LOGIN
لم تكن لارا فينتورا تتخيل أن اليوم الذي ستدخل فيه قصر عائلة «فالنتي» سيبدأ بصوت المطر وهو يضرب زجاج السيارة السوداء الثقيلة، ولا أن أول صورة ستراها للرجل الذي ستصبح زوجته بعد ساعات ستكون انعكاسه البارد على نافذة الطابق العلوي، واقفًا هناك ببدلته السوداء وكأنه لا ينتظر عروسًا، بل ينتظر وصول خصم جديد إلى أرضه، بينما توقفت السيارة أمام الدرج الرخامي الطويل، وانفتح الباب من الخارج دون أن يقترب أحد منها بكلمة ترحيب واحدة، وكأن كل شيء في ذلك المكان كان مصممًا ليخبرها منذ اللحظة الأولى بأنها لم تدخل بيتًا، بل دخلت منطقة لا يملك فيها أحد الحق في الخطأ.
خرجت لارا ببطء، ورفعت رأسها نحو الواجهة الهائلة للقصر، ولم تسمح لملامحها أن تكشف شيئًا من القلق الذي كان يتحرك في صدرها، لأن الخوف آخر شيء يمكنها أن تحمله معها إلى الداخل، خصوصًا وهي تعرف جيدًا أن الرجل الموجود خلف تلك الجدران لا يرحم الضعفاء، وأن اسمه وحده كان كافيًا ليفتح الأبواب المغلقة، ويخرس رجالًا اعتادوا إصدار الأوامر لا تلقيها. داميان فالنتي. الرجل الذي كانت الصحف تسميه رجل الأعمال الأكثر غموضًا في المدينة، بينما كانت الشائعات التي لا تجرؤ الصحف على نشرها تقول شيئًا آخر تمامًا، تقول إن نصف الموانئ يتحرك بإشارة منه، وإن بعض الرجال اختفوا بعد خلاف واحد معه ولم يسأل أحد أين ذهبوا، وإن عائلته لم تبنِ ثروتها بالاستثمارات وحدها، بل بتاريخ كامل من النفوذ والدم والصفقات التي لا تُكتب على الورق. ومع ذلك، ها هي تقف أمام منزله بثوب أسود طويل بدل فستان زفاف أبيض، تحمل في يدها حقيبة صغيرة لا تكفي لحياة امرأة انتقلت إلى منزل زوجها، لكنها لم تأتِ أصلًا لتبدأ حياة جديدة. لقد جاءت لتنهي شيئًا بدأ قبل خمسة عشر عامًا. اقترب منها رجل في الخمسين من عمره، بدا من طريقة وقوفه أنه مسؤول عن أمن القصر، وقال بنبرة رسمية: «السيد فالنتي بانتظارك.» لم تجبه لارا إلا بإيماءة صغيرة، ثم سارت خلفه داخل القصر، وكانت عيناها تتحركان بهدوء فوق التفاصيل التي قد لا يهتم بها أي ضيف عادي؛ عدد الحراس، مواقع الكاميرات، الممر الجانبي المؤدي إلى الطابق السفلي، الباب الخشبي الذي لم يحمل مقبضًا خارجيًا، وحتى الرجل الواقف قرب الدرج والذي أخفى يده داخل سترته لحظة دخولها. لم تكن تتأمل المكان من فضول عروس. كانت تحفظه. فمنذ ثلاثة أشهر، عندما وصلها ملف الزواج للمرة الأولى، لم تقرأ اسم داميان فالنتي مرة واحدة فقط، بل بحثت في كل شركة يملكها، وكل شخص يعمل معه، وكل فرد يحمل اسم عائلته، وحين اكتشفت أن الرجل الذي تبحث عنه منذ سنوات قد يكون داخل هذه الأسرة، لم تتردد في الموافقة، حتى لو كان الثمن أن تصبح زوجة الرجل الأخطر بينهم جميعًا. وصلت إلى قاعة واسعة يتوسطها مدفأة حجرية، وهناك كان يقف داميان أخيرًا. لم يحتج إلى أن يعرّف نفسه. كان أطول مما ظهر في الصور، أكثر هدوءًا أيضًا، وشعره الأسود مسرّح إلى الخلف بعناية، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها منذ اللحظة التي دخلت فيها، لا بالطريقة التي ينظر بها رجل إلى المرأة التي سيقترن بها، بل بطريقة شخص اعتاد قراءة من أمامه قبل أن يقرر إن كان يستحق الثقة أم لا. توقفت لارا على بعد خطوات منه. قال داميان دون مقدمة: «وصلتِ متأخرة سبع دقائق.» نظرت إلى الساعة الكبيرة خلفه ثم عادت إليه. «والعقد لم يذكر أن الزواج سيلغى إن تأخرت سبع دقائق.» ارتفع حاجبه قليلًا، وكان ذلك التغيير الوحيد في وجهه. «العقد ذكر أنك ستكونين هنا في السادسة.» «وأنا هنا.» «في السادسة وسبع دقائق.» ابتسمت لارا ابتسامة خفيفة وقالت: «إذن يبدو أن زواجنا بدأ بأول خيبة أمل لك.» ساد صمت قصير. الرجل الذي وقف قرب الباب خفض عينيه كأنه لم يتوقع أن يتحدث أحد مع داميان بهذه الطريقة، بينما اقترب داميان خطوة واحدة فقط، لكن قربه كان كافيًا ليغيّر الهواء بينهما. «لا أحب المفاجآت، لارا.» ثبتت عينيها في عينيه. «ولا أنا.» بقي ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه شعر أن الجملة لم تكن عادية، ثم ابتعد واتجه نحو الطاولة حيث وُضع ملف سميك إلى جانب قلم ذهبي. «إذن لنختصر الأمر. عائلتك مدينة لشركتي بمبلغ لن تستطيع سداده، وأنا أوقف جميع الإجراءات ضد والدك مقابل هذا الزواج، وستحصلين على الحماية والاسم وكل ما تحتاجينه، وفي المقابل تؤدين دورك كزوجتي أمام المجتمع.» لم تتحرك لارا، لكنها شعرت بانقباض خافت داخل صدرها عند سماع كلمة «والدك»، ليس خوفًا عليه، بل لأن داميان ما زال يعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي لقبولها. دين والدها لم يكن سوى الباب الذي احتاجته. قالت بهدوء: «وأي دور بالضبط؟» استدار إليها. «الحضور حين أطلب منك الحضور، الابتسام حين يكون ذلك ضروريًا، وعدم التدخل في أعمالي.» قالت: «وأنت؟» «ماذا عني؟» «ما دوري في تحديد ما تفعله أنت؟» حدق بها لحظة ثم أطلق ضحكة قصيرة بلا مرح. «لا دور لك.» أومأت كأنها توقعته. «إذن نحن لا نتزوج. نحن نوقع هدنة مؤقتة.» اقترب منها هذه المرة حتى صار بينهما أقل من خطوة، وقال بصوت منخفض: «سميها ما تشائين، لكن بعد توقيعك، تحملين اسمي، وحين تحملين اسمي تصبحين مسؤوليتي.» رفعت ذقنها قليلًا. «أنا لا أحتاج رجلًا يتحمل مسؤوليتي.» «كل من يعيش تحت هذا السقف يحتاج ذلك.» «ربما لأنك جعلتهم يصدقون هذا.» تغيّر شيء في عينيه عندها، شيء صغير لكنه خطير، وكأنها للمرة الأولى لمست الحد الفاصل بين الرجل الهادئ والرجل الذي يحذّر الجميع من الاقتراب منه، ومع ذلك لم تتراجع. وفجأة انفتح باب جانبي ودخلت امرأة في أواخر الخمسينات، أنيقة بصورة حادة، مرتدية ثوبًا رماديًا وحول عنقها عقد زمرد قديم، وما إن رأت لارا حتى توقفت للحظة أطول مما ينبغي. كانت تلك اللحظة كافية. لارا عرفت وجهها فورًا. إيلينا فالنتي. عمة داميان. والمرأة التي ظهرت في صورة قديمة كانت أم لارا تحتفظ بها داخل صندوق مقفل قبل موتها. شعرت لارا بأن أصابعها بردت، لكنها أجبرت نفسها على عدم إظهار شيء. أما إيلينا فقد اقتربت ببطء، وعيناها لا تفارقان وجه لارا. «إذن هذه هي العروس.» قال داميان: «لارا فينتورا.» مدت إيلينا يدها، لكن قبل أن تلمسها توقفت فجأة، ونظرت إلى العقد الصغير الذي ترتديه لارا، عقد فضي بسيط يتدلى منه حجر أسود صغير. تغير وجهها. لم يكن تغيرًا