Início / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (52): عاصفة مضيق بيرنغ

Compartilhar

الفصل (52): عاصفة مضيق بيرنغ

last update Data de publicação: 2026-09-22 20:00:55

تلاطمت كتل الجليد الأزرق الطافية في مياه مضيق "بيرنغ" كدروع تكتونية عملاقة تتكسر بصرير يصم الآذان، تحت وطأة عاصفة قطبية هوجاء انحدرت من الدائرة القطبية الشمالية لتمزق صفحة البحر الأسود برياح عاتية تخطت سرعتها ستين عقدة. في هذا الجحيم الأبيض المتجمد، حيث يمتزج رذاذ الملح بحبات البرد القاطعة في ظلام دامس لا ينكسر إلا بشفق قطبي باهت بلون الزمرد القاتم يلوح في أقصى السماء، انتصبت محطة «الهيمنة المدارية»؛ قلعة بحرية عائمة شُيدت فوق أربع ركائز تيتانيوم عملاقة تخترق أعماق المحيط المتجمد، تبدو كوحش خرساني وأخطبوط فولاذي تتفرع منه منصات إطلاق الصواريخ وهوائيات الاتصال بالأقمار الصناعية العسكرية. لم تكن المحطة مجرد مصفاة أو منشأة بحرية معزولة عن خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المركز التكنولوجي الأعلى لمجلس الأطياف، والمعقل المحصن الذي يقبع فيه الشبح السادس: البروفيسور "فيكتور شتاينر"، الملقب بـ «المهندس»، العقل الرقمي الفذ الذي صاغ منظومات التحكم الذاتي، والأقمار التجسسية الكهرومغناطيسية، والشبكات السيبرانية التي خنقت الموانئ لعقود.

في بطن الغواصة التكتيكية كاسحة الجليد «الظل القطبي»، التي كانت تطفو ببطء شديد تحت درع الجليد على بعد مائتي متر من الأعمدة الجنوبية للمحطة، ساد سكون ثقيل مشحون برائحة الأوزون وغاز الأكسجين المعاد تدويره. في قمرة التجهيز التكتيكي، وقف طارق أمام منصة الأسلحة كتمثال منحوت من الفولاذ؛ ارتدى بزة اقتحام قطبية سوداء مصفحة بألياف البوليمر المعززة بطبقات التيتانيوم المانعة لتسرب الحرارة والحراب الجليدية، تعلوها سترة تكتيكية مشدودة بأحزمة هجومية تحمل مخازن ذخيرة خارقة للدروع وقنابل نبضية مضادة للمنظومات الذاتية. استقر خنجره الدمشقي العتيق على فخذه الأيمن، بينما ثبت بندقيته الهجومية المدمجة ذات العيار الثقيل والمزودة بمنظار حراري متعدد الأطياف. كانت عيناه الصقريتان تفيضان ببرود مميت يفوق صقيع المحيط المحيط بهما؛ لم يكن في ملامحه المنحوتة مكان للخوف أو التردد، بل رغبة كاسرة في سحق هذا العقل الشيطاني الذي ظن أن الشاشات والخوارزميات تمنحه سلطاناً يعلو فوق بنادق الرجال.

اقتربت إلينا بخطوات وئيدة واثقة، متهادية برشاقتها الآسرة وسط صرير صفائح الغواصة؛ ارتدت بزة قتالية قطبية مطابقة سوداء تلتف حول قوامها الممشوق بفتنة قاتلة، مشدودة عند الخصر بحزام جلدي عريض يستقر فيه مسدساها المزدوجان المصممان للرماية تحت درجات الصفر المطلق، بينما انحدرت جديلتها الليلية الطويلة لتكشف عن بياض عنقها العاجي وشحوب بشرتها المضيئة. توقفت أمامه مباشرة، ممسكة بجهاز فك الشفرات الكمومي المحمول، ورفعت عينيها الزمرديتان لتلتقيا بعينيه الصقريتين في صمت مشحون بحرارة الشغف والعهد المطلق؛ سرت بينهما قشعريرة دافئة أذابت برودة المقصورة.

