Home / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (45): إنزال في غابات الكاربات

Share

الفصل (45): إنزال في غابات الكاربات

last update publish date: 2026-09-19 07:00:56

عوت رياح الشتاء القارس في أعالي جبال الكاربات برعونة متوحشة، محركة عواصف ثلجية هوجاء طمست معالم المنحدرات الوعرة وكسَت غابات الصنوبر الشاهقة برداء أبيض كالح الجمال. في هذه البقعة المعزولة من أوروبا الشرقية، حيث ترتفع القمم الجرانيتية كأنياب حجرية تمزق كبد الغيوم الرصاصية، كان الصقيع يجمد قطرات الندى على الصخور قبل أن تلامس الأرض، بينما بدت المنطقة المحيطة بالمجمع الذري السوفيتي المهجور كمنطقة محرمة لا يجرؤ طائر على التحليق في أجوائها. وسط تلك العتمة الكثيفة التي حجبت القمر والنجوم، انسلّت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» على علو منخفض للغاية بين الممرات الجبلية الضيقة، متفادية منظومات الرصد الراداري بفضل جنيحاتها الهيدروديناميكية الماصة للموجات وطلائها الكربوني المتطور، لتبدو كظل أسود ينساب بصمت شبحي فوق بياض الثلوج الأبدية.

في بطن الطائرة المضاء بوهج أحمر خافت ومتقطع يحاكي بروتوكولات القفز الليلي المعتم، ساد صمت فولاذي مشحون بالتوتر والأدرينالين النقي. اصطف ثمانية عشر مقاتلاً من صفوة فرقة التدخل السريع التابعة لـ «حراس العهد»، مجندلين بأسلحتهم الهجومية التكتيكية ومعدات الهبوط المظلي على الارتفاعات الشاهقة، يرتدون بزات قتالية قطبية بيضاء مموهة بألياف حرارية تمنع تسرب بصمة الجسد إلى مجسات الاستشعار المعادية. في مقدمة العنبر، أمام شاشة التضاريس الرقمية التي ترسم عمق الوادي ومواقع الأبراج الدفاعية للمنشأة، وقف طارق بكل هيبته الطاغية؛ كان يرتدي بزة اقتحام شتوية مصفحة بصفائح التيتانيوم المرن، تعلوها سترة تكتيكية مدرعة تلتف حول جسده الفارع وعريضه كتفيه، بينما استقر سلاحه الرشاش الصامت وخنجره الفولاذي في غمديهما الميدانيين على خاصرته. كانت ملامحه المنحوتة صارمة كصخور الجبال التي يستعد للهبوط فوقها، وعيناه الصقريتان تتابعان العد التنازلي لمؤشر نقطة الإنزال بجمود واثق لرجل اعتاد ترويض الموت في أخطر ميادينه.

إلى جواره، وقفت إلينا كآلهة حرب خرجت من أساطير الجليد؛ ارتدت بزة قتالية بيضاء مطابقة نحتت تفاصيل قوامها الممشوق بفتنة عسكرية بالغة، بينما لفت عنقها بوشاح حريري داكن يقيه صقيع المرتفعات، ورُفع شعرها الليلي الطويل داخل خوذة كربونية مدمجة بنظام رؤية حرارية متعدد الأطياف. كانت أصابعها المغلفة بالجلد المبطن تتفقد مخازن ذخيرة مسدسيها المزدوجين بحركات آلية خاطفة تدل على براعة متوارثة، ولمعت عيناها الزمرديتان بشعلة استراتيجية حارقة تتحدى عواصف القطب؛ فقد كانت متلهفة لمواجهة دراكوف، الرجل الذي تجرأ على تهديد عرشها السري بمكائده الشيطانية.

التفت طارق نحوها ببطء، وتقدم خطوة ليقلص المسافة بينهما إلى الصفر؛ رفع يديه القويتين وتفقد صمامات مظلتها الظهرية وأحزمة التثبيت على كتفيها وخصرها بحرص هادئ وعناية حازمة لا تخلو من عاطفة متقدة. تلاقت أعينهما في مساحة مشحونة بالشغف والولاء المشترك؛ وضعت إلينا كفها الناعم فوق صدره العريض لتشعر بنبضاته القوية الهادئة، ورفعت وجهها لتتلاقى أنفاسهما الساخنة التي شكلت سحابة بخار خفيفة في صقيع العنبر، هامسة بصوتها الرخيم الآسر: "دراكوف شيد هذا المجمع الذري ليكون مقبرة نووية للأسرار السوفيتية القديمة يا طارق... إنه محصن بجدران خرسانية سمكها ثلاثة أمتار وتحرسه مدافع دفاع نقطي حرارية."

