LOGINالفصل الرابع
ما تركه الغياب لم أكن أعرف أن الغياب يمكن أن يكون حاضرًا إلى هذا الحد. كنت أظن أن الإنسان حين يبتعد، يأخذ معه صوته وملامحه وتفاصيله الصغيرة، ويترك خلفه مساحة فارغة سرعان ما يملؤها الوقت. لكنني اكتشفت أن بعض الأشخاص لا يغادرون حين يغادرون. يبقون. في فنجان القهوة الذي كنت أعدّه دون أن أشعر، ثم أتذكر أنه لم يعد هناك من ينتظر مني أن أخبره كيف كان يومي. في الأغاني التي كنت أتجاوزها سريعًا لأن كلماتها تشبهنا أكثر مما ينبغي. في الهاتف الذي كنت أفتحه عشرات المرات بلا سبب، وكأن يدي لم تفهم بعد أن الشاشة لن تحمل اسمه في كل مرة. وفي ذلك الصوت... صوته. كان أكثر ما يؤلمني أنني لم أعد أسمعه فعلًا، ومع ذلك كنت أسمعه في كل شيء. أحيانًا، وأنا وحدي، كنت أتخيل أنه اتصل. أمد يدي إلى الهاتف بسرعة. ثم أكتشف أن لا شيء حدث. لا مكالمة. لا رسالة. لا حتى إشعار صغير يخبرني أن هناك شخصًا ما ما زال يتذكرني. كنت أضحك على نفسي أحيانًا. وأقول: "إلى متى ستنتظرين؟" لكنني لم أكن أملك إجابة. ربما لأن الانتظار لم يعد قرارًا أتخذه. لقد أصبح عادة. مثل التنفس. مثل التفكير فيه دون أن أقصد. --- مرت الأيام بطيئة. أبطأ مما ينبغي. كنت أذهب إلى يومي كالمعتاد، أدرس، أتحدث مع من حولي، أبتسم حين يجب أن أبتسم، وأجيب حين يسألني أحدهم عن حالي. كنت أقول: "أنا بخير." وكانت تلك الجملة أسهل كذبة تعلمتها. لم يكن أحد يعرف أنني حين أعود إلى غرفتي وأغلق الباب، يتغير كل شيء. هناك فقط، كنت أسمح لنفسي أن أكون كما أنا. أن أشتاق. أن أضعف. أن أعترف لنفسي أنني ما زلت أنتظر شخصًا ربما لم يعد ينتظرني. كنت أجلس على طرف السرير، والهاتف في يدي. أفتح محادثته. أقرأ آخر رسالة. ثم أخرج. أعود إليها. أكتب شيئًا. أحذفه. أكتب من جديد. ثم أتراجع. لم أكن أعرف ما الذي أخشاه أكثر: أن أرسل له فلا يجيب... أم أن يجيب فأكتشف أن كل شيء تغير. كانت المسافة بيننا أكبر من مجرد مدن. كانت مسافة من الأسئلة التي لم نجد لها جوابًا. من الكلمات التي ابتلعناها. من الأشياء التي أردنا قولها ولم نقلها في الوقت المناسب. --- في إحدى الليالي، جلست قرب النافذة. كان الجو هادئًا بصورة غريبة. رفعت رأسي إلى السماء، وظللت أنظر طويلًا. لطالما كنت أعتقد أن المسافات لا تعني شيئًا أمام الأشخاص الذين يريدون بعضهم حقًا. لكنني بدأت أشك في ذلك. ربما المسافة ليست المشكلة. ربما المشكلة أن شخصًا ما، في لحظة ما، يتعب من محاولة الوصول. وكنت أخاف أن يكون صالح قد تعب. لم يكن خوفي من أن ينساني فقط. كنت أخاف أن أكون قد أصبحت ذكرى بالنسبة إليه، بينما ما زال بالنسبة لي حاضرًا لا أعرف كيف أخرجه من قلبي. وضعت الهاتف بجانبي. قلت لنفسي: "ربما يجب أن أتوقف." كانت كلمة بسيطة. لكنها بدت كأنني أطلب من قلبي أن يتوقف عن النبض. توقفي عن الانتظار. توقفي عن التعلق. توقفي عن البحث عن صوته في كل رنة هاتف. توقفي عن تفسير الصمت. توقفي عن السؤال: هل يشتاق إليّ كما أشتاق إليه؟ ثم ضحكت بحزن. كيف يمكن للإنسان أن يأمر قلبه بالنسيان؟ --- في اليوم التالي، حدث شيء صغير. صغير جدًا. لكنه بالنسبة لي كان كافيًا ليعيد كل شيء. كنت أرتب أشيائي حين وجدت شيئًا قديمًا كنت قد احتفظت به دون أن أعرف لماذا. توقفت يدي. لم أتحرك. فقط نظرت إليه. وفجأة عاد ذلك اليوم كاملًا. صوته. ضحكته. طريقته في الحديث. حتى الصمت الذي كان يأتي بين كلماته. جلست. وأدركت أنني لم أكن أشتاق إلى الحديث معه فقط. كنت أشتاق إلى نفسي حين كنت أتحدث معه. إلى تلك الفتاة التي كانت تضحك من أشياء بسيطة. إلى شعورها بأن هناك شخصًا يمكن أن يسمعها دون أن تضطر إلى شرح نفسها كثيرًا. ربما لهذا كان غيابه مؤلمًا. لأنه لم يأخذ شخصًا من حياتي فقط. أخذ جزءًا من النسخة التي كنت عليها معه. --- كنت أكره أن أعترف بذلك. لكنني كنت أراقب الهاتف. حتى وأنا أحاول ألا أفعل. إذا اهتز، تسارعت دقات قلبي. إذا ظهر اسم شخص آخر، شعرت بخيبة لا معنى لها. وإذا كان إشعارًا عاديًا، أضع الهاتف جانبًا وكأنني لم أكن أنتظر شيئًا. كنت أعيش بين الأمل والإنكار. أقول: "لن يتصل." ثم أتمنى أن يتصل. أقول: "لقد انتهى الأمر." ثم أفتح المحادثة. كنت أعرف أنني أؤذي نفسي بهذا الانتظار. لكنني لم أعرف كيف أتوقف. --- وذات مساء، رن الهاتف. تجمدت في مكاني. لم أمد يدي إليه مباشرة. نظرت إلى الشاشة. لم يكن اسمه. أغمضت عيني للحظة. ثم ابتسمت لنفسي ابتسامة حزينة. حتى الأمل صار يوجع. وضعت الهاتف جانبًا. ولأول مرة، لم أعده إلى يدي. قلت: "يكفي." لم أكن أعرف إن كنت أعني الانتظار أم الاشتياق أم الخوف. لكنني كنت أعرف أنني تعبت. تعبت من محاولة فهم شخص لا أملك إجابات قلبه. وتعبت أكثر من محاولة إقناع نفسي بأنني لا أهتم. --- مرت ساعات. وفي منتصف الليل تقريبًا، حدث ما لم أتوقعه. اهتز الهاتف مرة أخرى. هذه المرة لم أتحرك. ظل يهتز. ثم توقف. نظرت إليه. كانت هناك مكالمة فائتة. منه. صالح. بقيت أحدق في الاسم طويلًا. شعرت أن كل الأيام الماضية انضغطت في تلك اللحظة. كل الانتظار. كل الأسئلة. كل الليالي التي أقنعت نفسي فيها أنه لن يتصل. كان قد اتصل. لكن السؤال لم يكن: لماذا اتصل؟ بل: ماذا سأقول إن اتصل مرة أخرى؟ وضعت يدي على صدري. كان قلبي يخفق بقوة. كنت سعيدة. وخائفة. غاضبة. ومشتاقة. كل المشاعر التي حاولت ترتيبها طوال الأيام الماضية عادت دفعة واحدة، دون استئذان. ثم رن الهاتف من جديد. هذه المرة كان الاتصال مستمرًا. نظرت إلى اسمه. وترددت. ثوانٍ قليلة فقط، لكنها بدت لي عمرًا كاملًا. ثم أجبت. --- "السلام عليكم." جاء صوته من الطرف الآخر. ذلك الصوت الذي اشتقت إليه أكثر مما ينبغي. صمتُّ. لم أعرف ماذا أقول. كنت أخشى أن يسمع ارتجاف صوتي. قال: "ألو؟" قلت بهدوء حاولت أن أختبئ خلفه: "نعم." سكت قليلًا. ثم قال: "كنتِ نايمة؟" ضحكت بخفة. "لا." "ليش ما رديتي أول مرة؟" نظرت إلى النافذة. قلت: "ما سمعت." كانت كذبة صغيرة. لكنه لم يناقشني. قال فقط: "اشتقت أسمع صوتك." لم أجب. كان بإمكاني أن أقول له وأنا أيضًا. كان يمكنني أن أخبره كم اشتقت إليه. كم مرة تمنيت أن يتصل. كم مرة فتحت محادثته. لكن الكلمات علقت في حلقي. أنا التي لطالما عرفت كيف تصمت أكثر مما تتكلم، لم أجد الآن حتى الصمت مناسبًا. قلت: "كيفك؟" ضحك. "هذا أول سؤال؟" "طيب، وش أسأل؟" "اسألي عني." "أنا سألت." "لا، أقصد اسألي من جد." ابتسمت رغمًا عني. قلت: "اشتقت لك؟" سكت. ثم قال: "كثير." أخفضت عيني. لم أرد أن يعرف كم كانت تلك الكلمة تعني لي. --- تحدثنا طويلًا. عن أشياء كثيرة. عن الأيام التي مرت. عن الغربة. عن التعب. عن أشياء عادية جدًا، لكنها كانت تبدو مختلفة لأن صوته كان حاضرًا فيها. وفي أثناء الحديث، أدركت شيئًا. لم أكن بحاجة إلى كلمات كبيرة. لم أكن بحاجة إلى وعود. كنت فقط بحاجة إلى أن أعرف أنه ما زال هناك. أنني لم أصبح صفحة طواها ومضى. قلت له: "كنت أظنك ما عاد بتتصل." صمت. ثم قال: "وليش فكرتِ كذا؟" "لأنك اختفيت." "ما اختفيت." "بالنسبة لي اختفيت." لم يجب مباشرة. سمعت زفيره. ثم قال: "أحيانًا الإنسان يبتعد وهو ما يبي يبتعد." كانت الجملة بسيطة. لكنها بقيت في داخلي. "ليش؟" سألته. قال: "أشياء كثيرة." "مثل؟" "أشياء ما أعرف كيف أشرحها." كنت أستطيع أن أضغط عليه. أن أطلب تفسيرًا. أن أسأله لماذا تركني في هذا الانتظار. لكنني لم أفعل. ربما لأنني كنت أعرف أن بعض الإجابات، مهما كانت صادقة، لا تعيد الأيام التي مضت. --- في تلك الليلة، بعد أن انتهت المكالمة، لم أنم. كنت أستعيد صوته. كل كلمة. كل ضحكة. كل توقف قصير بين الجمل. لكن شيئًا تغير. لأول مرة، لم يكن الاشتياق مجرد ألم. كان معه شيء آخر. طمأنينة صغيرة. كأن الغياب، ولو للحظات، فتح نافذة وأدخل منها قليلًا من الضوء. ومع ذلك، كنت أعرف أنني لا أستطيع العودة إلى ما كنت عليه. لم أعد أريد علاقة تجعلني أخاف من كل صمت. ولا انتظارًا يجعل يومي متعلقًا برنة هاتف. كنت أريد شيئًا واضحًا. شيئًا لا يجعلني أسأل نفسي كل ليلة: هل ما زال يريدني في حياته؟ --- مرت الأيام التالية بشكل مختلف. لم يصبح صالح حاضرًا طوال الوقت. ولم تختفِ المسافة. لكن صوته عاد أحيانًا. مكالمة هنا. رسالة هناك. كلمات قصيرة. وكانت تلك التفاصيل الصغيرة تكفيني أحيانًا لأبتسم طوال اليوم. لكنني كنت أحاول أن أتعلم شيئًا جديدًا: ألا أجعل وجوده سببًا لسعادتي الوحيدة. كنت أعود إلى كتبي. إلى يومي. إلى نفسي. أخرج من الغرفة دون أن أحمل الهاتف معي دائمًا. وأحيانًا أتركه لساعات دون أن أتحقق منه. كان الأمر صعبًا. لكنني بدأت أفهم أن الحب الحقيقي لا يعني أن أفقد نفسي في شخص آخر. وأن الاشتياق لا يعني أن أتخلى عن كرامتي. وأن الانتظار لا يصبح جميلًا لمجرد أننا ننتظر شخصًا نحبه. --- وفي إحدى المكالمات، قال لي صالح: "تدرين وش أكثر شيء اشتقت له؟" قلت: "وش؟" قال: "هدوءك." ضحكت. "أنا هادئة؟" "إيه." "أنت ما تعرفني وقت ما أعصب." ضحك. "يمكن." ثم سكت لحظة. وقال: "بس حتى سكوتك له صوت." توقفت. كانت الجملة غريبة. لكنها أصابت شيئًا في داخلي. لأنني طوال حياتي كنت أظن أن صمتي يجعلني غير مفهومة. كنت أخاف أن يظن الناس أنني باردة. أو لا أشعر. أو لا أهتم. لكن ربما كان هناك شخص واحد استطاع أن يسمع ما لم أقله. --- بعدها بأيام، أخبرني أنه قد يضطر إلى السفر مرة أخرى. شعرت بشيء ينقبض داخلي. لم أقل له: لا تذهب. لم أطلب منه أن يبقى. قلت فقط: "الله يكتب لك الخير." سكت. ثم قال: "بس كذا؟" "وش أقول؟" "ما أدري." ضحكت. "أنت اللي بتسافر." قال: "وأنتِ؟" "أنا وش؟" "ما بتشتاقين؟" سكت. كنت أريد أن أقول: سأشتاق حتى أتعب. لكنني قلت: "يمكن." ضحك. "يمكن؟" "إيه." "كذابة." ابتسمت. لأول مرة لم أنكر. قلت: "إيه، بشتاق." ساد الصمت. لكنه لم يكن صمتًا مؤلمًا. كان صمت شخصين قالا ما يكفي. --- في صباح اليوم التالي، استيقظت وأنا أشعر أن شيئًا بداخلي أصبح أكثر هدوءًا. لم تختفِ مخاوفي. ولم أعرف إلى أين ستأخذنا الأيام. لكنني لم أعد أريد أن أعيش في الخوف من النهاية قبل أن تحدث. تعلمت أن بعض القصص لا تحتاج أن نعرف نهايتها حتى نعيش فصولها. وأن بعض الأشخاص يمرون في حياتنا ليتركوا أثرًا لا نستطيع إنكاره، سواء بقوا أم رحلوا. لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا. لم يكن صالح مجرد صوت عبر الهاتف. كان جزءًا من مرحلة كاملة في حياتي. مرحلة علمتني أن القلب يمكن أن يشتاق دون أن يتكلم. وأن الإنسان قد يخفي مشاعره سنوات، ثم تأتي لحظة واحدة تجعل كل ما أخفاه واضحًا. وعلمتني أيضًا أن الغياب لا يأخذ الأشخاص فقط. أحيانًا يأخذ منا النسخة التي كنا عليها معهم. ثم يعيدنا إلى أنفسنا بطريقة مختلفة. --- في تلك الليلة، كتبت في دفتري: "ربما لم يكن أصعب ما في غيابه أنه لم يكن هنا، بل أنني اكتشفت كم كان حضوره يسكن تفاصيل حياتي." توقفت. ثم كتبت تحتها: "لكنني لم أعد أخاف الغياب كما كنت." لم أكن متأكدة من صدق الجملة. لكنني أردت أن أصدقها. أغلقت الدفتر. وأطفأت الضوء. وضعت الهاتف بجانبي. ولم أنتظر أن يرن. هذه المرة، لم أحتج إلى الانتظار. لأنني كنت