Home / خارق / رواية الدور الرابع / الفصل الرابع: حطام الذاكرة

Share

الفصل الرابع: حطام الذاكرة

last update publish date: 2026-04-19 13:51:41

استيقظت سارة وهي تشعر بأن رأسها مثقل بآلاف الأطنان من الرصاص. لم تكن هناك شموع سوداء، ولا جدران تضيق، ولا برج حروف. كانت مستلقية على أرضية باردة تفوح منها رائحة المنظفات الكيماوية.

​فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها في ممر طويل.. لكنه ممر مستشفى. الأضواء الفلورسنت فوقها كانت ترعش بصوت طنين مزعج.

"خالد؟" همست بصوت مبحوح، لكنها شعرت بغصة في حلقها بمجرد نطق الاسم، وكأن الكلمة أصبحت غريبة على لسانها، كأنها تنطق اسم شخص لم تقابله قط إلا في حلم بعيد.

​وقفت بصعوبة، كانت ترتدي نفس ملابسها، لكنها كانت ممزقة عند الأطراف. مشت نحو مكتب الاستقبال في نهاية الممر، كانت هناك ممرضة عجوز تكتب في سجلات قديمة دون أن ترفع رأسها.

​"لو سمحتِ.. أنا كنت مع جوزي.. اسمه خالد.. إحنا كنا في الدور الرابع في العقار اللي في الزمالك.." قالت سارة بتلعثم.

​رفعت الممرضة رأسها ببطء، كانت عيناها باهتتين تماماً كزجاج مطفأ. نظرت في سجلاتها ثم قالت ببرود: "يا مدام سارة، أنتي هنا من أسبوع بسبب حادثة انهيار سلم في مبنى مهجور. مفيش حد معاكي بالاسم ده. أنتي كنتِ لوحدك."

​"لوحدي؟ مستحيل! أنا متجوزة خالد من سنتين!" صرخت سارة وهي تخرج هاتفها من جيبها لتريها صورهما.

لكن الصدمة كانت كصاعقة ضربت قلبها؛ كل الصور التي على الهاتف كانت لها وحدها. صور زفافها كانت تظهر فيها وهي ترتدي الفستان الأبيض وتمسك باقة ورد.. لكن الكادر بجانبها كان فارغاً، وكأن شخصاً ما قد قُصّ من الصورة بدقة جراحية.

​انهارت سارة على الكرسي المجاور، وبينما كانت تحاول استيعاب ما يحدث، لمحت في زاوية الممر خيالاً مألوفاً. كان "حارس العقار"! لكنه كان يرتدي ملابس طبيب هذه المرة، ويمشي بخطوات هادئة نحو غرفة في نهاية الممر مكتوب عليها رقم (404).

​أسرعت خلفه، وعندما دخلت الغرفة، لم تجد طبيباً. وجدت غرفة مليئة بآلاف الساعات الرملية المعلقة في السقف، وكل ساعة منها تحتوي على "رماد" بدلاً من الرمل.

​وفي منتصف الغرفة، كان هناك "سرير مستشفى" فارغ، وفوقه ورقة بيضاء وحيدة مكتوب عليها بخط يد خالد: "سارة.. أنا مش موجود في الصور، بس أنا موجود في السطور. اقرئي الورق اللي تحت السرير."

​انحنت سارة بذعر وسحبت صندوقاً خشبياً من تحت السرير، لتجده مليئاً بمئات الأوراق المكتوبة بخط يد متسارع وغير منتظم. بدأت تقرأ أول ورقة:

"اليوم الأول في السجن.. المحرر يحاول مسحي من ذاكرة سارة. لقد أخبرني الحارس أن الطريق الوحيد للعودة هو أن تجد سارة (الكلمة المفقودة) التي ضحيت بها.. هي الآن في مكان لا يمكن للمحرر الوصول إليه.. في شقتنا القديمة، خلف المرآة."