مد طارق يديه القويتين المغطاة بقفازات تكتيكية، وأمسك بوجهها برفق حازم، ممرراً إبهامه فوق شفتيها المعطرتين بالمسك والنسيم البارد، وتحدث بصوت عميق ومبحوح يفيض برجولة حانية وسلطة مطلقة: "وصلنا إلى حافة العالم يا إلينا... هنا تنتهي الحسابات وتبدأ النهاية الحقيقية للمجلس. شتاينر يحيط نفسه بأنظمة دفاع ذاتية وروبوتات قتالية لا تملك قلوباً ولا تتردد في الضغط على الزناد. لا أريدكِ أن تبتعدي عن مجال تغطيتي داخل المنصة."

ابتسمت إلينا ابتسامة ساحرة تفيض بدهاء مميت وكبرياء أرستقراطي باهر، ووضعت كفيها الرقيقين فوق صدره المدرع، متلمسة صلابة نبضاته الهادئة: "أنا التي برمجت أولى شفرات الدفاع التي سرقها شتاينر حين كان يعمل في معامل عائلتي يا طارق... هو يظن أن ذكاءه الاصطناعي لا يخطئ، ونسي أن العقل البشري المصقول بالنار والرغبة بالثأر يتفوق على ملايين السطور البرمجية. لقد عطلت كاميرات المسح الحراري لفتحة التصريف الشمالية لمدة ثلاث دقائق... عمران جاهز لتأمين انسحابنا، وهذه المحطة ستكون مقبرة أوهامه الرقمية."

انحنى طارق نحوها وطبع قبلة عميقة وحازمة على شفتيها، امتزج فيها طعم الملح برحيق النصر والارتباط الأبدي الذي لا ينفصم، ثم سحب قناع الرؤية الحرارية التكتيكي وثبته على وجهه، هامساً: "دعينا نطفئ شاشاته إلى الأبد."

انطلقا عبر فتحة الغطس السريع للغواصة، ليخترقا مياه مضيق بيرنغ المتجمدة كشبحين بحريين مدفوعين بمحركات دفع مائية دقيقة وموجهة. شقا طريقهما بين كتل الجليد المغمورة حتى وصلا إلى إحدى الركائز الفولاذية للمحطة، حيث تسلقا السلالم الهيدروليكية المحمية بالدروع البلاستيكية بخفة متناهية. وصلا إلى فتحة التصريف الهوائي للمستوى السفلي، وبضربة ليزرية صامتة من جهاز إلينا، قُطعت المزاليج المعدنية لينسل الاثنان إلى داخل المحطة في صمت مطبق.

كانت المحطة من الداخل أشبه بمدينة مستقبلية معقمة؛ ممرات شاسعة ذات أرضيات بيضاء عاكسة وأسقف تتدلى منها كابلات الألياف الضوئية المبردة بالنيتروجين السائل، تملأها أصوات طنين الخوادم العملاقة وصفير مضخات الضغط العالي. فجأة، انشقت الأبواب الهيدروليكية عن أربعة روبوتات قتالية رباعية الأرجل مسلحة بمدافع رشاشة ميكروية، تتقدم بتناسق ميكانيكي سريع لرصد أي اختراق.

تحرك طارق كالصاعقة؛ قفز إلى الأمام وألقى بقنبلة نبض كهرومغناطيسي (EMP) مصغرة تدحرجت تحت أرجل الروبوتين الأولين لتنفجر بوميض أزرق صامت عطل داراتهما المنطقية على الفور، ثم اندفع طارق نحو الروبوت الثالث ووجه ضربة ساحقة بكعب بندقيته حطمت وحدة الاستشعار البصري في رأسه، متبعاً إياها بدفعة نارية ثقيلة مزقت مفاصله الهيدروليكية وأسقطته كتلة من الخردة الملتوية. في اللحظة ذاتها، انزلقت إلينا بخفة نمر تحت مدفع الروبوت الرابع، وغرزت سلك تفريغ مشحوناً في مأخذ الصيانة الخلفي للآلة، لتشتعل داراتها الداخلية بشرارات نارية متطايرة قبل أن تتهاوى صريعة.

