Masuk[بصوت: مُنى]
لم أكن أسمع سوى طنين متصل في أذني، وكأنني أغرق في محيط من الجليد. فتحتُ عيني بصعوبة بالغة، لأجد نفسي ممددة على أرضية صخرية باردة داخل كهف مظلم، لا يقطعه سوى صوت مياه شلال يتدفق في الخارج ليخفي مدخلنا. الهواء كان معبأً برائحة الدماء والتراب الرطب. حاولتُ الجلوس، فهاجمني دوار عنيف بسبب الحمى التي تنهش جسدي. في الزاوية المقابلة، كان زياد يمزق جزءاً من عباءته ليربط به كتف منال النازف بعد أن انتزع السهم منه بقسوة، بينما كانت رنا تقف متأهبة عند المدخل، وحراشفها تبرز وتنكمش مع أنفاسها اللاهثة. "الملك اختفى... قصر التنانين في حالة فوضى، والحرب ستبدأ بمجرد شروق الشمس." كان زياد يهمس لرنا بصوت خشن يحمل قلقاً لم يحاول إخفاءه. ترددت كلماته في عقلي لتكسر حاجز الغيبوبة. أغمضتُ عيني بقوة، ويدي تقبض على قطعة القماش الملطخة بالدماء التي تخفي بقايا التحف. (هل أستسلم؟ هل أترك الحمى تقتلني هنا وأنهي هذا الكابوس؟) تذكرتُ دروس القصر القاسية التي لُقنت لي منذ طفولتي: "الوعاء المقدس لا ينكسر يا مُنى، بل يحتوي العاصفة". سحبتُ نفساً عميقاً حرق رئتي، ومسحتُ بقايا الوحل والدموع عن وجهي. لم يعد هناك وقت للانهيار؛ السلالات الثلاث تنهار، وهناك وحش قديم استيقظ ليلتهم ما تبقى منا. نهضتُ ببطء، وتجاهلت الألم الذي يمزق قدمي الحافيتين والمجروحتين، وتوجهتُ نحوهم بخطوات متعثرة لكنها ثابتة. تجاوزتُ رنا، ووقفتُ في مواجهة المحارب ذي العيون الذهبية. نظر إليّ زياد بتعجب، ربما بسبب مظهري المنهك، أو بسبب النظرة الباردة الخالية من المشاعر التي ارتسمت فجأة على وجهي. قلتُ بصوت هادئ ولكنه حازم، لا يحمل أي ارتعاشة: "الملك لم يختفِ يا زياد. لقد سقط. تماماً كما سقطت أمي الملكة الكبرى، وكما سقط كبير سحرة عشيرة منال في نفس اللحظة." اتسعت عينا زياد بصدمة أطاحت بوقاره كمحارب، وتراجع خطوة إلى الوراء وهو يهمس: "ماذا تقولين؟ هذا مستحيل... لا يوجد سلاح أو جيش قادر على إبادة القادة الثلاثة معاً!" فتحتُ كفي الملطخة بالرماد الأسود لأريه القطع المحطمة. "هذه بقايا 'عين التنين' وتاج 'نواة السحر'. لقد تم استدراجهم وقتلهم بكيان ظلامي قديم. أمي أخبرتني قبل أن تلفظ أنفاسها وتتحول لرماد بين يدي، أن تاريخ صراعاتنا بأكمله كان كذبة صُنعت لإلهائنا، وأننا نحن الثلاثة..." أشرتُ إلى رنا ومنال التي كانت تئن بضعف، "نحن لسنا أعداء... نحن المفاتيح التي فتحت الباب لهذا الظلام." ساد صمت ثقيل ومميت في الكهف. تنهد زياد ووضع يده على مقبض سيفه، وعروق رقبته تبرز من شدة الغضب المكبوت. "إذن، إذا عدنا، ستُتهم كل واحدة منكن بخيانة سلالتها واغتيال القادة. ستكونون الطريدة الأولى للممالك الثلاث." أومأتُ برأسي. "بالضبط. والأهم من النجاة، نحن بحاجة لفهم الكذبة التي بُني عليها عالمنا لنعرف كيف نغلق ذلك الشق البغيض." "ومن أين سنبدأ؟" سألت رنا بمرارة. "حكماء التنانين لا يعرفون سوى لغة السيف، ومكتبات قصركِ المقدس