​فجأة، انطفأت أنوار المستشفى، وسمعت صوت "مقص" عملاق يقترب من باب الغرفة.. كلاك.. كلاك.

صوت المحرر عاد من جديد، لكن هذه المرة كان صوته يخرج من مكبرات الصوت في المستشفى: "سارة.. توقفي عن القراءة.. القصص المحذوفة لا يجب أن تُبعث من جديد."

​بدأت الأرضية تحت قدميها تتحول إلى "ورق ممزق" مجدداً، والمستشفى بدأ يتداعى كأنه مجسم من الكرتون.

بينما كان صوت "المقص" يقترب، لم تجد سارة أمامها إلا النافذة. نظرت للخارج لتجد أن المستشفى ليس في مدينة، بل هو مبنى وحيد يطفو في وسط "بحر من الحبر الأسود". لا توجد شوارع، لا توجد سيارات، فقط فراغ لا نهائي.

​"مفيش هرب يا سارة.." جاء الصوت من خلفها. التفتت لتجد الممرضة العجوز، لكن وجهها بدأ "يتقشر" لتبدو من تحته صفحات جريدة قديمة. "أنتي مجرد فكرة في ذهن المحرر، وبمجرد ما يخلص قصه للورق، أنتي كمان هتختفي."

​في تلك اللحظة، تذكرت سارة الكلمات التي قرأتها تحت السرير: "أنا موجود في السطور".

لم تتردد؛ أمسكت بحفنة من الأوراق التي كانت في الصندوق، وبدأت ترميها في الهواء أمامها. وبأعجوبة، بدأت الأوراق تترتب في الهواء لتصنع "جسراً من الكلمات" يمتد من النافذة إلى المجهول.

​ركضت سارة فوق جسر الكلمات، وكلما خطت خطوة، كانت الكلمات تحت قدميها تنطق بصوت خالد: "أنا أحبك.. لا تتوقفي.. الحقيقة خلف المرآة".

​وصلت سارة إلى نهاية الجسر لتجد نفسها أمام باب شقتهما القديمة، الباب الذي كانت تعرفه جيداً قبل أن ينتقلا لعقار الزمالك الملعون. دخلت الشقة، وكانت هادئة تماماً، والتراب يغطي الأثاث.

​اتجهت مباشرة نحو المرآة الكبيرة في الردهة. نظرت لنفسها؛ كانت تبدو باهتة، كأنها رسمة مرسومة برصاص خفيف. لمست زجاج المرآة، لكنها لم تشعر ببرودة الزجاج، بل شعرت بملمس "ورق مقوى".

​بدأت سارة تقشر زجاج المرآة بأظافرها، وكأنها تقشر ملصقاً قديماً. وخلف الزجاج المكسور، لم تجد حائطاً، بل وجدت "غرفة سرية" لم تكن موجودة في مساحة الشقة من قبل.

​داخل الغرفة، كان هناك "مكتب" خشبي قديم، وفوقه "آلة كاتبة" عتيقة تعمل لوحدها. كانت الأزرار تضغط بقوة وتصدر صوتاً معدنياً حاداً: تيك.. تيك.. تيك.

​اقتربت سارة لتقرأ ما تكتبه الآلة:

"سارة الآن تقف أمام الآلة الكاتبة. هي لا تعرف أن كل خطوة خطتها كانت بإرادتي. أنا لست المحرر، وأنا لست خالد. أنا الشخص الذي اشترا هذه الرواية وبدأ يقرأها."

​تراجعت سارة للخلف وهي تصرخ: "يعني إيه؟ يعني إحنا مجرد كلام؟"

​في تلك اللحظة، ظهر خيال خالد بجانب الآلة الكاتبة، لكنه كان "شفافاً" تماماً. "سارة، الوقت خلص. المحرر وصل للشقة. لازم تمسحي السطر الأخير.. لازم تغيري الحبكة بنفسك!"

