Home / خارق / رواية الدور الرابع / الفصل الأول: أنفاس خلف الجدار

Share

رواية الدور الرابع
رواية الدور الرابع
Author: علاء عادل

الفصل الأول: أنفاس خلف الجدار

last update publish date: 2026-04-19 13:47:23

..

​لم تكن "سارة" مرتاحة منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدمها داخل ردهة ذلك العقار القديم ". كان المبنى شامخاً بطرازه الأوروبي القديم، لكن الصمت الذي يسكن ممراته كان ثقيلاً، ثقيلاً لدرجة أن صوت وقع أقدامهما على الرخام الباهت كان يرتد بصيحات مكتومة.

​"خالد، هل أنت متأكد من هذا المكان؟" همست سارة وهي تشد على يد زوجها، بينما كانت عيناها تتفحصان السقف العالي وتلك النجفة العتيقة التي يغطيها الغبار.

​ابتسم خالد محاولاً طمأنتها وهو يجر حقيبتين كبيرتين: "يا سارة، الشقة لقطة! مساحة واسعة، وسعر إيجار لن نحلم به في هذا الحي.. هي فقط تحتاج لبعض التنظيف وستصبح بيت أحلامنا."

​توقفا أمام المصعد. لم يكن مصعداً عادياً، بل كان قفصاً حديدياً مذهباً يعود لثلاثينيات القرن الماضي، بباب يدوي ثقيل وشبكة معدنية متداخلة. ضغط خالد على الزر، فسمعا صوتاً ميكانيكياً بعيداً، صريراً يشبه أنين شخص يتألم، قبل أن يهبط المصعد ببطء شديد.

​بينما كان المصعد يقترب، لاحظت سارة لوحة التحكم النحاسية. كانت الأزرار مرقمة: (1، 2، 3، 5، 6).

قطبت حاجبيها وقالت: "خالد.. أين رقم 4؟"

​ضحك خالد بخفة وهو يفتح الباب الحديدي: "ربما هم مثل الغرب، يتشاءمون من بعض الأرقام فيلغونها من اللوحة، أو ربما الطابق الرابع مخصص للمخازن ولا يتوقف فيه المصعد. لا تشغلي بالك، شقتنا في السادس، وهذا هو المهم."

​دخلا إلى القفص الحديدي، وأغلق خالد الباب بصوت معدني حاد "كلانك!". تحرك المصعد للأعلى ببطء يبعث على التوتر. وعندما وصل المصعد إلى منتصف المسافة بين الطابق الثالث والخامس.. اهتز بعنف، وانطفأت الإضاءة الصفراء الخافتة لثوانٍ، ثم توقف تماماً.

​ساد الصمت، ثم فجأة.. وبدون أن يلمس خالد أي زر، تحرك باب المصعد الحديدي لينفتح تلقائياً على ممر غارق في ظلام دامس، ورائحة بخور قديم جداً بدأت تتسرب إلى الداخل.

تاااااااااابع - الدور الرابع...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجمدت سارة في مكانها، كانت قبضتها على ذراع خالد قوية لدرجة الألم. الممر الذي انفتح أمامهما لم يكن يشبه بقية أدوار المبنى؛ الجدران هنا لم تكن مدهونة، بل كانت خرسانة رمادية باردة، والأرضية مغطاة بطبقة كثيفة من التراب الذي لم تطأه قدم منذ دهر.

​"خالد.. الباب فتح لوحده.. والزر مش شغال!" قالت سارة بصوت يرتجف، وهي تضغط بجنون على زر الطابق السادس، لكن لوحة المصعد كانت ميتة تماماً.

​أخرج خالد هاتفه وأضاء كشافه. اخترق شعاع الضوء الظلام الدامس للممر، ليكتشف أن الممر ينتهي بباب خشبي ضخم، موصود بسلاسل حديدية صدئة وقفل عملاق. لكن الغريب لم يكن السلاسل، بل ما كان ملقى تحتها مباشرة.

​"سارة، شوفي ده.." همس خالد وهو يتقدم خطوة حذرة خارج المصعد.

على الأرض، وفي وسط الغبار، كان هناك فردة حذاء نسائي حمراء.. كانت نظيفة تماماً، وكأن شخصاً ما وضعها هناك منذ ثوانٍ فقط.

