Share

4

Author: Roban
last update publish date: 2026-06-09 18:32:04

استيقظتُ باكراً، والتفتُّ نحو سرير هبة فوجدتها ما زالت غارقة في نومها. نظرتُ إلى الساعة فكانت تشير إلى السابعة صباحاً. نهضتُ واغتسلتُ ثم صليت، وخرجتُ على الفور؛ إذ كان ينتظرني مشوار عمل ضروري كان من المفترض أن أنجزه بالأمس، لكنني لم أتمكن من ذلك بسبب مراسم عقد القران.

وصلتُ إلى منزل أحد زبائني، وهو رجل أصلح له سيارته منذ أيام وأماطل في إنهاء عملها. سلمتُ عليه وبدأتُ العمل في السيارة فوراً لأفرغ منها سريعاً، فميعادي للخروج مع هبة بعد ساعتين. والحمد لله، نجحتُ في إصلاح الأعطال الكهربائية بالكامل، وقبضتُ أجري ثم غادرت. مررتُ بالسوق في طريقي، فابتعتُ فولاً، وفلافل (طعمية)، وجبناً، وسلطة، ودكوة (زبدة الفول السوداني)، وزيت فول، وملحاً، وبعض الخبز، ثم قفلتُ راجعاً إلى المنزل.

لأول مرة في حياتي، أستيقظ مسترخية وبمزاج رائق، والحمد لله، لكنني تمنيتُ في سري ألا يكون هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة. تذكرتُ أنني لا أملك فرشاة أسنان، وتبين لي أن عماد قد غادر المنزل. اغتسلتُ وصليت، ثم قلتُ لنفسي إنني سأجول في أركان البيت لأستكشفه.

وجدتُ أن الغرفة الوحيدة المؤثثة هي تلك التي نمتُ فيها بالأمس. أما المطبخ فكان قاحلاً تماماً، ليس فيه سوى بضعة صحون وأكواب، وقدر (حلة) واحدة. وفي الردهة، كان هناك طقم أرائك قديم يبدو متهالكاً للغاية. قلتُ في نفسي مبتسمة: *"الحمد لله.. إنه حقاً بيت رجل عازب!"* لا يوجد شاي، ولم أجد كسرة خبز آكلها، كما أنه لا يمتلك ثلاجة، ولا موقداً (بتجاز)، ولا أي شيء.. فقط كانون قديم يعمل بالفحم.

لما لم أجد ما أفعله، جلستُ في الردهة أفكّر في حياتي المشتتة؛ كيف سأعيش مع عماد؟ وهل سيكون مثل أحمد؟ أم سيكون أفضل منه؟ أم تراه أفظع وأقسى؟ وبينما أنا غارقة في أفكاري، سَمِعتُ باب الشارع يُفتح، ومن مكاني في الردهة يمكنني رؤية المدخل بوضوح. كان القادم هو عماد، يحمل في يديه أكياساً كثيرة. رأيته يوقف دراجته النارية بجانب السيارة ثم دخل إليّ.

ـ عماد: "السلام عليكم".

ـ هبة: "وعليكم السلام".

ـ عماد: "صباح الخير.. كيف أصبحتِ اليوم؟"

ـ هبة: "صباح النور.. الحمد لله، وأنت كيف حالك؟"

ـ عماد: "الحمد لله.. لقد أحضرتُ طعام الإفطار، فالمطبخ لا يحتوي على شيء لإعداد الشاي. هاكِ، خذي هذه الأغراض وجهزي لنا المائدة".

ـ هبة: "حسناً".

نهضتُ وأخذتُ منه الأكياس ودخلتُ بها إلى المطبخ. كنتُ مترددة ومحتاجة لطلب فرشاة أسنان، لكنني حسمتُ أمري وعدتُ إليه بخطى متثاقلة.

ـ هبة: "عماد.. أحتاج لفرشاة أسنان، فضلاً".

ـ عماد بأسف: "معذرة والله، لقد نسيتُ تماماً! حسناً، دقائق معدودة وسأعود إليكِ".