أحاط طارق خصرها بذراعه الفولاذية، وضغط عليها برفق حاسم ليجذبها إليه حتى التصق جسدها الممشوق به، ثم مرر إبهامه برقة فوق وجنتها الباردة ونطق بصوت عميق ومبحوح ملأ أرجاء الطائرة: "الجدران التي تحمي دراكوف ستتحول الليلة إلى تابوت من الصخر والجليد يا إلينا... لا توجد تحصينات في هذه الأرض تقف في وجه نارنا حين نقرر اجتثاث عدونا. ابقي قريبة من ظهري عند اختراق الساحة السفلية؛ لا أريد لهذا البارون العجوز أن يموت إلا بعد أن يرى عينيكِ الزمرديتين تبتلعان كبرياءه الأخير."

ابتسمت إلينا ابتسامة ساحرة تفيض بدهاء مميت، وطبعت قبلة سريعة وقاطعة على شفتيه: "ولن يموت إلا وهو يشهد سقوط كل أطيافه تحت أقدام رماد السطوة."

انطلقت صفارة الإنذار الضوئية العلوية بوميض أخضر متقطع، معلنة بلوغ نقطة الإنزال فوق القطاع الحرج للوادي.

انفتح الباب الخلفي الضخم للطائرة النفاثة بصرير هيدروليكي هادر، لتقتحم العنبر موجة صقيع ساحقة مصحوبة بعواء الرياح الشتوية وتطاير بلورات الثلج الدقيقة كشظايا زجاجية. تقدم عمران بخطواته الثابتة وأشار بإصبعه نحو الهاوية المظلمة في الأسفل، صائحاً بصوته الجهوري: "الارتفاع أربعة آلاف متر! سرعة الرياح خمس وثلاثون عقدة! انطلاق!"

قفز طارق أولاً نحو الهاوية المعتمة كصقر كاسر ينقض على فريسته، وتبعته إلينا في جزء من الثانية بركبة مثنية وقفزة بهلوانية رشيقة شقت صقيع الليل، ليلحق بهما رجال فرقة حراس العهد في تشكيل هبوط متقارب يشبه أسراباً بيضاء تموج في كبد العاصفة.

كان السقوط الحر عبر طبقات السحب الثلجية تجربة تحبس الأنفاس؛ عوت الرياح في خوذاتهم، وتجمدت حواف النظارات التكتيكية، لكن طارق حافظ على مسار ثابت وموازٍ لإلينا، يراقبان عبر الشاشات الرأسية في خوذتيهما خريطة المنشأة الأرضية المقتربة بسرعة جنونية. على عمق خمسمائة متر من سطح الأرض، فتحا مظلاتهما الشراعية السوداء الدقيقة بصوت انشطار خافت، لتكبح اندفاعهما الهائل وتوجههما بسلاسة فائقة نحو بقعة هبوط معتمة تقع في بطن وادٍ صخري خلف أبراج التبريد العملاقة للمفاعل المهجور.

لامست أقدام طارق الأرضية المكسوة بطبقة كثيفة من الثلج بمرونة وثبات استثنائيين، وسرعان ما تدحرج على كتفه ليمتص قوة الارتطام، ثم انتصب راكعاً وسلاحه الهجومي موجه للأمام بمسح دائري سريع. إلى جواره، هبطت إلينا بخفة قطة برية، وفصلت أحزمة مظلتها في كسر من الثانية، ليلتحم باقي المقاتلين في دائرة دفاعية صامتة لم تصدر صوتاً يكسر خشوع الليل الثلجي.

أشارت إلينا بيدها نحو السياج الخارجي للمجمع، حيث كان خط من الحساسات الليزرية يمتد بين أشجار الصنوبر المحيطة بأسلاك شائكة مكهربة. أخرجت جهاز قرصنة لاسلكي محمول، وربطته بتردد مجسات الحراسة، لتطلق نبضة سيبرانية موجهة استنسخت إشارات الأمان وعطلت كاميرات المراقبة الحرارية لدقيقة كاملة دون إطلاق أي جرس إنذار.

