ANMELDEN
لم تذق سارة طعم النوم طوال تلك الليلة المظلمة. كانت تقلبات أفكارها والصدمات المتتالية التي تلقتها كفيلة بجعل وسادتها الحريرية جمرًا يحرق رأسها. ظلت تراقب خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للجناح، معلنةً عن بداية اليوم الأول في حياتها الجديدة.. اليوم الذي سيسقط فيه القناع الأرستقراطي القديم لتواجه حقيقتها كشريكة مجبرة للملياردير الأكثر قسوة في السوق.في تمام الساعة السابعة صباحًا بالضبط، قطع هدوء الجناح صوت تكة إلكترونية خفيفة، تلاها فتح الباب ببطء. لم يكن القادم فارس، بل كانت امرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها، ترتدي زيًا رسميًا صارمًا وخلفها ثلاث خادمات يحملن أكياسًا قماشية ضخمة وصناديق جلدية تحمل شعارات لأشهر دور الأزياء العالمية. تقدمت المرأة وقالت بنبرة عملية جافة تخلو من أي مشاعر:- "صباح الخير يا مدام سارة. أنا السيدة نجوى، مديرة المنزل. السيد فارس أمرنا بتجهيزكِ بالكامل وتنسيق إطلالتكِ بما يليق بزوجة رئيس مجلس الإدارة الجديد. السيارة ستكون عند البوابة في تمام السابعة وخمس وأربعين دقيقة، والسيد فارس ينتظركِ بالأسفل."نظرت سارة إلى الخادمات والملابس بذهول
تقدم فارس نحوها بخطوات بطيئة وموزونة، أحدث وقع حذائه الإيطالي فوق الرخام الأسود صدىً مرعبًا في هدوء الجناح الملكي الخانق. لم تتراجع سارة هذه المرة؛ بل وقفت مكانها بثبات مستميت، متمسكة بأطراف الملف الجلدي الأسود وكأنه درعها الأخير، وعيناها العسليتان تشتعلان بمزيج حارق من الخذلان والوجع والكبرياء الجريح. رفعت الأوراق أمامه، وجعلت يدها المرتجفة تستقر في الهواء وهي تقول بصوت مخنوق ومبحوح من أثر الصدمة:- "هل تعتقد أنك بهذه الأوراق الملوثة تملكني؟ هل تظن أن عجز والدي وخطأه الجنائي يمنحك الحق في تحويلي إلى دمية أو رهينة تحركها كيفما تشاء في حربك القذرة ضد جدك وعائلتك؟ أنت لم تنقذ عائلتي الليلة يا سيد فارس.. أنت فقط اخترت الوقت المناسب لتقايض على حريتهم بحريتي!"توقف فارس على بعد إنشات قليلة منها، لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس صورتها المذعورة في حدقتي عينيه الصقريتين المظلمتين. انبعثت منه رائحة عطر رجولي فاخر وحاد يفوح بالسطوة والمال، وامتزجت تلك الرائحة ببرود ملامحه الصارمة التي لم تهتز أمام دموعها. نظر إلى الأوراق في يدها بنظرة خاطفة، ثم رفع عينيه السوداوين نحو وجهها الباكي، وقال بنبرة ها
صعدت سارة درجات السلم الرخامي العريض بخطوات متثاقلة وثقيلة، وكأنها تجر خلفها سلاسل حديدية غير مرئية تطوق كاحليها. كان صدى حذاء الزفاف ذو الكعب العالي يتردد في أرجاء القصر الزجاجي المعاصر البارد، محدثًا نغمة رتيبة ومخيفة تذكرها في كل ثانية تمر بأنها أصبحت سجينة رسمية في عالم فارس الجارحي. لم تكن جدران القصر تشبه تلك القصور الأرستقراطية الكلاسيكية المليئة بالدفء واللوحات الزيتية العائلية التي اعتادت عليها في منزل والدها؛ بل كان المكان عبارة عن لوحة هندسية باردة من الخرسانة المسلحة، والزجاج الداكن، والإضاءات المخفية التي صممها فارس بنفسه لتعكس شخصيته: صارمة، عملية، ولا تحمل أي ذرة من الرحمة التقليدية.وصلت إلى الطابق العلوي، واتجهت نحو الجناح المحدد لها جهة اليمين بناءً على إشارة الحارس الشخصي الذي كان يتبعها بصمت مطبق. عندما فتحت الباب، لم تجد غرفة نوم تقليدية لعروس تنتظر ليلتها الأولى؛ بل كان الجناح ملكيًا معاصرًا يطغى عليه اللونان الرمادي والأسود الداكن، بنوافذ فرنسية عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف تطل على أضواء المدينة المتلألئة من بعيد، والتي بدت لها كقضبان مضيئة لسجنها الجديد.أغلق