خرج مسرعاً، فاستغللتُ غيابه لأعد الإفطار. بحثتُ في الطاولة التي تضم الأواني القليلة، فوجدتُ سكيناً قطعتُ بها السلطة، ثم أعددتُ الفول وخلطتُه بالجبن والفلافل والزيت. وضعتُ الطعام في صحون مسطحة كبيرة (مثل تلك المستخدمة في إعداد البوش)، ووجدتُ طاولة خشبية قديمة في الردهة، فنظفتها ووضعتُ عليها الأكل، وجلستُ أنتظر عودته.

دخلتُ المنزل فوجدتها قد أعدت المائدة وتنتظرني بصبر. ناولتها الفرشاة، فقالت لي: "تفضل وكل أنت أولاً"، لكنني أصررتُ على انتظارها حتى تغسل وجهها وتأتي لتشاركني. في تلك اللحظة خطر ببالي: *حقاً إن أحمد رجل غبي لم يقدر النعمة التي كانت بين يديه! إنها فتاة مهذبة وطيبة، ما شاء الله تبارك الله.*

بعد قليل جاءت وجلستْ، فسمينا الله وبدأنا الأكل.

ـ عماد: "اعذريني، هذا بيت عازب كما ترين، لذا فهو فارغ، ولم أكن مهيأً أو مرتباً نفسي للزواج".

ـ هبة: "الأمر عادي، لا توجد مشكلة".

ـ عماد: "بعد الفراغ من الإفطار، سنخرج معاً".

ـ هبة باستغراب: "أنا وأنت؟"

ـ عماد: "أجل".

ـ هبة بتردد: "إلى أين؟"

ـ عماد: "إلى السوق، لنشتري لكِ ثياباً واحتياجات خاصة. وبما أن عملي ميسور والحمد لله، سأعطيكِ كل فترة مبلغاً من المال لتشتري مستلزمات البيت، فالمنزل فارغ كما تلاحظين. أما النقود التي معي الآن، فستكفي لشراء أغراضكِ الشخصية، وغرفة نوم جديدة، وبعض مستلزمات المطبخ".

ـ هبة بطاعة: "حاضر".

كانت كلماتها بسيطة جداً، ومعظم ردودها تقتصر على "حاضر" و"حسناً"، ونادراً ما توجّه إليّ سؤالاً. بعد أن فطرنا، دخلت هبة لتبديل ثيابها، ثم خرجت وهي ترتدي ذات الثوب الذي جاءت به بالأمس. في هذه الأثناء، كان معاذ قادماً ليأخذ سيارته.

ـ عماد: "هبة، هل تجيدين ركوب الدراجة النارية؟ لأن معاذ سيأتي الآن ليأخذ سيارته وسنضطر لاستخدام الموتر".

ـ هبة: "لا أعرف في الحقيقة، لكنني سأتعلم".

ـ عماد: "تمام".

أخرجتُ الدراجة النارية وركبنا معاً بعد أن علمتها كيف تتشبث جيداً وتوازن نفسها. وصلنا إلى سوق أم درمان لأنه الأقرب إلى بيتنا. دخلنا المحل الأول للثياب، فظلت واقفة في مكانها دون أن تختار أي شيء.

ـ عماد: "ما بكِ يا هبة واجمة هكذا؟ اختاري ما يعجبكِ".

ـ هبة بنبرة خجولة: "أقصد.. ألن تختار لي أنت؟"

ـ عماد بابتسامة: "الملابس لكِ أنتِ لا لي، فاختاري على ذوقكِ".

بعد كلماتي هذه، بدأت تتحرك وتنتقي الثياب. طفنا بنصف السوق تقريباً، واشترت ملابس للمنزل، وثياباً للخروج، وعباءات، وبعض الفساتين. أدركتُ أن الأكياس أصبحت كثيرة ولن نتمكن من حملها معاً على الدراجة النارية. كان لي صديق يمتلك محلاً للمجوهرات، فتوجهتُ إليه. لم تكن الميزانية تسمح بشراء طقم كامل، فاكتفيتُ بشراء دبلة (خاتم الزواج) لها، ثم خرجنا.

ـ هبة: "إلى أين سنذهب الآن يا عماد؟"

ـ عماد: "نريد شراء موقد (بتجاز) وبعض أدوات المطبخ".

ـ هبة بإرهاق: "ولكنني تعبتُ كثيراً".

