Inicio / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (44): مجلس الأطياف

Compartir

الفصل (44): مجلس الأطياف

last update Fecha de publicación: 2026-09-13 18:10:56

رست الغواصة «العاصفة 1» في الحوض الجاف السري المشيد في أحشاء الجرف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير». تراجعت مياه البحر المندفعة عبر البوابات الهيدروليكية الضخمة بصرير مدوٍ، مخلّفة رذاذاً مالحاً يتصاعد كأبخرة بيضاء وسط أضواء التحذير الكهرمانية التي أنارت الأرصفة الخرسانية المصفحة. كان المشهد في بطن الجبل يشبه ثكنة حربية معزولة عن العالم الخارجي؛ العشرات من عناصر نخبة «حراس العهد» ينتشرون ببنادقهم الآلية ومعداتهم التكتيكية، يراقبون كل زاوية بيقظة حديدية لا تعرف التراخي، بينما كانت الرافعات الآلية تباشر فحص هيكل الغواصة العائدة من جحيم الأعماق.

خرج طارق وإلينا عبر جسر الإنزال المعدني بخطوات متناغمة تعلوها هيبة المنتصرين الذين عادوا من فم الهاوية. كان طارق قد نزع خوذته التكتيكية، وترك سترة الغوص مفتوحة لتبرز عضلات صدره الصلبة وشعره الأسود المبلل الذي يتقاطر منه الماء على جبينه، بينما استقرت ملامحه الصارمة في جمود مهيب يخفي في أعماقه عزماً لا يلين. إلى جواره، سارت إلينا برشاقتها الآسرة، وقد أعادت لملمة خصلات شعرها الحريري الداكن خلف أذنيها، بينما لمعت عيناها الزمرديتان ببرود قاطع وتركيز استخباراتي حاد، وهي تقبض بيدها المغلفة بالجلد على الحافظة الأسطوانية المغناطيسية التي تحتوي على "القرص الأسود" المسترد من حطام غواصة الكوماندور فالك.

صعد الاثنان مع عمران عبر المصعد البانورامي المصفح الذي شق طبقات الصخور البازلتية صعوداً نحو القاعة الاستراتيجية العليا للقصر. في هذا الملاذ المرتفع، كانت العاصفة الخريفية قد بدأت تزأر في الخارج، وتضرب أمواج البحر الأبيض المتوسط العاتية قواعد الجرف الشاهق برعود متصلة، بينما كانت واجهات الزجاج البانورامي المعزز تهتز برتابة خفيفة تزيد من وحشة المكان وجلاله.

دلفا إلى الجناح الخاص لتبديل ثياب القتال. هناك، في سكون الغرفة الفسيحة المضاءة بلهيب مدفأة الحطب المعطرة بخشب الأرز واللبان، ألقت إلينا ببدلة الغوص جانباً، وارتدت رداءً مخملياً طويلاً بلون الدم القاني يلتف حول خصرها بنعومة حريرية، تاركة عنقها العاجي حراً يتنفس دفء الغرفة. تقدم طارق نحوها بعد أن ارتدى قميصاً أسود من الكتان الفاخر، واقترب منها ببطء حتى حاصرها بين ذراعيه القويتين أمام مرآة الزينة الكبيرة.

تلاقت أعينهما في انعكاس الزجاج؛ مرر طارق يديه الخشنتين برفق حازم فوق كتفيها، نازلاً بأطراف أصابعه ليحيط خصرها ويجذبها إلى صدره العريض حتى التصقت أنفاسهما الدافئة. تنهدت إلينا بعمق، وأسندت رأسها إلى صدره الصلب، مغمضة عينيها لثوانٍ لتتلاشى برودة قاع الأطلسي أمام حرارة هذا الرجل الذي بات درعها وسيفها وعالمها بأسره.

"عدنا من عمق ثلاثة آلاف متر يا طارق..." همست إلينا بصوتها الرخيم الهادئ، والتفتت برأسها لتلامس شفتيها عنقه المنحوت، "لكن الكلمات التي نطق بها فالك قبل موته لم تكن مجرد هذيان مهزوم. هناك وحوش كانت تراقب صعودنا من وراء الستار وتنتظر اللحظة التي نظن فيها أننا امتلكنا كل شيء."

