Home / الخيال العلمي / حين أصبحت قربان السلالات... اختارني دوق الشمال / الفصل الثاني: خيانة العهد والهروب للجليد

Share

الفصل الثاني: خيانة العهد والهروب للجليد

Author: Moon
last update publish date: 2026-07-13 05:08:31

[بصوت: مُنى]

الضحكة الشيطانية التي انبعثت من الشق الأسود لم تكن مجرد صوت، بل كانت قوة مادية ضربت أجسادنا كإعصار بارد. زلزلت الجدران المتصدعة للمعبد، وتسببت في تساقط أجزاء من السقف الحجري حولنا.

كنت لا أزال جاثية على ركبتي، أنظر إلى يدي الملطختين بدم أمي، والفراغ الذي تركته بعد أن تحولت إلى رماد.

(ماتت... أقوى امرأة في السلالات ماتت بين يدي كأنها حشرة ضعيفة. كيف؟ لماذا؟ وما هي هذه المفاتيح التي تحدثت عنها؟ هل كانت تقصدنا نحن؟)

كان عقلي يدور في دوامة من الإنكار المظلم، لم أشعر حتى بالدموع التي جفت على وجنتي بفعل البرودة المفاجئة التي اجتاحت المكان، ولا بالألم الحارق في ركبتي النازفتين. كنت في حالة شلل تام، حتى شعرت بصفعة قوية وحادة هوت على خدي الأيسر، أعادتني للواقع بقسوة.

"استيقظي يا مُنى! أفيقي وإلا متنا جميعاً هنا!" صرخت رَنا في وجهي، وعيناها العسليتان تشتعلان برعب وغضب لم أرهما فيها من قبل. كانت تلهث بشدة، والدماء تسيل من جرح سطحي في جبهتها إثر تساقط الحجارة.

حاولتُ التحدث، لكن حنجرتي كانت كالجمر المحترق. "أمي... لقد..."

"لقد ماتت! ومات قائدي وقائد منال أيضاً! نحن وحدنا الآن!" قاطعتني رنا بقسوة محاولةً سحبي من ذراعي لأقف.

في تلك اللحظة المجنونة، انبعثت أذرع من الدخان الأسود الكثيف من الشق المظلم، وتمددت كأفاعٍ جائعة تحاول الانقضاض علينا.

"ابتعدن!" زأرت منال، ورفعت يديها للسماء. انطلقت من كفيها موجة عاتية من ضوء النجوم الفضي، اصطدمت بالأذرع الدخانية وأجبرتها على التراجع للخلف مصدراً صوتاً يشبه صراخ المعذبين. لكن بمجرد أن أطلقت منال التعويذة، سقطت على ركبتيها وهي تسعل بعنف، ووجهها الشاحب أصبح خالياً من أي قطرة دم.

"طاقتي... هذا الشىء يمتص السحر من الهواء نفسه،" همست منال بصوت متقطع، وهي تمسك بصدرها كأنها تختنق.

لم نكد نستوعب الصدمة، حتى دوى صوت تحطيم البوابات الخارجية للمعبد. اهتزت الأرض تحت وقع أقدام ثقيلة ومدرعة. التفتنا برعب لنجد العشرات من فرسان الحرس الملكي التابعين للسلالات الثلاث يقتحمون القاعة الدائرية، يتقدمهم "القائد العام لحرس القصر"، الرجل الذي كان بمثابة ظل أمي المخلص.

توقفت خطوات الفرسان فجأة، وتجمدوا في أماكنهم وهم يطالعون المشهد المروع أمامهم.

القاعة محطمة. الشق الأسود ينبض في الخلفية. ونحن الثلاثة، أميرات السلالات المتعادية، نقف معاً في منتصف الليل. وما زاد الطين بلة... الدماء التي تلطخ فستاني الأبيض، ورماد القادة المحترق المتناثر حولنا، وبقايا "عين التنين" و"نواة السحر" المحطمة عند أقدامنا.

اتسعت عينا قائد الحرس في صدمة شلت تفكيره، قبل أن يتحول لون وجهه إلى الاحتقان الشديد. سحب سيفه بيده المرتجفة، ووجهه نحوي مباشرة.

"صاحبة السمو... ماذا فعلتن؟" سأل بصوت يحمل مزيجاً من عدم التصديق والرعب.