ـ عماد: "حسناً، سنعود للمنزل، وغداً سأعطيكِ المال لآتي بكِ إلى هنا وتشتريها بمفردكِ".

ـ هبة بتعجب: "أنا؟ آتي إلى السوق بمفردي؟"

ـ عماد: "أجل، في الصباح سأنزلكِ هنا وأمضي أنا إلى عملي".

ـ هبة: "تمام".

كانت الساعة قد قاربت الرابعة عصراً، فاقترحتُ أن نأكل شيئاً قبل العودة. دخلنا إلى أحد مطاعم السوق وتناولنا الطعام، ثم توجهنا إلى موقف المواصلات. أركبتُ هبة في "ركشة" (عربة توك توك) مع كل تلك الأكياس والحاجيات، بينما انطلقتُ أنا بدراجتي النارية لألتقي ببعض الشباب.

كنتُ أجلس في الركشة والبهجة تملأ قلبي؛ فهذه أول مرة في حياتي أخرج فيها بمفردي وأشعر بهذه الحرية. في تلك اللحظة، شعرتُ بأنني أحببتُ عماداً حقاً لتقديره لي. وصلنا إلى المنزل، وكانت الأكياس كثيرة وثقيلة (نحو أربعة أو خمسة أكياس)، فأدخلتها إلى الداخل بنشاط.

كنتُ سعيدة للغاية، وصرتُ أقيس الثياب واحداً تلو الآخر وأجربها كطفلة صغيرة نالت لعبتها المنتظرة. وعندما نال مني التعب، استلقيتُ لأخذ قسط من الراحة، ولم أستيقظ إلا على يد عماد وهو يوقظني برفق.

ـ عماد: "استيقظي يا هبة.. الساعة الآن السابعة والنصف مساءً".

ـ هبة باعتذار: "هل نمتُ كل هذا الوقت؟ معذرة، لم أعد طعام العشاء".

ـ عماد بابتسامة: "أعلم ذلك، وكنتُ متأكداً أنكِ لن تجدي ما تطهين فيه، لذا أحضرتُ طعاماً جاهزاً معي، وسنستمر هكذا حتى نشتري مستلزمات المطبخ".

ـ هبة: "حاضر".

ـ عماد بنبرة جادة وصادقة: "هبة.. أنا لستُ مثل أحمد، ولن أتحكم في تصرفاتكِ أبداً. أريدكِ أن تكوني على طبيعتكِ معي؛ اخرجي لتتعرفي على الجيران، وتحدثي مع صديقاتكِ، وافعلي كل ما ترغبين فيه، اتفقنا؟"

ـ هبة: "حسناً".

خرج عماد إلى الردهة، وكنتُ أحدث نفسي عن مدى نبل تعامله ولطفه الشديد معي. لكن الغصة كانت في داخلي؛ فأن أين لي بالصديقات؟ ولا أملك حتى هاتفاً محمولاً، وكان أقصى طموحي في الماضي أن أكمل دراستي الجامعية، لكن الله مستعان على ما كان.

خرجتُ وتناولتُ العشاء معه، وجلسنا صامتين لفترة حتى قطع الصمت قائلاً:

ـ عماد: "هبة، تعالي وانظري إلى هذه الصور".

ـ هبة: "حاضر".

ذهبتُ وجلستُ بجانبه، وكان يتصفح في هاتفه صوراً لغرف النوم.

ـ عماد: "تفضلي واختاري الغرفة التي تعجبكِ".

ـ هبة: "حسنًا".

كانت مجموعة من الغرف الفاخرة، وكل واحدة أجمل من الأخرى. اخترتُ واحدة نالت إعجابي، فقال لي: "غداً سأذهب لشرائها إن شاء الله". وبعدها تفرقنا ومضى كل منا إلى سريره.

استيقظتُ مع صلاة الفجر؛ صليتُ ثم قمتُ بتنظيف الردهة والمطبخ بالكامل، وجلستُ أنتظر حتى استيقظ عماد.

ـ عماد: "صباح الخير.. لمَ لمْ توقظيني؟"

ـ هبة: "صباح النور.. قلتُ في نفسي أن أدعك ترتاح قليلاً".

ـ عماد: "لا، رجاءً.. إذا استيقظتِ باكراً فأيقظيني معكِ".

ـ هبة: "حاضر".