​شهقت سارة: "خالد، ده نفس لون الحذاء اللي كنت لابساه في خطوبتنا وضاع مني! مستحيل.. إيه اللي جابه هنا؟"

قبل أن يجيب خالد، سمعا صوتاً غريباً خلف الجدار الخرساني للممر. لم يكن صوتاً بشرياً تماماً، بل كان يشبه صوت "خربشة" أظافر على سطح صلب، يتبعها همس خافت جداً: * "لقد نسيتِ مفاتيحك يا سارة.."*

​تراجع خالد للخلف بسرعة، لكنه اصطدم بشيء صلب. عندما التفت بكشافه، لم يجد المصعد! لقد اختفى القفص الحديدي تماماً، وحل محله جدار خرساني مصمت، وكأن المصعد لم يكن موجوداً هنا أبداً.

​"خالد! المصعد فين؟ إحنا محبوسين هنا؟" صرخت سارة وهي تلمس الجدار الذي ظهر فجأة مكان المصعد.

في تلك اللحظة، بدأ القفل العملاق على الباب الخشبي في نهاية الممر يهتز بعنف. السلاسل الحديدية بدأت تصطدم ببعضها البعض مصدرة صوتاً يصم الآذان، ثم وببطء شديد.. بدأ الباب ينفتح من تلقاء نفسه، ل يكشف عن صالة واسعة تشبه شقتهما تماماً، لكنها كانت مضاءة بمئات الشموع السوداء.

​وعلى الطاولة في منتصف الصالة، كان هناك هاتف محمول يضيء بانتظام. تقدم خالد بخطوات مهزوزة، التقط الهاتف، ليجد رسالة نصية مفتوحة، مكتوبة بتاريخ اليوم، والساعة الآن:

"أهلاً بكما في بيتكما الحقيقي.. سارة، العشاء جاهز، وخالد.. القلم ينتظرك لتكتب النهاية."

تسمر خالد في مكانه، الضوء المنبعث من شاشة الهاتف كان يعكس ظلالاً مهتزة على وجهه ووجه سارة التي كادت أن يغمى عليها من الرعب.

​"عشاء؟ وقلم؟ خالد، إيه الهبل ده؟ خلينا نخرج من هنا!" صرخت سارة وهي تجذب قميصه، لكن عندما استدارا ليهربا، وجدا أن الباب الخشبي الذي دخلا منه قد اختفى تماماً، وحل محله جدار خرساني صلب لا يوجد به حتى شق واحد.

​لم يجدا مفراً سوى التقدم نحو الصالة المضاءة بالشموع السوداء. كانت الرائحة في المكان مزيجاً غريباً من رائحة "البارود" ورائحة "طعام منزلي شهي". في منتصف الصالة، كانت هناك طاولة سفرة فخمة مغطاة بمفرش حريري أحمر، وعليها طبقان مغطيان بغطاء فضي.

​وبجانب الطبق الخاص بخالد، كان هناك "محبرة" قديمة وقلم ريشة أسود، وورقة وحيدة بيضاء مكتوب في أول سطر منها: "الفصل الأول: الدخول".

​"خالد، بص على الحيطة.." قالت سارة بصوت مخنوق.

على جدران الصالة، كانت هناك براويز لصور فوتوغرافية، لكنها لم تكن صوراً لأشخاص غرباء. كانت صوراً لخالد وسارة في مواقف مختلفة من حياتهما: يوم تخرجهما، يوم زفافهما، وحتى صورة لهما وهما يدخلان العقار منذ عشر دقائق! في الصور، كانت وجوههما "ممسوحة" تماماً، وكأن شخصاً ما كشط ملامحهما من الورق.

​فجأة، رن جرس صغير من مكان مجهول، وصوت مسجل مشروخ بدأ يتردد في أركان الغرفة: "تفضلا.. العشاء يبرد، والقصة لن تكتب نفسها."

​بدافع من فضول قاتل وخوف أشد، مد خالد يده ورفع الغطاء الفضي عن الطبق الذي أمامه. لم يجد طعاماً، بل وجد ساعته اليدوية التي ضاعت منه منذ عام، وكانت ملطخة بسائل أحمر لزج يشبه الدم، وبجانبها ورقة صغيرة مكتوب فيها: "الوقت يهرب منك يا خالد.. اكتب لتعيد الساعة للوراء".