كبيرًا، لكنه كان واضحًا للارا. همست إيلينا: «من أين حصلتِ على هذا؟» وضعت لارا أصابعها فوق الحجر بصورة غريزية وقالت: «كان لوالدتي.» ساد صمت غريب. تدخل داميان فورًا: «هل تعرفينه؟» لكن إيلينا تراجعت خطوة، واستعادت ملامحها بسرعة شديدة. «لا. ظننته قطعة رأيتها من قبل.» ابتسمت لارا. «غريب. لأنك بدوتِ وكأنك تعرفينه جيدًا.» التفت داميان نحو عمته، لكن إيلينا تجاهلت السؤال، ثم قالت إنها ستتركهما لإكمال الإجراءات وخرجت بسرعة أكبر مما دخلت. بمجرد أن أُغلق الباب، عاد داميان ينظر إلى لارا، لكن هذه المرة لم تكن نظرته كما كانت في البداية. صار فيها سؤال. وربما شك. قال: «من كانت والدتك؟» لم تتردد لارا. «امرأة ماتت قبل أن تخبرني بكل أسرارها.» نظر إليها داميان طويلًا. ثم دفع الملف نحوها. «وقّعي.» تقدمت نحو الطاولة وفتحت الصفحة الأخيرة، وأخذت القلم، بينما كانت نبضاتها ترتفع لأول مرة منذ وصولها، لا بسبب الزواج ولا بسبب الرجل الواقف إلى جانبها، بل لأن نظرة إيلينا أكدت لها شيئًا انتظرت سنوات لتعرفه. أمها لم تكن غريبة عن هذه العائلة. وضعت توقيعها على الورقة. لارا فينتورا. ثم أضاف المحامي الموجود في زاوية القاعة اسمه وتوقيعه، وأغلق الملف. قال داميان: «من هذه اللحظة أنتِ لارا فالنتي.» رفعت عينيها إليه. «لا تتعود على الاسم بسرعة.» «ولماذا؟» اقتربت منه قليلًا وقالت بهدوء: «لأن بعض الأسماء لا تعيش طويلًا.» تصلبت ملامحه، لكنها لم تمنحه فرصة للسؤال. وفي تلك الليلة، بعدما أُغلقت أبواب القصر واستقر الصمت في ممراته، دخلت لارا الغرفة التي أُعدت لها، وأقفلت الباب، ثم أخرجت من بطانة حقيبتها صورة قديمة مهترئة كانت تخفيها منذ سنوات. في الصورة كانت والدتها أصغر سنًا، واقفة أمام المبنى نفسه الذي تجلس فيه لارا الآن. لكنها لم تكن وحدها. إلى جانبها كانت إيلينا فالنتي. وفي الخلف، رجل ثالث تمزق نصف وجهه من الصورة عمدًا. قلبت لارا الصورة. على ظهرها جملة واحدة بخط أمها: «إذا حدث لي شيء… ابحثي عن الرجل الذي يحمل الخاتم الأسود.» وفي اللحظة نفسها، خارج غرفتها، كان داميان واقفًا في الممر ينظر إلى يده. إلى الخاتم الأسود الذي لم يخلعه منذ عشر سنوات.بقيت لارا تحدق في الرسالة الأخيرة على شاشة الهاتف الصغير، بينما كانت كلماتها تضغط على أكثر نقطة لم تعد قادرة على تجاهلها؛ فالشخص المجهول لم يعد يكتفي بإرسال صور من الماضي أو التلاعب بأسرار والدها، بل أصبح يملك المفتاح المعدني الذي احتفظ به داميان، ويعرف أن القطعة المكملة له كانت مخفية داخل عقد والدتها، والأخطر من ذلك أنه يعرف شيئًا عن السنوات التي تلت موت أبيها، وهي السنوات نفسها التي تجنبت إيلينا الحديث عنها قبل دقائق.مد داميان يده وأخذ الهاتف قبل أن تلمسه لارا، ثم تفحصه سريعًا وقال: «لن تذهبي إلى أي مكان وحدك.»رفعت عينيها إليه، ولم تجد في وجهه الغضب الذي اعتادت رؤيته عندما يفقد السيطرة على موقف ما، بل برودة أكثر خطورة، فقالت: «وأنت تعتقد أنني سأجلس هنا بعدما أخبرني أن لديه جوابًا عن أمي؟»«أعتقد أنه يعرف بالضبط أي جواب سيجعلك تفعلين ما يريده.»اقتربت إيلينا منهما، لكن لارا التفتت إليها فورًا وقالت: «إذن وفري عليّ الذهاب إليه وأخبريني أنتِ، ماذا حدث لأمي بعد تلك الليلة؟»توقفت إيلينا، ونظرت إلى فيكتور قبل أن تعيد عينيها إلى لارا، ثم قالت بصوت أثقل من السابق: «بعد موت أبيك اختفت أمك
