بيت / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (51): وكر العقارب في الأندلس

مشاركة

الفصل (51): وكر العقارب في الأندلس

last update تاريخ النشر: 2026-09-22 08:00:11

انسدلت عتمة الليل الأندلسي فوق منحدرات "روندا" الشاهقة كغطاء مخملي داكن، حيث تنفصل المدينة القديمة عن هضابها بجرف صخري سحيق تهوي في قاعه مياه نهر "غواداليفين" في هدير مكتوم ومخيف. كانت الرياح الدافئة القادمة من مضيق جبل طارق تجوب شرفات القصور الإسبانية العتيقة، محملة بعبير أزهار البرتقال المر وأريج الياسمين الجبلي وتراب الوديان الجافة، لتلف قصر "إل ألكازار دي لوس إسكوربيونيس" بغلالة من السكون الخادع. لم يكن هذا القصر الأثري المشيد في عهد ملوك الطوائف مجرد تحفة معمارية تتوارى خلف بساتين الزيتون المعمرة؛ بل تحول إلى وكر محصن بأحدث منظومات الدفاع الذاتي والحراري، يقبع فيه الشبح الخامس لمجلس الأطياف؛ الماركيز "دون رافاييل دي كوردوبا"، الملقب بـ «العقرب الأسود»، الرجل الذي أدار لثلاثة عقود شبكات الاغتيال المأجور، ومستودعات السموم الكيميائية، وأجهزة التنصت عبر ضفتي المضيق والبحر المتوسط.

في غرفة حجرية معزولة داخل مزرعة جبلية مهجورة تشرف على الوادي السحيق المقابل للقصر، وقفت إلينا أمام طاولة خشبية عريضة، تراجع مسارات الحراسة عبر منظار كهروبصري متصل بالأقمار الصناعية. ارتدت بزة اقتحام سوداء ضيقة من نسيج "الكيفلار" المرن الممزوج بالحرير المعالج، تحدد تفاصيل قوامها الممشوق بفتنة عسكرية بالغة، بينما شدت خصرها بحزام جلدي عريض تتدلى منه خناجر فولاذية رفيعة وأمشاط ذخيرة خاصة لمسدسيها التكتيكيين. كان شعرها الليلي الداكن مسحوباً بإحكام في ضفيرة طويلة تتدلى على ظهرها لتكشف عن بياض عنقها العاجي، بينما لمعت عيناها الزمرديتان ببريق دهاء قاتل لا يرحم؛ لقد صهرت هذه المرأة فنون الحرب الأرستقراطية مع شراسة ساحات المعارك، حتى غدت شبحاً لا يمكن لأي حصن أن يمنعه من بلوغ هدفه.

اقترب طارق منها بخطوات هادئة واثقة لا تصدر صوتاً فوق الأرضية الحجرية المتهالكة؛ كان يرتدي زياً تكتيكياً أسود غير عاكس للضوء، مصفحاً بألواح التيتانيوم الخفيفة التي تحمي صدره العريض وكتفيه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على فخذه الأيمن. بدت ملامحه المنحوتة صارمة كصخر المنحدرات المحيطة بهما، وعيناه الصقريتان تفيضان بذلك الجبروت الصامت الذي تعمد بنيران العواصف والبحار.

توقف طارق خلف إلينا مباشرة، وأحاط خصرها بذراعيه القويتين، جاذباً إياها إليه برفق حازم حتى التصق ظهرها بصدره العريض، ومرر أنفاسه الدافئة قرب أذنها ليتنفس عطرها الذي اختلط برائحة البارود والنسيم الأندلسي العليل. التفتت إلينا برأسها قليلاً لتتلاقى شفتيها بوجنته الخشنة في قبلة دافئة خاطفة، وهمست بصوتها الرخيم الآسر: "الشبح الخامس ليس كمثل من سبقوه يا طارق... دون رافاييل هو مهندس السموم الأول ومؤسس كتيبة 'العقارب'؛ مقاتلوه لا يرتدون شارات عسكرية، بل يُحقنون بمركبات منشطة تمنعهم من الشعور بالألم أو الخوف، وقصره محاط بشبكة ألغام ترددية وطائرات مسيرة دقيقة ذات مجسات بيولوجية تكشف أي كائن حي يقترب من الأسوار."