مليئة بالأكاذيب كما قلتِ!" التفتُّ نحو الظلام الكثيف خارج الشلال، وارتجف قلبي نبضة واحدة مؤلمة قبل أن أنطق اسماً كان محظوراً في أروقة القصر. "إلياس." همستُ، وعيني تلمع بأمل خافت. "نحن لن نذهب إلى جبال الصقيع فقط لأنه مدين لك بخدمة يا زياد... بل لأن إلياس هو الرجل الوحيد الذي تجرأ على التشكيك في الكتب المقدسة. لقد نُفي ليس لأنه تمرد، بل لأنه قرأ المخطوطات الأصلية قبل تحريفها وحذر أمي من هذا اليوم، لكنها لم تستمع ورمته في الجحيم." نظر زياد إليّ طويلاً، ثم أومأ بحسم. "إذن، رحلتنا تبدأ الآن. الطريق للشمال مهلك، لكنني أقسمت على حماية رنا، وحتى أكتشف حقيقة ما حدث لملكي، أنتن جميعاً تحت حمايتي." (بعد يومين من السير المتواصل في جحيم الصقيع) لم أعد أشعر بجسدي. تحولت الغابة المظلمة إلى عواصف ثلجية تقتلع الأشجار. كنت أسير كالعمياء، كل خطوة على الثلج القاسي كانت تمزق ما تبقى من لحم قدمي. زياد كان يحمل منال الفاقدة للوعي على ظهره، ورنا تسندني، لكن الحمى التهمت آخر ذرة من طاقتي بمجرد أن لاحت أسوار "قلعة الشمال" السوداء في الأفق. سقطتُ في الثلج، ولم أعد أرى سوى الظلام. ... ظلام ثقيل... ثم حرارة لاذعة تلسع جلدي المخدر. أول ما تسلل إلى حواسي كان رائحة خشب الصنوبر المحترق، ممزوجة بعطر رجولي حاد أعرفه جيداً. عطرٌ كان يرافقني في ليالي التدريب السرية في ساحات القصر، قبل أن يُسلب مني كل شيء. فتحتُ عيني ببطء. السقف فوقي لم يكن من الرخام الأبيض المزين بالذهب، بل كان من الحجر الأسود الخشن. كنت أرقد على سرير ضخم للغاية، غائصة وسط طبقات كثيفة من فراء الذئاب البيضاء. رفعتُ كفي لأجدها ملفوفة بضمادات طبية، وكذلك كانت قدماي النازفتان. "هل قررتِ أخيراً العودة إلى عالم الأحياء، أم أن تدمير نفسكِ أصبح هوايتكِ المفضلة يا صاحبة السمو؟" توقف قلبي عن النبض. جاء الصوت من الزاوية المظلمة للغرفة، بجوار مدفأة حجرية ضخمة. تقدم الظل ليقف تحت ضوء المشاعل. كان هو. إلياس. بدا أضخم وأكثر رعباً من أي وقت مضى. كان يرتدي قميصاً أسوداً مشقوقاً عند الصدر، يبرز عضلاته القاسية التي نُحتت بفعل صقيع الشمال. شعره الفاحم مبعثر بجاذبية وحشية، لكن عيناه الرماديتان لم تعودا تحملان الدفء الخفي القديم، بل كانتا كعاصفة ثلجية، باردتين ومخترقتين. "إلياس..." همستُ بصوت مبحوح، والدموع تتجمع في عيني. في خطوة واحدة واسعة، عبر الغرفة وجثا على ركبة واحدة أمامي. لم يقل شيئاً، بل مد يديه الكبيرتين الخشنتين، وأمسك بخصري ليرفعني عن حافة السرير برفق مفاجئ يتناقض مع حجمه المرعب، وأعادني تحت الفراء. "لا تتحركي. قدماكِ ممزقتان حتى العظم، والحمى كادت تحرق دماغكِ." قال بصرامة وهو يتجنب النظر في عيني. "الآخرون..." سألتُ بهلع، محاولةً الإمساك بساعده القوي. تصلبت عضلاته تحت لمستي، وأجاب بجمود: "أميرة التنانين بخير. محاربها المعتوه كاد يقتل أطبائي وأصر على علاجها بنفسه. ساحرة النجوم تتعافى في الجناح الشرقي." تنهدتُ بارتياح، لكن صورة أمي وهي تحترق اقتحمت عقلي مجدداً. ارتجف جسدي بعنف، ولم أستطع كتمان شهقاتي. "لقد ماتت يا إلياس!" انهرتُ في نوبة بكاء هيستيرية، متخلية عن قناع الأميرة القوية. "التاريخ كذبة! السلالات تُذبح، وليس لدي مكان أذهب إليه... لم يكن لدي سوى أنت لألجأ إليه!" صمت إلياس. كان صمتاً ثقيلاً ومخيفاً. فتحتُ عيني لأنظر إليه، فوجدت أن قناعه الجليدي قد تحطم. عيناه الرماديتان كانتا تشتعلان بنار سوداء من الغضب. برزت عروق رقبته، واشتدت قبضته على حافة السرير حتى تشقق الخشب تحت أصابعه. "مَن الذي فعل بكِ هذا؟" سأل بصوت منخفض، هادئ بشكل مرعب، وهو يرفع يده ليمسح دمعتي بإبهامه. "من الذي تجرأ على جعل أميرتي تنزف بهذه الطريقة؟" أغمض عينيه للحظة، وكأنه يصارع وحشاً داخل صدره. انحنى نحوي حتى اختلطت أنفاسه الساخنة بأنفاسي، ووضع جبهته العريضة على جبهتي، دافناً وجهي في صدره الصلب. "أقسم لكِ بدمي، يا مُنى..." همس في أذني بوعيد يهز الجبال، "من لمس شعرة واحدة منكِ، سأجعل من ممالكهم رماداً تدوسين عليه بقدميكِ. أنتِ في أرضي الآن، وتحت حمايتي." لكن لحظة الأمان لم تدم طويلاً. دوى صوت تحطم باب الغرفة، ليدخل شاب يرتدي عباءة ممزقة بلون سماء الليل، عيناه البنفسجيتان تلمعان بمكر وتعب. كان ساري، ساحر الفراغ المنبوذ. تجاهل ساري سيف إلياس الذي وُجه فوراً نحو عنقه، وابتسم بسخرية وهو يلهث: "آسف لإفساد اللحظة الرومانسية أيها الدوق... لكن جيوش السلالات الثلاث مجتمعة تقف الآن على حدود جبال الصقيع، يطالبون بتسليم الخائنات الثلاث... أو إبادة الشمال بأكمله." التفت إلياس نحوي ببطء، وابتسامة دموية ارتسمت على شفتيه. "إذن... فلتبدأ الحرب."[بصوت: منال]كانت الثواني تمر كأنها ساعات ثقيلة يقطر منها الدم واليأس. من خلف التجويف الصخري، كان صدى خطوات جيش الدمى يتردد كدقات قلب وحش عملاق يقترب لابتلاعنا. مئات من العيون البيضاء الفارغة والرماح الزرقاء كانت تتدفق نحو الممر، لا يفصلنا عنهم سوى أمتار قليلة."تراجعوا للداخل! سأحاول سد المدخل!" صرخ زياد وهو يندفع بجسده المنهك نحو أضيق نقطة في الممر.رفعت رنا يديها، ولم تستخدم نيرانها للهجوم، بل ركزت حرارة زرقاء هائلة على سقف الممر الصخري فوق الجنود المتقدمين. أذابت النيران الحجارة في ثوانٍ، لتسقط كستارة من الصخور المنصهرة والبخار الخانق، مما شكل حاجزاً نارياً مؤقتاً أوقف تقدم الطليعة الأولى، لكنه لن يصمد طويلاً أمام أعدادهم."هذا سيمنحنا دقيقتين على الأكثر... ابحثوا عن حل!" تلهثت رنا وهي تسند ظهرها إلى الجدار، وذراعها تنزف بشدة.في تلك الأثناء، كنت أجلس على ركبتي بجوار الفتى المقيد بالسلاسل، طارق. كان جسده يرتجف بعنف، والختم الأسود على عنقه ينبض كطفيلي خبيث يتغذى على طاقته."لا يمكنني حرقه..." قلتُ وأنا أراقب النبض الأسود بخوف، "سحر النجوم سيدمر الختم، لكنه سيحرق معه الخلايا العصبية