"القطاع 'باء' نظيف لمدة تسعين ثانية..." همست إلينا عبر قناة الاتصال المشفرة.

تحرك طارق في المقدمة كالشبح عبر الثلوج العميقة، يتبعه رجاله بخطى حذرة وسريعة. عند زاوية برج التبريد الأول، ظهر حارسان من مرتزقة الفيلق التائه يرتديان بزات روسية قديمة وبنادق آلية، يتنقلان بكسل لمقاومة برودة الطقس.

أشار طارق إلى إلينا بإيماءة صامتة؛ وفي اللحظة ذاتها، انطلق طارق كالسهم من بين ظلال الثلج، وباغت الحارس الأول بقبضة فولاذية التفت حول رقبته وكسرت فقراته بصرير مكتوم قبل أن يرتطم جسده بالأرض، بينما انزلقت إلينا خلف الحارس الثاني وغرست نصل خنجرها الفولاذي الدقيق بين عظام ترقوته لتصيب شريانه الرئيسي بحركة خاطفة وسلسة كتمت أنفاسه إلى الأبد.

سحبا الجثتين خلف كتل الجليد، وتقدما نحو المدخل الخرساني المحصن المؤدي إلى المستويات السفلية للمجمع. كان الباب المصفح بسمك نصف متر من الحديد المقوى ومزوداً بقفل بيومتري مركب.

أخرج طارق شحنة من عجينة «التيرميت» الحرارية المركزية، وثبتها في خط مائل عبر مفاصل الباب، بينما تولت إلينا زراعة صاعق تردد كهرومغناطيسي لتعطيل دارات الإطلاق التلقائي لغاز الأعصاب في حال اختراق البوابة.

التفت طارق نحو إلينا، وأمسك بيدها بقوة واشتعلت في عينيه الصقريتين نظرة عزم تقطع الأنفاس: "دراكوف في قاعة التحكم السفلية يدير مسارات الأقمار... سندخل كالعاصفة التي لا تبقي ولا تذر."

ردت إلينا بابتسامة نارية أشرقت تحت قناعها: "أشعل النار يا طارق... ودعنا ندفن هذا الشبح في رماده."

ضغط طارق صاعق التيرميت، لتشتعل مفاصل البوابة بلهيب أبيض ساطع أذاب الحديد كالشمع المنصهر، وتهيأ الاثنان مع فرقة الاقتحام لاقتحام أعماق القلعة الذرية وبدء معركة سحق مجلس الأطياف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد السطوة   الفصل (52): عاصفة مضيق بيرنغ

    تلاطمت كتل الجليد الأزرق الطافية في مياه مضيق "بيرنغ" كدروع تكتونية عملاقة تتكسر بصرير يصم الآذان، تحت وطأة عاصفة قطبية هوجاء انحدرت من الدائرة القطبية الشمالية لتمزق صفحة البحر الأسود برياح عاتية تخطت سرعتها ستين عقدة. في هذا الجحيم الأبيض المتجمد، حيث يمتزج رذاذ الملح بحبات البرد القاطعة في ظلام دامس لا ينكسر إلا بشفق قطبي باهت بلون الزمرد القاتم يلوح في أقصى السماء، انتصبت محطة «الهيمنة المدارية»؛ قلعة بحرية عائمة شُيدت فوق أربع ركائز تيتانيوم عملاقة تخترق أعماق المحيط المتجمد، تبدو كوحش خرساني وأخطبوط فولاذي تتفرع منه منصات إطلاق الصواريخ وهوائيات الاتصال بالأقمار الصناعية العسكرية. لم تكن المحطة مجرد مصفاة أو منشأة بحرية معزولة عن خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المركز التكنولوجي الأعلى لمجلس الأطياف، والمعقل المحصن الذي يقبع فيه الشبح السادس: البروفيسور "فيكتور شتاينر"، الملقب بـ «المهندس»، العقل الرقمي الفذ الذي صاغ منظومات التحكم الذاتي، والأقمار التجسسية الكهرومغناطيسية، والشبكات السيبرانية التي خنقت الموانئ لعقود.في بطن الغواصة التكتيكية كاسحة الجليد «الظل القطبي»، الت