أحكم طارق قبضته حول خصرها، ونزل بيده ليمسك برفق كفها الذي كان يتفقد فوهة السلاح، ونطق بصوت عميق ومبحوح ملأ عتمة الغرفة برجولة مهيبة: "مهما بلغت سموم العقارب يا إلينا، فهي لا تقتل الصخور... نحن كسرنا ترسانات البلطيق وحصون الجليد، وهذا الوادي لن يكون سوى المقبرة التي سندفن فيها أطيافهم واحداً بعد الآخر. لقد قطعنا أذرع المجلس المالية والدبلوماسية والعسكرية، ورافاييل هو العين التي تجمع لهم خيوط الظلال في هذا البحر؛ وحين نقتلع عينهم الليلة، سيتحول الاثنان الباقيان في القمة إلى فريسة سهلة لا تملك سوى الانتظار."

ابتسمت إلينا ابتسامة ساحرة تفيض بكبرياء باهر وثقة لا تتزعزع، والتفتت بكامل جسدها بين ذراعيه لتضع كفيها فوق صدره الصلب، ناظرة في عينيه بشغف طاغٍ: "وأنا لم أكن لأختار رفيقاً لحرق هذا العالم غيرك يا طارق... عمران تمركز على قمة الجرف الصخري ببندقية القنص الحرارية لتأمين الغطاء، وسفينتنا الشبحية ترابط في خليج قادس لقطع أي طريق هروب بحري. ساعة الحصاد دقت."

انحنى طارق وطبع قبلة حازمة وطويلة على شفتيها، امتزج فيها طعم الشغف الملحمي بالعهد الدموي المشترك، ثم انفصلا بمرونة متناهية، مستلين أسلحتهما الصامتة ليكونا جاهزين لاقتحام وكر العقارب.

انطلقا عبر ممرات الوادي الجاف كطيفين لا يتركان أثراً على الحصى والرمال، مستغلين ظلال أشجار الزيتون الكثيفة للتسلل نحو السور الخارجي للقصر. على بعد مائتي متر، كانت طائرتان مسيرتان تكتيكيتان بحجم طائر السنونو تجوبان سماء الحديقة الخارجية بمسح ليزري أرجواني.

أخرجت إلينا جهاز التشويش النبضي المصغر، وضغطت على زناد التردد الكهرومغناطيسي الموجه؛ في جزء من الثانية، تجمدت دارات التوجيه للطائرتين لتهويا في صمت تام بين الشجيرات دون أن تصدرا صوتاً يذكر. وفي اللحظة ذاتها، انطلق عيار قناصة صامت من قمة الجرف حيث يرابط عمران، ليستقر بدقة جراحية في رأس قناص كان يعتلي برج المراقبة القديم، مسقطاً إياه إلى الخلف فوق أرضية البرج الخشبية.

تسلق طارق السور الحجري العتيق بخفة وقوة خارقة مستخدماً خطافاً كربونياً رفيعاً، وسرعان ما جذب إلينا إلى جواره لتستقر على حافة السطح. هبطا بخفة نمر إلى باحة القصر الداخلية؛ فناء أندلسي ساحر تتوسطه نافورة رخامية تتدفق منها المياه برتابة، وتحيط به أقواس حدوة الحصان المنقوشة بآيات قديمة، لكن هذا الجمال التاريخي تلوث بوجود ثمانية من حراس النخبة المدججين ببنادق آلية وبزات سوداء، يقفون كالتماثيل في الظلال.

أعطى طارق الإشارة بحركة سريعة من يده؛ تحرك الاثنان بتناغم قتالي مميت فاق سرعة الإدراك البشري.