​دفع المحرر باب الشقة بقوة، وكان يمسك بمقصه الذهبي الذي أصبح بحجم السيف. "لقد انتهت المسودة يا سارة.. حان وقت الحذف النهائي."

وقف المحرر عند مدخل الغرفة السرية، ضله الطويل يمتد فوق الآلة الكاتبة كأنه بقعة زيت سوداء. "سارة.. كل حرف تكتبه هذه الآلة هو مسمار في نعشك. أنتِ تحاولين العيش في الهوامش، والهوامش لا تتسع للبشر."

​لم تجبه سارة، بل اندفعت نحو الآلة الكاتبة وهي تحاول سحب الورقة التي تكتب القدر. لكن الآلة كانت ساخنة كأنها قطعة من الجحيم، والمفاتيح بدأت تتحرك بسرعة جنونية، تطبع كلمات غير مفهومة، لغات قديمة، ورموزاً تشبه طلاسم السحر الأسود.

​"خالد! ساعدني!" صرخت سارة وهي تنظر لخيال خالد الشفاف.

خالد مد يده، لكن يده مرت عبر جسدها كالدخان. "سارة.. أنا ممسوح من النص، مبقتش بطل.. أنا بقيت مجرد (ملاحظة جانبية). بس أنتي لسه (الفاعلة).. خدي المفتاح!"

​أشار خالد نحو زرار معين في الآلة الكاتبة، زرار لم يكن يحمل حرفاً، بل كان يحمل رسمة "عين مفتوحة".

​بمجرد أن ضغطت سارة على الزر، توقفت الآلة عن الكتابة تماماً. وساد صمت قاتل. وفجأة، بدأت جدران الشقة القديمة "تنزف" حبراً. الحبر لم يسقط من الأعلى، بل بدأ يخرج من الصور المعلقة، من الكتب، وحتى من شقوق الأرضية.

​المحرر تراجع خطوة، ورفع مقصه الذهبي وهو يرتجف لأول مرة. "لقد فتحتِ (مخزن الحبر الأول).. هذا سيغرق الحكاية كلها!"

​"لو الحكاية هتغرق، يبقى هتغرق بينا كلنا!" صرخت سارة وهي ترى الحبر الأسود يرتفع ليغطي أقدامها.

​في وسط هذا الحبر، بدأت تظهر "أشباح" لقصص أخرى. رأى خالد وسارة أشخاصاً يرتدون ملابس من عصور مختلفة؛ رجل يرتدي طربوشاً، امرأة بملابس ريفية قديمة، طفل يحمل لعبة مكسورة. كلهم كانوا يغرقون في نفس الحبر، وكلهم كانوا يهمسون بكلمة واحدة: "الدور السادس ليس النهاية.. المصعد هو المفتاح."

​أدرك خالد شيئاً مرعباً؛ الحبر الذي يغرق المكان هو ذكريات كل من سكنوا هذا العقار منذ مئة عام. المحرر لم يكن يحذفهم، بل كان "يعصرهم" ليصنع منهم الحبر الذي يكتب به قصصاً جديدة.

​"سارة! المحبرة الكبيرة في الدور الأرضي!" صاح خالد بصوت بدأ يتقطع كإشارة راديو ضعيفة. "لازم تنزلي لآخر نقطة في العقار.. هناك النخاع الشوكي للمبنى. لو دمرتي المحبرة، كل اللي اتحذفوا هيرجعوا حقيقة!"

​المحرر اندفع نحو سارة بمقصه، لكن خالد ألقى بجسده الشفاف في طريق المقص. المقص قطع "خيال" خالد، فتناثر خالد إلى آلاف الحروف الصغيرة التي بدأت تلتف حول المحرر كالسلاسل، لتعطله لثوانٍ معدودة.

​"اجري يا سارة! انزلي للمصعد! متخليش المحرر يخلص الفصل ده!"

