LOGINانقضت الأيام الثلاثة التالية كأنها دهور من العذاب والترقب الصامت داخل الحصون المخملية لقصر الجارحي. كنتُ مستلقية فوق الفراش الملكي الواسع، أرتدي رداءً ناعماً من القطيفة السوداء الداكنة، يغطي عنقي بالكامل ليخفي تلك الآثار الشغوفة لمراد، وعيناي معلقتان بالنافذة الزجاجية الضخمة التي كانت تعكس الضباب الكثيف الذي لم يغادر أرجاء الحدائق.
وفجأة، عند الساعة الثالثة فجراً من ليل اليوم السادس....
تمزق سكون القصر بدوي انفجارات هائلة ومتتالية زلزلت الأرض تحت قدميّ! انقطعت الأنوار بالكامل داخل جناحي، واشتعلت أجهزة الإنذار الحمراء بالخارج بصوت جنوني متواصل.
صرختُ بذعر تام، وتراجعتُ نحو زاوية السرير وأنا أضم وسادتي إلى صدري بجسد يرتجف بعنف. ومن خلف النافذة المحطمة إثر الضغط العصف للانفجار، بدأت أصوات طلقات الرصاص الكثيفة والثقيلة تنهمر كالمطر؛ لم تكن قوات مراد، ولم تكن قوات الدولة.. بل كانت قوات الكبار الموفدة من إيطاليا، يرتدون ملابس قتالية رمادية مرقطة ويحملون أسلحة متطورة لا تملكها سوى جيوش المافيا الدولية! لقد اقتحموا حصون الجارحي وانتزعوا البوابات الفولاذية في ثوانٍ معدودة لتنفيذ صفقة الدم رغماً عن قانون الدولة!
وفي وسط تلك الفوضى العارمة والنيران المشتعلة التي بدأت تلتهم الحدائق الشرقية، انفتح باب جناحي الخشبي بقوة، ودخل منه طيف طويل، فارع القامة وبكامل هيبته الطاغية وعرض منكبيه النحيت.. طيف ينضح بعِطر الصندل والتبغ والحرارة اللافحة.. إنه مراد السيوفي، يقف بمسدسه الفضي بيده اليمنى، وبكامل جبروته وعيناه تشعان ببحّة غيرة قاتلة وتملك مطلق لا يرحم الخائنين!
ركض نحوي بسرعة النمر الكاسر، وبلمحة عين أحاط خصري بذراعه الضخمة بضمة حازمة كادت تكسر أضلعي، وجذبني إليه ليرتطم جسدي بصدره العريض الصلب، وانحنى ليتحدث بجانب أذنّي مباشرة لتمس شفتيه الحادتين بشرة عنقي المكشوفة:
"لقد أخبرتكِ سابقاً يا قطتي الفاتنة.. أسوار الجارحي وقوانينهم تسقط عندما يقرر النمر استعادة ممتلكاته. المنظمة الدولية تهاجم من البوابة الأمامية، وأنا جئتُ من خلف ظلالهم لأنتزع روحي من هذا السجن المخملي. أنتِ لي.. والآن سيعود العرين ليحتضن أنثاه رغماً عن أنوف جيوش الأرض!"
انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها لهيب العشق الشرس برائحة البارود والنيران المتصاعدة، لتسلبني آخر ذرات المقاومة وتجعلني أطوق عنقه بيدين مرتعشتين مستسلمة تماماً لانصهاري بين يديه وسط الجحيم.
لكن، وقبل أن يفرغ من قبلته ويتحرك خطوة واحدة نحو الشرفة للفرار، انشق جدار الغرفة الجانبي بدخول المستشار أدهم الجارحي بكامل معطفه الكحلي الطويل، والدماء تسيل من جبهته النحيتة إثر شظايا الانفجار، ويمسك بمدفعه الرشاش الرسمي بيده، ومعه ما تبقى من حراس النخبة للدولة!
وقف أدهم وعيناه السوداوان تشتعلان بغضب وحش جُرح في شرفه وعائلته، ووجه فوهة سلاحه مباشرة نحو صدر مراد العريض، وصاح بصوت رعدي زلزل أركان الجناح المحترق:
"مراد السيوفي! المنظمة الدولية تحاصر القصر بالخارج.. وأنت تجرؤ على دخول غرفتي مجدداً لانتزاع ابنة عمي؟! أقسم بجلال الله.. لن تخرج من هنا حياً الليلة، وقانون الجارحي سيُنفذ فوق جثتك وجثث كلاب إيطاليا معاً!"
