LOGINلم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره.
أشرقت الشمس على الواجهة الزجاجية الشاهقة لمجموعة العاصي، وبدأ الموظفون يتوافدون كعادتهم، يحمل كل واحد منهم كوب قهوته وملفاته، غير مدركين أن ساعات قليلة فقط ستفصلهم عن أكثر الأيام اضطرابًا في تاريخ الشركة. في الطابق الأخير، كان لؤي يقف أمام النافذة الواسعة في مكتبه، يتأمل المدينة بصمت. لم يكن قد تعافى بعد من غياب سارة، لكنه أقنع نفسه أن الوقت كفيل بتهدئة كل شيء. طرق السكرتير الباب. "سيدي، اجتماع المستثمرين بعد عشر دقائق." أغلق لؤي الملف الذي بين يديه. "أخبرهم أنني قادم." ما إن خرج السكرتير حتى اهتز هاتفه بعشرات الإشعارات المتتالية. قطب حاجبيه. كان أول عنوان يتصدر جميع المواقع الإخبارية: "تحقيق أولي مع مجموعة العاصي بعد بلاغ مجهول يتهمها بتبييض الأموال وتحويل أموال مشبوهة إلى الخارج." اتسعت عيناه. فتح الخبر بسرعة. ثم الثاني... ثم الثالث... كل المواقع تتحدث عن الأمر ذاته. وفي أقل من خمس دقائق، تحولت الشائعة إلى حديث المدينة بأكملها. في الطابق السفلي... بدأ الموظفون يتجمعون أمام الشاشات. "هل هذا حقيقي؟" "مستحيل..." "مجموعة العاصي؟" "يقولون إن هناك تحويلات بملايين الدولارات." كانت الهمسات تكبر مع كل دقيقة، حتى دوى صوت سيارات توقفت أمام المبنى. التفت الجميع نحو المدخل الزجاجي. رجال بملابس رسمية يحملون حقائب سوداء، يتقدمهم مسؤول يحمل إذنًا رسميًا. ساد صمت ثقيل. تقدم أحدهم نحو الاستقبال. "نحن من هيئة التحقيق المالي." خرج لؤي من المصعد بخطوات ثابتة. نظر إلى المسؤول، ثم مد يده يصافحه. "لؤي العاصي." رد الرجل بهدوء: "وصلنا بلاغ يستوجب مراجعة سجلات الشركة." تناول لؤي نسخة الإذن، قرأها سريعًا، ثم أغلقها. رفع رأسه وقال أمام جميع الموظفين: "افتحوا لهم كل قسم." نظر إليه المدير المالي بدهشة. "لكن سيدي..." قاطعه لؤي. "إذا كانت شركتنا نظيفة، فلن نخشى أن يُفتح أي باب." ساد صمت قصير. ثم بدأت الأبواب تُفتح واحدًا تلو الآخر. دخل المحققون إلى المكاتب. فُتحت الخزائن. راجعت الحواسيب. وتنقلت الملفات من يد إلى أخرى. أما لؤي، فبقي واقفًا يراقب المشهد بعينين ثابتتين، بينما كان يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه. في القصر... كانت نوال تحتسي قهوتها عندما رن هاتفها. لم تكد تجيب حتى جاءها صوت ريم المرتجف. "سيدتي... افتحي التلفاز." ضغطت زر التشغيل. ظهر المذيع بوجه جاد. "تواصل الجهات المختصة منذ ساعات عملية تفتيش واسعة داخل مجموعة العاصي، وذلك بعد بلاغ يتعلق بشبهات مالية..." تجمدت نوال. وضعت الفنجان ببطء. ثم أمسكت هاتفها واتصلت بفارس. مرة... مرتين... ثلاثًا... لا إجابة. همست لنفسها: "أجب يا فارس..." لكن الهاتف ظل يرن دون رد. داخل الشركة... استمرت المراجعة ساعات طويلة. كان الصحفيون قد احتشدوا خارج المبنى. الكاميرات في كل مكان. وأسئلة لا تنتهي. "هل تنفون الاتهامات؟" "هل سيتم توقيف