استمرت سيارة الليموزين المصفحة في شق شوارع العاصمة شبه المهجورة بسرعة وثبات، بينما كان الصمت داخل المقصورة معزولاً تمامًا عن صخب العالم الخارجي. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس سارة المكتومة وهي تحاول كبح دموعها، بينما كان فارس يتابع بعض المؤشرات المالية عبر جهازه اللوحي ببرود تام، وكأن عقد قرانه قبل قليل كان مجرد اجتماع عمل روتيني انتهى بنجاح. بعد نصف ساعة من القيادة، انحرفت السيارة لتدخل عبر بوابات حديدية عملاقة فتحت إلكترونيًا، لتسير وسط حديقة شاسعة ومصممة بأحدث الطرز الهندسية، حتى توقفت أخيرًا أمام قصر معاصر شاهق الارتفاع. لم يكن القصر يشبه قصر جده الكلاسيكي القديم، بل كان تحفة معمارية من الزجاج الداكن، والخرسانة المسلحة، والإضاءات المخفية الذكية؛ مكان يعكس تمامًا شخصية صاحبه: حديث، قاسم، ولا يحمل أي ذرة من الدفء التقليدي.ترجل فارس من السيارة بوقاره المعتاد، والتفت نحوها ممسكًا بباب السيارة المفتوح، ونظر إليها قائلًا بنبرة آمرة لا تقبل التردد:- "انزلي يا سارة.. لقد وصلنا إلى منزلكِ الجديد."نظرت سارة إلى القصر الضخم وشعرت بانقباض في صدرها، وكأنها تنتقل من قفص إلى سجن أكثر إحكامًا. س
سحبت سارة وجهها بحركة حادة ومفاجئة أفلتت بها من بين أصابعه القوية، وتراجعت خطوة إضافية إلى الخلف وهي تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة ونفي نبرة صوتها المذعورة. كانت دقات قلبها تقرع في صدرها بقوة، لكن كبرياءها الأرستقراطي وعزة نفسها رفضا تمامًا أن تظهر بمظهر الضعف أو الرهينة المستسلمة أمام هذا الرجل الذي اقتحم حياتها في ليلة زفافها. حدجته بنظرة حادة ممزوجة بالذهول والغضب وقالت بصوت حاولت بكل قوتها أن تجعله متماسكًا وصارمًا:- "من أنت لتتحدث معي بهذه الثقة والنبرة المستبدة؟ أنا لا أعرفك.. ولن أتحرك خطوة واحدة من هذه الغرفة مع رجل غريب لا أفهم من أين أتى! أبي.. أمي.. كيف تقفان هكذا وتسمحان بهذا الجنون في غرفتي؟"التفتت نحو والديها تطلب تدخلهم السريع لإنهاء هذا الموقف الغريب، لكن الصمت المطبق والخانق الذي خيم على أركان الغرفة كان كافيًا ليوضح لها الحقيقة المرة التي تمنت لو كانت حلمًا. كان والدها ينظر إلى الأرض بعجز تام وعلامات الانكسار واضحة عليه، بينما تلافت والدتها التقاء عينيهما وأخفت وجهها بنحيب صامت. لقد أدرك الجميع في الغرفة، بلا استثناء، أن هذا الملياردير الواقف بقامته الفارهة أمامهم
أمام المرآة الكريستالية الضخمة التي امتدت من الأرض حتى السقف، كانت "سارة الهلالي" تقف كتمثال من مرمر بارد، خاوٍ من الحياة. فستان الزفاف الأبيض الأسطوري، المرصع بآلاف حبات الكريستال الدقيقة التي حاكت بريق النجوم، بدا لها في تلك اللحظة أشبه بكفن فاخر يطوق جسدها المرتجف. لم تكن هناك ذرة فرح واحدة في عينيها العسليتين؛ بل كان يرتسم في أعماقهما رعب صامت يلتهم ما تبقى من روحها. هذا الزفاف لم يكن يمت للحب بصلة، بل كان قرارًا عائليًا صارمًا، وصفقة تجارية بحتة صاغها والدها خلف الأبواب المغلقة لإنقاذ ما تبقى من إمبراطورية الهلالي المنهارة من الإفلاس، وذلك بدمجها مع مجموعة "الجارحي" صاحبة النفوذ الطاغي والسيطرة المطلقة على السوق المالي والمقاولات. كان العريس المنتظر هو "إياد الجارحي"، الابن المدلل والوريث الواجهي الذي اختاره مجلس إدارة المجموعة لإدارة هذه الشراكة الجديدة وتوقيع العقود الليلة أمام النخبة الأرستقراطية.التفتت سارة بنفاذ صبر نحو والدتها التي كانت تحاول جاهدة، بأنامل مرتعشة، ترتيب طرحة الدانتيل الطويلة المنسدلة على الأرض، وبنبرة مخنوقة يملؤها القلق سألت:- "أمي.. أين هو؟ تبقت نصف ساع