(لا... لا تفكروا في هذا. أرجوكم، لا تتهمونا!)

حاولتُ التقدم خطوة، رافعة يدي الملطختين بالدماء لأنفي التهمة. "أيها القائد، اسمعني! لقد هوجمنا! أمي والقادة... لقد قُتلوا بواسطة هذا الكيان! نحن لم..."

"كاذبة!" قاطعني أحد حراس عشائر التنانين بصرخة مدوية، وعيناه تشتعلان بالكراهية وهو ينظر إلى رنا. "لقد خنتن العهد! اجتمعتن في الأراضي المحايدة في جنح الظلام لاغتيال القادة وتحطيم رموز السلطة! أيتها الخائنات!"

"الوعاء المقدس... ابنة الملكة، تلوثت بالخيانة والدم المحرم!" صرخ كاهن من سلالتي كان يرافق الحرس، وبدأ يلوح بصولجانه. "اقتلوهن! طهروا المعبد من دنسهن قبل أن يبتلعنا غضب الآلهة!"

(خائنة؟ أنا؟ أنا التي عشت كل ثانية من حياتي أُحرم من حريتي لأجلكم، أُتهم الآن بقتل أمي؟)

شعرت وكأن خنجراً صدئاً انغرس في صدري وداره أحدهم ببطء. خانتني ركبتاي وكدت أسقط مجدداً لولا ذراع رنا القوية التي التفت حول خصري ورفعتني.

"لن يشرح لهؤلاء الأغبياء شيء!" زمجرت رنا، وبرزت أنيابها بوضوح. "إنهم يبحثون عن كبش فداء، ونحن نقف وسط الدماء!"

اندفع الفرسان نحونا، سيوفهم ورماحهم مشرعة لتمزيقنا. لم يكن هناك وقت للبكاء أو التبرير. كانت هذه هي النهاية لو بقينا.

"منال، سداً الآن!" صرخت رنا.

رغم إرهاقها الشديد، نهضت منال، وبدلاً من السحر النقي الذي اعتادت استخدامه، أظلمت عيناها تماماً. تمتمت بكلمات محرمة لم أسمعها في أي كتاب مقدس. فجأة، انشق الهواء بيننا وبين الحرس، وخرجت موجة من البرق البنفسجي المظلم ضربت الصف الأول من الفرسان، فقذفتهم بعيداً بقوة هائلة وأعمت البقية مؤقتاً.

"اركضوا!" صرخت منال وهي تمسك بيدي من جهة، ورنا من الجهة الأخرى.

ركضنا. ركضنا كما لم نركض في حياتنا قط.

تجاوزنا الأنقاض، وخرجنا من المعبد المهجور لنقتحم الغابة المظلمة المحيطة بالأراضي المحايدة. كانت أصوات الحرس تتعالى خلفنا، كلاب الصيد الخاصة بهم تعوي بشراسة، ونيران مشاعلهم تضيء الظلام كأعين شياطين تطاردنا.

كان جسدي غير معتاد على هذا النوع من القسوة. حذائي الرقيق تمزق بعد الدقائق الأولى من الركض فوق الجذور البارزة والصخور الحادة. كنت أشعر بكل حجر يمزق باطن قدمي، والدماء تترك أثراً أحمر خلفنا. تنفسي أصبح حشرجة مؤلمة، ورئتي كانت تحترق مع كل شهيق من الهواء البارد.

(لا أستطيع... لا أستطيع المواصلة. جسدي ينهار. دعوني أموت هنا...)

"لا تتوقفي يا مُنى! إذا سقطتِ، سنسقط جميعاً!" صرخت رنا وهي تسحبني بقوة كادت تخلع كتفي، بينما كانت نيرانها تشتعل وتخبو لتضيء لنا الطريق.

"إلى أين نذهب؟" سألت منال وهي تلهث، ووجهها يتصبب عرقاً بارداً، وقد بدأت طاقة الفراغ التي استنزفتها تترك آثاراً كدمات داكنة حول عينيها.

رفعتُ رأسي بصعوبة. "جبال الصقيع... يجب أن نصل إلى دوق الشمال!"

لكن قبل أن ترد رنا، انطلق سهم معدني من الظلام واخترق كتف منال، فصرخت صرخة مكتومة وسقطت على الأرض.

"منال!" صرختُ وحاولت التوقف لمساعدتها، لكن الأوان كان قد فات.