[بصوت: زياد]كرااااك!لم يصمد جدار الجليد الأسود الذي صنعه إلياس سوى لثوانٍ معدودة. تناثرت شظاياه في الهواء كزجاجٍ مكسور تحت ضربات فؤوس ورماح الجنود الخمسة، لينفتح الطريق أمامهم مجدداً. تراجعتُ خطوة للخلف رافعاً درعي، لأتلقى الصدمة الأولى من هجومهم الكاسح.كانت جدران التجويف الصخري تضيق علينا كقبرٍ يُغلق ببطء. لم تكن هذه معركة نعتز بها في كتب التاريخ، بل كانت انتحاراً بطيئاً، وطريقًا دموياً نحو هلاكنا المحتوم، كل ذلك باسم الرحمة.كيف تقاتل عدواً لا يشعر بالألم، لا يكترث للتعب، ولا يتردد لحظة واحدة في غرس نصل رمحه في قلبك، بينما أنت مقيدٌ بأخلاقك، ترفض توجيه ضربة قاتلة له؟ كان الجنود الأطفال يهاجموننا بضراوة آلات القتل المبرمجة. رماحهم الزرقاء المضيئة كانت تندفع نحو صدورنا وأعناقنا، وكنا نكتفي بالصد، والدفع، وتلقي الكدمات.تلقيتُ ضربة قوية بمقبض فأسٍ على كتفي، تلتها طعنة رمح انزلقت على حافة درعي الفضي لتترك جرحاً طولياً في ساعدي. تجاهلتُ الألم ودفعتُ الجندي للخلف بقوة، لكنه عاد في نفس الثانية ليهاجمني بنفس الشراسة.إلى جانبي، كانت رنا تعيش جحيماً من نوع آخر. أميرة التنانين، التي اعتادت
[بصوت: رنا]لم يكن الركام الذي أسقطه زياد كافيًا لمنع كابوس العالم العلوي من ملاحقتنا، بل كان مجرد فاصل زمني لالتقاط أنفاسنا في سباقٍ نحو الموت.سرنا في العتمة لساعات، نتخبط في جدران السراديب كأشباحٍ فقدت طريقها للآخرة. كان الهواء يزداد برودة مع كل خطوة نخطوها نحو قاع الشق، وبرغم ذلك، كانت قطرات العرق البارد تغطي جبيني. كنت أسمع لهاث منال المتقطع خلفي، وأشعر بثقل خطوات زياد وساري وهما يجران جسد إلياس المنهار.(إلى متى يمكننا الهرب في هذه المتاهة الملعونة؟ لا طعام، لا راحة، وسحرنا لا يمكن استخدامه خوفًا من كشف موقعنا... نحن نتحول إلى فرائس تنتظر حتفها.)فجأة، انشق الصمت المحيط بنا بصوت انهيار صخري قريب جدًا. لم يأتِ الصوت من الخلف حيث تركنا الركام، بل من ممرٍ جانبي يتقاطع مع مسارنا!"تشكيل دفاعي!" صرخ زياد بصوتٍ أجش، دافعًا إلياس نحو الجدار ومستلاً سيفه في حركة واحدة.لم يكد ينهي جملته حتى انبعث نورٌ أزرق شاحب من الممر الجانبي، واندفعت نحونا فرقة استطلاع من "جيش الدمى". كانوا خمسة جنود فقط، تسللوا عبر شقوق الجبل الجانبية وتجاوزوا فخ الركام. لكن في مساحة لا تتجاوز المترين عرضًا، وفي حال
[بصوت: زياد]كان الظلام في هذه السراديب السفلية كثيفاً لدرجة أنني شعرت به يلتصق بجلدي كطينٍ لزج. لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان كياناً يضغط على صدورنا، يعمي أبصارنا، ويضخم كل صوتٍ يصدر عنا.وزن إلياس الذي كان يتدلى بيني وبين ساري كان يزداد ثقلاً مع كل خطوة. الدوق الذي كان يوماً يحمل هموم قارة بأكملها على كتفيه، أصبح الآن يجر قدميه جراً، بالكاد يرفع رأسه، وأنفاسه تخرج متقطعة ومحملة بحرارة تنذر بالخطر.خلفنا، كان الصدى المكتوم لخطوات جيش الدمى لا يتوقف.قرع.. قرع.. قرع.إيقاعٌ عسكري منتظم، خالٍ من أي فوضى أو مشاعر، يتقدم كآلة حصاد عمياء لا تعرف التعب.