"المستوى السفلي مطهر..." همست إلينا وهي تستعيد توازنها وتفرغ خزينتها الفارغة لتلقم جديدة بمهارة استثنائية.

صعدا الدرج المصفح نحو القبة الكروية المركزية؛ قاعة القيادة العليا التي تطل بنوافذ بانورامية مصفحة على بحر بيرنغ الهادر والعاصفة الثلجية في الخارج. ركل طارق الباب التيتانيومي ركلة حطمت أقفاله المشفرة، ليقتحما القاعة التي تطفو في مركزها مجسمات هولوغرافية ثلاثية الأبعاد تدور فيها مسارات الصواريخ المدارية والأقمار التجسسية.

في صدر القاعة، أمام شاشة بانورامية عملاقة تعرض بثاً حياً للكرة الأرضية، وقف البروفيسور فيكتور شتاينر—«المهندس»؛ رجل في منتصف الخمسينيات بنية نحيلة، يرتدي بزة تقنية سوداء وأجهزة استشعار حيوية موصولة بساعده، يعلو وجهه الشاحب نظارات دائرية رفيعة وشعر رمادي أشعث، وتلمع في عينيه نظرة جنون علمي متغطرس.

لم يبدُ على شتاينر الذعر، بل ابتسم ابتسامة باهتة باردة وهو يمسك بجهاز تفعيل الإطلاق المداري: "طارق... وإلينا فالدير. كم هذا مثير للشفقة؛ تظنان أن العضلات والرصاص تستطيع هزيمة نظام تم تصميمه بالمعادلات الرياضية المطلقة. لقد تأخرتما... تسلسل الإطلاق لمنظومة 'رماح السماء' بدأ؛ خلال أربع دقائق، ستطلق أقمارنا صواريخ التنجستن الحركية لتسحق كل موانئكم ومقاركم وقصركم في الريفيرا، وتحيل إمبراطوريتكم إلى ركام محترق!"

تقدم طارق بخطوات ثقيلة يتردد صداها المرعب فوق الأرضية المصقولة، ملقياً بظله العملاق فوق شتاينر، وصوته الجهوري المزلزل يقطع سكون القاعة: "المعادلات التي كتبتها نسيت رقماً واحداً يا شتاينر... وهو أن الرماد لا يحترق مرتين."

وقبل أن يضغط شتاينر زر التفعيل، تحركت إلينا بسرعة البرق؛ قذفت خنجرها السيراميكي بدقة خارقة ليخترق معصم المهندس، مثبتاً يده بالجهاز فوق المنصة المعدنية، ليطلق شتاينر صرخة ألم مدوية وهو يتلوى دماً.

اندفع طارق وأمسك برأس شتاينر بيده الفولاذية، ضاغطاً على فكه حتى كادت عظامه تتفتت، ونطق بصوت قاطع كالسيف: "أدخل شفرة الإلغاء الفوري... وانطق باسم الشبح الأخير ومكانه قبل أن أفصل رأسك عن جسدك!"

تلاقت أعين شتاينر المرتعبة بعيني إلينا الزمرديتين التي تقطران بروداً، فأدرك أن نهايته حتمية؛ وضع إصبعه المرتجف فوق الماسح البيومتري وهو يلهث دماً: "الشفرة... ألغيت... لكنكم لن تنتصروا... 'أوريون'... الإمبراطور... ليس هنا... إنه في جنيف... في القصر الدبلوماسي الأعلى... ينتظر سقوطكم... هو من صنعنا جميعاً!"

انطلقت نغمة التأكيد على الشاشات: «تم إلغاء تسلسل الإطلاق المداري... تعطيل منظومة رماح السماء بالكامل».