من بين الأشجار، قفزت ثلاثة من كلاب الصيد المتوحشة، وخلفها ظهرت فرقة من حراس التنانين، يرتدون دروعهم القرمزية الثقيلة. لقد حاصرونا تماماً.

"انتهت اللعبة أيتها الخائنات!" صرخ قائد الفرقة وهو يتقدم نحونا، وسيفه يقطر من دماء معركته السابقة في المعبد. نظر إلى رنا باحتقار وقال: "أميرة التنانين تتآمر لقتل ملكنا... سأستمتع بقطع رأسك وتقديمه للعشيرة."

دفعتني رنا خلفها، ووقفت أمام منال الجريحة. الدماء كانت تسيل من جبهتها، وأنفاسها متقطعة، لكنها رفعت قبضتيها اللتين اشتعلتا بنيران زرقاء ضعيفة بسبب الإرهاق.

(إنها تحتضر... رنا تستهلك روحها لتنقذنا!)

"تعال وخذ رأسي إن كنت رجلاً!" زأرت رنا، رغم أن جسدها كان يرتجف من التعب.

اندفع القائد ورفع سيفه الثقيل ليهوي به على رنا. أغمضتُ عيني وصرختُ رافعة يدي في محاولة يائسة لاستدعاء أي نور متبقٍ لديّ لحمايتها...

لكن الضربة لم تصل.

بدلاً من ذلك، سُمع دوي اصطدام مروع، كأن نيزكاً ضرب الأرض. تناثرت الدماء الساخنة على وجهي وفستاني، وسمعت صرخة القائد المكتومة.

فتحتُ عيني ببطء، لأرى مشهداً سيتجمد في ذاكرتي للأبد.

لم يكن القائد يقف أمامنا بعد الآن. كان ملقى على بعد أمتار، وجسده مشطور نصفين. وفي المكان الذي كان يقف فيه، انتصب ظل رجل ضخم الجثة، وكأنه وحش أُطلق من الجحيم.

كان يقف وظهره لنا، يمسك بسيف عريض وهائل الحجم تقطر منه الدماء بغزارة. عضلات ظهره وكتفيه كانت تشتد بقوة مرعبة تحت قميصه الممزق، وتبرز شبكة من العروق النافرة والمشدودة على طول ساعديه القويين.

التفت الرجل ببطء...

كانت أنفاسه لاهثة، وشعره الأسود الفاحم يلتصق بجبينه بفعل المطر والعرق. تقطع عينه اليسرى ندبة عميقة تمنحه مظهراً بالغ الخطورة، لكن أكثر ما كان مرعباً هو عيناه... عيناه الذهبيتان اللتان كانتا تشتعلان بغضب بركاني لم أرَ مثله قط.

شهقت رنا خلفي، وتراجعت خطوتها القتالية لتستند على الشجرة، وهمست بصوت مكسور لم أسمعه منها أبداً: "زياد..."

لم ينظر زياد إليّ أو إلى منال، بل ركز نظره بالكامل على رنا. التمعت عيناه الذهبيتان حين رأى الدماء تنزف من جبهتها، واشتدت قبضته على مقبض سيفه حتى كادت أصابعه تسحقه.

"مَن الذي جرؤ على جعل أميرتي تنزف؟" زأر زياد بصوت جهوري جعل الأرض ترتجف تحت أقدامنا، ووجه نظره القاتل نحو بقية الحراس المذعورين.

"زياد! أيها الخائن!" تراجع أحد الحراس برعب. "أنت محارب من العشيرة! هل تدافع عن قاتلة الملك؟"

لم يرد زياد بكلمة. انطلق كالقذيفة، لم أرَ سوى وميض سيفه الثقيل وهو يمزق الهواء. في أقل من دقيقة، كانت الساحة خالية إلا من الجثث. كانت حركاته وحشية، مندفعة، ولا تعرف الرحمة. لم يكن يقاتل كجندي، بل كوحش يحمي أنثاه.

عندما سقط آخر حارس، ألقى زياد سيفه الدموي جانباً، واندفع نحو رنا متجاهلاً كل القواعد والحدود. نزل على ركبة واحدة أمامها، وبيدين خشتين ولكنهما ترتجفان بشكل خفي، أمسك بوجهها ومسح الدماء عن جبهتها بإبهامه.