قد فهمت أخيرًا أن بعض الأشياء حين تكون لنا، ستجد طريقها إلينا مهما ابتعدت. وأن ما كُتب له أن يبقى، لا يحتاج إلى أن نطارده. --- بعد أيام قليلة، جاءني منه صوت لم أكن أتوقعه. لم يكن اتصالًا عاديًا. كان مختلفًا. سمعت في صوته تعبًا لم أعرف كيف أخفيه عن نفسي. سألته: "صالح، فيك شيء؟" قال: "لا." عرفت أنه يكذب. "صوتك مو طبيعي." سكت. ثم قال: "يمكن تعبان شوي." "من السفر؟" "من كل شيء." كانت الجملة أثقل مما قالها. شعرت بالخوف. قلت: "وش صار؟" لم يجب. ثم قال: "يمكن أحتاج أروح للعلاج." توقفت أنفاسي لحظة. "العلاج؟" "إيه." لم أعرف ماذا أقول. وفجأة، عادت كل مخاوفي القديمة. كل شيء ظننته انتهى. المسافة. الغياب. الصمت. الخوف من أن أفقد صوته مرة أخرى. قلت: "متى؟" قال: "قريب." "وليش ما قلت لي؟" "ما كنت أبي أقلقك." غضبت. ليس منه فقط. من خوفي. قلت: "وأنا وش؟" سكت. "أعرف آخر وحدة؟" قال بهدوء: "ما كان قصدي." أغمضت عيني. كنت أريد أن ألومه. أن أقول له إنه لا يحق له أن يختفي كلما ثقل عليه شيء. لكنني حين سمعت التعب في صوته، ذاب كل الغضب. قلت: "الله يشفيك." قال: "آمين." ثم أضاف: "لا تزعلي مني." توقفت. كانت الجملة مألوفة. لكن هذه المرة، شعرت بالخوف منها. كأنها ليست مجرد كلمات. كأنها بداية وداع لا أعرف كيف أستعد له. --- انتهت المكالمة. وبقيت ممسكة بالهاتف. نظرت إلى اسمه طويلًا. ثم قلت لنفسي: "هذه المرة لن أنتظر الصمت." لكنني لم أعرف أن الصمت كان أقرب مما أظن. وأن بعض المكالمات لا نعرف أنها الأخيرة إلا بعد أن تنتهي. وأن بعض الأصوات، مهما حاولنا الاحتفاظ بها، قد تتحول ذات يوم إلى ذكرى. ذكرى نبحث عنها في أعمق أماكن القلب. ونتمنى لو أننا عرفنا قيمتها قبل أن تصبح بعيدة. رفعت عيني إلى السماء. وهمست: "يا رب، لا تجعلني أندم على كلمة لم أقلها." ثم وضعت الهاتف بجانبي. ولأول مرة منذ زمن... بكيت. ليس لأنني كنت أعرف ما سيحدث. بل لأن قلبي كان يشعر بشيء لم يستطع عقلي أن يفهمه بعد. شيء يشبه الخوف. يشبه الوداع. ويشبه صوتًا أعرف أنني سأشتاق إليه طويلًا.الفصل السابعوأخيرًا... لنامنذ ليلة الخطوبة، تغيّر كل شيء.لم تعد الأيام تحمل ذلك القلق القديم.صار لصالح موعد ينتظره، ورسالة تبتسم لها، واسمٌ يزداد قربًا من قلبه يومًا بعد يوم.أما هي، فكانت كلما نظرت إلى خاتمها تشعر أن الأمر ليس حلمًا.لقد أصبح صالح جزءًا من مستقبلها.وفي صباح أحد الأيام، وصلت إليها منه رسالة:"هل أنتِ مستعدة ليوم طويل؟"ابتسمت وكتبت:"ماذا تخطط؟"جاء الرد سريعًا:"ستعرفين عندما أصل."---بعد ساعة، كان صالح أمام منزلها برفقة والدته.وحين خرجت، اكتشفت أنهما جاءا للحديث عن موعد الزواج.جلست العائلتان معًا.كانت الأحاديث كثيرة، والضحكات أكثر.