التفت طارق نحو إلينا، التي نقرت بمهارة على لوحة التحكم المركزية وسحبت القرص الكمومي الحامل لكافة أسرار وهوية "أوريون"، وقالت بصوت رخيم حاسم: "سقط المهندس... وحان وقت إغلاق هذا الحساب."

استل طارق خنجره الدمشقي من خاصرته، وبحركة خاطفة حاسمة، مرر نصله على عنق شتاينر ليقطع أنفاسه، ويسقط الشبح السادس صريعاً فوق أجهزته المعطلة، معلناً تفكيك الترسانة التكنولوجية الأخطر لمجلس الأطياف.

زرع طارق شحنات التفجير التيرميتية في قلب خوادم المحطة، ثم أحاط خصر إلينا بذراعه القوية وجذبها إليه بقوة ساحقة ليضمها إلى صدره، مقبلاً إياها قبلة نارية عميقة وسط تطاير الشرر والدخان، قائلاً بصوت اهتزت له القبة: "لم يتبقَ سوى رأس الأفعى الأخير يا إلينا... أوريون في جنيف ينتظرنا، وهناك سنسدل الستار."

خرجا إلى منصة الهبوط الخارجية وركبا مروحية الإسناد السريع التي قادها عمران وسط العاصفة الثلجية، وخلفهما دوى انفجار هائل مزق محطة الهيمنة المدارية وحولها إلى كتلة لهب هوت في أعماق مضيق بيرنغ المتجمد، معلنة زحف «رماد السطوة» نحو المعركة النهائية ضد الشبح الأخير.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • رماد السطوة   الفصل (52): عاصفة مضيق بيرنغ

    تلاطمت كتل الجليد الأزرق الطافية في مياه مضيق "بيرنغ" كدروع تكتونية عملاقة تتكسر بصرير يصم الآذان، تحت وطأة عاصفة قطبية هوجاء انحدرت من الدائرة القطبية الشمالية لتمزق صفحة البحر الأسود برياح عاتية تخطت سرعتها ستين عقدة. في هذا الجحيم الأبيض المتجمد، حيث يمتزج رذاذ الملح بحبات البرد القاطعة في ظلام دامس لا ينكسر إلا بشفق قطبي باهت بلون الزمرد القاتم يلوح في أقصى السماء، انتصبت محطة «الهيمنة المدارية»؛ قلعة بحرية عائمة شُيدت فوق أربع ركائز تيتانيوم عملاقة تخترق أعماق المحيط المتجمد، تبدو كوحش خرساني وأخطبوط فولاذي تتفرع منه منصات إطلاق الصواريخ وهوائيات الاتصال بالأقمار الصناعية العسكرية. لم تكن المحطة مجرد مصفاة أو منشأة بحرية معزولة عن خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المركز التكنولوجي الأعلى لمجلس الأطياف، والمعقل المحصن الذي يقبع فيه الشبح السادس: البروفيسور "فيكتور شتاينر"، الملقب بـ «المهندس»، العقل الرقمي الفذ الذي صاغ منظومات التحكم الذاتي، والأقمار التجسسية الكهرومغناطيسية، والشبكات السيبرانية التي خنقت الموانئ لعقود.في بطن الغواصة التكتيكية كاسحة الجليد «الظل القطبي»، الت