تجمّد مراد في مكانه، وأحكم قبضته حول خصري بقوة تفيض بالتحدي المطلق والشغف الشرس، ووجه مسدسه الفضي مباشرة نحو جبهة أدهم الجارحي.. معلنة بداية أشرس وأخطر الفصول الملحمية والمشوقة، حيث تلاحمت المافيا الدولية وقانون الدولة وتملك النمر في ساحة نيران واحدة، والجائزة الكبرى والهدف الأوحد وسط اللهب.. هي أنا!
ساد الجناح الملكي صمتٌ مشحونٌ ببرودةٍ قاطعة كحد الشفرة، رغم ألسنة اللهب التي بدأت تتلوى وتتسلق الستائر الحريرية البيضاء المحطمة عند الشرفة. كانت خطوط مؤشرات الليزر الحمراء والبيضاء من كشافات الأسلحة تتقاطع في فضاء الغرفة المخنوقة برائحة البارود والقطيفة المحترقة، لترسم خريطة الموت فوق أجساد الجبابرة الثلاثة. وقف مراد السيوفي بجسده الطاغي وعرض منكبيه الشامخين، واضعاً يده الكبيرة الدافئة كطوق من حديد حول خصري، يثبت جسدي الحريري المرتجف إلى صدره العاري النابض بعنف، بينما كان مسدسه الفضي اللامع يمتد في خط مستقيم وثابت، موجهاً بدقة متناهية نحو جبهة المستشار أدهم الجارحي.
وفي المقابل، كان أدهم يقف بقامته الفارهة ومعطفه الكحلي الملوث بالغبار والدم، وعيناه السوداوان تشتعلان بجمر غضب رسمي وعائلي لم تشهده العاصمة من قبل، ماداً سبطانة مدفعه الرشاش ليوجهها مباشرة نحو قلب مراد العريض. كانت الأجواء تغلي بالأدرينالين والشغف المظلم، ودوي الانفجارات الخارجية القادمة من البوابة الأمامية للقصر يتردد بصداه الشرس في الرخام تحت أقدامنا، كأن طبول الحرب العالمية للمافيا قد فُتحت أبوابها لتلتهم الجميع.
"أدهم الجارحي،" نطق مراد بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل تلك البحة الذكورية الساحرة والمخدرة التي تفيض بالتحدي المطلق والكبرياء الملوكي، "أنت واهمٌ إن ظننتَ أن تهديدك برصاص الدولة يمكن أن يزعزع أنملة واحدة من قبضة النمر على ممتلكاته. كلاب إيطاليا بالخارج لم يأتوا لأجلي أنا؛ بل جاءوا لانتزاع قطتي الفاتنة وحرمي الخاص بعد أن رفضتَ صفقتهم القذرة. وقوفك في وجهي الآن هو انتحار عسكري، ولن يسمح لك تملكِي الطاغي بأن تحجب عني روحي لثانية إضافية."
لم يهتز للمستشار أدهم جفن؛ بل ثبت قدميه العسكريتين فوق الرخام، وتحدث بصوته الرخيم العميق الذي يحمل وقار القانون الصارم:
"مراد السيوفي.. أنت رجل خارج عن القانون، وتسللك إلى حصون قصرِي في وسط هذا الهجوم يثبت أنك لا تملك سوى غريزة الفتك والتهور الشرس. قوات النخبة الدولية للمنظمة تحاصر الأسوار الشرقية والغربية الآن، ورجالي يستميتون في الدفاع عن شرف الدولة. وجودك هنا لن ينقذ ليلى؛ بل يجعلها هدفاً مزدوجاً في ساحة نيران لا ترحم. ضع سلاحك أرضاً وتحالف معي لصد هذا الجحيم أولاً، أو أقسم بدم عائلتي.. سأفجر رأسك قبل أن يقتحم الخونة عتبة هذه الغرفة."
تحركت أنفاس مراد الحارة والمتلاحقة لتلفح بشرة عنقي المكشوفة برائحة الصندل والتبغ والتوتر المشحون، وضغط بيده الضخمة على فكي برفق متناهٍ، مجبراً إياي على النظر في جحيم عينيه الصقريتين الحادتين اللتين تشعان بغيرة عمياء وجنون تملك فاق كل الحدود.