ـ عماد: "ارتدي ثيابكِ لنخرج فوراً".

خرجنا معاً وركبتُ خلفه على الدراجة النارية. توقف عند بائعة شاي (ست شاي) على الرصيف، فتناولنا الشاي عندها، ثم نقلني إلى السوق ونزل معي قائلاً:

ـ عماد: "هذه ورقة مدون عليها رقم هاتفي؛ لو حدث لكِ أي طارئ، اطلبي من أقرب شخص إليكِ أن يتصل بي، إلى أن أشتري لكِ هاتفاً خاصاً بكِ لاحقاً".

ـ هبة: "حاضر".

أخذتُ الورقة ودخلتُ السوق بهمة. اشتريتُ سخاناً وموقداً كهربائياً (هيتر)، وطقماً من القدر (الحلل) والمقالي (طوة)، ودستة أكواب للماء، ودستة لأكواب الشاي، وأخرى لقهوة الجبنة. كما ابتعتُ وعاءين لحفظ الشاي (سيرمسين)، وحافظة ماء، وسكاكين، وملاعق، ودستة من الصحون، وموقد غاز صغير، وخلاطاً كهربائياً، وبعض التفاصيل الصغيرة للمطبخ. ولم يتبقَ معي من المال إلا أجرة الركشة ومبلغ بسيط جداً ادخرته جانباً.

وصلتُ إلى الموقف واتفقتُ مع سائق ركشة، وبدأنا برفع الحاجيات بداخلها، ثم انطلقت العربة. فجأة تذكرتُ أنني لم أتناول طعام الإفطار، وأن عماد سيعود جائعاً ويحتاج إلى غداء حقيقي. مررنا بمجمع يضم متجراً (سوبر ماركت) ومحلاً للجزارة معاً، فطلبتُ من السائق التوقف ونزلتُ.

كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أتسوق فيها بحرية، وأشتري وأختار بمفردي دون رقيب. دخلتُ المتجر وجلبت مستلزمات الغداء وشاي الصباح، ورفعتها إلى الركشة. ثم توجهتُ إلى الجزارة واشتريتُ بعض اللحم.

ولكن.. وأنا هامة بالخروج من المحل، تيبست الدماء في عروقي! رأيتُ آخر شخص في هذا العالم كنتُ أتمنى أو أتوقع رؤيته. تملكتني رعدة شديدة وبدأتُ أدعو في سري بهلع: *"يا رب ألا يراني.. يا رب استرني واصرف نظره عني!"*

رحتُ أركض نحو الركشة بخطى متسارعة وقبل أن يلمحني، ولكن.. متى كان الحظ يبتسم لي؟ التفتُّ فجأة على صوته الجهوري المألوف وهو يصرخ بحقد:

ـ أحمد: "هبة! أيتها الساقطة.. توقفي مكانكِ!"

من التي تتوقف؟! تملكني هبوط حاد وشعرتُ بأن ركبتيّ لا تقويان على حملي. ركضتُ بكل ما أوتيتُ من قوة نحو الركشة، وارتميتُ بداخلها وأنا أصرخ بالسائق بذعر: "أسرع! أرجوك تحرك بأقصى سرعة!"

لكن أحمد كان أسرع؛ صرخ وعيناه تتطايران شرراً:

ـ أحمد: "والله سأقتلكِ اليوم! اصبري عليّ!"

لم يكد ينهي تهديده حتى ركب سيارته وانطلق خلف الركشة يطاردنا كالمجنون. وفي تلك اللحظة، انهمرت دموعي كالمطر وعجزتُ عن التفكير، وأنا أتساءل برعب: *ترى.. ما الذي يخبئه لي مصيري الآن؟*