  • رماد السطوة   الفصل (51): وكر العقارب في الأندلس

    انسدلت عتمة الليل الأندلسي فوق منحدرات "روندا" الشاهقة كغطاء مخملي داكن، حيث تنفصل المدينة القديمة عن هضابها بجرف صخري سحيق تهوي في قاعه مياه نهر "غواداليفين" في هدير مكتوم ومخيف. كانت الرياح الدافئة القادمة من مضيق جبل طارق تجوب شرفات القصور الإسبانية العتيقة، محملة بعبير أزهار البرتقال المر وأريج الياسمين الجبلي وتراب الوديان الجافة، لتلف قصر "إل ألكازار دي لوس إسكوربيونيس" بغلالة من السكون الخادع. لم يكن هذا القصر الأثري المشيد في عهد ملوك الطوائف مجرد تحفة معمارية تتوارى خلف بساتين الزيتون المعمرة؛ بل تحول إلى وكر محصن بأحدث منظومات الدفاع الذاتي والحراري، يقبع فيه الشبح الخامس لمجلس الأطياف؛ الماركيز "دون رافاييل دي كوردوبا"، الملقب بـ «العقرب الأسود»، الرجل الذي أدار لثلاثة عقود شبكات الاغتيال المأجور، ومستودعات السموم الكيميائية، وأجهزة التنصت عبر ضفتي المضيق والبحر المتوسط.في غرفة حجرية معزولة داخل مزرعة جبلية مهجورة تشرف على الوادي السحيق المقابل للقصر، وقفت إلينا أمام طاولة خشبية عريضة، تراجع مسارات الحراسة عبر منظار كهروبصري متصل بالأقمار الصناعية. ارتدت بزة اقتحام س

  • رماد السطوة   الفصل (50): قناع الدبلوماسية المسموم

    تسللت خيوط الضباب الرمادي الكثيف فوق سطح بحيرة "ليمان" الهادئة في جنيف، لتلف نافورة المدينة الشهيرة وأعمدة القصور الكلاسيكية بغلالة من الغموض والبرود الأرستقراطي. كانت العاصمة الدبلوماسية للعالم تبدو في ظلال ذلك المساء الخريفي غارقة في هدوء مخادع، تصطف على جنبات أحيائها الراقية في ضاحية "كولوني" سفارات الدول العظمى ومقار المنظمات الدولية التي تُحاك في صالوناتها المغلقة معاهدات السلم وتُمرر صفقات الحروب القذرة تحت غطاء الحصانات الدبلوماسية والمواثيق المذهبة. لم تكن هذه المدينة غريبة على طارق وإلينا؛ ففي أروقتها ومصارفها دارت فصول من صراعات الجزء الأول، لكن عودتهما الليلة لم تكن تهدف إلى التفاوض مع أصحاب البدلات الرسمية، بل لاقتلاع الشبح الرابع لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي ظن أن الأختام السيادية والمقاعد الأممية ستكون حصناً أمنع من ترسانات البلطيق وحصون الكاربات الذرية.في الجناح العلوي لفيلا خاصة تطل على مياه البحيرة المعتمة، وقفت إلينا أمام المرآة الجدارية الكبرى، مرتدية فستان سهرة طويل من المخمل الأسود القاتم بياقة دائرية محتشمة تعانق عنقها العاجي، بينما تميز تصميمه بشقين خلفيين م

  • رماد السطوة   الفصل (49): شبح السلاح في موانئ البلطيق

    تكسرت كتل الجليد الطافية على سطح مياه بحر البلطيق بصرير حاد وموحش، تحت وطأة الأمواج الرمادية الغاضبة التي كانت تلطم أرصفة الترسانة البحرية المغلقة في خليج "ريغا". في تلك الأصقاع الشمالية النائية، حيث تبتلع سحب الدخان الصناعي رصاصية الأفق وتتجمد قطرات الملح فوق الروافع الفولاذية العملاقة، كانت ترسانة «كرونشتات-4» تبدو كحصن معدني نبت في قلب العدم؛ مجمع عسكري ضخم شُيّد في الحقبة السوفيتية المتأخرة تحت ستار مصانع تكرير النفط، قبل أن يستحوذ عليه مجلس الأطياف ليحوله إلى قاعدة سرية لتصنيع الغواصات الآلية والطوربيدات الذاتية الموجهة بالذكاء الاصطناعي. عوت الرياح القطبية بين المستودعات العملاقة والمداخن المهجورة، حاملة نثاراً ثلجياً لاذعاً غلّف الأرصفة بطبقة زلقة من الصقيع، بينما كانت كاميرات المراقبة الحرارية وأبراج الرشاشات الآلية تجوب محيط الميناء برتابة ميكانيكية لا تغفل عن شاردة أو واردة.في جوف مقصورة الرصد للغواصة التكتيكية «العاصفة 2»، التي ربضت في قاع الخليج المتجمد على بعد نصف ميل بحري من الترسانة، كانت الشاشات الخضراء تعكس التضاريس ثلاثية الأبعاد للمنشأة البحرية. وقف طارق متكئ