اندفع طارق كالبرق نحو الحارسين الأقرب، وباغت الأول بضربة كوع ساحقة هشمت فكه وقفصه الصدري في آنٍ واحد، ثم استدار ليلتقط رأس الثاني بين يديه الفولاذيتين ويلوي عنقه بصرير مكتوم كتم أنفاسه إلى الأبد. في الوقت ذاته، انزلقت إلينا بانسيابية مذهلة تحت نيران رشاش حاول حارس ثالث توجيهه نحوها؛ استلت مسدسيها المزدوجين وأفرغت رصاصتين صامتتين استقرتا في تجويفي عيني الحارسين الرابع والخامس، ثم وثبت بمرونة بهلوانية فوق كتفي الحارس السادس وغرست خنجرها السيراميكي في شريانه التاجي، ساحبة جسده إلى الأرض قبل أن يلامس سلاحه الرخام.

أفرغ طارق خزينته الصامتة في صدور الحارسين الأخيرين، ليسود الفناء سكون مطبق لم يقطعه سوى خرير مياه النافورة الممزوجة برذاذ الدماء المتطايرة.

تقدما بخطى ملكية حاسمة نحو الأبواب الخشبية الضخمة لقاعة العرش الأندلسية، حيث كان الماركيز دون رافاييل دي كوردوبا يتحصن في الداخل. ركل طارق الباب بقدمه العسكرية ركلة هادرة حطمت مزلاجه البرونزي، ليقتحما القاعة المضاءة بالشموع المعطرة وأجهزة الحاسوب الكمومية.

في صدر القاعة، خلف طاولة من خشب الجوز المرصع بالعاج، جلس الماركيز دون رافاييل—«العقرب الأسود»؛ رجل في أواخر الخمسينيات، ذو بشرة سمراء أندلسية وشعر فضي قصير، يرتدي بزة مخملية إسبانية تقليدية وشالاً من الحرير، وتتدلى من أصابعه خواتم مرصعة بأحجار العقيق الأسود. كان يمسك بيده كأساً من النبيذ المعتق، وفي يده الأخرى صاعق تفجير تكتيكي متصل بأنابيب غاز السارين المثبتة في أرجاء القصر.

ابتسم رافاييل ابتسامة باهتة تفيض بخبث واحتضار، وقال بصوت رخيم أجش: "طارق... وإلينا فالدير. كنت أعلم أن السموم التي أرسلتها لم توقفكم... وأن مجلس الأطياف كان غبياً حين اعتقد أن الأموال والدبلوماسية ستحمي رقابه من سيفكم. لكنكم ارتكبتم خطأكم الأخير بالمجيء إلى روندا؛ ضغطة واحدة مني وستمتلئ هذه القاعة بغاز يشل أعصابكم في ثانيتين!"

لم يطرف جفن طارق، ولم يتراجع خطوة واحدة؛ بل تقدم ببرود صخري مرعب جعل يد رافاييل ترتجف فوق الصاعق: "أنت لن تضغط على شيء يا رافاييل... لأن عمران قطع خطوط الإمداد عن صمامات غازك من السطح قبل خمس دقائق."

شحب وجه الماركيز شحوب الموتى، وفي تلك الثانية من الذهول والتردد، تحركت إلينا كالسهم؛ قذفت خنجرها السيراميكي بدقة خارقة ليخترق كف رافاييل ويسمر يده مع الصاعق فوق سطح الطاولة الخشبية برنين حاد مصحوب بصرخة ألم مروعة.

اندفع طارق كالصاعقة، وقبض بيده الحديدية على عنق الماركيز، رافعاً إياه عن مقعده حتى تدلت قدماه في الهواء، ونطق بصوت جهوري مزلزل اهتزت له جدران القصر: "أين يجلس الشبحان الأخيران لمجلس الأطياف؟ انطق قبل أن أسحق حنجرتك بيدي هاتين!"

اختنق صوت رافاييل وبصق دماً، هامساً برعب من رأى الموت يتجسد أمامه: "الإمبراطور... 'أوريون'... و'المهندس'... إنهما لا يجلسان في قصر أو قلعة... بل في 'محطة الهيمنة المدارية'... المحطة البحرية العائمة في قلب مضيق بيرنغ المتجمد... هناك يديران الضربة الفضائية النووية التي ستمحو كل شيء... لن تستطيعوا بلوغهم أبداً!"

