيقه العائد من غياهب الموت مجرد حص

  • رسالة إلى الشيطان   معادلة الدم

    انغلقت البوابات الحديدية المؤتمتة ذات الوجوه المصفحة بأزيز هيدروليكي صاعق، ليعزل القبو البازلتي السفلي لقصر العاصمة القديمة عن الكون برمتها. تحول الهواء في ذرات الثواني الرقمية العشر الأخيرة إلى حطب يابس يشعل غيظ مراد السيوفي البركاني. كان صوت صفارات الإنذار الحمراء يعوي في فراغ القاعة كذئب جريح، بينما تراقصت الأرقام المضيئة على شاشة العد التنازلي التلقائي بجنون هستيري: 00:09... 00:08... 00:07... كل جزء من الثانية كان يلتهم فرصة النجاة ويقرب جسد يوسف السيوفي القابع في الأسر من التناثر كرماد مالح. تجمد مراد السيوفي في موضعه بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، ولم تكن الصدمة لتزلزل توازنه التكتيكي العسكري، بل أشعلت في عينيه الصقريتين الحادتين نيرانا من الجحيم الخالص. التفتت عيناه من القفص الرقمي الذي يضم شقيقه العائد من غياهب الموت، لتستقر اللحظة على وجه أدهم الجارحي؛ الرجل الذي كان حتى هذه الثانية يمثل صمام الأمان الاستراتيجي لعقيدة حكمهما المشترك. كان الصراع النفسي يطحن باطن روحه الشرسة؛ كيف تحول حليفه الأكبر ووالد ملكته الفاتنة إلى أليكساندر، الجلاد الفعلي وصياد المل

  • رسالة إلى الشيطان   سيمفونية الموت والحرير

    لم تكن دقات الساعة الميكانيكية المنبعثة من شاشات الاختراق الكبرى مجرد عد تنازلي للزمن، بل كانت بمثابة معزوفة جنائزية تعلن ذوبان الحدود الفاصلة بين الحياة والفناء. تحولت جدران الحصن الجبلي في سيناء إلى سجن من الغرانيت والضوء الأحمر الخالص، بينما كان أزيز الطائرات المسيرة بالخارج يطوق الأجواء كأسراب من الطيور الكاسرة المستعدة لتمزيق جسد الجبل. وقف مراد السيوفي بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، وعيناه الصقريتان تحدقان في شاشة الرصد بغليان بركاني صامت، بينما تيبست أصابعه الكبيرة الساخنة فوق خصر ليلى، محكما قبضة التملك الشرس التي تعبر عن ذروة صراعه النفسي الطاحن. في تلك اللحظة الرقمية الحرجة، كان عقل مراد يدور في حلقة مفرغة من النار والبارود. شقيقه يوسف، القطعة المفقودة من تاريخه المعمد بالدم، يقع الآن تحت رحمة جلاد روما الفعلي، ونبضات قلبه مرتبطة بشفرة تفجير ستحول العاصمة القديمة إلى رماد مالح. والشرط؟ أن يسلم ليلى، ملكته الفاتنة وملاذه الأنثوي الأوحد، كصك تنازل أبدي عن كبريائه وهيبته الدولية. كان الصراع النفسي يمزق نياط قلبه الشرس؛ هل يضحي بنصف روحه وشقيقه العائد من مقا

  • رسالة إلى الشيطان   دهاليز الرماد

    انقطع البث الرقمي المباغت تاركا جمرات الغضب تتطاير من عيني مراد السيوفي، ليعود الجناح الجبلي المحصن في عمق سيناء إلى عتمته النسبية، إلا من ومضات خافتة زرقاء انبعثت من شاشات التحكم الفيدرالية. تداخل صوت صفير الرياح الصحراوية الجافة بالخارج مع صدى كلمات أليكساندر الصقيعية التي لا تزال تتردد في الفراغ كقذائف فكرية موجهة لتدمير ثبات المنظومة. تجمد جسد مراد الفاره في موضعه كتمثال من الغرانيت الصلد، وعضلات صدره العريض تعلو وتهبط بعنفوان مرعب، بينما استقرت يده الفولاذية محكمة الحصار حول خصر ليلى الضيق بقوة تملكية تكاد تقترب من الشراسة الواهنة. في تلك الثواني الرقمية الحرجة، كان الصراع النفسي يطحن وعي مراد طحنا. فكرة أن شقيقه يوسف، قطعة من روحه المفقودة ودمائه المعراة تحت ركام الماضي، يتنفس الآن داخل زنزانة رقمية تحت ركام قصر العاصمة القديم، جعلت دماء السيوفي تغلي في عروقه بوعيد حارق. شعر للحظة بضآلة كل معاركه التكتيكية السابقة أمام هذا الاختراق الوجودي؛ إذ تحول من صياد للملوك إلى هدف تتحكم في مصيره ساعة عد تنازلي يملك مفتاحها جلاد روما الفعلي. تلاطمت الأفكار في عقله كأمواج