​خرجت سارة من الشقة وهي تتعثر في الحبر الذي وصل لركبتيها. ركضت نحو المصعد القديم، المصعد الذي بدأ منه كل شيء. ضغطت على زر الدور الأرضي (B)، لكن المصعد لم يتحرك للأسفل.. بل بدأ "يهتز" كأنه يريد الخروج من جدران المبنى بالكامل.

بينما كانت سارة محبوسة داخل المصعد الذي يهتز بعنف، بدأت لوحة الأرقام تتغير. (6).. (5).. (4).. وعندما وصلت إلى (4)، توقف المصعد، وانفتح الباب ببطء.

​لكن خلف الباب لم يكن الطابق الرابع الذي تعرفه. كان هناك "فراغ أبيض" تماماً، وفي منتصف الفراغ، كان يجلس خالد الحقيقي (الذي ضحى بنفسه في البرج)، لكنه كان مكبلاً بسلاسل مصنوعة من ورق مقوى، وأمامه "المحرر" الحقيقي.. الذي لم يكن كياناً مظلماً، بل كان يشبه خالد تماماً!

انغلق باب المصعد على سارة، والظلام بالداخل لم يكن عادياً؛ كان ظلاماً "ثقيلاً" كأنه كتلة من الرصاص. المصعد بدأ يتحرك، لكنه لم يكن ينزل للأسفل فحسب، بل كان "يسقط" بسرعة مرعبة تجعل المعدة تنقبض.

​فجأة، بدأت جدران المصعد المعدنية تتحول إلى "ورق". بدأت الحوائط تلين وتتموج، وظهرت عليها كلمات مكتوبة بآلة كاتبة ضخمة، كلمات كانت تُطبع في تلك اللحظة بالذات:

(سارة الآن في المصعد.. قلبها يدق 120 دقة في الدقيقة.. هي لا تدرك أن هذا المصعد ليس وسيلة نقل، بل هو "محبرة" عملاقة تفرغ حمولتها).

​"خالد! لو سامعني.. أنا مش هسيبك!" صرخت سارة وهي تحاول التشبث بالمقبض الذي بدأ "يذوب" في يدها ويتحول لسائل أسود لزج.

​في تلك اللحظة، بدأ سقف المصعد يقطر حبراً، لكن القطرات لم تكن تسقط على الأرض، بل كانت "تتشكل في الهواء" لتصنع نسخاً مصغرة من خالد وسارة، نسخاً تشبه التماثيل الورقية، وهي تعيد تمثيل كل لحظات حياتهما معاً: يوم زفافهما، يوم دخولهما العقار، وحتى لحظة ضياع خالد في البرج.

​"دي مش ذكريات.. دي (مسودات)!" قالت سارة برعب وهي تحاول دفع هذه التماثيل الورقية بعيداً عنها. التماثيل كانت تهمس بأصوات متداخلة: "لماذا جئتِ؟ الفصل الرابع يجب أن ينتهي بموتك.. المحرر لا يحب النهايات المفتوحة."

​بدأ المصعد يضيق حرفياً، الجدران الورقية تقترب من جسد سارة، والحبر يرتفع ليغطي خصرها. وفي وسط هذا الزحام من الورق والحبر، رأت سارة "فتحة صغيرة" في لوحة الأرقام.

​مدت يدها داخل الفتحة، ولم تجد أسلاكاً، بل وجدت "بكرة فيلم سينمائي" قديمة مصنوعة من جلد بشري. سحبتها بقوة، فاهتز المصعد هزة عنيفة جعلت الأضواء تنفجر بداخلة.

​وفي اللحظة التي توقف فيها المصعد فجأة بين طابقين، سمعت صوتاً يأتي من "خلف" الجدران الورقية، صوت "خالد" لكنه كان يبدو كأنه يتحدث من تحت الماء:

"سارة.. متفتحيش الباب.. اللي واقف برا مش أنا.. اللي واقف برا هو (المسودة الأولى) مني.. النسخة اللي المحرر خلقها عشان تكون السجان بتاعك!"