"أخبرتكِ ألف مرة... ألا تدخلي معركة بدوني،" قال بصوت أجش، وعيناه تتفحصان كل شبر من جسدها المنهك بحثاً عن إصابات أخرى.

"لقد قتلوا القادة يا زياد... العشيرة كلها تبحث عني لقتلي،" همست رنا والدموع تلمع في عينيها لأول مرة، محاولةً التماسك.

جذبها زياد بقوة مفاجئة واحتضنها بقسوة، دافناً وجهها في صدره العريض والصلب، وكأنه يحاول إخفاءها عن العالم بأسره.

"فليحترق العالم والعشيرة بأكملها!" همس في أذنها بصوت حازم كالقسم. "أنا لست سيف العشيرة، أنا سيفكِ أنتِ. ولن يمسكِ أحد بسوء طالما أتنفس."

حاولتُ الوقوف لأشكر هذا المحارب الشرس، لكن جسدي كان قد استهلك آخر قطرة من طاقته. الحمى التي اجتاحتني وصلت إلى ذروتها. نظرتُ إلى زياد ورنا وهما يسندان منال الجريحة، وبدأت الرؤية تتشوش أمامي.

"يجب أن نتحرك قبل أن تصل تعزيزاتهم،" سمعت صوت زياد البعيد وهو يرفع سيفه مجدداً. "أعرف طريقاً سرياً عبر الأودية يؤدي إلى جبال الصقيع. الدوق هناك مدين لي بخدمة، وهو الوحيد الذي قد يجرؤ على إيوائنا."

حاولتُ التقدم خطوة نحوهم، لكن العالم من حولي بدأ يدور.

(جبال الصقيع... إلياس...)

سقطتُ على الأرض الموحلة، واستسلمت لظلام الغيبوبة، غير مدركة لما ينتظرنا في قصر دوق الشمال القاسي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أصبحت قربان السلالات... اختارني دوق الشمال   الفصل 62: سكون الرماد وصوت الهاوية

    [بصوت: مُنى] كان الظلام الذي ابتلعني لا يشبه أي عتمة عرفتها من قبل. لم يكن ظلاماً فارغاً، بل كان ثقيلاً، لزجاً، ومحتقناً برائحة الرماد المحترق والدماء الجافة. استعدتُ وعيي ببطءٍ مؤلم. كان رأسي يطن كأن سرباً من الدبابير المتوحشة قد بنى عشه داخل جمجمتي. حاولتُ التنفس، فامتلأت رئتي بغبارٍ صخري لاذع جعلني أسعل بعنف، وكل سعلة كانت ترسل موجات من الألم الحاد عبر أضلاعي. فتحتُ عيني، لكن لم يتغير شيء. الرؤية كانت معدومة تماماً. أين أنا؟ أين المعركة؟ أين الرماح الزرقاء وصراخ الجنود؟ كان السكون يلف المكان ككفنٍ خانق. "سكون الرماد". هذا هو الوصف الوحيد لما شعرت به. لقد اختفى ضجيج المعركة، وتلاشى صوت الرماح التي تضرب الدروع. لم يكن هناك سوى صمتٍ قبوري، مرعب، وأثقل من جبال العالم العلوي كلها. تحسستُ الصخور التي كانت تغطي النصف السفلي من جسدي، وبذلتُ جهداً خرافياً لدفعها عني. كانت يداي ترتجفان، خالية تماماً من أي شرارة. لقد استنزفتُ كل قطرة من سحر الفجر، أفرغتُ وعاء روحي حتى الجفاف، وأصبحتُ الآن مجرد إنسانة عادية محطمة، في قاع أعمق شق في القارة. "زياد؟... رنا؟" همستُ بصوتٍ مشروخ، وحنجرتي تحتر