  • رماد السطوة   الفصل (48): مزاد الظلال في كومو

    تهادت مياه بحيرة "كومو" الهادئة تحت سماء ليلية صافية رصعتها النجوم كحبات من الماس المنثور، لتتحول صفحة البحيرة الإيطالية الشهيرة إلى مرآة داكنة تعكس الأضواء الكهرمانية الساحرة المنبعثة من قصر «فيلا دي إستي». كان القصر التاريخي، بأعمدته الكلاسيكية وحدائقه المتدرجة التي تعود إلى عصر النهضة، يشع بفخامة أرستقراطية باذخة امتزج فيها عبق أشجار السرو العتيقة والغردينيا برائحة رذاذ الماء البارد. لم تكن الليلة ليلة عادية في شبه الجزيرة؛ فعلى طول الرصيف الرخامي الممتد داخل مياه البحيرة، اصطفت يخوت سريعة من طراز "ريفا" الخشبي المصقول وسيارات ليموزين مصفحة لا تحمل لوحاتها أي أرقام رسمية، لتنزل نخبة مجتمع الظل الدولي؛ سماسرة الحروب، وحيتان المصارف السرية، ووجوه دبلوماسية اعتادت عقد صفقات الموت خلف ستار الحفلات الخيرية والمزادات الفنية الراقية.انزلق زورق خشبي أسود عتيق بمحرك صامت نحو الرصيف الخاص، ليرسو بخفة متناهية دون أن يحدث تموجاً يُذكر. ترجل طارق أولاً بخطوات ثابتة تنضح بهيبة طاغية؛ كان يرتدي بدلة سهرة رسمية (Smoking) من المخمل الأسود القاتم صُممت خصيصاً على يد أمهر خياطي ميلانو، بح

  • رماد السطوة   الفصل (47): شبكة العناكب الذهبية

    شقت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» عباب السماء الغائمة فوق وسط القارة الأوروبية، محلقة على ارتفاع أربعين ألف قدم في هدوء شبحي لا يخرقه سوى أزيز محركاتها التوربينية المعزولة. في الأسفل، كانت أضواء المدن والعواصم الغارقة في نومها تبدو كبقع ضوئية باهتة تتناثر وسط سواد الأرض الشاسع، غافلة عن العاصفة الصامتة التي اجتاحت جبال الكاربات قبل ساعات، ومحو الحصن الذري للبارون دراكوف من الوجود. تحول بطن الطائرة الخاص إلى واحة من الفخامة العسكرية المعتمة؛ جدران مكسوة بألياف الكربون المصقول وجلد الغزال الأسود، ومقاعد وثيرية قابلة للتعديل تحيط بطاولة تفاعلية بلورية، بينما اختلطت في أرجاء المقصورة رائحة التبغ المعتق بخشب الأرز وعطر إلينا الساحر، طاردة آخر ذرات البارود والثلج التي علقت بملابسهما.في الجناح الخلفي المعزول للمقصورة، جلس طارق عاري الصدر فوق أريكة جلدية عريضة، بينما كانت إلينا تقف أمامه برداء حريري أسود قصير ومفتوح الياقة، تمسك بيدها قطنة طبية مبللة بمحلول مطهر ومشرطاً جراحياً دقيقاً. كانت ملامحه المنحوتة تفيض بهدوء صخري مهيب وهو يراقب أصابعها الرقيقة تتنقل بمهارة متناهية فوق

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status