لم يحتج داميان إلى أكثر من ثانية حتى يتحرك، فما إن ظهرت إيلينا على شاشة المراقبة واقفة عند أحد مخارج القصر رغم أمر الإغلاق حتى مد يده إلى جهاز الاتصال وأصدر أمرًا حاسمًا بعدم السماح لها بالمغادرة، ثم اتجه نحو الباب المعدني، إلا أن لارا لحقت به قبل أن يفتحه وقالت إن بقاءها داخل الغرفة لم يعد خيارًا، خصوصًا بعدما عرفت أن عمته كانت تعرف والدتها، وأنها قد تكون الشخص الوحيد القادر على تفسير سبب خوفها عندما رأت العقد ذي الحجر الأسود حول عنقها ليلة الزواج.نظر داميان إليها للحظة وكأنه يفكر في الاعتراض، لكنه أدرك أن إبعادها الآن سيعيدهما إلى المواجهة نفسها التي انتهيا منها قبل دقائق، فاكتفى بقوله: «ستبقين بجانبي مهما حدث»، ولم تجادله لارا، ليس لأنها أصبحت مستعدة لتنفيذ أوامره، بل لأنها أرادت الوصول إلى إيلينا قبل أن تختفي ومعها جزء آخر من الحقيقة.خرج الثلاثة من الغرفة المحصنة، وكان فيكتور يسير خلفهما تحت مراقبة اثنين من رجال الأمن، بينما امتلأت ممرات القصر بالحراس، وعندما وصلوا إلى المدخل الجانبي وجدوا إيلينا واقفة أمام الباب المغلق وحقيبتها في يدها، وفي مواجهتها رجلان يمنعانها من المغادرة.
بقيت كلمات الرجل المسن معلقة خلف الباب المعدني كأنها أوقفت كل شيء داخل الغرفة، فلم تعد لارا تسمع أصوات أجهزة الاتصال ولا حركة الحراس التي تظهر على الشاشات، وكل ما بقي في رأسها هو اعترافه بأنه الرجل الثالث الموجود في الصورة، ذلك الوجه الذي تعمد شخص ما إخفاءه، والرجل الذي كان مع والدها ووالد داميان في الليلة التي سبقت الموت الذي عاشت خمسة عشر عامًا وهي تظنه مجرد حادث.التفتت إلى داميان، فوجدته يحدق في شاشة الكاميرا بملامح متصلبة، ثم قال للرجل عبر جهاز الاتصال: «ابتعد عن الباب وارفع يديك حيث أستطيع رؤيتهما»، فنفذ الرجل الأمر دون اعتراض، وبعد لحظات فتح داميان الباب بحذر وأدخله قبل أن يعيد إغلاقه، بينما بقيت لارا في مكانها تراقب وجهه محاولة أن تتذكر إن كانت قد رأته منذ دخولها القصر، إلا أنها لم تستطع.كان الرجل في أواخر الستينات، ويداه ترتجفان قليلًا رغم محاولته إخفاء ذلك، وعندما وقعت عيناه على لارا تغيرت ملامحه بصورة أربكتها، ثم قال بصوت خافت: «تشبهين أمك أكثر مما توقعت.»توقفت أنفاسها للحظة، فقد كانت تنتظر أن يتحدث عن والدها، لا عن أمها، فتقدمت نحوه وسألته مباشرة: «كنت تعرف أمي أيضًا؟»ن
لم تكن إجابته بحاجة إلى تفسير إضافي حتى تدرك أن حياتها، منذ اللحظة التي دخل فيها هذا الرجل إليها، كانت تسير فوق حقيقة أخفاها عنها عمدًا، فقد بقيت واقفة أمام الممر السري وهي تنظر إليه كأنها تراه للمرة الأولى، بينما كانت أصوات الحركة المضطربة في أرجاء القصر تصل إليهما مكتومة خلف الجدران، والهاتف في يدها ما يزال يحمل الصورة التي التقطها شخص مجهول لهما قبل لحظات قليلة، إلا أن كل ذلك لم يعد أكثر ما يخيفها، لأن الجملة التي اعترف بها للتو كانت أقسى من صوت الهجوم نفسه؛ لقد كان يعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي يتعلق بموت والدها قبل أن يقرر الزواج منها، ومع ذلك اقترب منها ورتب لقاءهما وتركها تدخل زواجًا لم تكن تعرف أن جذوره تمتد إلى ماضٍ دفنته عائلتها منذ سنوات.