FAZER LOGINأُخذت بيلا إلى غرفة أخرى، خُصصت لها كما قيل. توقفت عند العتبة. الباب الأسود، الجدران المخملية، الأثاث المترف... كل شيء يوحي بالفخامة، لكنه كان أشبه بفخ. سرير ضخم يتوسط المكان، مهيب كعرش، لكنه لا يعدو كونه زنزانة مزينة.
دخلت كأنها تسير في جنازتها. قدماها ثقيلتان، ودموعها لا تزال عالقة على وجنتيها. اتجهت إلى الأريكة قرب السرير، جلست بصمت، وضمّت ساقيها إلى صدرها، تتكور على نفسها كطفلة تائهة في عاصفة. دفنت وجهها بين ركبتيها، وكل ما حولها غرق في صمت كثيف سوى أنين أنفاسها المرتجفة.
كل شيء فيها كان يبكي. جسدها. قلبها. براءتها.
في هذا الوقت جلس دانتي في مكانه، كأنه تمثال من حجر. الرجال يتحركون من حوله، ينفذون أوامرهم بدقة، لكن هو لم يكن حاضرًا تمامًا. حتى حين دُق الباب وأُبلغ بقدوم المشتري، لم يبدِ أي تفاعل.
دخل ألكسندر، رجل خمسيني ذو ملامح ملساء كجلد أفعى. ابتسامته، رغم اتساعها، لم تكن تحمل دفئًا، بل اشتهاءً باردًا يغلفه خبث مستتر.
قال بصوته الخبيث: "مرحبًا أصدقائي الأعزاء! اشتقت إليكما كثيرًا."
ابتسم بول، مساعد دانتي، بسخرية واضحة: "اشتقت لنا؟ أم للفتيات؟"
ضحك ألكسندر ضحكة قصيرة، وغمز بعينه: "ههه... أنتما تفهمانني جيدًا. التجارة تسير بشكل ممتاز بفضلكما."
لكن دانتي لم يشاركه المزاح. حين التفت إليه بول، كان لا يزال جامد الملامح. أخيرًا، تحدث، صوته بارد كالرصاص: "أحضرت لك عشر فتيات. ثلاث منهن عذراوات. لكن واحدة قاصر... ستبقى معي."
ألكسندر همس: "القاصر؟ يا له من خيار ممتاز... أحب ترويض المتمردات."
في لحظة خاطفة، تبدّل الجو. انكمش فكّ دانتي، وانعقد حاجباه. قبض كفه بقوة، حتى ابيضّت أصابعه، ثم قال بصوت منخفض متوحش: "كلمة واحدة أخرى... وسأدفنك حيًا."
ثم ارتفع فجأة، يضرب سطح المكتب بقبضته، فارتجت الغرفة وكأنها اهتزت من عنف الغضب.
تراجع ألكسندر بخطوة، التوت ابتسامته إلى قناع من التوتر. تدخل بول، صوته منخفض لكن حازم: "خذ الفتيات... وادفع. ولا تفتح فمك مرة أخرى."
أومأ ألكسندر لرجاله، ثم دفع المال ورحل، دون أن يجرؤ على التفوه بكلمة.
وبعد أن خلت الغرفة، جلس دانتي بصمت. ذهنه لا يزال يدور في حلقة واحدة: بيلا. فتاة صغيرة، خائفة، مكسورة، لكنها... مختلفة.
لم يعرف من قبل فتاة تُشعل فيه هذا الإحساس. لم تكن شهوة. لم تكن شفقة. كانت... تملُّكًا.
همس لنفسه، وعيناه مسمرتان على اللاشيء: "لن أسمح لها بالرحيل بعد الآن."
سمع بول يسأله بابتسامة ساخرة: "منذ متى تغضب لأجل فتاة خطفناها؟"
أجابه دانتي ببرود صادم: "منذ اليوم. هذه الفتاة أصبحت ملكي."
ابتسم بول ابتسامة خبيثة: "يبدو أن أحدهم قد سقط."
نهض دانتي دون أن يرد، خطواته تتجه نحو الطابق العلوي، حيث كانت بيلا تنتظر... دون أن تدري أنها وقعت في أسر رجل لا يعرف الرحمة، ولا يعيد ما يملك.