"ليلى.. انظري في عينيّ،" همس بنبرة منخفضة للغاية مفعمة ببحّة الغيرة القاتلة والشغف الخالص الذي أذاب كل جبال الجليد في صدري، "هل تثقين بقبضة النمر رغماً عن جيوش المافيا وقانون ابن عمكِ؟"
نظرتُ في عينه المشتعلة، والدموع تنهمر كالشلالات الحارقة على وجنتيّ الشاحبتين، ووضعتُ كفيّ الصغيرتين المرتعشتين فوق صدره العاري، وقُلت بصوت متهدج فصيح تغلغل في صمت الغرفة:
"أنا أثق بكَ يا مراد.. لقد دمجتُ روحي بروحكَ منذ تلك الليلة الدامية. لكنني لا أريد أن أراكما تقتلان بعضكما بينما الوحوش الحقيقية تلتهم القصر بالخارج. أدهم رفض بيعي للمنظمة وحمى شرف دمي.. وأنت جئت لتنتزعني من الموت. أرجوكما.. ضعوا الأسلحة وتحركوا معاً لإنهاء هذا الجحيم!"
تلاقت نظرات مراد الصقرية بنظرات أدهم السوداء الباردة في ثوانٍ معدودة حبست الأنفاس. كان صراع جبابرة، انصهرت فيه عداوة الأمس أمام خطر الإبادة الجماعية المحدق بدم ليلى وحرمها الفاتن. ببطء شديد، أنزل مراد مسدسه الفضي، وعدّل ياقة قميصه الأسود بكبرياء ملوك لا ينحنون، بينما خفض أدهم فوهة مدفعه الرشاش بوقار عسكري صارم.
"قانون الجارحي يقبل التحالف المؤقت من أجل دم ليلى يا مراد،" قال أدهم بنبرة قاطعة كالسيف، "لكن تذكر.. ما إن تنتهي هذه المعركة ويُسحق كلاب إيطاليا، ستعود لعرينك وحيداً.. وتترك الفتاة في حصونها الرسمية."
ارتسمت على شفتي مراد الحادتين ابتسامة جانية، حادة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والتملك المطلق، وقال بصوته الرخيم:
"سيادة المستشار.. النمر لا يترك طريدته في حصون الأرانب أبداً. دعنا نطهر هذا الليل من القذارة الدولية أولاً، ثم نرى من يملك القدرة على فرض شروطه في النهاية."
لم يكد يفرغ مراد من كلماته، حتى تحطمت النوافذ الزجاجية الضخمة للجناح بالكامل إثر قنبلة غازية حارقة قذفتها قوات النخبة الإيطالية من الحديقة الخلفية! انتشر الدخان الرمادي الكثيف والمثير للدموع في أرجاء الغرفة بلمحة عين، وتلا ذلك اقتحام شرس وصامت لأربعة من رجال المنظمة الدولية، يرتدون أقنعة سوداء وملابس قتالية مرقطة، ويحملون بنادق أوتوماتيكية مجهزة بكواتم صوت.
بسرعة تفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب، وفي رقصة موت ملحمية ودموية تداخلت فيها هيبة الدولة بجبروت المافيا، انقض مراد وأدهم معاً كالإعصار المدمر. دفعني مراد خلف السات السريري الضخم، واستدار بكامل جسده الطاغي وعضلات منكبيه تتحرك بحدة، وأطلق ثلاث رصاصات متتالية من مسدسه الفضي لتخترق صدور ثلاثة من المهاجمين بدقة قناص محترف لم يرمش له جفن، ليسقطوا جثثاً هامدة فوق الرخام المبلل بمياه المطر والدم.
وفي ذات الوقت، تقدم أدهم الجارحي بخطواته العسكرية الرزينة والفتاكة، ووجه سيل من رصاص مدفعه الرشاش نحو المهاجم الأخير، ليمزق جسده ويطير به نحو الشرفة المحطمة ككتلة هجيرة خالية من الحياة. كان التنسيق بينهما مرعباً، كأن جينات القتل والموت قد توحدت في صدورهما لحماية الهدف الأوحد وسط اللهب.. لحمايتي أنا.