​أما سارة، فقد رفعت غطاء طبقها لتجد شيئاً جعلها تطلق صرخة هزت أركان الطابق؛ كان الطبق يحتوي على خصلات من شعرها مربوطة بشريط أسود، وبجانبها "خاتم زواجها" الذي كان لا يزال في إصبعها منذ ثوانٍ! نظرت سارة إلى يدها بذعر، لتجد أن إصبعها الخاتم قد اختفى منه الخاتم فعلاً، تاركاً مكانه علامة حرق دائرية.

​"خالد! أنا مش قادرة أستحمل، المكان ده بياكل منا حتت!" ارتمت سارة في حضنه وهي تنهج بحدة.

​في تلك اللحظة، بدأت الشموع السوداء تنطفئ واحدة تلو الأخرى بسرعة، ومع كل شمعة تنطفئ، كان جدار الصالة "يقترب" منهما متراً واحداً. المكان يضيق، والهواء يقل، وصوت خربشة الأظافر خلف الجدران أصبح الآن "خلفهما مباشرة".

​أمسك خالد بقلم الريشة، وبمجرد أن لامست يده القلم، شعر بكهرباء تسري في جسده، وبدأت يده تتحرك رغماً عنه لتكتب على الورقة البيضاء:

"سارة ليست وحدها في الغرفة.. هناك شخص ثالث يرتدي وجهها الآن."

​التفت خالد ببطء نحو سارة التي كانت تبكي على كتفه، ليرى أن سارة التي يضمها بدأت ملامحها "تذوب" كالشمع، وعيناها تحولتا إلى حفرتين سوداوين فارغتين، وهي تهمس في أذنه ببرود: "هل أعجبك العشاء يا زوجي العزيز؟

​لم يستطع خالد استيعاب المشهد؛ سارة، رفيقة عمره، تذوب ملامحها أمام عينيه كأنها تمثال من شمع وُضع في فرن مستعر. تلك الابتسامة التي لم تكن بشرية، والبرودة التي سرت من يدها إلى قلبه، جعلت عقله يرفض التصديق.

​حاول أن يصرخ، لكن صوته كان محبوساً في حنجرته. بدأ العالم يدور من حوله، والجدران التي كانت تضيق بدأت تتلاشى في ضباب أسود كثيف. سقط القلم من يده، وارتطم جسده بالأرض الباردة، وبينما كان الوعي ينسحب منه، سمع همساً أخيراً بجانب أذنه، همساً ليس لسارة، بل لصوت خشن ومتهدج

.. يتبع..

..... علاء عادل.....

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رواية الدور الرابع    الفصل العاشر والاخير : نقطة ومن أول السطر (المواجهة الكونية)

    _____________________________سقط الكتاب من يد "خالد العجوز" وارتطم بالأرضية الرخامية للمكتبة الكونية بصوت يشبه دوي الرعد. وفي اللحظة التي تلامس فيها الغلاف مع الأرض، انفتحت فجوة بصرية مرعبة؛ لم يخرج منها ورق، بل خرج منها "خالد الشاب" و**"سارة"**، يزحفان خارجين من بين الصفحات كأنهما يخرجان من رحم ممزق.​كانا مغطيين بالحبر بالكامل، وجسداهما يرتعشان من برد "العدم". وقف خالد الشاب، والمقص الذهبي المنصهر في يده يلمع بضوء احتجاجي، ونظر إلى نسخته العجوزة الجالسة على الكرسي المخملي.​"أنت.. أنا؟" همس خالد الشاب بصوت يملؤه الرعب والاشمئزاز.​ضحك خالد العجوز، وكانت ضحكته تشبه حفيف الورق اليابس. "أنا لست أنت فقط يا خالد.. أنا (النتيجة الحتمية) لكل كاتب يبيع روحه مقابل قصة خالدة. الساحر الذي قتلته في الفصل التاسع؟ لم يكن إلا ظلي. أنا من خلق العقار، وأنا من خلق سارة.. وأنا من جعلك أنت لتكون (بطلا) في روايتي التي لا تنتهي."تقدمت سارة، وشعرها الحريري الأسود يتدفق خلفها كأنه شلال من المداد. "إحنا مش مجرد حبر في روايتك! إحنا حقيقة بتوجعك!"​رفع خالد العجوز يده، وبحركة بسيطة من أصبعه المرتعش، "جمّد"