لم تكن نانسي بعيدة عن الغرفة، بل كانت خلف الجدار الزجاجي الذي يفصل الممر عن المكتب. لم يُلاحظ أحد وجودها، كعادتها.
عيناها تراقبان دانتي من بعيد، مزيج من الدهشة والمرارة يتأجج في داخلها. حين سمعته يقول ببرود مرعب:
"هذه الفتاة أصبحت ملكي."
شعرت بشيء ينفجر داخل صدرها.
تشبثت بالحائط كأنها على وشك السقوط. جملته تلك لم تكن مجرد اعتراف، بل كانت طعنة. دانتي، الرجل الذي أعطته قلبها، لا ينظر إليها، لا يراها، بينما يتحدث عن فتاة أخرى... تائهة، دخيلة.
عضّت شفتيها حتى سال منها الدم، وعيناها امتلأتا بوميض ناري.
"بيلا..." لفظت الاسم كسمٍّ.
"ستندمين. سأجعلكِ تتمنين الموت قبل أن تلمسي قلبه."
رفعت هاتفها، أرسلت رسالة مجهولة إلى أحد العاملين في الطابق العلوي:
"الفتاة الجديدة... علّموها الأدب."
ثم أدارت ظهرها وغادرت كأنها ظلّ انتزع من جسد، خطواتها تشي بعاصفة قادمة…
********
على الكرسي المقابل للضابط، جلس إدوارد واتسون كمن يحمل العالم على كتفيه. كان متصلب الملامح، لكن خلف هذا الجمود كانت عيونه تفضح قلقًا لا يمكن إخفاؤه. إلى جواره، والد روز، صديقة ابنته، ينظر إليه بين لحظة وأخرى، وكأنهما يتقاسمان ألمًا مشتركًا دون أن يتحدثا.
رفع الضابط عينيه، وقال بلهجة مهنية جافة: "كيف يمكنني مساعدتك، سيدي؟"
لم يجب إدوارد فورًا. زفر بعمق، نظر إلى الورق أمامه، ثم قال بصوت خافت كأن كلماته تخرج من حفرة في قلبه: "ابنتي... بيلا، اختفت. حاولت الاتصال بها. هاتفها مغلق."
سجّل الضابط المعلومة، وسأله ببرود إداري: "متى كانت آخر مرة رأيتها فيها؟"
".. كانت ف حفل صديقتها.. منذ ساعتين... أو ثلث ساعات"
"كم عمرها؟ "
19 عاما "
!"
نبرة صوته تكسرت عند الرقم، وكأنها خنجر في حلقه.
رفع الضابط عينيه مجددًا وقال، بنبرة اعتاد قولها ألف مرة: "نحن آسفون، سيدي، لا يمكننا تسجيل بلاغ رسمي إلا بعد مرور 24 ساعة. من الممكن أنها مع صديقتها، أو..."
قاطعه إدوارد، صوت غضبه يغلب دموعه: "خلال أربع وعشرين ساعة قد تكون قد ماتت، أيها الضابط!"
"هكذا تقول القوانين، سيدي. عد إلينا غدًا."
في زاوية معزولة داخل قسم الشرطة، حيث تتكدّس الملفات على الرفوف الصدئة ويخيم صمتٌ ثقيل كأنّه تواطؤ غير معلن، جلس رجلٌ وحده خلف مكتب زجاجي، يقلب أوراقًا لا تحمل أسماء، بل رموزًا مشفّرة، صورًا باهتة لوجوه نساء وفتيات... اختفين ذات ليل، بلا أثر.
كان ذلك الرجل هو إيثان موريل، في الخامسة والثلاثين من عمره. تقاسيم وجهه حادّة، عيناه رماديتان، لا تعكسان سوى البرود، ولا يشيان بانكسار. رجل لا تهزه الجريمة، بل يستدعيها لمواجهته.
التفت إلى أحد الرجال قربه، وقال بنبرة منخفضة لكنها حادة: "اختفاء فتاة عند حافة النطاق رقم 6؟ لم يُسجّل بلاغ رسمي؟"
هزّ مساعده رأسه:"لا. كما توقعت، البلاغ رُفض. بحجّة الانتظار أربعاً وعشرين ساعة."
ابتسم اإيثان ابتسامة صغيرة، لكنها باردة، تحمل شيئًا من السخرية... وشيئًا من الحقد.