التفت طارق نحو إلينا، التي سحبت فوراً وحدة التخزين الرقمية التكتيكية من حاسوب رافاييل، وقالت بعد فحص سريع للشاشات: "الإحداثيات حقيقية وشفرات الدخول مؤكدة يا طارق... المحطة المدارية هي رأس الأفعى الأخير."

نظر طارق إلى رافاييل بنظرة صقرية خالية من أي شفقة: "شكراً على المعلومات يا عقرب... لكن لدغتك لم تعد تجدي نفعاً."

لوا طارق عنق الماركيز بحركة خاطفة وسريعة هشمت فقراته، ليسقط الشبح الخامس جثة هامدة فوق خريطة صفقاته المدممة، معلناً سقوط آخر أطياف القارة الأوروبية وتطهير الأندلس من شرورهم.

مسح طارق يديه، ثم أحاط خصر إلينا بذراعه الفولاذية، جاذباً إياها إلى صدره في عناق طويل وسط ألسنة اللهب التي بدأت تلتهم ستائر القاعة بعد أن أشعل عمران عبوات التفجير في الأركان. تلاقت أعينهما في شعلة من النصر المطلق، وطبع طارق قبلة عميقة وحارقة على شفتيها بين دخان الحريق.

خرجا معاً بخطوات ملكية نحو شرفة القصر المعلقة فوق الهاوية، ليركبا مروحية الإخلاء التي حطت فوق الجرف، بينما كان القصر في الأسفل يتحول إلى كتلة من الرماد المتوهج وسط ظلمات روندا.

نظرت إلينا إلى طارق، واشتعلت في عينيها الزمرديتين نظرة التحدي النهائي: "لم يتبقَ سوى اثنين يا طارق... في أقصى صقيع الشمال."

أحكم طارق قبضته على يدها، ونظر نحو سماء الليل، قائلاً بصوت جهوري واثق: "وهناك في صقيع بيرنغ... سنكتب النهاية المطلقة لمجلس الأطياف، ونجعل رماد السطوة يحكم العالم إلى أبد الآبدين."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رماد السطوة   الفصل (52): عاصفة مضيق بيرنغ

    تلاطمت كتل الجليد الأزرق الطافية في مياه مضيق "بيرنغ" كدروع تكتونية عملاقة تتكسر بصرير يصم الآذان، تحت وطأة عاصفة قطبية هوجاء انحدرت من الدائرة القطبية الشمالية لتمزق صفحة البحر الأسود برياح عاتية تخطت سرعتها ستين عقدة. في هذا الجحيم الأبيض المتجمد، حيث يمتزج رذاذ الملح بحبات البرد القاطعة في ظلام دامس لا ينكسر إلا بشفق قطبي باهت بلون الزمرد القاتم يلوح في أقصى السماء، انتصبت محطة «الهيمنة المدارية»؛ قلعة بحرية عائمة شُيدت فوق أربع ركائز تيتانيوم عملاقة تخترق أعماق المحيط المتجمد، تبدو كوحش خرساني وأخطبوط فولاذي تتفرع منه منصات إطلاق الصواريخ وهوائيات الاتصال بالأقمار الصناعية العسكرية. لم تكن المحطة مجرد مصفاة أو منشأة بحرية معزولة عن خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المركز التكنولوجي الأعلى لمجلس الأطياف، والمعقل المحصن الذي يقبع فيه الشبح السادس: البروفيسور "فيكتور شتاينر"، الملقب بـ «المهندس»، العقل الرقمي الفذ الذي صاغ منظومات التحكم الذاتي، والأقمار التجسسية الكهرومغناطيسية، والشبكات السيبرانية التي خنقت الموانئ لعقود.في بطن الغواصة التكتيكية كاسحة الجليد «الظل القطبي»، الت