أدار طارق وجهها نحوه برفق، ونظر في عينيها الصافيتين بنظرة صقرية تفيض بالسطوة واليقين، ثم طبع قبلة عميقة وحازمة فوق شفتيها امتزج فيها طعم الملح برحيق الرغبة والسيادة المشتركة، قائلاً بصوته الجهوري المبحوح: "الوحوش التي تختبئ في الظلال تعتقد أن التخفي يمنحها الأمان يا إلينا... لكنها نسيت أننا أسياد الظلام الحقيقيون. دعيهم يجتمعون في مجالسهم السرية؛ فالنار التي أحرقت آل فالدير الخونة وكارتيلات الشمال قادرة على التهام كل طيف يجرؤ على الاقتراب من عريننا."

ابتسمت إلينا ابتسامة واثقة يمتزج فيها الدهاء بالولاء المطلق، وسحبت الحافظة المغناطيسية من فوق المنضدة الرخامية: "إذن، حان الوقت لننزع الأقنعة عن وجوه هؤلاء الجبناء ونرى ما تخفيه سراديبهم."

خرجا معاً إلى قاعة العمليات المركزية، حيث كان عمران بانتظارهما أمام المنصة الرقمية الكبرى، محاطاً بثلاثة من أبرز مهندسي التشفير السيبراني التابعين للمؤسسة. خيم صمت مطبق على القاعة بمجرد دخول طارق وإلينا، وانحنى المهندسون باحترام بالغ قبل أن يفسحوا المجال أمام إلينا لتتقدم نحو المقبس البصري الرئيسي.

أخرجت إلينا القرص الأسود المصنوع من التيتانيوم والكريستال الكمومي، وثبتته في منفذ فك الشفرات الجزيئي. تحركت أصابعها الرشيقة فوق لوحة المفاتيح الهولوغرافية بخفة مذهلة، مطلقة حزمة من الخوارزميات الهجومية المعاكسة لاختراق طبقات الحماية المتعددة التي تحصن بيانات الغواصة المعادية.

تتابعت أسطر الأوامر الخضراء والحمراء بسرعة فائقة فوق الشاشات الجدارية العملاقة، تصاحبها نبضات صوتية حادة من أجهزة التحليل، حتى دوى رنين إلكتروني ممتد أعلن سقوط جدار النار الأخير: «تم الاختراق... جاري استعادة السجلات المشفرة لمجلس الأطياف».

انطفأت الأضواء العلوية للقاعة تلقائياً، لترتفع في وسط الفراغ شاشة هولوغرافية ثلاثية الأبعاد بقطر خمسة أمتار، عارضة خريطة معقدة لشبكة مالية واستخباراتية عابرة للقارات، تتدلى منها سبع علامات دائرية سوداء تحمل صوراً لظلال مقنعة لا تظهر ملامحها، وتحت كل ظل كود تعريفي سري وأصول استراتيجية مذهلة.

تضيق عينا عمران وهو يحدق في البيانات المتدفقة، وقال بصوته الخشن المشدوب بالذهول: "يا إلهي... هذا ليس مجرد كارتيل سلاح أو بقايا لعصابات الموانئ القديمة! هذه كيانات سيادية متخفية... انظروا إلى الحسابات؛ أصول بمليارات الدولارات في مصارف الظل بجزر الكايمان ولوكسمبورغ، وحصص مسيطرة في شركات تصنيع الأقمار الصناعية الخاصة، ومختبرات تطوير الأسلحة البيولوجية والكهرومغناطيسية في أوروبا الشرقية."

تقدمت إلينا خطوة نحو مركز الهولوجرام، وبدأت في فرز الملفات بمهارة استخباراتية بارعة: "فالك لم يكن سوى بيدق ميداني ينفذ مرحلة 'العمى التكتيكي'... خطة مجلس الأطياف كانت تقضي بقطع كابلات الاتصال البحري في الأطلسي والمتوسط في وقت متزامن، لتعطيل منظومات التداول المصرفي لـ 'رماد السطوة' لمدة اثنتين وسبعين ساعة. وخلال هذه الفترة، كان مقرراً إطلاق هجوم كهرومغناطيسي عبر أقمار صناعية مدارية منخفضة لتعطيل المولدات الكهربائية في قصرنا وموانئنا الجنوبية، يتبعه إنزال جوي لفرقة اغتيالات متطورة مجهزة بالغازات العصبية لمحونا تماماً."

