تسجيل الدخولانسحبت لمسته القاسية عن عنقها، غير أن أثر أصابعه المشتعلة ظل يحترق فوق بشرتها كعلامة تملك لا تمحى. ساد الجناح صمتٌ ثقيل، تتسارع فيه أنفاس سيلينا المرتجفة وهي تحاول استعادة شتات نفسها أمام سلطته المطلقة. سحبت الورقات المبعثرة بكفيها الخائفين، وأخذت تقلب المستندات ببطء شديد، تحاول إشغال حواسها عن هيئته الطاغية القابعة إلى جوارها. وفجأة، بين صفحات أحد الملفات التاريخية للبلدة، وقعت عيناها على كتالوج قديم يضم صوراً للمتاحف الأثرية والمعارض الفنية العتيقة. تصلبت أنامل سيلينا فوق الورقة، وتلاشت ملامح الخوف والعتاب عن وجهها في ثانية واحدة. غابت عيناها البنيتان في الذكرى، وانقادت روحها دون إدراك إلى أيام حرياتها المنسية؛ تذكرت شغفها القديم بالتجول بين المتاحف، ورائحة التاريخ العتيق، وشعور الانطلاق دون قيد أو حراس. وفي لحظة شاردة وغاية في العفوية، انفرجت شفتها المرتجفة عن ابتسامة دافئة، عذبة، وساحرة... ابتسامة صادقة نبعت من أعمق نقطة في قلبها المكسور، تضيء وجهها ببريق أمل نادراً ما عرفه هذا الجناح. كان كريس يراقبها بجمود، غير أن تلك الابتسامة المباغتة جعلته يتصلب في مكانه كالصخر. كانت الم
تلاشت كل مظاهر الهدوء الزائف في الجناح، واستحالت الأجواء إلى ساحة ملغومة على وشك الانفجار. كان صوت ارتطام القلم بالرخام يتردد كصداء شؤم يتناغم مع ضربات قلب سيلينا المتسارعة، بينما تحولت نظرات كريس إلى شفرات حادة تخترق الفراغ نحو والدته. نهض كريس من مقعده ببطء قاتل، مستعرضاً طوله الشاهق وهيبته التي أظلمت المكان. استقرت كفاه الضخمتان على حافة المكتب، وانحنى بجذعه نحو الأمام، ونبس بصوت خفيض، أجشّ، يقطر بحدية مرعبة تصدم الآذان: *"أعيدي ما قلتِ للتو يا أمي... وبوضوح."* لم تتراجع ميلينا، بل حافظت على ابتسامتها الهدامة، ونبست بنبرة عادية تعمّدت بها استفزازه: *"كما سمعت تماماً يا كريس... السيدة فيرونيكا أرسلت دعوة رقيقة، وسباستيان هو من اقترح الأمر بنفسه... وأنا أرى أن نأخذ رأي سيلينا وإن كانت تفكر بالقبول."* عند سماع هذه الكلمات، اتسعت حدقتا كريس ببريق أعمى من الغضب والغيرة الشرسة. صدم والدته بوقوفه الحاد ومجابهته القاطعة، حيث التفت فوراً بنظراته المظلمة نحو سيلينا التي تجمدت في مكانها من شدة الرهبة. التصق بمقعدها بخطوة جبارة، وانحنى فوقها بجسده الشاهق محاصراً إياها بالكامل، واشتد فكه
ساد صمتٌ خانقٌ أرجاء الجناح، صمتٌ محملٌ بكهرباء ساكنة تكاد تشعل الهواء بينهما. كانت سيلينا تطوي الملفات بأيدٍ مرتجفة وهي تحاول التركيز في السطور، غير أن جوارحها بأكملها كانت معلقة بذلك المارد القابع إلى جانبها. عطره الحاد، حرارة جسده المنبعثة، وهيبته الطاغية... كل شيء فيه كان يحاصر حواسها ويقطع أنفاسها المترددة. فجأة، وبحركة هادئة سريعة خلت من أي هشاشة، مال كريس بجسده الشاهق ونحا مقعده ليصبح ملاصقاً لمقعدها تماماً. جمدت حركة يدي سيلينا فوق الورق، وتلاشت الأنفاس في حلقها حين شعرت بكتفه العريض يلمس كتفها الرقيق. لم يكتفِ بذلك، بل رفع يده الكبيرة ووضعها خلف ظهر كرسيها، ليحوطها بجسده بالكامل دون أن يلمسها، مجبراً إياها على الشعور باتساع بدنه الذي يحجب عنها كل ما في الغرفة. أمال رأسه نحوها ببطء شديد، حتى أصبحت أنفاسه المشتعلة والساخنة تضرب بشرة وجنتها وعنقها المباشرة. انزلقت نظراته المظلمة من عينيها المربكتين، لتهبط بثقل وتملك نحو شفتيها المرتجفتين. اقترب أكثر... واقترب، حتى لم تعد تفرقهما سوى إنشات لا تُذكر، غادرت فيها المسافات وشعرت سيلينا ببرودة طرف أنفه يلامس بشرتها الناعمة بخفة