  • رماد السطوة   الفصل (51): وكر العقارب في الأندلس

    انسدلت عتمة الليل الأندلسي فوق منحدرات "روندا" الشاهقة كغطاء مخملي داكن، حيث تنفصل المدينة القديمة عن هضابها بجرف صخري سحيق تهوي في قاعه مياه نهر "غواداليفين" في هدير مكتوم ومخيف. كانت الرياح الدافئة القادمة من مضيق جبل طارق تجوب شرفات القصور الإسبانية العتيقة، محملة بعبير أزهار البرتقال المر وأريج الياسمين الجبلي وتراب الوديان الجافة، لتلف قصر "إل ألكازار دي لوس إسكوربيونيس" بغلالة من السكون الخادع. لم يكن هذا القصر الأثري المشيد في عهد ملوك الطوائف مجرد تحفة معمارية تتوارى خلف بساتين الزيتون المعمرة؛ بل تحول إلى وكر محصن بأحدث منظومات الدفاع الذاتي والحراري، يقبع فيه الشبح الخامس لمجلس الأطياف؛ الماركيز "دون رافاييل دي كوردوبا"، الملقب بـ «العقرب الأسود»، الرجل الذي أدار لثلاثة عقود شبكات الاغتيال المأجور، ومستودعات السموم الكيميائية، وأجهزة التنصت عبر ضفتي المضيق والبحر المتوسط.في غرفة حجرية معزولة داخل مزرعة جبلية مهجورة تشرف على الوادي السحيق المقابل للقصر، وقفت إلينا أمام طاولة خشبية عريضة، تراجع مسارات الحراسة عبر منظار كهروبصري متصل بالأقمار الصناعية. ارتدت بزة اقتحام س

  • رماد السطوة   الفصل (50): قناع الدبلوماسية المسموم

    تسللت خيوط الضباب الرمادي الكثيف فوق سطح بحيرة "ليمان" الهادئة في جنيف، لتلف نافورة المدينة الشهيرة وأعمدة القصور الكلاسيكية بغلالة من الغموض والبرود الأرستقراطي. كانت العاصمة الدبلوماسية للعالم تبدو في ظلال ذلك المساء الخريفي غارقة في هدوء مخادع، تصطف على جنبات أحيائها الراقية في ضاحية "كولوني" سفارات الدول العظمى ومقار المنظمات الدولية التي تُحاك في صالوناتها المغلقة معاهدات السلم وتُمرر صفقات الحروب القذرة تحت غطاء الحصانات الدبلوماسية والمواثيق المذهبة. لم تكن هذه المدينة غريبة على طارق وإلينا؛ ففي أروقتها ومصارفها دارت فصول من صراعات الجزء الأول، لكن عودتهما الليلة لم تكن تهدف إلى التفاوض مع أصحاب البدلات الرسمية، بل لاقتلاع الشبح الرابع لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي ظن أن الأختام السيادية والمقاعد الأممية ستكون حصناً أمنع من ترسانات البلطيق وحصون الكاربات الذرية.في الجناح العلوي لفيلا خاصة تطل على مياه البحيرة المعتمة، وقفت إلينا أمام المرآة الجدارية الكبرى، مرتدية فستان سهرة طويل من المخمل الأسود القاتم بياقة دائرية محتشمة تعانق عنقها العاجي، بينما تميز تصميمه بشقين خلفيين م

  • رماد السطوة   الفصل (49): شبح السلاح في موانئ البلطيق

    تكسرت كتل الجليد الطافية على سطح مياه بحر البلطيق بصرير حاد وموحش، تحت وطأة الأمواج الرمادية الغاضبة التي كانت تلطم أرصفة الترسانة البحرية المغلقة في خليج "ريغا". في تلك الأصقاع الشمالية النائية، حيث تبتلع سحب الدخان الصناعي رصاصية الأفق وتتجمد قطرات الملح فوق الروافع الفولاذية العملاقة، كانت ترسانة «كرونشتات-4» تبدو كحصن معدني نبت في قلب العدم؛ مجمع عسكري ضخم شُيّد في الحقبة السوفيتية المتأخرة تحت ستار مصانع تكرير النفط، قبل أن يستحوذ عليه مجلس الأطياف ليحوله إلى قاعدة سرية لتصنيع الغواصات الآلية والطوربيدات الذاتية الموجهة بالذكاء الاصطناعي. عوت الرياح القطبية بين المستودعات العملاقة والمداخن المهجورة، حاملة نثاراً ثلجياً لاذعاً غلّف الأرصفة بطبقة زلقة من الصقيع، بينما كانت كاميرات المراقبة الحرارية وأبراج الرشاشات الآلية تجوب محيط الميناء برتابة ميكانيكية لا تغفل عن شاردة أو واردة.في جوف مقصورة الرصد للغواصة التكتيكية «العاصفة 2»، التي ربضت في قاع الخليج المتجمد على بعد نصف ميل بحري من الترسانة، كانت الشاشات الخضراء تعكس التضاريس ثلاثية الأبعاد للمنشأة البحرية. وقف طارق متكئ