"الطريقة القديمة ما زالت تحكم، والوحوش تسرح بحرية."
تناوله بهدوء وقال بنبرة منخفضة:
"نعم؟"
جاءه صوت زميله من الجهة الأخرى:
"الفتاة المفقودة… اسمها بيلا واتسون."
لم يُجِب إيثان، ثم فتح أحد الأدراج وسحب صورة قديمة، صورة لطفلة بوجه ملائكي، من أرشيف قضية سابقة، بجانبها بطاقة تعريف مهترئة، كُتب عليها: بيلا إدوارد واتسون.
تأمل الصورة طويلًا، صمتًا أولًا… ثم همس، بصوت أقرب إلى الوعد: "دانتي رومانو… هل تظنّ أن القانون لا يراك؟ لا، بل هو يتربّص بك عبر عينيّ."
نهض ببطء، ارتدى معطفه الأسود، وأخفى شارة شرطته الفضية في جيبه، كما لو أنّ سلطته لا تحتاج إلى تعريف.
"لن أطرق بابك، دانتي... بل سأقتحمه."
وفي هذه الاثناء خرج إدوارد واتسون من المركز والليل يُطبق على صدره. ودّع والد روز بإيماءة متعبة، ثم قاد سيارته بعشوائية حتى وصل إلى المنزل. زوجته كانت تنتظر عند الباب، وعيناها تحفران وجهه بحثًا عن خبر يطفئ النار.
لكن ما إن سمعته ينطق باسم بيلا حتى انهارت. سقطت على الأرض، تصرخ كمن أُخذ منها كل شيء. لطمت صدرها ووجهها، وكانت تردد اسم ابنتها كأنها قادرة على استدعائها من العدم.
لم يملك إلا أن يحتضنها، يهمس برجاء أن تهدأ، لكنه كان هو الآخر على وشك الانهيار. انتهى بهما المطاف في المستشفى، حيث لم يجد الأطباء سبيلًا إلا المهدئ.
جلست إلى جانب سريرها، رأسه بين كفيه، وهو يردد في داخله دون صوت:
"أين أنتِ يا بيلا؟"
اتصل بكل من يعرفهم، قلب سجلات الهاتف، تواصل مع صديقاتها... الكل يجيب بنفس العبارة: "لا نعلم شيئًا."
الليل طال، والعجز يسكن عينيه كظل لا يزول. لم يعد أبًا فقط، بل رجل ضائع يبحث عن نصف روحه المفقود.
طلب دانتي رومانو من بيلا أن تستعد للخروج للتسوق. لم يكن لديها سوى قمصانه لترتديها، ومن المستحيل أن تخرج بها. صعدت إلى الغرفة تحاول إيجاد شيء مناسب، لكن بعد بضع دقائق، دخلت خادمة تحمل ثيابًا جديدة.نظرت إليها بيلا بتساؤل، فأجابت الخادمة، "السيد طلب مني أن أحضر لك هذه الملابس لتتمكني من الخروج."تفحصت بيلا الملابس، فوجدتها مناسبة تمامًا. ارتدتها، وسرحت شعرها بضفيرتين من كل جانب، مما جعلها تبدو كطفلة في الخامسة من عمرها. عندما هبطت للأسفل، التقت عيناها بعيني دانتي، الذي حدق بها طويلًا قبل أن يعطيها إشارة بعينيه للتحرك. تبعته بهدوء، وصعدت إلى السيارة، حيث جلس بجانبها.في السيارة، كان دانتي شارد الذهن، فتذكر أمرًا مهمًا، واتصل ببول، طالبًا منه جمع معلومات كاملة عن عائلة بيلا. لكن عندما سمع صوت خطواتها خلفه، التفت لينظر إليها.صُدم من جمالها. رغم بساطة ملابسها، وعدم وضعها أي مستحضرات تجميل، وتسريحة شعرها الطفولية، إلا أنها كانت تبدو كالقمر يمشي على الأرض.حاول أن يخفي تأثيرها عليه، فأشار لها ببرود للصعود إلى السيارة.عند وصولهما إلى المول، هبط من السيارة، واتجه ليفتح الباب لها، ثم أمسك بيده