استقر الصمت في الجناح لبرهة قصيرة، قبل أن تبدده حركة هادئة تفيض بدفقات دافئة أزاحت ما تبقى من ركام العاصفة الصباحية. انصرفت سيلينا بكليتها نحو الباقة المستقرة فوق الطاولة، مشدوهة بتنسيقها الساحر وبتلاتها المترعة بالحياة. اقتربت بخطوات خفيفة، وانحنت برأسها نحو زهور التوليب البنفسجية والأوركيد الداكن، تسحب عبقها الفواح بعمق. أغمضت عينيها لثوانٍ وهي تستشعر العطر يبدد غصتها، ثم سحبت المقعد وجلست بجوار الباقة مباشرة. أخذت تمسح حواف الجوري الوردي برقة بالغة بأطراف أناملها، وابتسامة عذبة غير مسبوقة تشرق على شفتيها، ترفع بعض البتلات لتمسّ بها وجنتها وهي تغرق في فرحتها البسيطة. في هذه اللحظة العفوية،ُفتح باب الجناح ببطء، ودخلت ميلينا بخطواتها الواثقة. ارتبكت سيلينا فوراً، واعتلت وجنتيها حمرة خجل قانية جعلتها تتراجع خطوة سريعة عن الكرسي كأنها ضُبطت متلبسة بشيء خفي! حاولت إخفاء ابتسامتها العريضة، وشابكت يديها أمام وشاحها بارتباك طفولي، تنظر إلى السجاد بخجل آسر. وقعت عينا ميلينا على الباقة الضخمة، ثم انتقلت بنظراتها الأمومية الدافئة إلى ملامح سيلينا المحمرة، ومنها إلى كريس الذي يتظاهر بال
خرج كريس إلى الساحة الخارجية للقصر، والبرودة القارسة تلفّ المكان. اقترب بجسده الشاهق نحو سيارته، وقادها بنفسه دون أن ينبس بكلمة واحدة للحراس المعلقين بنظراتهم عند الباب. انطلق دون أدنى تردد. طوال الطريق، كان كريس يقود ويرى الأماكن الممتدة، وأفكاره تتصادم بضراوة؛ يرى صورة سيلينا وهي مستندة على حافة الجدار، ودموعها تتساقط بغزارة فوق أوراق الوردة الممزقة. يتردد في أذنه صوتها المكتوم بالحرقة: *"ألا أستحق وردة حتى!"*. كان يضغط على المقود بقبضته المحمرة من أثر ضربة الحائط حتى ابيضّت مفاصلها، رافضاً أن يعترف لنفسه بأن ما يدفعه الآن ليس مجرد واجب أو فرض سيطرة، بل رغبة كاسحة في انتزاع ذلك الحزن من عينيها. وصلت السيارة إلى مشتل كبير لبيع الزهور النادرة. نزل كريس بخطوات ثقيلة وحادة، وهيبته الطاغية جعلت صاحب المشتل يتراجع خطوة للخلف بوجل، مرحباً به بتهذيب مرتبك. سار كريس بين الصفوف، نظراته الصارمة تتفحص الألوان والأنواع، متجاهلاً اقتراحات صاحب المشتل، حتى توقفت عيناه فوراً عند باقات ممتازة تنساب بألوانها بين البنفسجي، الوردي، والكحلي الداكن. اقترب بخطوة حاسمة، وامتدت يده الكبيرة ليمسّ أوراق ز
مرت ساعة كاملة داخل المكتب المغلق، كان كريس يمشي في أرجائه بخطوات متوترة، بينما يتردد في أذنه صوت سيلينا المكسور وهي تسأله بوجع: *"ألا أستحق وردة حتى!"*. كان غضبه من سيباستيان يغلي، لكن عتابها الرقيق بدأ يحفر مجراه في صدره، يربك قسوته ويمزق كبرياءه المعهود. خرج من المكتب بخطوات بطيئة غير عادتها، ونزل السلم بتأنٍ، متفادياً النظر المباشر نحو الصالة السفلى حيث كانت ميلينا تجلس تقرأ كتاباً بوقار. وقف كريس على مسافة قصيرة منها، يحك رقبته بيده في حركة غير مألوفة تعكس توتراً ومحاولة لإخفاء حرج لم يعهده طوال حياته. احترام أمه جعله يحاول التماسك، لكن الموقف كان أكبر من قدرته على التظاهر. تنحنح بصوت خفيض، يحاول استعادة جديته، ونبس بنبرة تفتقر لصلابته المعتادة: *"أمي... أردتُ أن أسألكِ شيئاً."* رفعت ميلينا رأسها ببطء، وعقدت حاجبيها وهي تتأمل وجهه المربك وهروب عينيه. أرجعت ظهرها إلى الخلف وقالت بهدوء: *"اسأل يا كريس... ما الأمر؟"* تردد لثوانٍ وهو يحاول صياغة السؤال دون أن يفقد هيبته، ثم قال بصوت خفيض يكسوه الحرج: *"ما هي... ما هي أنواع الزهور التي تحبها الفتيات عادةً؟"* اتسعت عينا ميلينا