  • رماد السطوة   الفصل (48): مزاد الظلال في كومو

    تهادت مياه بحيرة "كومو" الهادئة تحت سماء ليلية صافية رصعتها النجوم كحبات من الماس المنثور، لتتحول صفحة البحيرة الإيطالية الشهيرة إلى مرآة داكنة تعكس الأضواء الكهرمانية الساحرة المنبعثة من قصر «فيلا دي إستي». كان القصر التاريخي، بأعمدته الكلاسيكية وحدائقه المتدرجة التي تعود إلى عصر النهضة، يشع بفخامة أرستقراطية باذخة امتزج فيها عبق أشجار السرو العتيقة والغردينيا برائحة رذاذ الماء البارد. لم تكن الليلة ليلة عادية في شبه الجزيرة؛ فعلى طول الرصيف الرخامي الممتد داخل مياه البحيرة، اصطفت يخوت سريعة من طراز "ريفا" الخشبي المصقول وسيارات ليموزين مصفحة لا تحمل لوحاتها أي أرقام رسمية، لتنزل نخبة مجتمع الظل الدولي؛ سماسرة الحروب، وحيتان المصارف السرية، ووجوه دبلوماسية اعتادت عقد صفقات الموت خلف ستار الحفلات الخيرية والمزادات الفنية الراقية.انزلق زورق خشبي أسود عتيق بمحرك صامت نحو الرصيف الخاص، ليرسو بخفة متناهية دون أن يحدث تموجاً يُذكر. ترجل طارق أولاً بخطوات ثابتة تنضح بهيبة طاغية؛ كان يرتدي بدلة سهرة رسمية (Smoking) من المخمل الأسود القاتم صُممت خصيصاً على يد أمهر خياطي ميلانو، بح

  • رماد السطوة   الفصل (47): شبكة العناكب الذهبية

    شقت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» عباب السماء الغائمة فوق وسط القارة الأوروبية، محلقة على ارتفاع أربعين ألف قدم في هدوء شبحي لا يخرقه سوى أزيز محركاتها التوربينية المعزولة. في الأسفل، كانت أضواء المدن والعواصم الغارقة في نومها تبدو كبقع ضوئية باهتة تتناثر وسط سواد الأرض الشاسع، غافلة عن العاصفة الصامتة التي اجتاحت جبال الكاربات قبل ساعات، ومحو الحصن الذري للبارون دراكوف من الوجود. تحول بطن الطائرة الخاص إلى واحة من الفخامة العسكرية المعتمة؛ جدران مكسوة بألياف الكربون المصقول وجلد الغزال الأسود، ومقاعد وثيرية قابلة للتعديل تحيط بطاولة تفاعلية بلورية، بينما اختلطت في أرجاء المقصورة رائحة التبغ المعتق بخشب الأرز وعطر إلينا الساحر، طاردة آخر ذرات البارود والثلج التي علقت بملابسهما.في الجناح الخلفي المعزول للمقصورة، جلس طارق عاري الصدر فوق أريكة جلدية عريضة، بينما كانت إلينا تقف أمامه برداء حريري أسود قصير ومفتوح الياقة، تمسك بيدها قطنة طبية مبللة بمحلول مطهر ومشرطاً جراحياً دقيقاً. كانت ملامحه المنحوتة تفيض بهدوء صخري مهيب وهو يراقب أصابعها الرقيقة تتنقل بمهارة متناهية فوق

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status