أحد المسؤولين؟" "هل صحيح أن الشركة متورطة في شبكة دولية؟" لم يجب لؤي. اكتفى بالسير نحو الداخل. وفي تلك اللحظة خرج أحد المحققين من قسم المحاسبة. قال بهدوء: "حتى الآن... لم نعثر على أي دليل يثبت ما ورد في البلاغ." تنفس بعض الموظفين الصعداء. لكن الرجل أكمل: "إلا أن التحقيق سيستمر حتى استكمال جميع المراجعات." لم يكن ذلك كافيًا لطمأنة أحد. فالخبر خرج... والسمعة اهتزت... وما يُقال في وسائل الإعلام لا يمحوه النفي بسهولة. دخل فارس قاعة الاجتماعات وقد بدت سنوات عمره كلها على وجهه. كان الهاتف لا يتوقف عن الرنين. شريك يعتذر عن توقيع عقد. بنك يجمّد تسهيلًا ماليًا ضخمًا. مستثمر يطالب بتأجيل مشروع جديد. جلس بصمت. حدق طويلًا في شعار الشركة المعلق على الجدار. تذكر أول مكتب استأجره قبل ثلاثين عامًا. تذكر الليالي التي نام فيها بين الملفات. وتذكر كل خطوة أوصلت اسم "العاصي" إلى ما هو عليه اليوم. هل يمكن أن يهتز كل ذلك... بسبب بلاغ مجهول؟ دخل أحد المديرين مسرعًا. "أستاذ فارس..." رفع رأسه ببطء. "شركة الشرق أعلنت تعليق شراكتها معنا حتى انتهاء التحقيق." أغمض فارس عينيه. ثم ابتسم ابتسامة باهتة. "حتى هم..." خرج المدير، وبقي وحده. مد يده نحو كوب الماء. لكن أصابعه بدأت ترتجف. سقط الكوب على الأرض، وتناثر الزجاج في أرجاء المكتب. وضع يده على صدره. شعر بأن الهواء أصبح أثقل من أن يدخل إلى رئتيه. حاول الوقوف... لكن قدميه خانتاه. وفي اللحظة التالية... سقط أرضًا. في الممر الخارجي... كان لؤي يوقع بعض المستندات الخاصة بالتحقيق عندما دوى صراخ حاد هز الطابق بأكمله. "ألحقوا الأستاذ فارس!" التفت لؤي بعنف. رأى الموظفين يركضون نحو مكتب والده. دون تفكير، اندفع بكل قوته. فتح الباب... فتجمد مكانه. كان فارس ممددًا على الأرض، وجهه شاحب، ويده ما زالت تقبض على صدره. ركع لؤي بجانبه بسرعة. "أبي!" لم يفتح فارس عينيه. ارتجفت يد لؤي وهو يمسك بيده. "أبي... اسمعني..." دخل المسعفون بعد لحظات، وأبعدوه برفق. لكن لؤي بقي واقفًا في مكانه، غير قادر على استيعاب ما يراه. قبل ساعة فقط... كان والده يدير واحدة من أكبر الشركات في البلاد. والآن... كان يصارع أنفاسه على أرض مكتبه. انطلقت صفارات سيارة الإسعاف، بينما وقف جميع موظفي الشركة في صمت قاتل، يراقبون السيارة وهي تغادر. أما لؤي... فلم يشعر يومًا أن العالم يمكن أن ينهار بهذه السرعة.كانت عقارب الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا، حين انعطفت سيارة لؤي إلى داخل بوابة القصر الحديدية.لم يكن يقود بسرعة...ولا ببطء.كان يقود كما يعيش منذ أيام...هادئًا من الخارج، مضطربًا من الداخل.منذ أن غادر الشركة، لم يفكر في الفتاة التي سيقابلها.ولم يحاول حتى أن يتخيل شكلها.كان قد اتخذ قراره بالفعل.سيمنحها فرصة عادلة...كما طلب منه والده.لن يقارنها بسارة.ولن يحملها ذنب قصة لم تكن جزءًا منها.كان يكرر هذه الكلمات في داخله منذ الصباح، كأنه يقنع نفسه أكثر مما يؤمن بها.