  • حين أصبحت قربان السلالات... اختارني دوق الشمال   الفصل 61: تمزق الأرواح

    [بصوت: مُنى] لم يكن اختراق حاجز الجسد للوصول إلى الروح يشبه أي تعويذة شفاء تعلمتها في الأكاديمية. لم يكن هناك دفء، ولا هالة مقدسة تريح الأعصاب. بمجرد أن غرزتُ يديّ السحريتين في صدر إلياس، شعرتُ وكأنني أدخلتهما في بحرٍ من الزجاج المطحون والقطران المغلي. برودة "دم الظل" كانت مرعبة، برودة لا تنتمي لعالم الأحياء، بل لزوايا العدم حيث لا يوجد سوى الموت المطلق. كان الظلام يلتف حول قلبه، ليس كطفيلي سطحي، بل كجذور شجرة ملعونة تغلغلت في كل شريان، وكل وريد، وكل خيط عصبي في جسده. (لن أسمح لك بأخذه!) صرختُ في عقلي، وأطلقتُ العنان لما تبقى من "شرارة الفجر". لم أستخدم النور الذهبي كبلسمٍ شافٍ هذه المرة، بل حولته إلى شفرات من حرارة بيضاء حارقة. بمجرد أن اصطدم نوري بظلامه، اهتز التجويف الصخري بأكمله، وانطلقت صرخة من صدر إلياس لم تكن صرخته هو، بل كانت صرخة السحر الذي يُحرق. انتفض الظلام مدافعاً عن نفسه. شعرتُ بخيوط سوداء لزجة تزحف من صدر إلياس لتلتف حول معصميّ، تغرس أشواكها الوهمية في لحمي، محاولةً امتصاص طاقتي وتلويث نوري. كان الألم يمزق ذراعيّ، وكأن حمضاً كاوياً يُسكب في أوردتي، لكنني لم أتراج

  • حين أصبحت قربان السلالات... اختارني دوق الشمال   الفصل 60: القطرة التي تفيض الكأس

    ​[بصوت: مُنى] ​كانت برودة التجويف الصخري تزحف إلى عظامي، لكنها لم تكن تقارن بالصقيع الذي احتل قلبي وأنا أتأمل الخراب الذي صنعته أيدينا. الصمت هنا لم يكن علامة على الأمان، بل كان عزفاً بطيئاً لموتنا المحتوم. ​في هذه المساحة الضيقة، كانت عائلتي تلفظ أنفاسها الأخيرة. زياد ممدد على الأرض، وجهه الشاحب يميل إلى الزرقة، وبركة الدماء الداكنة تحته تتسع لتلتهم الغبار الصخري. صدره العريض الذي كان يوماً درعنا الذي لا يُقهر، أصبح يرتفع ويهبط ببطءٍ مرعب، وكأنه ينسى كيف يتنفس. رنا، أميرة التنانين الفخورة، كانت تجلس بجواره كجثة حية، دموعها الصامتة تحفر مسارات على وجهها المغطى بالرماد، وذراعها تتدلى بجانبها بزاوية غير طبيعية. ساري يرتجف في الزاوية، يتقيأ دماً أسود مع كل سعلة، ومنال غائبة عن الوعي تماماً، بالكاد ينبض عرق في رقبتها. ​نظرتُ إلى يديّ. كانتا ملطختين بدماء أصدقائي، خالية من أي وميض ذهبي، ميتة وباردة. ​لقد أفرغتُ كل قطرة من سحري، وعصرتُ روح منال حتى آخر قطرة، وتركنا زياد ورنا يُسحقان تحت الأقدام... كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل أن نمنح الحياة لغرباء، لطلاب أُرسلوا لقتلنا. لقد لعبنا دو

  • حين أصبحت قربان السلالات... اختارني دوق الشمال   الفصل 59: صحوة الدمى وعواقب الرحمة

    ​[بصوت: مُنى]​كانت الرماح الزرقاء تهبط نحو جسد زياد المنهار كحكم إعدام لا يقبل الاستئناف. لم يكن هناك وقت للبكاء، ولم يكن هناك وقت للصراخ. كل ما رأيته في تلك اللحظة المجمدة من الزمن هو الدماء التي غطت قائدنا، والعيون البيضاء الفارغة التي توشك على إزهاق روحه.​في خضم هذا الرعب، التقطت عيناي تفصيلاً صغيراً غيّر مسار المعركة.​خلف حلقة الجنود الذين يحيطون بزياد، كان يقف جندي أطول قامة، يرتدي عباءة داكنة فوق درعه، ولا يشارك في الهجوم المباشر. كان يرفع يده، ومن كفه تنبعث خيوط سحرية سوداء دقيقة، ترتبط كخيوط العنكبوت بأعناق الجنود المهاجمين. الختم المنقوش على عنق هذا الجندي لم يكن بحجم العملة المعدنية كالباقين، بل كان يغطي نصف رقبته ويمتد إلى فكه، ينبض بظلامٍ كثيف ومقزز.​إنه "العقدة المركزية"! قائد الفرقة الذي يربط الكاهن الأعظم تعاويذ الطاعة من خلاله ليتحكم في البقية.​"منال!" صرختُ بأعلى صوتي، وشددتُ على يدها بقوة كادت تكسر أصابعها. "القائد في الخلف! الختم الأكبر! إذا طهرناه، سينكسر الرابط عن البقية!"​نظرت منال إلى حيث أشرت، ورغم أن عينيها كانتا شبه مغلقتين من فرط الإرهاق، إلا أن ومضة م