وقف طارق أمام الهولوجرام بكامل هيبته وكتفيه العريضين، مسلطاً عينيه الصقريتين على أحد الملفات السبعة الذي ومض باللون الذهبي الداكن، حاملاً الاسم الرمزي: «الشبح الأول — كاليغولا».

"افتحي ملف كاليغولا يا إلينا..." قال طارق بصوت هادئ ومزلزل جعل الحاضرين يشعرون بوطأة العاصفة القادمة.

نقرت إلينا على الملف، لتنبثق وثيقة مشفرة ممهورة بختم دبلوماسي قديم يعود لحقبة الحرب الباردة، وظهرت صورة باهتة لرجل متقدم في السن، ذي عينين رماديتين نافذتين ونظرة متغطرسة لا تعرف الرحمة: البارون "ألكسندر دراكوف"، المستشار الأمني الأعلى السابق لتحالف الدفاع الأوروبي، والملياردير الذي زُعم أنه اختفى في حادث تحطم طائرته الخاصة في سيبيريا قبل عقد من الزمان.

"دراكوف..." همست إلينا بحدة وذهول حذر، "الرجل الذي درب فيكتور وفانس في بداياتهما، وصاحب نظرية 'الفوضى المنظمة' لإدارة العالم عبر مجالس الظل. لقد تظاهر بالموت ليبني هذا المجلس في الخفاء بعيداً عن أعيننا، وحين رأى أننا ابتعلنا كل تلاميذه وحكمنا الموانئ والقارات، أدرك أن دوره التاريخي مهدد بالزوال إن لم يتحرك فوراً."

استدار طارق نحو عمران، ورفع يده القوية مشيراً إلى خريطة انتشار أصول مجلس الأطياف في شرق القارة: "دراكوف ظن أن سبع سنوات من الاختفاء في مقابر الجليد ستمنحه الحصانة... وظن أن محاولة إعمائنا في الأعماق ستمر دون رد صاعق. هو لا يعلم أننا نمتلك الآن كامل مخططاته، وأن السحر سينقلب على الساحر."

التفتت إلينا نحو طارق، واشتعلت في عينيها الزمرديتين نظرة افتراس لا ترحم: "المقر الرئيسي لعمليات دراكوف الميدانية ليس في العواصم الكبرى... القرص يكشف عن قلعة صناعية معزولة في غابات الكاربات في رومانيا؛ مصنع مهجور للمفاعلات الذرية تم تحويله إلى غرفة عمليات محصنة تقود الهجوم الإلكتروني ضد موانئنا، ومعه هناك اثنان من أعضاء المجلس يشرفان على تجميع فرقة الاغتيال."

تقدم طارق نحو الطاولة المركزية، واستل خنجره الدمشقي العتيق من غمده، وغرسه بقوة ساحقة في قلب الخريطة الهولوغرافية عند نقطة غابات الكاربات، لترتجف المنصة الرخامية تحت وطأة الضربة.

نظر طارق إلى إلينا، ثم إلى عمران، ونطق بكلمات حاسمة كأحكام القدر التي لا تقبل الاستئناف: "لن ننتظر حتى تطلق أقمارهم شحنتها الكهرومغناطيسية، ولن نتركهم يضعون خطة بديلة... سننتقل بالمعركة إلى عقر دارهم. عمران... جهز طائرة الشبح النفاثة 'الصقر الأسود' وسرية الاقتحام الأولى من حراس العهد بأسلحة الصمت والاختراق الحراري. إلينا... ابدئي هجوماً سيبرانياً تضليلياً يوهم دراكوف أننا ما زلنا غارقين في فك شفرات القرص حتى لا يشعر باقترابنا."

طوقت إلينا ذراعه بابتسامة نارية تفيض بالعزم والشغف المطلق: "سنذهب معاً إلى الكاربات يا طارق... وسنعلم مجلس الأطياف أن الأشباح تُحرق وتتحول إلى رماد حين تواجه أسياد السطوة الحقيقيين."