.. يُتبع

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج من اجل التحليل    22

    :# رواية: العوض الجميل## الفصل الأول: شفرة اللقاء ولعبة الغميضةطلعتُ السلم الـمُتعب بخطوات متثاقلة، أنفاسي تكاد تُسمع في ردهة العمارة الهادئة. كل درجة أرفع فيها قدمي كانت تحمل معها ثقل الترقب. وحين وصلتُ إلى الطابق العلوي، شُلّت حركتي تمامًا، وتجمدت الدماء في عروقي لـصدمتي العنيفة.هناك، عند باب الشقة، كان يقف عماد... زوج هبة!كان يمد يده بـتردد ويضغط على جرس الشقة التي يقطن فيها أهلها، والذين أعلم يقينًا أنهم لا يأتون إلى هنا إلا بعد المغرب.دارت الدنيا بي، واشتعل رأسي بالأسئلة والهواجس: *"يا ربي، أعمل شنو؟ أمشي عليهو وأواجهو؟ بس لو مشيت ح يسألني الجابني هنا شنو في الوقت دا؟ وهو ذاتو هنا ليه؟ وبتعمل شنو يا عماد في المحل دا؟"*حاولت العودة أدراجي، لكن الفضول البشري اللعين وتلك الرغبة في كشف المستور تغلبت عليّ تمامًا. حسمت أمري وتحاملت على نفسي ومشيت بخطوات ثابتة باتجاهه.التفت عماد فجأة حين سمع صوت وقع أقدامي، وظهرت المفاجأة والارتباك على ملامحه قبل أن يحاول رسم قناع من الهدوء.بدأتُ الحديث بنبرة جافة حاولْتُ أن أجعها طبيعية: * أبو هبة: عماد؟ بتعمل هنا شنو في الوقت دا؟ * عماد (وه

  • زواج من اجل التحليل    1

    كانت خطة "مهاب" و"خباب" تتجاوز مجرد الحصول على معلومة؛ كانت تعني استرداد الكرامة المسلوبة. وقف "مهاب" في ركن الغرفة المظلمة، ويداه ترتجفان بينما يمسك بهاتفه، وكأنه يمسك بفتيل قنبلة ستفجر حياة والدهم المزدوجة. قال بصوت خافت ومشوب بالتوتر لـ "خباب": "لقد أرسلتُ رقم ابنة أبي لعماد للتو، هل تعتقد أنها النهاية؟"نظر إليه "خباب" بعينين تلمعان بالإصرار: "ليست النهاية يا مهاب، بل هي البداية. لقد سئمنا العيش في ظلال الأكاذيب، وإذا كان لعماد أن يساعدنا، فليفعل."في تلك الأثناء، كان "عماد" يحاول اقتناص دقائق إضافية من النوم، حين اخترق هدوء الصباح رنين هاتفه المزعج كأنه طلقة رصاص. نظر إلى الشاشة، كان اسم "عبد الله" يضيء بإلحاح."أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.." تمتم "عماد" بصوت مبحوح من أثر النعاس، ثم أجاب بضيق: "يا عبد الله! الساعة لم تتجاوز السادسة صباحاً، هل سقطت السماء على الأرض؟"ضحك "عبد الله" من الطرف الآخر بمرح مستفز: "بل قل إنني سأرتقي للسماء! أنا سعيد للغاية يا صاحبي."استشاط "عماد" غيظاً: "سعيد؟ وتتصل بي في هذه الساعة؟ هل فقدت عقلك؟""أنت لا تفهم.. اسمعني جيداً،" قال عبد الله بنبرة أكثر

  • زواج من اجل التحليل    21

    ## الجزء الأول: المواجهة الصعبةكنت أجلس منذ ساعة عاجزاً عن فتح الموضوع لأمي. كنت أظن الأمر سهلاً، لكنني وجدته في غاية الصعوبة. ومع ذلك، حسمت أمري وخرجت من الصالون متوجهاً إليها.**أنور:** "يا أمي."**أمي:** "نعم يا أنور، ما بك؟"**أنور:** "تعالي، أريدكِ في موضوع ضروري جداً."**أمي:** "قل خيراً، اللهم اجعله خيراً."**أنور:** "والله لا أعرف كيف أبدأ يا أمي، لكن يجب أن تسمعيني للنهاية."**أمي (تضحك):** "ما بك؟ هل تريد الزواج أم ماذا؟"**أنور:** "هناك موضوع زواج، لكن ليس أنا."**أمي:** "آه، من إذن؟"**أنور:** "أبي."**أمي:** "يا للهول! أبوك يريد الزواج؟" وبدأت تبكي وتصرخ.**أنور:** "يا أمي، هو لا يريد الزواج فحسب، بل هو متزوج بالفعل ولديه ثلاث بنات، أصغرهن تبلغ من العمر 13 عاماً."**أمي:** "يا قلبي! كنت أشعر بذلك، لكنني سمعت كلام جدك فسكتُّ. ليتني لم أسمعه! قلبي كان دائماً يخبرني أن أباك متزوج، لكنني كنت أكذب نفسي." واستمرت في البكاء.**أنور:** "يا أمي، أعلم أن الموضوع صعب، لكنكِ تعرفين منذ البداية أن جدي هو من أجبر أبي على الزواج منك."**أمي:** "هذا كلام قديم، وأنا أيضاً كنت مجبرة، لكنن