وبعد نقاش طويل، اتفق الجميع على الموعد.اقترب موعد الزفاف.وحين سمعت التاريخ، شعرت بأن قلبها توقف للحظة.التفتت إلى صالح.كان يبتسم.قال لها بصوت منخفض:— أخيرًا أصبح لدينا تاريخ.ضحكت بخجل.— كنت أظن أن هذا اليوم بعيد.— وأنا كنت أخاف ألا يأتي.نظرت إليه.— لكنه جاء.ابتسم.— لأننا لم نستسلم.---مرت الأيام بسرعة.انشغلت هي بالتحضيرات، واختلطت الضحكات بالقلق الجميل.أما صالح، فكان يحاول أن يبدو هادئًا أمام الجميع، لكنه في الحقيق
الفصل السادسحين اختارنا البقاءلم تكن كل النهايات تشبه الوداع.بعض النهايات كانت تشبه بداية جديدة، تأتي بعد تعب طويل، وبعد ليالٍ ظننا فيها أن كل شيء قد انتهى.وكان صالح قد تعلّم ذلك بالطريقة الأصعب.مرّت أسابيع منذ آخر لقاء بينهما، لكنه لم يستطع أن ينساها.حاول أن يقنع نفسه أن الوقت كفيل بأن يجعل الذكريات أكثر هدوءًا، لكنه اكتشف أن بعض المشاعر لا يطفئها الوقت، بل يجعلها أكثر وضوحًا.وفي مساء هادئ، جلس صالح مع والدته.كان صامتًا على غير عادته.نظرت إليه طويلًا ثم قالت:— ما بك يا صالح؟ابتسم ابتسامة صغيرة.— أريد أن أخبرك بشيء.— يبدو الأمر مهمًا.تنفس بعمق.ثم قال:— أريد أن أتزوج.رفعت والدته حاجبيها بدهشة، ثم ابتسمت.— ومن هي؟سكت صالح للحظة.كان يعرف أن الاسم الذي سيقوله سيغير أشياء كثيرة.لكنه لم يعد يريد الهروب.قال بهدوء:— هي التي لم أستطع نسيانها.نظرت إليه والدته بحنان.— وهل هي تعرف أنك تريدها؟ابتسم.— لا... لكنني سأخبرها.---في اليوم التالي، أرسل إليها رسالة قصيرة:"هل يمكن أن نلتقي؟ أريد أن أتحدث معك في أمر مهم."قرأتها أكثر من مرة.شعرت بشيء غريب في قلبها.لم تعرف لماذ
الفصل الخامس وما بعد الغياب وما بعد الغياب لم أكن أعرف أن النهاية التي أخاف منها طوال الوقت قد تكون هي نفسها الطريق الذي يقودني إلى أجمل بداية. كنت أخاف الغياب. أخاف أن يتحول صوته إلى ذكرى، وأن يصبح اسمه شيئًا أتعمد ألا أتوقف عنده طويلًا حتى لا يؤلمني. كنت أخاف أن يأتي يوم أفتح فيه هاتفي فلا أجد أثرًا له، ثم أكتشف بعد سنوات أنني اعتدت الأمر. لكنني لم أكن أعرف أن بعض الغياب لا يأتي ليُنهي الحكاية. بل ليختبرها. --- في الأيام التي سبقت سفره، تغير كل شيء. لم تعد مكالماتنا طويلة كما كانت. كان صوته متعبًا، لكنه كان يحاول أن يخفي ذلك. وأنا كنت أتظاهر بأنني بخير. كنت أسأله: "كيف حالك اليوم؟" فيقول: "أفضل." وأعرف من صوته أنه ليس كذلك. كنت أقول: "انتبه لنفسك." فيجيب: "حاضر." ثم يصمت قليلًا. وكأن كل واحد منا يريد أن يقول شيئًا، لكن الكلمات كانت أكبر من أن تخرج بسهولة. وفي إحدى المرات قال لي: "إذا سافرت، لا تزعلي." ابتسمت رغمًا عني. "ومن قال إني بزعل؟" ضحك. "أعرفك." قلت: "طيب، وإذا زعلت؟" قال: "أرجع." توقفت. لم تكن الكلمة كبيرة.