تلاقت نظراتهما في عهد دموي جديد، بينما كانت العاصفة في الخارج تضرب شرفات القصر بكل قوتها، معلنة انطلاق أولى الحملات الهجومية لـ «رماد السطوة» لسحق مجلس الأطياف في معاقله الحصينة.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

  • رماد السطوة   الفصل (52): عاصفة مضيق بيرنغ

    تلاطمت كتل الجليد الأزرق الطافية في مياه مضيق "بيرنغ" كدروع تكتونية عملاقة تتكسر بصرير يصم الآذان، تحت وطأة عاصفة قطبية هوجاء انحدرت من الدائرة القطبية الشمالية لتمزق صفحة البحر الأسود برياح عاتية تخطت سرعتها ستين عقدة. في هذا الجحيم الأبيض المتجمد، حيث يمتزج رذاذ الملح بحبات البرد القاطعة في ظلام دامس لا ينكسر إلا بشفق قطبي باهت بلون الزمرد القاتم يلوح في أقصى السماء، انتصبت محطة «الهيمنة المدارية»؛ قلعة بحرية عائمة شُيدت فوق أربع ركائز تيتانيوم عملاقة تخترق أعماق المحيط المتجمد، تبدو كوحش خرساني وأخطبوط فولاذي تتفرع منه منصات إطلاق الصواريخ وهوائيات الاتصال بالأقمار الصناعية العسكرية. لم تكن المحطة مجرد مصفاة أو منشأة بحرية معزولة عن خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المركز التكنولوجي الأعلى لمجلس الأطياف، والمعقل المحصن الذي يقبع فيه الشبح السادس: البروفيسور "فيكتور شتاينر"، الملقب بـ «المهندس»، العقل الرقمي الفذ الذي صاغ منظومات التحكم الذاتي، والأقمار التجسسية الكهرومغناطيسية، والشبكات السيبرانية التي خنقت الموانئ لعقود.في بطن الغواصة التكتيكية كاسحة الجليد «الظل القطبي»، الت

  • رماد السطوة   الفصل (51): وكر العقارب في الأندلس

    انسدلت عتمة الليل الأندلسي فوق منحدرات "روندا" الشاهقة كغطاء مخملي داكن، حيث تنفصل المدينة القديمة عن هضابها بجرف صخري سحيق تهوي في قاعه مياه نهر "غواداليفين" في هدير مكتوم ومخيف. كانت الرياح الدافئة القادمة من مضيق جبل طارق تجوب شرفات القصور الإسبانية العتيقة، محملة بعبير أزهار البرتقال المر وأريج الياسمين الجبلي وتراب الوديان الجافة، لتلف قصر "إل ألكازار دي لوس إسكوربيونيس" بغلالة من السكون الخادع. لم يكن هذا القصر الأثري المشيد في عهد ملوك الطوائف مجرد تحفة معمارية تتوارى خلف بساتين الزيتون المعمرة؛ بل تحول إلى وكر محصن بأحدث منظومات الدفاع الذاتي والحراري، يقبع فيه الشبح الخامس لمجلس الأطياف؛ الماركيز "دون رافاييل دي كوردوبا"، الملقب بـ «العقرب الأسود»، الرجل الذي أدار لثلاثة عقود شبكات الاغتيال المأجور، ومستودعات السموم الكيميائية، وأجهزة التنصت عبر ضفتي المضيق والبحر المتوسط.في غرفة حجرية معزولة داخل مزرعة جبلية مهجورة تشرف على الوادي السحيق المقابل للقصر، وقفت إلينا أمام طاولة خشبية عريضة، تراجع مسارات الحراسة عبر منظار كهروبصري متصل بالأقمار الصناعية. ارتدت بزة اقتحام س