  • رواية الدور الرابع    الفصل التاسع: أرشيف الكلمات الميتة

    ______________________كان الهواء في الأرشيف بارداً لدرجة تجمد الأنفاس. لم تكن الرائحة رائحة ورق قديم فقط، بل كانت تفوح برائحة "الأوزون" والكهرباء المحترقة. شاشات الكمبيوتر المهشمة كانت تومض بكلمات متقطعة بلون أخضر فسفوري: (خطأ في الذاكرة.. الروح غير موجودة.. مسح.. مسح.. مسح).​نظرت سارة حولها، جسدها لا يزال يشعر بـ "تيبس" الخشب الذي أصابها في الفجوة السابقة. "خالد.. المكان ده مش سحر بس.. ده كأنه (سيرفر) لبيانات مرعبة."​مشى خالد ببطء نحو مصدر الصوت.. تيك.. تيك.. تيك.خلف كومة من الملفات الصفراء التي يعلوها التراب، وجدوا طاولة معدنية صدئة. فوقها كانت تقبع "آلة كاتبة" ضخمة، لكنها كانت مصنوعة من "عظام بشرية صغيرة"، والمفاتيح كانت عبارة عن "أسنان" منقوش عليها الحروف.​الآلة كانت تكتب وحدها. الورقة التي تخرج منها كانت سوداء تماماً، والحروف تُكتب عليها بـ "بياض ناصع".​اقترب خالد وقرأ السطر الأخير:(الصمت هو الحقيقة الوحيدة.. سارة وخالد وصلا الآن إلى نهايتهما.. المحو يبدأ في 3.. 2..)​"نهاية مين يا روح أمك!" صرخ خالد وهو يضرب الآلة الكاتبة بيده.​فجأة، توقفت الآلة. ساد صمت مطبق لثوانٍ، ثم

  • رواية الدور الرابع    الفصل الثامن: ثورة الهوامش (نزيف الكلمات)

    __________________________كتب خالد هذه الجملة بتركيز شديد، وهو يشعر بنوع من الراحة الغريبة، وكأنه تخلص من عبء ثقيل. كان يجلس في شقته الهادئة، والهدوء من حوله مريب، لا يقطعه إلا صرير قلمه على الورق.​لكنه لم يلاحظ أن "النقطة" التي وضعها في نهاية الجملة بدأت "تتسع".​داخل زجاجة الحبر الموضوعة أمامه، كانت سارة تشعر بكل حرف يكتبه خالد كأنه خنجر يغرس في روحها. كلما كتب أنها "غير موجودة"، شعرت بأن أطرافها تذوب وتتحول لسائل.​"أنا موجودة يا خالد.. أنا هنا!" صرخت سارة من داخل الزجاجة، لكن صوتها خرج على شكل "فقاعات هواء" صغيرة صعدت لسطح الحبر وانفجرت بصمت.​مشهد التشويق الأول (تمرد الحبر):​أراد خالد أن يكمل الكتابة، فغمس ريشته في الزجاجة مرة أخرى. لكن هذه المرة، شعر بمقاومة غريبة، وكأن الحبر أصبح لزجاً مثل "الدم المتجلط". عندما رفع الريشة، لم يخرج منها حبر أسود.. خرج منها "خيط رفيع من الذهب".​"إيه ده؟ القلم ماله؟" تمتم خالد بدهشة.حاول أن يكتب كلمة أخرى، لكن يده بدأت تتحرك رغماً عنه. بدلاً من إكمال القصة، بدأ القلم يرسم "ملامح وجه" على الهامش. كانت الملامح دقيقة جداً.. عينان واسعتان مليئتان

  • رواية الدور الرابع    الفصل السابع: غرفة المحاكمة (شهادة الأموات)

    لقد انتقلنا الآن إلى "نخاع العقار"، حيث تُحفظ العقود الأصلية وتُحاكم الأرواح التي حاولت التمرد. الفصل السابع هو فصل "الكشف عن الحقيقة المرة"، وفيه ستواجه سارة أهوالاً تجعل كل ما فات مجرد نزهة..... .... ... كان القبو (البدروم) يفوح برائحة العفن الممزوج بحبر "السكب" القديم. الجدران لم تكن مبنية من الطوب، بل كانت عبارة عن "رفوف من الجماجم البشرية"، وكل جمجمة مغروس في جبهتها قلم ريشة أسود، وكأنها لا تزال تكتب أفكارها الأخيرة حتى وهي رميم.​وضعت سارة يدها على صدرها، لتشعر برعشة "عصفور روح خالد" وهو يرتجف خوفاً. "خالد.. خليك معايا، إحنا قربنا نخرج،" همست بصوت مخنوق.​وفجأة، أضاءت الغرفة بضوء أزرق شاحب انبعث من "منصة خشبية" في المنتصف. خلف المنصة، كان يجلس ثلاثة قضاة.. لكنهم لم يكونوا بشراً. كانوا عبارة عن "أردية سوداء فارغة" تطوف في الهواء، وأقنعتهم كانت عبارة عن "صفحات بيضاء" مرسوم عليها عيون دامعة بالحبر.​"سارة.. الزوجة التي سرقت الحبر من المحبرة الكبرى،" نطق القاضي الأوسط بصوت يشبه صرير الأبواب الصدئة. "أنتِ متهمة بـ (تحريف النص) ومحاولة تهريب (كلمة محذوفة) خارج الكتاب."​"أنا مش بهر