توجه دانتي رومانو مباشرة إلى مكتبه حيث يحتفظ بمفاتيح جميع الغرف. التقط مفتاح جناح بيلا، ثم عاد إلى هناك مجددًا. فتح الباب ببطء وهدوء، ودخل متلفتًا حوله حتى وجدها جالسة في زاوية الغرفة، تضم قدميها إلى صدرها، وتغطي أذنيها بكفيها، بينما شهقاتها العالية تملأ المكان، وجسدها يهتز خوفًا.لم تستوعب كيف حدث ذلك، لكنها تفاجأت به يقف أمامها! كيف دخل؟ انحنى نحوها، ومد يده ليمسّد شعرها برفق. صرخت بهستيرية، وضربته على صدره، لكنه لم يتحرك قيد أنملة، كأنه جدار من الجليد."ستقتلني!" كانت ترددها مرارًا، غير مدركة لما يحدث حولها.جذبها دانتي إلى صدره، حاولت التملص، لكنه ثبتها بقوة، فلم تستطع المقاومة. انهارت بين ذراعيه، تبكي بحرقة. شعرت أن البكاء في أحضانه يمنحها نوعًا غريبًا من الراحة... هل يمكن أن يكون هو الداء والدواء في آنٍ واحد؟اقترب منها ووقف أمامها، ثم انحنى وجثا على إحدى ركبتيه، ليضع يده على رأسها بحنان. لكن ما إن لامست أصابعه شعرها حتى أغلقت عينيها بقوة وارتجف جسدها أكثر. تحدث إليها بأكثر نبرة هادئة استطاع افتعالها: "اهدئي، صغيرتي… لا تخافي."فتحت عينيها ببطء، وحدقت به بعينين مذعورتين قبل أن ت
استيقظ دانتي رومانو صباحًا على صوت رنين هاتفه، فتح عينيه ببطء ونظر إلى الفتاة الصغيرة التي كانت تنام على ذراعه. أجاب بهدوء حتى لا يوقظها: "نعم... ماذا هناك؟"أجابه جاك بصوت متوتر: "سيدي... لقد ألقينا القبض على أحد رجالنا، كان يحاول الهرب مع إحدى الفتيات اللواتي اختطفناهن."تجهم وجه دانتي، وعيناه اشتعلتا بالغضب. قال بحدة: "اجلبوهما إلى قصري." ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر رد جاك.نهض من السرير، اتجه للاستحمام، ثم خرج وهو يرتدي سروال جينز أسود فقط، تاركًا جزأه العلوي عاريًا.نزل إلى الطابق السفلي، طلب من الخدم تحضير قهوته، وجلس يدخن سيجارته بشراهة، واضعًا ساقًا فوق الأخرى. لم يمضِ وقت طويل قبل أن يرن جرس الباب. دخل جاك وهو يدفع أمامه رجلًا مكبل اليدين ومعصوب العينين، وبجانبه رجل آخر يقود فتاة بالحالة نفسها.نظر إليهما دانتي بابتسامة ساخرة، بينما أخذ يسحب نفسًا طويلًا من سيجارته. أشار بعينيه لجاك، ففهم الأخير الإشارة وأزال العصابة عن أعينهما.بمجرد أن رأيا دانتي، انهارا على ركبتيهما، يبكيان بصوت مرتجف، متوسلين إليه أن يسامحهما. ظل يحدق فيهما بصمت، مستمتعًا بمنظرهما الضعيف، المذعور. ثم، با
دخل دانتي المكتب أولًا، وجلس خلف مكتبه الواسع. أشار لـ بيلا أن تجلس، فجلست على الأريكة المواجهة له، تطوي يديها على صدرها وكأنها تتوسل لقلبها أن يهدأ.نظر إليها بملامح لا توحي بشيء، صوته هادئ لكن يحمل نغمة من يوشك أن يفرض حكمًا نهائيًا: "اسمعيني جيدًا... هذه الأوراق ليست مجرد مستندات. إنها تحدد مصيرك... ومصير عائلتك."كلمات قليلة كانت كافية لتجعل عينيها تتسعان في فزع، نبضها يتسارع، وشفتاها تتحركان بلا صوت. شيء ما في ذكر “العائلة” جعل روحها تنتفض.