حاول أن يمد يده نحوها عندما لمح التغير الذي طرأ على وجهها، لكنها ابتعدت عنه وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم الفوضى التي كانت تعصف داخلها: «إذا طلبت مني الآن أن أثق بك وأدخل هذا الممر من دون أن تعطيني جوابًا واحدًا حقيقيًا، فأنا لن أفعل، لأنني منذ دخلت هذا البيت وأنا أسمع منك أن الوقت غير مناسب، وأن معرفتي بالحقيقة ستعرضني للخطر، لكنني
لم تعرف كم مضى من الوقت وهي واقفة أمامه والملف الأسود بين يديها، تحدق مرة في صورتها القديمة ومرة في التاريخ المكتوب أعلى الصفحة، ثم تعود بعينيها إلى الرجل الذي أصبح زوجها قبل ساعات قليلة فقط، فقد كانت تحاول أن تجد تفسيرًا واحدًا يجعل ما اكتشفته طبيعيًا، لكن كل الاحتمالات التي مرت في ذهنها كانت تقودها إلى الحقيقة نفسها؛ لقاؤهما لم يكن مصادفة كما اعتقدت، ووجوده في حياتها لم يبدأ يوم رأته للمرة الأولى، بل بدأ قبل ذلك بأشهر طويلة، عندما كانت هي تعيش حياتها بصورة طبيعية بينما كان رجل لا تعرف عنه شيئًا يجمع معلوماتها ويحتفظ بصورتها داخل ملف يحمل توقيعه.رفعت الملف أمامه، وبالرغم من محاولتها السيطرة على صوتها، خرج سؤالها ممتزجًا بالغضب والصدمة.«أنت قلت إنك تعرفني من قبل أن ألتقي بك، لكنني أريد جوابًا واضحًا هذه المرة؛ منذ متى بالضبط وأنت تعرف بوجودي؟»لم يحاول الإنكار، ولم يقترب منها أيضًا، وكأنه أدرك أخيرًا أن أي حركة يقوم بها الآن قد تزيد خوفها بدل أن تطمئنها، فاكتفى بالنظر إلى الملف قبل أن يقول بهدوء:«منذ أكثر من ستة أشهر، لكن معرفتي بك في البداية لم تكن كما تتصورين.»ضحكت بمرارة وهي ته
لم تستطع أن تحدد اللحظة التي تحول فيها الزواج الذي وافقت عليه بكامل إرادتها إلى شيء يشبه الصفقة التي لا تعرف شروطها كاملة، فكل ما حدث منذ أن وضعت توقيعها على الأوراق كان أسرع من قدرتها على التفكير، وحتى الرجل الذي أصبح زوجها رسميًا لم يمنحها فرصة كافية لتفهمه، كان حاضرًا أمامها بجسده وصوته الهادئ ونظرته التي لا تسمح لأحد بمعرفة ما يدور خلفها، لكنه في الوقت نفسه بدا بعيدًا بطريقة جعلتها تشعر أنها تزوجت رجلًا تعرف اسمه فقط، بينما بقية حياته تقف خلف أبواب مغلقة لا تملك مفاتيحها.جلست في المقعد الخلفي للسيارة وهي تنظر من النافذة، تراقب أضواء المدينة وهي تنسحب خلفها واحدة تلو الأخرى، بينما جلس زوجها إلى جانبها منشغلًا بهاتفه منذ أن تحركت السيارة، ولم يكن صمته عاديًا؛ كان صمت رجل اعتاد أن ينتظر الآخرون كلمته، لا أن يطالبوه بتفسير.حاولت تجاهل الأمر لدقائق، لكنها في النهاية التفتت إليه.«إلى أين نحن ذاهبان؟»رفع عينيه عن الهاتف ببطء، وكأن السؤال لم يفاجئه.«إلى المنزل.»كادت تضحك من شدة برودة الإجابة.«أعرف أننا لن نقضي ليلة زواجنا داخل السيارة، أنا أسألك أين منزلك.»أغلق الهاتف ووضعه جانبًا