  • رواية الدور الرابع    الفصل السادس: عهد الساحر (مقبرة القرابين)

    لم يكن الهواء في غرفة الساحر مجرد أكسجين، كان عبارة عن "هباء من الحروف". كل شهيق تأخذه سارة كان يشعرها بغصة، كأنها تبتلع دبابيس معدنية صغيرة.​كان الساحر، أو "صاحب العهد" كما يطلق على نفسه، يميل برأسه الذي يشبه الورق المجعد. "أتعرفين لماذا اخترت خالد؟" قالها وهو يمرر ريشته العظمية فوق "تمثال الشمع" الذي يسكنه روح خالد. "لأن صدق مشاعره تجاهك كان (حبراً نادراً). الحبر العادي يبهت مع الزمن، لكن الحبر المصنوع من الحب الصادق يظل نابضاً على الورق للأبد.. وهذا ما يجعل قصصي خالدة."​"أنت شيطان!" صرخت سارة وهي تحاول تحرير قدميها من "أفاعي الحروف" التي كانت تعصر كاحليها بقوة.​ضحك الساحر، وصوت ضحكته كان يشبه تمزيق مئات الصفحات في وقت واحد. "الشيطان يغوي، أما أنا فأنا (أوثق). أنا أمنح ضحاياي الخلود داخل صفحاتي. أليس هذا ما يريده البشر؟ أن يتذكرهم أحد؟"​وقف الساحر من على كرسيه العظمي، وكان طويلاً بشكل غير طبيعي، ملابسه كانت عبارة عن لفائف من الجلد منقوش عليها تعاويذ بلغات اندثرت منذ آلاف السنين. اقترب من سارة، ومد إصبعه الطويل ليلمس جبهتها.​بمجرد ملامسته لها، لم تشعر سارة ببرودة، بل شعرت بـ "ذك

  • رواية الدور الرابع    الفصل الخامس: بياض العدم

    ____________________________كان الهواء على سطح العقار يفوح برائحة "الورق المحروق". لم تكن هناك أضواء للقاهرة، ولا نيل، ولا زحام. كان المبنى يطفو وحيداً في فراغ أبيض شاسع، وكأنه الكلمة الوحيدة الناجية في صفحة فارغة.​نظرت سارة إلى خالد العجوز؛ تجاعيد وجهه كانت عميقة كأنها "أسطر" محفورة بإبرة، وشعره الأبيض يتطاير كأنه ريش قلم قديم. "خالد؟ أنت كبرت إزاي كدة؟ وإيه اللي جابك هنا؟"#رعب #قصص_رعب​سعل العجوز بقوة، وخرج من فمه غبار أسود يشبه الحبر الجاف. "الزمن هنا ملوش معنى يا سارة. أنا هنا من مية سنة.. ومن ثانية واحدة. أنا النسخة اللي (المؤلف) جرب يكتبها في المسودة الأولى ورفضها. أنا خالد اللي (فشل) إنه يحميكي."​تمسكت سارة ببكرة الفيلم الذهبية بقوة. "الفيلم ده بيقول إنك أنت اللي اخترت المكان ده! إنك بعت ذاكرتك عشان تبقى كاتب مشهور! ردي عليا.. ده حقيقي؟"​ضحك العجوز بمرارة، ودمعة سوداء سقطت من عينه لتترك بقعة حبر على قميصه المهترئ. "الفيلم مش بيكذب.. بس مش بيقول الحقيقة كاملة. أنا فعلاً وقعت العقد، بس مكنتش أعرف إن (الثمن) هو أنتي. المحرر خد مني (حبك) وحوله لحبر، وخد مني (وجودك) وح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status