"سليم!" صاح مراد عبر جهاز اللاسلكي المشفر التابع له، وصوته الجهوري زلزل أركان الجناح، "أين رجال النخبة لدينا؟! أريد تحريك التعزيزات نحو البوابة الشرقية لقصر الجارحي فوراً! اقطعوا خطوط الإمداد الخلفية لكلاب إيطاليا، واجعلوا من هذه الحديقة مقبرة جماعية لهم!"
"مراد بيه!" جاء صوت سليم مرتجفاً ومضطرباً للغاية وسط أصوات الانفجارات عبر اللاسلكي، "رجاله منتشرون بالفعل بالأسفل ويخوضون حرب شوارع شرسة بجانب حراس المستشار أدهم! المنظمة الدولية تكبدت خسائر فادحة، وقائدهم يعطي أوامر بالتراجع نحو الغابة الشرقية!"
التفت أدهم نحو مراد، والدماء تسيل من جرح قديم في صدغه النحيت تزيد من ملامحه الشرسة الصارمة، وقال بصوته العميق:
"إنهم يتراجعون لتجميع صفوفهم أو لمحاولة نصب فخ بديل في المحيط المظلم للغابة الشرقية يا مراد. يجب أن ننقل ليلى فوراً عبر الممر السري الأرضي الممتد تحت قصرِي نحو المدرج العسكري المغلق.. هناك ستكون في أمان مطلق بعيداً عن متناول أسلحتهم."
خطا مراد نحوي بخطواته الثقيلة الفتاكة، وبلمحة عين قبض على معصمي بقوة وضمة حازمة جعلت أنفاسي تتلاحق بعنف، وجذبني إليه ليرتطم جسدي بصدره العريض والدافئ الملوث بآثار المعركة. أحاط خصري بذراعه الضخمة بضمة تفيض بالتملك الشرس والرومانسية المظلمة الشرسة، ورفع وجهي الشاحب المبلل بدموع الذعر والشغف الخالص لتلتقي نظراتنا وسط ومضات البرق الخاطفة خلف الستائر المحترقة.
"مراد.. ذراعي تؤلمني، والبارود يكاد يخنقني،" همستُ بصوت خفيض متهدج، وأنا أتشبث بقميصه الأسود الفاخر بيدين مرتعشتين بوضوح.
انحنى برأسه الفاره حتى أصبحت شفتاه الحادتان تلامسان أرنبة أنفي، وتحدث ببحته الرجولية العميقة التي تزلزل الكيان:
"الألم والبارود هما مهر وجودكِ بجانبي يا قطتي الفاتنة. لقد أخبرتُ ابن عمكِ وجيشه.. وأخبرتُ الكبار في إيطاليا سابقاً: أنتِ ملكي.. دمي ولحمي، وختم تملُّكي المطبوع فوق بشرتكِ بأثر قبلاتي لن يمحوه قانون الدولة أو رصاص المافيا الدولية. الممر السري سنعبره معاً.. وسأكون ظلكِ الحامي وجحيمكِ الشرس حتى نعود لعريننا آمنين."
انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم الدماء بلهيب العشق الشرس والتملك المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت مني آخر ذرات وعيي وجعلت جسدي بالكامل ينتفض بضعف بين يديه، مستسلمة تماماً لقدرنا المظلم وسط النيران. أطلق شفتي ببطء، ومسح دموعي بإبهامه الدافئة بنعومة حارقة، ثم التفت نحو أدهم وقال بنبرة قاطعة:
"سيادة المستشار.. تقدم الممر السري لفتح الشفرات الرسمية، فالنمر لا يحب الانتظار وسط أبخرة الغدر."
عقد أدهم حاجبيه بوقار حازم وصارم، ونظر إلى مراد نظرة غيرة وتحدٍ متبادل، ثم تقدم وضغط على لوحة رقمية مخفية خلف لوحة زيتية عريقة لعائلة الجارحي، لينفتح جدار الجناح الجانبي بآلية صامتة ومخيفة، كاشفاً عن درجات حجرية ضيقة وهابطة نحو عتمة الأنفاق السرية الممتدة تحت القصر المحترق.
دخلنا النفق المظلم؛ أدهم يتقدم بكامل معطفه الكحلي الطويل ومدفعه الرشاش مستعداً لمواجهة أي خيانة، ومراد يحيط بجسدي ويحملني برفق طاغٍ وعنف شغوف بين ذراعيه الضخمتين، وعِطره الأخاذ يملأ مسامي ويسلبني الألم، بينما كانت أصوات الانفجارات العلوية تتلاشى تدريجياً ليحل محلها صمت الأقبية الرطبة.