تابع دانتي بابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه: "منذ اللحظة التي خُطفتِ فيها... أصبحتِ ملكي. أنا سيدك، وأنا دادي، وأنا كل شيء بالنسبة لك. ولن تتعاملي مع أحد غيري، سواء شئتِ أم أبيتِ."كانت دموعها قد بدأت تتجمع، لكن حين سمعته يضيف: "عائلتك قدّمت بلاغًا عن اختفائك."شهقت بيلا بقوة، وضعت يدها على فمها، كأنها تحاول كبح انهيارها. عيناها تلتمعان بذعرٍ صامت، بينما جسدها بدأ يرتجف.اقترب منها، جلس على طرف الأريكة قربها، ونظر إليها بنبرة ناعمة لكنها حادة: "أعلم أنكِ تشتاقين إليهم. أعلم كم تتمنين رؤيتهم. لكنكِ لن تعودي إليهم… أبدًا."صرخت بيلا بصوت مرتجف، م
كان الليل يزحف بصمت خارج النوافذ الزجاجية العريضة، حين دخل دانتي رومانو مكتبه بخطوات محسوبة، تنضح ببرود رجلٍ اعتاد فرض النظام بمجرد حضوره. جلس خلف مكتبه الضخم، وبدأ بتصفّح الأوراق المتراكمة أمامه، موقّعًا على العقود. طرقات خفيفة على الباب لم تشغل انتباهه، حتى دخل بول بهدوء وجلس دون أن يتلقى أي إيماءة ترحيب. ظل دانتي منشغلاً بأوراقه، لم يرفع عينيه ولا حتى بحركة سريعة، مما دفع بول لإخراج همهمة خفيفة، كمن يحاول التملص من الصمت الثقيل.رفع دانتي رأسه أخيرًا ببطء، وعيناه الحادتان تطالعان بول دون أن يسبقها أي كلام. ارتبك بول للحظة قبل أن يتحدث بصوت خافت متزن، كمن يعرف أنه يسير فوق خيط مشدود:"هناك شاري جديد يُدعى بن... تواصل معي مؤخرًا، يرغب برؤيتك بشأن شراء فتيات للعمل لديه... خادمات وعاهرات في ملهى ليلي جديد يملكه."ظل دانتي يقلب الورق أمامه بلا أي رد فعل، كأن ما قيل لا يستحق أكثر من لحظة تأمل قصيرة، قبل أن يتمتم بنبرة خالية من الاهتمام: "أممم... كم فتاة يريد؟"رد بول، يراقب ملامح سيده بحذر: "ثلاثون فتاة."توقّفت يد دانتي عن الحركة، وتجمد القلم بين أصابعه للحظة. رفع عينيه ببطء نحوه، الده
في الطابق السفلي، جلس دانتي رومانو على رأس المائدة التي أُعدت بدقة. انشغل بتقليب الجريدة أمامه، حين سمع وقع خطوات خفيفة تنزل من الدرج.رفعت بيلا شعرها على شكل كعكة غير متقنة، ترتدي قميصه الأبيض الذي بدا واسعًا عليها بطريقة كشفت عن هشاشتها أكثر مما سترها. خدّاها كانا متوردين بحمرة خجولة، وعيناها تلتفان حول المكان بتوتر. بدت له، للحظة، مثل ضوء القمر في ليلة ساكنة.دانتي. يجلس في وقار يشبه الملوك، عيناه تراقبانها بصمت لا يُفصح عن نواياه. أشار لها بيده أن تجلس... على الأرضاقتربت منه بخطى مترددة، فرفع رأسه وألقى عليها نظرة جانبية باردة، قال بصوت منخفض، لكنه نافذ:"اجلسي على الأرض."لم تتردد، انخفضت وجلست على ركبتيها بجانبه، كما لو أن الجلوس على الأرض صار وضعًا مألوفًا لها. بدأ يتناول فطوره، يقطع لقيماته بهدوء، يرفع بعضها لشفتيه، وأحيانًا أخرى، يمدها نحو فمها، فيُطعمها بأصابعه، تلمس أطرافها شفتيها فترتجف، ويتورد وجهها أكثر. دموع خفيفة تجمعت في زوايا عينيها، لكنها لم تسقط. تجاهل نظراتها المرتبكة، وأكمل طعامه كما لو أنها غير موجودة.الدماء غلت في عروقها، ووجهها اشتعل بالرفض، لكنها لم تقل شيئ