​تصلبت يد سارة على مقبض الباب. المصعد الآن معلق في الفراغ، والحبر يغطي صدرها، والباب بدأ ينفتح ببطء شديد، ليخرج منه ضوء أبيض باهر يعمي الأبصار، ورجل يقف في الضوء، ظله يشبه خالد تماماً، لكنه يمسك في يده "قلم رصاص" ضخماً، وبدأ "يمسح" أرضية المصعد تحت أقدام سارة.

​تصرخ سارة وهي تسقط في الفراغ الأبيض بعدما مسح "القرين" الأرضية من تحتها، وهي تمسك بـ "بكرة الفيلم" التي قد تكون مفتاح النجاة الوحيد.

بينما كانت الأرضية تحت قدمي سارة تتلاشى وتتحول إلى بياض فارغ، صرخت وهي تتشبث بـ "بكرة الفيلم" كأنها طوق نجاة. "خالد! لو كنت أنت اللي واقف قدامي.. ساعدني!"

​القرين لم ينطق بكلمة، ملامحه كانت جامدة تماماً، وعيناه كانتا عبارة عن حبر جاف لا يعكس أي ضوء. رفع "قلم الرصاص" الضخم وبدأ يرسم "قضبان حديدية" في الهواء حول سارة. وبمجرد أن ينتهي من رسم كل قضيب، كان الرسم يتحول لحقيقة صلبة تضيق الخناق عليها داخل المصعد المنهار.

​"أنتِ مجرد مشهد زايد يا سارة،" نطق القرين بصوت يشبه صوت خالد تماماً لكنه خالٍ من الروح. "المؤلف قرر إن البطل لازم يعيش لوحده عشان الحكاية تبقى أقوى. وجودك بيضعف الحبكة."

​في تلك اللحظة، شعرت سارة بحرارة شديدة تخرج من بكرة الفيلم التي تمسكها. نظرت إليها لتجد أن شريط الفيلم بدأ يخرج منها لوحده، ويلتف حول معصمها مثل الأفعى. فجأة، بدأت "صور" تظهر على شريط الفيلم وتشع بضوء ذهبي.. كانت صوراً لم يرها أحد من قبل.

​كانت صوراً لخالد وهو صغير، وصوراً للمبنى وهو يُبنى في الثلاثينات، وصورة أخيرة مرعبة: خالد الحقيقي وهو يوقع عقداً مع "حارس العقار" قبل أن يقابل سارة بسنوات!

​"خالد هو اللي اختار الدور ده؟" همست سارة بصدمة وهي ترى النسخة الحقيقية من خالد في الفيلم وهي تبتسم للحارس وتسلمه "ذاكرته" مقابل أن يصبح كاتباً مشهوراً.

​هذا الاكتشاف فجر طاقة غريبة داخل سارة. لم تعد خائفة، بل شعرت بغضب عارم. رفعت بكرة الفيلم في وجه القرين، وبدأت الصور المشعة تحرق القضبان المرسومة.

​"لو أنا مشهد زايد، فالحقيقة اللي في الفيلم ده هي اللي هتمسحك أنت!" صرخت سارة وهي تندفع نحو القرين.

​وفجأة، حدث تصادم بين "الممحاة السوداء" وبكرة الفيلم الذهبية. انفجار من اللون الرمادي هز أركان المبنى بالكامل، وبدأت جدران المصعد تتساقط مثل قطع الدومينو.

​سقطت سارة في الفراغ، لكنها لم تسقط للأسفل.. بل بدأت "تخترق" الصفحات. رأت نفسها تمر عبر الفصل الثالث، ثم الثاني، ثم الأول.. رأت نفسها وهي تدخل العقار مع خالد في أول يوم، ورأت النسخة "القديمة" منها وهي تبتسم لخالد.

​حاولت أن تصرخ في نفسها القديمة: "اهربي! متدخليش!" لكن صوتها كان يتحول لحروف تتطاير في الهواء.