أوقف السيارة أمام المدخل الرئيسي، ثم ترجل منها بهدوء.استقبله أحد العاملين، فألقى عليه التحية قبل أن يتجه مباشرة إلى مكتب والديه.طرق الباب طرقات خفيفة."ادخل."فتح الباب.وجد فارس جالسًا خلف مكتبه، بينما كانت نوال تقف قرب النافذة.رفع فارس رأسه مبتسمًا."ظننت أنك ستتأخر."أجاب وهو يخلع سترته ويضعها على المقعد المجاور."أنهيت اجتماعاتي بسرعة."ساد صمت قصير.ثم نظر حوله."أين هي؟"ابتسم فارس ابتسامة خفيفة.أما نوال، فاتجهت نحو النافذة مرة أخرى، ثم أشارت بيدها إلى الخارج."في الحديقة."تقدم لؤي بخطوات هادئة.لم يكن يرى سو
عبرت هبة البوابة الحديدية بخطوات أهدأ مما توقعت. لم تكن هذه زيارتها الأولى للقصر، لذلك لم تلتفت إلى ارتفاع الجدران ولا إلى اتساع الحديقة كما فعلت سابقًا. كانت تعرف الطريق المؤدي إلى المدخل، وتعرف تلك الأشجار التي جلست تحت ظل إحداها قبل أيام وهي تظن أن الحياة لا يمكن أن تصبح أكثر تعقيدًا مما هي عليه. ابتسمت في سرها. كم كانت ساذجة وهي تظن أن كل ما ينتظرها مجرد مقابلة عمل. فتح الباب قبل أن تصل إليه. خرجت نوال تستقبلها بنفسها، وما إن وقعت عيناها على هبة حتى شعرت براحة لم تتوقعها. لم تعد ترى تلك الفتاة التي دخلت مكتبها أول مرة بملامح أنهكها القلق. اليوم وقفت أمامها شابة تعرف كيف تخفي ارتباكها دون أن تخفي حقيقتها. كان الفستان العاجي الذي اختارته معها قبل أيام ينسجم مع هدوء ملامحها، بينما بدا شعرها البني أكثر ترتيبًا، لا لأنه صُفف بعناية فحسب، بل لأنها كانت تحمله بثقة مختلفة. اقتربت نوال وربتت برفق على يدها. "أهلاً بك يا هبة." ابتسمت هبة. "سعيدة برؤيتك، سيدتي." تأملتها نوال لحظة، ثم قالت: "يبدو أن السيدة ريم كانت محقة... الأناقة لا تُعلَّم، لكنها تُوقظ." ضحكت هبة
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى غرفة لؤي، فأيقظت المكان قبل أن توقظه. كان يقف أمام المرآة بصمت، يثبت أزرار قميصه الأبيض، ثم التقط سترته ذات اللون الأزرق الليلي وارتداها بهدوء. انعكس طيفه على الزجاج. رجل في الثلاثين من عمره. طويل القامة حتى بدا الباب خلفه أصغر مما هو عليه، عريض الكتفين، مستقيم الظهر، يحمل في هيئته وقارًا فرضته المسؤولية أكثر مما فرضه العمر. مرر يده بين خصلات شعره البني الداكن التي استقرت بعفوية فوق جبينه، ثم عدل ساعة يده ونظر إلى نفسه للحظات. لم يعد يرى الشاب الذي كان يركض خلف الحب... بل الرجل الذي يستعد لحمل إرث عائلته. أخذ نفسًا عميقًا. ثم خرج من غرفته. كان فارس يجلس في بهو القصر يقرأ بعض التقارير، بينما كانت نوال ترتشف قهوتها بهدوء. رفع فارس رأسه مبتسمًا. "صباح الخير." "صباح الخير." جلس لؤي إلى الطاولة. وضعت الخادمة فنجان القهوة أمامه، فشكرها بإيماءة خفيفة. كسرت نوال الصمت قائلة: "لا ترتبط بأي موعد بعد الساعة الواحدة." نظر إليها لؤي. "هل حان الوقت؟" أومأت برأسها. "نعم." أعاد فنجانه إلى الطبق بهدوء. "حسنًا... سأعود قبلها."