  • رماد السطوة   الفصل (51): وكر العقارب في الأندلس

    انسدلت عتمة الليل الأندلسي فوق منحدرات "روندا" الشاهقة كغطاء مخملي داكن، حيث تنفصل المدينة القديمة عن هضابها بجرف صخري سحيق تهوي في قاعه مياه نهر "غواداليفين" في هدير مكتوم ومخيف. كانت الرياح الدافئة القادمة من مضيق جبل طارق تجوب شرفات القصور الإسبانية العتيقة، محملة بعبير أزهار البرتقال المر وأريج الياسمين الجبلي وتراب الوديان الجافة، لتلف قصر "إل ألكازار دي لوس إسكوربيونيس" بغلالة من السكون الخادع. لم يكن هذا القصر الأثري المشيد في عهد ملوك الطوائف مجرد تحفة معمارية تتوارى خلف بساتين الزيتون المعمرة؛ بل تحول إلى وكر محصن بأحدث منظومات الدفاع الذاتي والحراري، يقبع فيه الشبح الخامس لمجلس الأطياف؛ الماركيز "دون رافاييل دي كوردوبا"، الملقب بـ «العقرب الأسود»، الرجل الذي أدار لثلاثة عقود شبكات الاغتيال المأجور، ومستودعات السموم الكيميائية، وأجهزة التنصت عبر ضفتي المضيق والبحر المتوسط.في غرفة حجرية معزولة داخل مزرعة جبلية مهجورة تشرف على الوادي السحيق المقابل للقصر، وقفت إلينا أمام طاولة خشبية عريضة، تراجع مسارات الحراسة عبر منظار كهروبصري متصل بالأقمار الصناعية. ارتدت بزة اقتحام س

  • رماد السطوة   الفصل (50): قناع الدبلوماسية المسموم

    تسللت خيوط الضباب الرمادي الكثيف فوق سطح بحيرة "ليمان" الهادئة في جنيف، لتلف نافورة المدينة الشهيرة وأعمدة القصور الكلاسيكية بغلالة من الغموض والبرود الأرستقراطي. كانت العاصمة الدبلوماسية للعالم تبدو في ظلال ذلك المساء الخريفي غارقة في هدوء مخادع، تصطف على جنبات أحيائها الراقية في ضاحية "كولوني" سفارات الدول العظمى ومقار المنظمات الدولية التي تُحاك في صالوناتها المغلقة معاهدات السلم وتُمرر صفقات الحروب القذرة تحت غطاء الحصانات الدبلوماسية والمواثيق المذهبة. لم تكن هذه المدينة غريبة على طارق وإلينا؛ ففي أروقتها ومصارفها دارت فصول من صراعات الجزء الأول، لكن عودتهما الليلة لم تكن تهدف إلى التفاوض مع أصحاب البدلات الرسمية، بل لاقتلاع الشبح الرابع لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي ظن أن الأختام السيادية والمقاعد الأممية ستكون حصناً أمنع من ترسانات البلطيق وحصون الكاربات الذرية.في الجناح العلوي لفيلا خاصة تطل على مياه البحيرة المعتمة، وقفت إلينا أمام المرآة الجدارية الكبرى، مرتدية فستان سهرة طويل من المخمل الأسود القاتم بياقة دائرية محتشمة تعانق عنقها العاجي، بينما تميز تصميمه بشقين خلفيين م