  • زواج من اجل التحليل    20

    :## الجزء الأول: زيارة الأهل والحقيقة المرةرأيتُ والدي، لكنه كان يبدو كمن أُجبر على المجيء، وبرفقته كانت أمي وأنور ومهاب وخباب. أدخلتهم إلى الصالة، وسلموا على جهان. دخلتُ لأحضر الماء، بينما ذهبت جهان لتوقظ "هذين الزوجين" (عماد ومعاذ). قدمت لهم الضيافة وجلستُ معهم.**أنور:** "ما أخبارك؟"**هبة:** "بخير الحمد لله. قولي لي يا أمي، كيف حال خالتي؟"**أمي:** "بخير والله، وتسلم عليكِ."**هبة:** "أريد زيارتها حقاً."**أمي:** "اذهبي إليها، فقد سألت عنكِ."**مهاب:** "أين عماد؟"**هبة:** "يأتي الآن مع معاذ من الصالون."**أنور:** "هل هذه زوجة معاذ؟"**هبة:** "نعم، جهان جاءتني منذ الصباح الباكر."**جهان:** "كيف حالك يا خالتي؟"**أمي:** "بخير والله."بقيتُ أتبادل الحديث والمزاح مع خباب ومهاب وجهان، فأنور بطبعه قليل الكلام، أما والدي فمنذ أن دخل وهو ممسك بهاتفه ولم ينظر إلينا مطلقاً؛ عرفتُ أنه لم يكن يريد المجيء، لكن يبدو أن أنور أجبره. دخل معاذ وعماد وسلموا على أمي وإخوتي ووالدي، وجلسوا معهم، بينما دخلنا نحن إلى المطبخ لنجهز الفطور. دخلت أمي معنا.**أمي:** "أين أهلكِ يا جهان؟"**جهان:** "والدتي ف

  • زواج من اجل التحليل    19

    ## الجزء الأول: الاستعداد للرحلة**عماد:** "أقسم بالله لقد ضجرت!"**هبة:** "لقد اقتربنا!"**عماد:** "خمس دقائق وسأخرج، وسأترككِ لتتأكدي بنفسكِ."لطالما سمعتُ عن "جرجرة" النساء وتأخرهن في الاستعداد، لكنني اليوم جربتُ الأمر بنفسي ووجدتُ أن كلامهم صحيح مائة بالمائة. لقد مرت ساعة كاملة وأنا أنتظر وهي لا تزال تتزين. رنّ هاتفي ففتحت الخط:**معاذ:** "اخرج، أنا أمام الباب."**عماد:** "تمام، أنا خارج."أغلقتُ الخط ودخلتُ المطبخ، حملتُ الكعكة وأدوات القهوة التي أعدتها هبة، وأوصلتها إلى معاذ؛ حيث كان هو وجهان وعبد الله ينتظرونني في الخارج، ثم عدتُ لأحضر هبة.**عماد:** "يا هبة، الجماعة ينتظروننا في الخارج، اخرجي يا أختي!"**هبة:** "لقد انتهيت، انظر.. كيف أبدو؟"على الرغم من أنني كنت ضجراً منها، إلا أنني حين رأيتُ طلتها نسيتُ كل غضبي.**عماد (مبتسماً):** "تبدين كالعسل يا قلبي."**هبة:** "حسناً، التقط لي صورة."**عماد:** "الناس ينتظرونني يا فتاة!"**هبة:** "صورتان فقط."صورتُها، فأخذت حقيبتها وبينما كنا نهمّ بالخروج أوقفتني:**هبة:** "عماد، دقيقة واحدة."**عماد:** "يا الله! ما الأمر يا هبة؟"اقتربت