مرت نصف ساعة من السير الصامت والرزين داخل عتمة الأنفاق، حتى وصلنا إلى نهاية الممر الأرضي حيث يوجد باب فولاذي ضخم يحمل شفرة بيومترية دائرية معقدة، تؤدي مباشرة إلى المدرج العسكري المغلق حيث تنتظر الطائرات المصفحة التابعة لجهاز المخابرات العامة.
توقف أدهم الجارحي، وتقدم نحو اللوحة الرقمية ليضع بصمة عينه وكفه الكبيرة لفتح الباب، وفجأة.. وقبل أن تكتمل الشفرة الرسمية، انطفأت أضواء الطوارئ الخافتة داخل النفق بالكامل، وسُمع صوت طنين الكتروني حاد ينبعث من اللوحة الرقمية، تلاه قفل الأبواب الفولاذية الخلفية بآلية آلية صامتة ومخيفة شلت حركتنا في وسط العتمة المطبقة!
انقبضت معدتي برعب حقيقي، وتوسعت عيناي بصدمة تامة، وتشبثتُ بقميص مراد الأسود بقوة جعلت أظافري تدمي وجسدي ينتفض بعنف. تيبس جسد مراد في لمح البصر كالنمر الذي شعر بوقوعه في شباك جديدة، ووجه مسدسه الفضي نحو الظلام، وعضلات فكه تنحت بقسوة مرعبة.
"ماذا هناك يا أدهم؟!" صاح مراد بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة غيرة قاتلة وتوجس شرس، "هل هذه إحدى ألاعيب قانونك الرسمي للاستفراد بليلى وتصفيتي في عتمة أنفاقك؟!"
"اخرس يا مراد!" صرخ أدهم بصوت رعدي منخفض يفيض بذعر حقيقي لم أره عليه قط، وهو يحاول العبث باللوحة الرقمية دون جدوى، "النظام الإلكتروني للمدرج العسكري تم اختراقه بالكامل من الخارج عبر شفرة سيبرانية لا تملكها المنظمة الدولية ولا أجهزتنا الرسمية! هذا الاختراق تم تفعيله من قِبل عميل داخلي يملك أعلى الصلاحيات السرية في الدولة!"
وفي تلك اللحظة المشحونة بالرعب والأدرينالين الخالص، أنيرت شاشة اللوحة الرقمية فجأة بوميض أزرق باهت، ليظهر عليها بث حي ومباشر من غرفة العمليات المشتركة بالأسفل. وظهر على الشاشة رجل يقف بكامل بزته العسكرية الموشحة بالأوسمة الشرفية، بملامح حادة، ابتسامة ثعبانية شامتة، وعينين تفيضان بغدر وخيانة تفوق كل الحدود.. إنه الفريق جلال عبد الحق، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي والأخ الأكبر للوجدان حازم، والرجل الذي طالما اعتبره مراد وأدهم الحليف الأكبر والمشرف العام على استقرار العاصمة!
"مساء الخير يا سيادة المستشار.. ومساء الخير يا نمر العاصمة الصغير،" قال الفريق جلال بصوته الأجش والبارد عبر الشاشة، ونبرته تحمل شماتة قاتلة ووعيداً بالدمار الشامل، "لقد أديتم دوركم في رقصة الموت بنجاح تام. تصفية عائلات عثمان والجارحي الصغير بالأمس.. ومحاصرة المنظمة الدولية لقصركم اليوم، لم تكن سوى أجزاء من خطتي الكبرى لإشعال فوضى عارمة تتيح لي إعلان حالة الطوارئ القصوى والسيطرة على مقاليد الحكم والنفوذ في العاصمة بالكامل!"
تحركت شفتي جلال بابتسامة مسمومة، ونقل نظراته الجليدية نحوي أنا.. المستلقية بين ذراعي مراد، وأكمل بقسوة لا تعرف الرحمة:
"والآنسة ليلى.. ابنة الجارحي الجميلة، بحساباتها السرية وثروتها التي تقدر بمليارات الدولارات المخفية في بنوك سويسرا، ستكون هي الوقود والممول الشرعي لمملكتي الجديدة بالخارج. الأنفاق مفخخة بالكامل بقنابل سي فور الموقوتة، والعد التنازلي لمدة خمس دقائق قد بدأ للتو.. إما أن تسلموني الفتاة عبر المخرج الفرعي الغربي وتنقذوا أنفسكم، أو أقسم بشرف عائلتي.. سأفجر الأنفاق فوق رؤوسكم وأدفن رجل المافيا ورجل الدولة معاً تحت أطنان من الخرسانة المسلحة، لتنتهي قصة السيوفي والجارحي إلى الأبد!"