  • رسالة إلى الشيطان   بركان سيناء الكامن

    لم تكن شمس سيناء تشرق كبقية العواصم، بل كانت تنبثق من خلف الهضاب الحجرية العاتية ككتلة من الذهب المستعر، لتلقي بظلالها القاسية فوق الرمال الممتدة التي شهدت على مر العقود دفن أسرار الملوك والجبابرة. وفي قلب ذلك المدى الموحش، وعلى قمة رصيف مروحيات سري مصفح ومحفور بدقة تكتيكية في بطن الجبل، استقرت المروحية العسكرية السوداء لآل السيوفي، مخلفة وراءها عاصفة من الغبار والرمال الحارقة التي تلاشت تدريجياً أمام وقار المشهد الحاسم.هبط مراد السيوفي من جوف الطائرة بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، مرتدياً سُترته الجلدية السوداء الطويلة التي تحركت أطرافها بعنفوان مع نسمات الفجر الجافة. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تقرأان تضاريس الصحراء بغليان خالص؛ فكل ذرة رمل هنا تذكره بجراحه المعراة القديمة، وبدمائه التي سُفكت قبل سنوات في حروب العاصمة القذرة. لم يكن صراعه النفسي داخله هذه المرة مجرد غيظ بركاني عابر، بل كان زلزالاً يضرب عقيدته العسكرية والتكتيكية؛ شقيقه يوسف، الذي ظن لعقود أنه صار رماداً مالحاً، قد يكون محتجزاً في هذه البقعة الجغرافية اللعينة كشفرة مساومة دولية يصوغها أليكساندر من م

  • رسالة إلى الشيطان   تحالف الأفاعي

    لم يكن هدير أمواج البحر في ميناء العاصمة كافياً ليغطي على زئير الشك والوجل الذي كان يعصف بصدر مراد السيوفي. كان واقفاً وسط رجاله، والملفات والصفقات تتطاير أمامه دون أن تسترعي انتباهه؛ فعقله وقلبه كانا هناك، في ذلك الجناح الرئيسي حيث ترك قطته الفاتنة بفستانها الشيفون الأبيض وعطرها المخدر.و

  • رسالة إلى الشيطان   غريمة في العرين

    لم يكن من السهل على زعيم مافيا يحيط به الأعداء من كل حدب وصوب أن ينام ملء جفنيه، خاصة بعد أن امتدت أصابع المؤامرة لتطال الأنثى التي سحرت عقله. غادر مراد الجناح مع بزوغ الشمس تاركاً خلفه أمراً عسكرياً مشدداً بحراستي، ومغلفاً مشحوناً بالشكوك والوعيد لطارق الجارحي.بقيتُ في الغرفة، أذرع الأرض

  • رسالة إلى الشيطان   ليلة الانتقام

    "أنا هنا يا قطتي.. أنا هنا وستظلين في حمايتي دائماً،" همس بصوته الرخيم بجانب أذني، وتلمست شفتاه بشرة عنقي بعمق وشغف جعل كل إنش في جسدي ينتفض رغماً عني، "والآن.. انتهت معركة الدفاع، وبدأت معركة الانتقام. عثمان تجرأ على تهديد ملكتي.. وسأجعل اسمه أثراً بعد عين قبل أن ينتهي هذا الليل."كانت ضم

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة

    دوى صدى تحطّم الهاتف على الأرضية الرخامية كأنه طلقة رصاص أولى أعلنت بداية الحرب. شعرتُ بركبتيّ تخونانني، لولا أن ذراعه القوية كانت ما تزال تحيط بخصري كطوق من حديد، تثبتني إلى جسده الطاغي الذي ينبض بحرارة مرعبة وغضب لافح. كانت أنفاسه المتلاحقة تصطدم بوجهي، وعيناه الصقريتان تدوران في محجريها كوحش حُص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status