  • زواج من اجل التحليل    18

    :## الجزء الأول: تنظيف المنزل وذكريات البدايات**معاذ:** "لا، لن نصل لنتيجة."**عماد:** "حسناً، فلنبعها وليأخذ كل منا نصيبه من المال."بعد ذلك، خرجت أنا وهبة لنفطر؛ فقد طلبت هبة السمك لأنها تحبه. تناولنا الإفطار والتقطنا بعض الصور، ثم مررنا بمتجر للمثلجات (الآيس كريم)، تناولناه وعدنا إلى المنزل.**هبة:** "يا إلهي! المنزل متسخ جداً."**عماد:** "سأساعدكِ في تنظيفه."**هبة:** "حسناً."أحضرنا أدوات التنظيف، أزلنا خيوط العنكبوت، وكنست هبة المنزل، وغسلنا الجدران والأبواب والنوافذ والأثاث. غسلت هبة أواني المطبخ، وآخر شيء قمنا به هو مسح الأرضية.**عماد (مرهقاً):** "أف! أقسم بالله أنني لم أتعب هكذا في حياتي!"**هبة (تضحك):** "هههههه، أمر عادي، أنا أنظف بهذه الطريقة في كل عيد، وأحياناً في الأيام العادية أيضاً."**عماد:** "والله أنتِ متعبة حقاً! إذا كان هذا حالكنّ، فليعينكنّ الله."**هبة:** "انهض، فلنستحم."**عماد:** "لنستحم معاً؟"**هبة:** "بالطبع لا! أنت ادخل حمام الصالون، وأنا سأدخل حمام الغرفة."**عماد:** "أنتِ مملة! حسناً، ماذا عن الغداء؟ لنحضر "بوش" (فتة فول) وننتهِ من الأمر."**هبة:** "ل

  • زواج من اجل التحليل    3

    مرَّ أسبوع كامل، وكنتُ جليسة غرفتي أبكي حظي العاثر؛ فقد غيّر والدي خطته فجأة، وبدلاً من أن يأتي الرجل للخطبة والتعارف، قرر أن يتم عقد القران مباشرة وأن يقتادني العريس معه دون أي مراسم أو احتفال. أحضرت لي أمي ثوباً وطقماً من ثيابها وقالت لي بجفاء: "ارتدي هذه الثياب".كنتُ أندب حظي وأتساءل في قرارة ن

  • زواج من اجل التحليل    2

    ـ معاذ: "ما بك يا أحمد؟ تبدو مشتت الذهن وغير مستقر."ـ أحمد: "والله يا معاذ.. لقد طلقتُ هبة."ـ عبد الله بذهول: "كيف ذلك؟! ألم نكن معك بالأمس فقط؟"ـ عبد الرحيم: "لا تقل لي إنك فعلت ذلك بسبب موقف الأمس!"ـ معاذ: "أنت لا بد تمزح، لا يمكن أن تكون جاداً!"ـ أحمد: "بل أنا جاد تماماً، لقد أثارت غضبي الش

  • زواج من اجل التحليل    1

    **«أيهاااااء.. هااااء.. هاء»** (صوت زغاريد متعالية)ـ أتبادرين بالزغاريد والبهجة فوق كل ما حدث؟!ـ ولمَ لا أزغرد؟! وأخيرًا تحررتُ منك، ومن قذارتك وسواد قلبك! وأخيرًا انتهى العذاب الذي ذقته معك.ـ والله لم ينتهِ بعد! أقسم بالله العظيم سأعيدكِ إليّ، وسأعذبنّكِ أضعاف ما ذقتِ سابقًا!لم أنتظر سماع المز

  • زواج من اجل التحليل    7

    مرَّ أسبوعٌ هو الأسوأ في حياتي كلها؛ فلم تكن هبة ترضى بالحديث معي، رغم أن اهتمامها بي لم يتغير قيد أنملة؛ فهي تواصل العناية بأدق تفاصيلي، من طعامي إلى ملابسي، لكنها كانت تلتزم الصمت المطبق. كنت أتبع نصائح معاذ وعبدالله، أغمرها بالدلال والهدايا، لكنها لم تلن، ومع ذلك لم أستسلم، كنت ألاحقها وأسعى خلف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status