استلقت هبة فوق سريرها، تحدق في سقف غرفتها دون أن ترمش. كان كل شيء هادئًا... هادئًا على نحو يثير الريبة. أطلقت ضحكة قصيرة، ثم وضعت كفها فوق فمها كأنها تخشى أن يسمعها أحد. "يا للروعة..." ساد الصمت. ثم عادت تضحك مرة أخرى. "هبة الكيلاني..." رفعت سبابتها نحو السقف كأنها تخاطب شخصًا غير مرئي. "الفتاة المجنونة... على حد تعبير أمي." أغمضت عينيها، ثم أكملت وهي تعد على أصابعها: "خمسة وعشرون عامًا..." "أنقذت أمها..." "بمال عقد باعت فيه نفسها لعائلة العاصي." ما إن أنهت الجملة حتى انفجرت ضاحكة من جديد. كانت تضحك كما لو أن ما حدث يخص شخصًا آخر. لكن الضحكة لم تدم طويلًا. اختفت شيئًا فشيئًا... وحل مكانها صمت ثقيل. جلست على حافة السرير. وضمت ركبتيها إلى صدرها. حدقت في الفراغ طويلًا. ثم همست لنفسها: "هل أنا مجنونة فعلًا؟" لم تجد جوابًا. اكتفت بإطلاق زفرة طويلة، ثم ألقت بنفسها على الوسادة. وأغلقت عينيها محاولة أن تنام... لكن النوم كان آخر ما يفكر في زيارتها. في صباح اليوم التالي، خرجت والدة هبة من المستشفى وسط فرحة ابنتها التي لم تفارقها منذ نجاح ال
دخلت أشعة الصباح من نافذة الغرفة بهدوء، لتستقر فوق وجه والدة هبة. فتحت عينيها ببطء، ثم أدارت رأسها تبحث بعينيها عن ابنتها. ما إن لمحَتها هبة حتى أسرعت نحوها، وانحنت تقبل جبينها. ابتسمت الأم بصعوبة. "الحمد لله... ما زلت أراك." اغرورقت عينا هبة بالدموع. ابتسمت وهي تمسك يدها. "ولن تفقديني أبدًا بإذن الله." تنهدت الأم بارتياح وهي تتأمل وجه ابنتها. "يبدو أن العملية نجحت." ضحكت هبة من بين دموعها. "نجحت... والطبيب قال إنك ستعودين إلى البيت بعد أيام قليلة." ابتسمت الأم، ثم أغمضت عينيها للحظة. "إذن... سنعود إلى حياتنا الصغيرة." هزت هبة رأسها بحماس. "بل إلى حياة أجمل." رفعت الأم حاجبيها. "حياة أجمل؟" جلست هبة إلى جوارها. "سأعمل أكثر." "وسأدخر المال." "وسنغادر ذلك المنزل الضيق." ابتسمت وهي ترسم بيديها أحلامًا صغيرة في الهواء. "وسأشتري لك حديقة صغيرة تزرعين فيها الياسمين الذي تحبينه." ضحكت الأم بخفة. "وكل هذا من أجل عجوز مثلي؟" أجابت هبة بسرعة: "من أجل الإنسان الوحيد الذي بقي لي." ساد بينهما صمت دافئ. كانت الأم تنظر إلى ابنتها بفخر، حتى وقع
ظل الضوء الأحمر المعلق فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا لساعات، حتى فقدت هبة إحساسها بالوقت. لم تعد تنظر إلى الساعة. ولا إلى المارة. ولا حتى إلى هاتفها الذي امتلأ بالمكالمات التي لم تجب عنها. كانت عيناها معلقتين بذلك الباب الأبيض، وكأن العالم كله اختصر خلفه. كل ثانية كانت تمر أثقل من التي سبقتها. كانت تضغط كفيها ببعضهما حتى شحب لونهما، بينما لا يتوقف لسانها عن الدعاء. وفجأة... انطفأ الضوء الأحمر. انتفضت واقفة قبل أن يُفتح الباب. خرج الطبيب، ونزع كمامته ببطء، ثم ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلب هبة. قال بهدوء: "الحمد لله... العملية نجحت." لم تسمع ما قاله بعد ذلك. كل ما شعرت به أن ساقيها خانتاها. أطلقت ضحكة امتزجت ببكاء حار، ثم رفعت يديها نحو السماء. "الحمد لله... الحمد لله." كانت تكررها وهي تبكي، غير آبهة بمن حولها. شعرت وكأن جبلًا كان يجثم فوق صدرها قد اختفى في لحظة. ركضت في الممر تسأل الممرضة متى يمكنها رؤية والدتها، ثم شكرتها مرتين، وثلاثًا، حتى ابتسمت الممرضة من فرط تأثرها. لم تستطع أن تخفي فرحتها. كانت تتحرك بخ