  • رماد السطوة   الفصل (49): شبح السلاح في موانئ البلطيق

    تكسرت كتل الجليد الطافية على سطح مياه بحر البلطيق بصرير حاد وموحش، تحت وطأة الأمواج الرمادية الغاضبة التي كانت تلطم أرصفة الترسانة البحرية المغلقة في خليج "ريغا". في تلك الأصقاع الشمالية النائية، حيث تبتلع سحب الدخان الصناعي رصاصية الأفق وتتجمد قطرات الملح فوق الروافع الفولاذية العملاقة، كانت ترسانة «كرونشتات-4» تبدو كحصن معدني نبت في قلب العدم؛ مجمع عسكري ضخم شُيّد في الحقبة السوفيتية المتأخرة تحت ستار مصانع تكرير النفط، قبل أن يستحوذ عليه مجلس الأطياف ليحوله إلى قاعدة سرية لتصنيع الغواصات الآلية والطوربيدات الذاتية الموجهة بالذكاء الاصطناعي. عوت الرياح القطبية بين المستودعات العملاقة والمداخن المهجورة، حاملة نثاراً ثلجياً لاذعاً غلّف الأرصفة بطبقة زلقة من الصقيع، بينما كانت كاميرات المراقبة الحرارية وأبراج الرشاشات الآلية تجوب محيط الميناء برتابة ميكانيكية لا تغفل عن شاردة أو واردة.في جوف مقصورة الرصد للغواصة التكتيكية «العاصفة 2»، التي ربضت في قاع الخليج المتجمد على بعد نصف ميل بحري من الترسانة، كانت الشاشات الخضراء تعكس التضاريس ثلاثية الأبعاد للمنشأة البحرية. وقف طارق متكئ

  • رماد السطوة   الفصل (48): مزاد الظلال في كومو

    تهادت مياه بحيرة "كومو" الهادئة تحت سماء ليلية صافية رصعتها النجوم كحبات من الماس المنثور، لتتحول صفحة البحيرة الإيطالية الشهيرة إلى مرآة داكنة تعكس الأضواء الكهرمانية الساحرة المنبعثة من قصر «فيلا دي إستي». كان القصر التاريخي، بأعمدته الكلاسيكية وحدائقه المتدرجة التي تعود إلى عصر النهضة، يشع بفخامة أرستقراطية باذخة امتزج فيها عبق أشجار السرو العتيقة والغردينيا برائحة رذاذ الماء البارد. لم تكن الليلة ليلة عادية في شبه الجزيرة؛ فعلى طول الرصيف الرخامي الممتد داخل مياه البحيرة، اصطفت يخوت سريعة من طراز "ريفا" الخشبي المصقول وسيارات ليموزين مصفحة لا تحمل لوحاتها أي أرقام رسمية، لتنزل نخبة مجتمع الظل الدولي؛ سماسرة الحروب، وحيتان المصارف السرية، ووجوه دبلوماسية اعتادت عقد صفقات الموت خلف ستار الحفلات الخيرية والمزادات الفنية الراقية.انزلق زورق خشبي أسود عتيق بمحرك صامت نحو الرصيف الخاص، ليرسو بخفة متناهية دون أن يحدث تموجاً يُذكر. ترجل طارق أولاً بخطوات ثابتة تنضح بهيبة طاغية؛ كان يرتدي بدلة سهرة رسمية (Smoking) من المخمل الأسود القاتم صُممت خصيصاً على يد أمهر خياطي ميلانو، بح

  • رماد السطوة   الفصل (47): شبكة العناكب الذهبية

    شقت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» عباب السماء الغائمة فوق وسط القارة الأوروبية، محلقة على ارتفاع أربعين ألف قدم في هدوء شبحي لا يخرقه سوى أزيز محركاتها التوربينية المعزولة. في الأسفل، كانت أضواء المدن والعواصم الغارقة في نومها تبدو كبقع ضوئية باهتة تتناثر وسط سواد الأرض الشاسع، غافلة عن العاصفة الصامتة التي اجتاحت جبال الكاربات قبل ساعات، ومحو الحصن الذري للبارون دراكوف من الوجود. تحول بطن الطائرة الخاص إلى واحة من الفخامة العسكرية المعتمة؛ جدران مكسوة بألياف الكربون المصقول وجلد الغزال الأسود، ومقاعد وثيرية قابلة للتعديل تحيط بطاولة تفاعلية بلورية، بينما اختلطت في أرجاء المقصورة رائحة التبغ المعتق بخشب الأرز وعطر إلينا الساحر، طاردة آخر ذرات البارود والثلج التي علقت بملابسهما.في الجناح الخلفي المعزول للمقصورة، جلس طارق عاري الصدر فوق أريكة جلدية عريضة، بينما كانت إلينا تقف أمامه برداء حريري أسود قصير ومفتوح الياقة، تمسك بيدها قطنة طبية مبللة بمحلول مطهر ومشرطاً جراحياً دقيقاً. كانت ملامحه المنحوتة تفيض بهدوء صخري مهيب وهو يراقب أصابعها الرقيقة تتنقل بمهارة متناهية فوق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status