توسعت عيناي بصدمة تامة شلت أطرافي، وانهمرت دموعي حارة على وجنتيّ رغماً عن عتمة النفق. التفتُّ نحو مراد وأدهم، فوجدتهما قد تجمدا في مكانيهما كتمثالين من رخام أسود، وعيناهما تشعان بذهول وانكسار أمام هذه المؤامرة السيادية الكبرى التي حيكت حولنا من الرجل الذي يملك سلطة الإبادة الرسمية والسرية بالكامل!
ساد صمت مطبق ومخيف داخل النفق المحاصر، صمت لم يشقه سوى صوت التكتكة الرقمية الحادة والمنتظمة للعد التنازلي للقنابل الموقوتة.. معلنةً نهاية فصل التحالف وبداية أشرس وأخطر المنعرجات الملحمية، حيث تلاحمت الخيانة الرسمية وتملك النمر وقانون الدولة في ساحة نيران واحدة، والموت يتربص بنا من كل حدب وصوب وسط العتمة!
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي
إنه الرائد الدكتور "إياد مهران".. طبيب نفسي عبقري وضابط مخابرات رفيع المستوى في الجهاز الرسمي، رجل يجمع في ملامحه بين الوسامة الذكورية الساحرة والبرود التكتيكي الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا الدولية. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، فارع الطول وعريض المنكبين بجسد رياضي متناسق ينم عن تدريب عسكري صارم، يرتدي قميصاً رمادياً فاخراً مفتوح الأزرار العلوية مع معطف صوفي أسود طويل يمنحه هيبة النبلاء. عيناه العسليتان الداكنتان الحادتان كانتا تلمعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة تشبه مبضع الجراح الذي ينبش في وعي خصومه، وتحيط بفمه وسامة شرسة وهادئة في آن واحد."ليلى... هذا هو الدكتور إياد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، وعينه السوداء تراقب ملامح ابنة عمه بحذر حازم. "لقد خاطر بحياته واخترق أطواق اللواء رأفت علام في العاصمة ليصل إلى هنا عبر مروحية عسكرية خاصة. إنه هنا ليتولى فحصكِ النفسي والأمني، والتأكد من أن خلايا مخكِ لم تتأثر بصدمة الحرب ومؤامرات المافيا الدولية."التفت أدهم نحو إياد، وضغط على كتفه بنبرة تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة: "إياد... ليلى أمانة عائلتي بين يديك. جهازي مخترق
انفتحت بوابات المياه الهيدروليكية العملاقة للمرفأ السفلي السري تحت وطأة ضغط هيدروليكي هائل، لتعلن عن وصول الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" إلى الملاذ الآمن والأخير لعائلة الجارحي. لم يكن هذا المكان مجرد قصر عادي؛ بل كان قلعة استخباراتية حجرية شُيدت في أواخر القرن الماضي فوق جرف صخري معزول يطل على ساحل شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي قسوة الجبال الحادة بعتمة مياه البحر المفتوحة. طفت الغواصة الفولاذية الضخمة فوق سطح المياه الميتة للمرفأ الداخلي، التي كانت تبدو كمرآة سوداء صقيلة تعكس ومضات كشافات الهالوجين البيضاء المثبتة في الأسقف الخرسانية العالية للكهف الطبيعي المحفور بدقة عسكرية.كان الهواء هنا بارداً، رطباً، ومحسناً بشبكة تنقية رقمية معقدة تصدر أزيراً منخفضاً ومستمراً كأنه دقات ساعة الفناء. امتد رصيف المرفأ الحجري، المصنوع من صخور البازلت الأسود، كلسان طويل يؤدي إلى المصاعد الهيدروليكية الداخلية للقصر. وفوق الرصيف، كانت تقف نخبة رسمية من حرس المستشار أدهم الجارحي؛ رجال يرتدون سترات تكتيكية سوداء كاملة، مجهزين ببنادق هجومية من طراز "إم 4" الحديثة، وتتحرك عيونهم المدربة بحذر وقلق خل