(لا يمكننا الاستمرار في الركض هكذا.. سنستنزف قِوانا قبل أن نصل إلى أي مكان، وسيلحقون بنا لا محالة. يجب أن نغير قواعد الاشتباك.)توقفتُ فجأة، وسندتُ إلياس بلطف إلى الجدار الصخري الرطب. انتبه الباقون وتوقفوا، يلهثون في الظلام الحالك."توقفوا"، همستُ بصوتٍ خافت بالكاد يُسمع. "لن نستطيع مواصلة الهرب منهم بهذه الطريقة، خصوصًا مع إصابة إلياس. علينا أن نتوقف هنا ونحوّل هذا المكان إلى نقطة دفاع عمياء."سمعتُ صوت رنا الخافت بالقرب مني: "بماذا سنداف
[بصوت: مُنى] كانت قاعة "دهليز الختم" تغرق في صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يشبه السكينة التي نعرفها، بل يشبه هدوء المقابر الجليدية بعد مجزرة مروعة. ذرات الغبار الفضي التي كانت يوماً أرواح أجداد إلياس لا تزال معلقة في الهواء الكثيف، تتلألأ في عتمة المكان كشواهد قبور مضيئة، تتساقط ببطء لتستقر على ملابسنا ووجوهنا. رائحة السحر المحترق والرماد كانت تخنق أنفاسي، لكن المنظر أمامي كان يخنق روحي. في المنتصف، كان إلياس راكعاً على الأرضية الحجرية القاسية، منحنياً على نفسه كجبلٍ تصدع وانهار من الداخل. أنفاسه المتقطعة، التي تشبه اختناق رجل يغرق، كانت الصوت الوحيد الذي يكسر وحشة المكان. تقدمتُ نحوه بخطواتٍ بطيئة ومترددة، أخشى أن أوقظ ذلك الوحش الكامن تحت جلده والذي أباد أجداده للتو. نزلتُ على ركبتي بجواره، ولمستُ كتفه برفق، فانتفض وكأنني جمرة من نار لامست جلده العاري. رفع رأسه إليّ. كانت عيناه الرماديتان محمرتين، فارغتين من أي كبرياء عهدته فيه، ولا تعكسان سوى انكسارٍ مرعب وذنبٍ يسحقه. "لم أستطع إيقافه يا مُنى..." همس بصوتٍ مبحوح، يرتجف من القهر والعجز. "لقد قتلهم... قتل ما تبقى من شعبي... وأنا كنت مج
[بصوت: إلياس]تركنا الجسر الزجاجي خلفنا، ومع كل خطوة نخطوها أعمق، كان الهواء يزداد برودة وثقلاً، حتى تحول إلى ضباب رمادي كثيف يلتصق بالجلد.انتهى بنا المطاف أمام بوابة حجرية عملاقة محطمة، تفضي إلى قاعة شاسعة محفورة في قلب الجبل. لم تكن مجرد كهف، بل كانت أشبه بمعبدٍ قديم نُهب ودُمر منذ آلاف السنين. كانت الأرضية مغطاة بطبقة كثيفة من الرماد، والجدران تحمل بقايا نقوش تشبه تلك التي رأيناها في الكهف الكريستالي. نحن الآن في "دهليز الختم"... الغرفة التي تسبق سجن الكيان مباشرة.وفجأة، بدأ الرماد تحت أقدامنا يرتجف.انبعث من الأرض ضوءٌ فضي باهت، وتجمع الرماد المتناثر ليتشكل في هيئات بشرية شفافة. العشرات من الأطياف نهضت من سباتها، تحمل رماحاً ودروعاً متهالكة.تراجعت رنا خطوة للوراء، وأشعلت نيرانها، بينما سحب زياد سيفه ووقف في المقدمة. لكنني وقفت متسمراً في مكاني، وعيناي تتسعان في صدمة شلت كل أطرافي.لم تكن هذه وحوشاً من الهاوية... لقد رأيت هذا الدرع من قبل في مخطوطات عائلتي. رأيت هذا الشعار المحفور على صدورهم؛ شعار "الشمس المكسوفة". هؤلاء لم يكونوا أعداء. هؤلاء كانوا "قبيلة الرماد"... أجداد