الفصل الرابعما تركه الغيابلم أكن أعرف أن الغياب يمكن أن يكون حاضرًا إلى هذا الحد.كنت أظن أن الإنسان حين يبتعد، يأخذ معه صوته وملامحه وتفاصيله الصغيرة، ويترك خلفه مساحة فارغة سرعان ما يملؤها الوقت.لكنني اكتشفت أن بعض الأشخاص لا يغادرون حين يغادرون.يبقون.في فنجان القهوة الذي كنت أعدّه دون أن أشعر، ثم أتذكر أنه لم يعد هناك من ينتظر مني أن أخبره كيف كان يومي.في الأغاني التي كنت أتجاوزها سريعًا لأن كلماتها تشبهنا أكثر مما ينبغي.في الهاتف الذي كنت أفتحه عشرات المرات بلا سبب، وكأن يدي لم تفهم بعد أن الشاشة لن تحمل اسمه في كل مرة.وفي ذلك الصوت...صوته.كان أكثر ما يؤلمني أنني لم أعد أسمعه فعلًا، ومع ذلك كنت أسمعه في كل شيء.أحيانًا، وأنا وحدي، كنت أتخيل أنه اتصل.أمد يدي إلى الهاتف بسرعة.ثم أكتشف أن لا شيء حدث.لا مكالمة.لا رسالة.لا حتى إشعار صغير يخبرني أن هناك شخصًا ما ما زال يتذكرني.كنت أضحك على نفسي أحيانًا.وأقول:"إلى متى ستنتظرين؟"لكنني لم أكن أملك إجابة.ربما لأن الانتظار لم يعد قرارًا أتخذه.لقد أصبح عادة.مثل التنفس.مثل التفكير فيه دون أن أقصد.---مرت الأيام بطيئة.أ
الفصل الثالثوكان للصمت أثرلم يكن الغياب مؤلمًا في بدايته.في الأيام الأولى، كنت أجد له الأعذار بسهولة.ربما انشغل.ربما كان متعبًا.ربما لم يجد وقتًا مناسبًا للاتصال.وربما، وهذا ما كنت أتمسك به أكثر من أي شيء آخر، سيعود وكأن شيئًا لم يحدث.كنت أفتح هاتفي بين حين وآخر، لا لأنتظر رسالته، هكذا كنت أقنع نفسي، وإنما لأرى الوقت فقط.لكنني كنت أعرف الحقيقة.كنت أنتظر.كنت أنتظر اسمه أن يظهر على الشاشة، أو رقمه أن يضيء فجأة، أو صوته أن يأتي من الطرف الآخر ويهدم كل تلك الأفكار التي بدأت أبنيها في غيابه.ومع مرور الأيام، صار الصمت أطول.وأصبح الهاتف الذي كان يحمل صوته، يحمل غيابه أيضًا.لم أكن أريد أن أسأله: لماذا لم تتصل؟كنت أخاف أن يبدو سؤالي وكأنني أعاتبه على شيء لم يعد يعنيه.فأنا بطبيعتي لا أجيد المطالبة.ولا أحب أن أقول لأحد: اشتقت إليك.ولا أستطيع أن أعترف بسهولة بأنني كنت أنتظر.كنت أفضّل الصمت، حتى لو كان يؤلمني.ربما لأن الاعتراف بالمشاعر يجعلها أكثر حقيقة.وفي إحدى الليالي، جلست وحدي قرب النافذة.كان كل شيء هادئًا حولي، إلا رأسي.كنت أستعيد آخر مكالمة بيننا.أتذكر نبرة صوته، كلما
الفصل الثانيحين لم يتصل مجددًالم أنم تلك الليلة.حاولت.أغلقت هاتفي، وأطفأت المصباح، واستلقيت على سريري محاوِلة أن أقنع نفسي بأن ما حدث لم يكن سوى مكالمة غريبة في ليلة عادية.لكن صوته ظل عالقًا في رأسي."انتَبهي لنفسك.""إذا حصل شيء... لا تزعلي مني.""أتمنى فقط أن تتذكري..."فتحت عيني.تنهدت بضيق، ثم مددت يدي إلى الهاتف.لا مكالمات.لا رسائل.لا شيء.نظرت إلى الساعة.كانت الثالثة وسبع عشرة دقيقة صباحًا.قلت لنفسي:— ربما نام.وضعت الهاتف جانبًا.بعد أقل من دقيقة، أخذته مجددًا.فتحت محادثتنا.كتبت:"أنت بخير؟"ترددت.ثم أرسلتها.ظهرت علامة الإرسال.انتظرت.لا رد.وضعت الهاتف على الوسادة، لكنني بقيت أراقبه.مرت عشر دقائق.ثم عشر أخرى.لا شيء.أغلقت عيني.هذه المرة، غلبني النوم.---استيقظت على ضوء الشمس المتسلل من بين الستائر.كان أول شيء فعلته أنني بحثت عن هاتفي.وجدت رسالة واحدة.من شركة الاتصالات.أما صالح...فلا شيء.جلست على السرير، وشعرت بانقباض غريب في صدري.فتحت محادثتنا.آخر رسالة مني كانت:"أنت بخير؟"قرأها.كان قد قرأها.توقفت عند تلك الكلمة طويلًا.مقروءة.إذن هو بخير.أو