استقرت سارة أخيراً فوق سطح المبنى، لكن السماء لم تكن سماء القاهرة.. كانت السماء عبارة عن "مسودة كتاب عملاقة" مكتوب عليها بخط عريض:

(الفصل الخامس: بياض العدم).

​وبجانبها على السطح، كان يجلس خالد الحقيقي، لكنه كان عجوزاً جداً، وكأنه قضى مئة عام في ثوانٍ. كان يمسك بآلة كاتبة محطمة وينظر للأفق بيأس.

​"لقد وصلتِ للنهاية يا سارة،" قال خالد العجوز بصوت واهن. "بس للأسف.. النهاية اللي وصلتي لها هي اللي (المحرر) عايزك تشوفيها. بكرهه الفيلم اللي معاكي.. دي مش الحقيقة. دي (الفخ) اللي هيخليكي توافقي تمسحي نفسك عشان تعيشيني أنا."

..

.

يتبع..

قلم علاء عادل

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رواية الدور الرابع    الفصل العاشر والاخير : نقطة ومن أول السطر (المواجهة الكونية)

    _____________________________سقط الكتاب من يد "خالد العجوز" وارتطم بالأرضية الرخامية للمكتبة الكونية بصوت يشبه دوي الرعد. وفي اللحظة التي تلامس فيها الغلاف مع الأرض، انفتحت فجوة بصرية مرعبة؛ لم يخرج منها ورق، بل خرج منها "خالد الشاب" و**"سارة"**، يزحفان خارجين من بين الصفحات كأنهما يخرجان من رحم ممزق.​كانا مغطيين بالحبر بالكامل، وجسداهما يرتعشان من برد "العدم". وقف خالد الشاب، والمقص الذهبي المنصهر في يده يلمع بضوء احتجاجي، ونظر إلى نسخته العجوزة الجالسة على الكرسي المخملي.​"أنت.. أنا؟" همس خالد الشاب بصوت يملؤه الرعب والاشمئزاز.​ضحك خالد العجوز، وكانت ضحكته تشبه حفيف الورق اليابس. "أنا لست أنت فقط يا خالد.. أنا (النتيجة الحتمية) لكل كاتب يبيع روحه مقابل قصة خالدة. الساحر الذي قتلته في الفصل التاسع؟ لم يكن إلا ظلي. أنا من خلق العقار، وأنا من خلق سارة.. وأنا من جعلك أنت لتكون (بطلا) في روايتي التي لا تنتهي."تقدمت سارة، وشعرها الحريري الأسود يتدفق خلفها كأنه شلال من المداد. "إحنا مش مجرد حبر في روايتك! إحنا حقيقة بتوجعك!"​رفع خالد العجوز يده، وبحركة بسيطة من أصبعه المرتعش، "جمّد"

  • رواية الدور الرابع    الفصل التاسع: أرشيف الكلمات الميتة

    ______________________كان الهواء في الأرشيف بارداً لدرجة تجمد الأنفاس. لم تكن الرائحة رائحة ورق قديم فقط، بل كانت تفوح برائحة "الأوزون" والكهرباء المحترقة. شاشات الكمبيوتر المهشمة كانت تومض بكلمات متقطعة بلون أخضر فسفوري: (خطأ في الذاكرة.. الروح غير موجودة.. مسح.. مسح.. مسح).​نظرت سارة حولها، جسدها لا يزال يشعر بـ "تيبس" الخشب الذي أصابها في الفجوة السابقة. "خالد.. المكان ده مش سحر بس.. ده كأنه (سيرفر) لبيانات مرعبة."​مشى خالد ببطء نحو مصدر الصوت.. تيك.. تيك.. تيك.خلف كومة من الملفات الصفراء التي يعلوها التراب، وجدوا طاولة معدنية صدئة. فوقها كانت تقبع "آلة كاتبة" ضخمة، لكنها كانت مصنوعة من "عظام بشرية صغيرة"، والمفاتيح كانت عبارة عن "أسنان" منقوش عليها الحروف.​الآلة كانت تكتب وحدها. الورقة التي تخرج منها كانت سوداء تماماً، والحروف تُكتب عليها بـ "بياض ناصع".​اقترب خالد وقرأ السطر الأخير:(الصمت هو الحقيقة الوحيدة.. سارة وخالد وصلا الآن إلى نهايتهما.. المحو يبدأ في 3.. 2..)​"نهاية مين يا روح أمك!" صرخ خالد وهو يضرب الآلة الكاتبة بيده.​فجأة، توقفت الآلة. ساد صمت مطبق لثوانٍ، ثم