  • رماد السطوة   الفصل (50): قناع الدبلوماسية المسموم

    تسللت خيوط الضباب الرمادي الكثيف فوق سطح بحيرة "ليمان" الهادئة في جنيف، لتلف نافورة المدينة الشهيرة وأعمدة القصور الكلاسيكية بغلالة من الغموض والبرود الأرستقراطي. كانت العاصمة الدبلوماسية للعالم تبدو في ظلال ذلك المساء الخريفي غارقة في هدوء مخادع، تصطف على جنبات أحيائها الراقية في ضاحية "كولوني" سفارات الدول العظمى ومقار المنظمات الدولية التي تُحاك في صالوناتها المغلقة معاهدات السلم وتُمرر صفقات الحروب القذرة تحت غطاء الحصانات الدبلوماسية والمواثيق المذهبة. لم تكن هذه المدينة غريبة على طارق وإلينا؛ ففي أروقتها ومصارفها دارت فصول من صراعات الجزء الأول، لكن عودتهما الليلة لم تكن تهدف إلى التفاوض مع أصحاب البدلات الرسمية، بل لاقتلاع الشبح الرابع لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي ظن أن الأختام السيادية والمقاعد الأممية ستكون حصناً أمنع من ترسانات البلطيق وحصون الكاربات الذرية.في الجناح العلوي لفيلا خاصة تطل على مياه البحيرة المعتمة، وقفت إلينا أمام المرآة الجدارية الكبرى، مرتدية فستان سهرة طويل من المخمل الأسود القاتم بياقة دائرية محتشمة تعانق عنقها العاجي، بينما تميز تصميمه بشقين خلفيين م

  • رماد السطوة   الفصل (49): شبح السلاح في موانئ البلطيق

    تكسرت كتل الجليد الطافية على سطح مياه بحر البلطيق بصرير حاد وموحش، تحت وطأة الأمواج الرمادية الغاضبة التي كانت تلطم أرصفة الترسانة البحرية المغلقة في خليج "ريغا". في تلك الأصقاع الشمالية النائية، حيث تبتلع سحب الدخان الصناعي رصاصية الأفق وتتجمد قطرات الملح فوق الروافع الفولاذية العملاقة، كانت ترسانة «كرونشتات-4» تبدو كحصن معدني نبت في قلب العدم؛ مجمع عسكري ضخم شُيّد في الحقبة السوفيتية المتأخرة تحت ستار مصانع تكرير النفط، قبل أن يستحوذ عليه مجلس الأطياف ليحوله إلى قاعدة سرية لتصنيع الغواصات الآلية والطوربيدات الذاتية الموجهة بالذكاء الاصطناعي. عوت الرياح القطبية بين المستودعات العملاقة والمداخن المهجورة، حاملة نثاراً ثلجياً لاذعاً غلّف الأرصفة بطبقة زلقة من الصقيع، بينما كانت كاميرات المراقبة الحرارية وأبراج الرشاشات الآلية تجوب محيط الميناء برتابة ميكانيكية لا تغفل عن شاردة أو واردة.في جوف مقصورة الرصد للغواصة التكتيكية «العاصفة 2»، التي ربضت في قاع الخليج المتجمد على بعد نصف ميل بحري من الترسانة، كانت الشاشات الخضراء تعكس التضاريس ثلاثية الأبعاد للمنشأة البحرية. وقف طارق متكئ

  • رماد السطوة   الفصل (48): مزاد الظلال في كومو

    تهادت مياه بحيرة "كومو" الهادئة تحت سماء ليلية صافية رصعتها النجوم كحبات من الماس المنثور، لتتحول صفحة البحيرة الإيطالية الشهيرة إلى مرآة داكنة تعكس الأضواء الكهرمانية الساحرة المنبعثة من قصر «فيلا دي إستي». كان القصر التاريخي، بأعمدته الكلاسيكية وحدائقه المتدرجة التي تعود إلى عصر النهضة، يشع بفخامة أرستقراطية باذخة امتزج فيها عبق أشجار السرو العتيقة والغردينيا برائحة رذاذ الماء البارد. لم تكن الليلة ليلة عادية في شبه الجزيرة؛ فعلى طول الرصيف الرخامي الممتد داخل مياه البحيرة، اصطفت يخوت سريعة من طراز "ريفا" الخشبي المصقول وسيارات ليموزين مصفحة لا تحمل لوحاتها أي أرقام رسمية، لتنزل نخبة مجتمع الظل الدولي؛ سماسرة الحروب، وحيتان المصارف السرية، ووجوه دبلوماسية اعتادت عقد صفقات الموت خلف ستار الحفلات الخيرية والمزادات الفنية الراقية.انزلق زورق خشبي أسود عتيق بمحرك صامت نحو الرصيف الخاص، ليرسو بخفة متناهية دون أن يحدث تموجاً يُذكر. ترجل طارق أولاً بخطوات ثابتة تنضح بهيبة طاغية؛ كان يرتدي بدلة سهرة رسمية (Smoking) من المخمل الأسود القاتم صُممت خصيصاً على يد أمهر خياطي ميلانو، بح

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status