  • حين أصبحت قربان السلالات... اختارني دوق الشمال   الفصل 58: الدرع النازف وعجز الظلام

    [بصوت: ساري] كان العالم حولي يدور في دوامة لزجة من الأصوات المكتومة والظلال الضبابية التي ترفض التبلور. كنتُ أسمع رنين السيوف الذي يصم الآذان، وصرخات الألم المكتومة، وصوت اللهاث الثقيل، لكنني لم أكن أقوى على فتح عيني. استنزاف سحر الفراغ في البداية كان قد سحب كل قطرة طاقة من جسدي، تاركاً إياي كقشرة فارغة ملقاة في الزاوية، أنتظر الموت الذي بدا أرحم من هذا العجز. لكن رائحة الدماء الصدئة التي اقتحمت أنفي، وصوت مُنى الباكي، أجبرا عقلي على العودة إلى الوعي قسراً. فتحتُ عيني بصعوبة بالغة، لتتجلى أمامي لوحة مرسومة من الجحيم الخالص. زياد كان يقف وحده كقلعة محطمة على وشك الانهيار، درعه ممزق وملتوي، والدم يغطي نصفه السفلي بالكامل، يصد ضربات أربعة جنود في وقت واحد ببطء مميت. رنا كانت تزحف على الأرض محاولة حماية منال ومُنى اللتين سقطتا من شدة الإعياء ولم تعودا قادرتين على الوقوف. (لا... لا يمكنني البقاء هنا كجثة تتعفن بينما هم يتمزقون لحمايتي.) حفرتُ أصابعي في الصخر البارد حتى تكسرت أظافري، وأجبرتُ ذراعي المرتجفتين على دفع جسدي الثقيل للأعلى. وقفتُ مترنحاً، أستند إلى الجدار البارد كي لا أسقط

  • حين أصبحت قربان السلالات... اختارني دوق الشمال   الفصل 57: ثقل الرحمة

    [بصوت: زياد] كان الألم يمزق جانبي الأيسر كشفرة مسننة من الجليد تُغرس وتُسحب مع كل نفسٍ ألتقطه. الجرح الذي خلفه الرمح الأزرق في بطني لم يكن عميقاً بما يكفي لتمزيق أحشائي وإنهائي على الفور، لكنه كان ينزف بغزارة لا ترحم. كنتُ أشعر بالدم الساخن ينسدل على ساقي، يتسرب داخل حذائي العسكري ليجعل خطواتي ثقيلة، لزجة، ومترنحة. في المعارك العادية التي خضتها في حرس الشمال، عندما تُجرح بهذه الطريقة، يفرز جسدك غريزياً جرعة هائلة من الأدرينالين النقي؛ غضب أعمى يدفعك لتجاهل الألم وسحق خصمك وإنهاء التهديد فوراً قبل أن تنزف حتى الموت. لكن هنا، في قاع هذا الجحيم الملعون، كان عليّ أن أكبح غريزة البقاء تلك بكل ما أوتيت من قوة إرادة. كان عليّ أن أتلقى الطعنة، وأبتلع الألم الذي يمزق أعصابي، ثم أطرح طاعني أرضاً برفقٍ نسبي كي لا أكسر عنقه أو أحطم جمجمته. كانت هذه هي العقوبة الأقسى التي تفرضها علينا الرحمة. اندفع نحوي جنديان جديدان من فوق التل الركامي. كانا يتحركان بتزامنٍ آلي مرعب، عيونهما البيضاء لا ترمش، ورماحهما موجهة بدقة نحو صدري. لم أعد أمتلك القوة لرفع درعي الفضي عالياً؛ لقد أصبح وزنه كجبل من الرصاص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status