  • رواية الدور الرابع    الفصل الثامن: ثورة الهوامش (نزيف الكلمات)

    __________________________كتب خالد هذه الجملة بتركيز شديد، وهو يشعر بنوع من الراحة الغريبة، وكأنه تخلص من عبء ثقيل. كان يجلس في شقته الهادئة، والهدوء من حوله مريب، لا يقطعه إلا صرير قلمه على الورق.​لكنه لم يلاحظ أن "النقطة" التي وضعها في نهاية الجملة بدأت "تتسع".​داخل زجاجة الحبر الموضوعة أمامه، كانت سارة تشعر بكل حرف يكتبه خالد كأنه خنجر يغرس في روحها. كلما كتب أنها "غير موجودة"، شعرت بأن أطرافها تذوب وتتحول لسائل.​"أنا موجودة يا خالد.. أنا هنا!" صرخت سارة من داخل الزجاجة، لكن صوتها خرج على شكل "فقاعات هواء" صغيرة صعدت لسطح الحبر وانفجرت بصمت.​مشهد التشويق الأول (تمرد الحبر):​أراد خالد أن يكمل الكتابة، فغمس ريشته في الزجاجة مرة أخرى. لكن هذه المرة، شعر بمقاومة غريبة، وكأن الحبر أصبح لزجاً مثل "الدم المتجلط". عندما رفع الريشة، لم يخرج منها حبر أسود.. خرج منها "خيط رفيع من الذهب".​"إيه ده؟ القلم ماله؟" تمتم خالد بدهشة.حاول أن يكتب كلمة أخرى، لكن يده بدأت تتحرك رغماً عنه. بدلاً من إكمال القصة، بدأ القلم يرسم "ملامح وجه" على الهامش. كانت الملامح دقيقة جداً.. عينان واسعتان مليئتان

  • رواية الدور الرابع    الفصل السابع: غرفة المحاكمة (شهادة الأموات)

    لقد انتقلنا الآن إلى "نخاع العقار"، حيث تُحفظ العقود الأصلية وتُحاكم الأرواح التي حاولت التمرد. الفصل السابع هو فصل "الكشف عن الحقيقة المرة"، وفيه ستواجه سارة أهوالاً تجعل كل ما فات مجرد نزهة..... .... ... كان القبو (البدروم) يفوح برائحة العفن الممزوج بحبر "السكب" القديم. الجدران لم تكن مبنية من الطوب، بل كانت عبارة عن "رفوف من الجماجم البشرية"، وكل جمجمة مغروس في جبهتها قلم ريشة أسود، وكأنها لا تزال تكتب أفكارها الأخيرة حتى وهي رميم.​وضعت سارة يدها على صدرها، لتشعر برعشة "عصفور روح خالد" وهو يرتجف خوفاً. "خالد.. خليك معايا، إحنا قربنا نخرج،" همست بصوت مخنوق.​وفجأة، أضاءت الغرفة بضوء أزرق شاحب انبعث من "منصة خشبية" في المنتصف. خلف المنصة، كان يجلس ثلاثة قضاة.. لكنهم لم يكونوا بشراً. كانوا عبارة عن "أردية سوداء فارغة" تطوف في الهواء، وأقنعتهم كانت عبارة عن "صفحات بيضاء" مرسوم عليها عيون دامعة بالحبر.​"سارة.. الزوجة التي سرقت الحبر من المحبرة الكبرى،" نطق القاضي الأوسط بصوت يشبه صرير الأبواب الصدئة. "أنتِ متهمة بـ (تحريف النص) ومحاولة تهريب (كلمة محذوفة) خارج الكتاب."​"أنا مش بهر

  • رواية الدور الرابع    الفصل السادس: عهد الساحر (مقبرة القرابين)

    لم يكن الهواء في غرفة الساحر مجرد أكسجين، كان عبارة عن "هباء من الحروف". كل شهيق تأخذه سارة كان يشعرها بغصة، كأنها تبتلع دبابيس معدنية صغيرة.​كان الساحر، أو "صاحب العهد" كما يطلق على نفسه، يميل برأسه الذي يشبه الورق المجعد. "أتعرفين لماذا اخترت خالد؟" قالها وهو يمرر ريشته العظمية فوق "تمثال الشمع" الذي يسكنه روح خالد. "لأن صدق مشاعره تجاهك كان (حبراً نادراً). الحبر العادي يبهت مع الزمن، لكن الحبر المصنوع من الحب الصادق يظل نابضاً على الورق للأبد.. وهذا ما يجعل قصصي خالدة."​"أنت شيطان!" صرخت سارة وهي تحاول تحرير قدميها من "أفاعي الحروف" التي كانت تعصر كاحليها بقوة.​ضحك الساحر، وصوت ضحكته كان يشبه تمزيق مئات الصفحات في وقت واحد. "الشيطان يغوي، أما أنا فأنا (أوثق). أنا أمنح ضحاياي الخلود داخل صفحاتي. أليس هذا ما يريده البشر؟ أن يتذكرهم أحد؟"​وقف الساحر من على كرسيه العظمي، وكان طويلاً بشكل غير طبيعي، ملابسه كانت عبارة عن لفائف من الجلد منقوش عليها تعاويذ بلغات اندثرت منذ آلاف السنين. اقترب من سارة، ومد إصبعه الطويل ليلمس جبهتها.​بمجرد ملامسته لها، لم تشعر سارة ببرودة، بل شعرت بـ "ذك

  • رواية الدور الرابع    الفصل الخامس: بياض العدم

    ____________________________كان الهواء على سطح العقار يفوح برائحة "الورق المحروق". لم تكن هناك أضواء للقاهرة، ولا نيل، ولا زحام. كان المبنى يطفو وحيداً في فراغ أبيض شاسع، وكأنه الكلمة الوحيدة الناجية في صفحة فارغة.​نظرت سارة إلى خالد العجوز؛ تجاعيد وجهه كانت عميقة كأنها "أسطر" محفورة بإبرة، وشعره الأبيض يتطاير كأنه ريش قلم قديم. "خالد؟ أنت كبرت إزاي كدة؟ وإيه اللي جابك هنا؟"#رعب #قصص_رعب​سعل العجوز بقوة، وخرج من فمه غبار أسود يشبه الحبر الجاف. "الزمن هنا ملوش معنى يا سارة. أنا هنا من مية سنة.. ومن ثانية واحدة. أنا النسخة اللي (المؤلف) جرب يكتبها في المسودة الأولى ورفضها. أنا خالد اللي (فشل) إنه يحميكي."​تمسكت سارة ببكرة الفيلم الذهبية بقوة. "الفيلم ده بيقول إنك أنت اللي اخترت المكان ده! إنك بعت ذاكرتك عشان تبقى كاتب مشهور! ردي عليا.. ده حقيقي؟"​ضحك العجوز بمرارة، ودمعة سوداء سقطت من عينه لتترك بقعة حبر على قميصه المهترئ. "الفيلم مش بيكذب.. بس مش بيقول الحقيقة كاملة. أنا فعلاً وقعت العقد، بس مكنتش أعرف إن (الثمن) هو أنتي. المحرر خد مني (حبك) وحوله لحبر، وخد مني (وجودك) وح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status