تسجيل الدخولكانت السماء ملبدة بالغيوم عندما توقفت السيارة السوداء أمام برج النور.بدا المبنى شامخًا رغم مرور السنين، وكأنه يرفض الاستسلام للزمن. نوافذه الزجاجية المكسورة تعكس ضوء الشمس الخافت، بينما يحيط به سياج حديدي صدئ وكاميرات مراقبة قديمة ما زالت تتحرك ببطء.ترجل ياسين أولًا، ثم مد يده ليساعد ليلى على النزول.ترددت للحظة، لكنها أمسكت بيده.لم يتركها فورًا، بل شد على أصابعها بخفة، وكأنه يريد أن يطمئنها دون أن ينطق بكلمة.رفعت ليلى عينيها إليه.التقت نظراتهما لثوانٍ طويلة، قبل أن يقطع كريم الصمت وهو يبتسم بخبث:"إذا انتهيتما من النظر إلى بعضكما... فلدينا منظمة مافيا يجب إسقاطها."ابتعدت ليلى بسرعة وقد احمر وجهها.أما ياسين فاكتفى بابتسامة خفيفة لم يستطع إخفاءها.أخرج سامي المفتاح الإلكتروني الذي وجدوه داخل المصنع.اقترب من الباب الرئيسي، ثم أدخله في القارئ الإلكتروني.صدر صوت معدني طويل...ثم انفتح الباب ببطء.دخل الجميع بحذر.كان البهو الداخلي مغطى بالغبار، لكن شيئًا واحدًا لفت انتباههم.على الجدار المقابل، علقت عشرات الصور القديمة.اقتربت ليلى منها.تجمدت في مكانها."ياسين..."اقترب منها.كا
كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع، بينما بدأ الدخان الكثيف يتلاشى شيئًا فشيئًا. وقف ياسين في منتصف القاعة، يدور بعينيه في كل الاتجاهات، لكنه لم يجد أثرًا للرجل المقنع. قال فارس وهو يركض نحوه: "اختفى... وكأنه لم يكن هنا." انحنى كريم والتقط الورقة البيضاء التي تركها الرجل خلفه. قرأ ما كُتب عليها بصوت مرتفع: "المرحلة الأخيرة بدأت." ثم قلبها، فاكتشف وجود خريطة صغيرة مرسومة بالقلم الأسود. اقترب سامي بسرعة. "هذه ليست خريطة عادية." أشار إلى نقطة حمراء في أطراف المدينة. "إنها تشير إلى مصنع الإدريسي القديم." تجمدت ليلى في مكانها. "لكن المصنع أُغلق منذ عشرين عامًا." أجاب سامي: "أُغلق رسميًا... أما في الحقيقة، فلم يتوقف عن العمل." نظر إليه ياسين بدهشة. "كيف تعرف ذلك؟" تنهد سامي وقال: "لأن والدك كان يشك في أن المصنع يُستخدم لاجتماعات المنظمة." ساد الصمت. ثم التفت ياسين إلى مروان، الذي كان لا يزال مصابًا في كتفه. "هل هذا صحيح؟" هز مروان رأسه. "نعم... وهناك شيء آخر." اقترب الجميع منه. قال بصوت متعب: "المصنع ليس مقر الوصي..." "إنه المكان الذي تُحفظ فيه كل الأدلة الأصل
توقف الزمن بالنسبة لياسين. كان يقف في منتصف المستودع، وعيناه مثبتتان على الرجل الذي خرج من بين الظلال. لم يكن وجهًا غريبًا... بل وجهًا عرفه منذ سنوات. همس ياسين بصوت مرتجف: "مروان..." ابتسم الرجل بهدوء، ثم خلع قفازيه ببطء. "مر وقت طويل منذ آخر لقاء بيننا." شعرت الصدمة تعصف بياسين. كان مروان صديق والده القديم، والرجل الذي حضر جنازة والده، ووقف إلى جانبه في أصعب أيام حياته. قال ياسين وهو يحاول استيعاب الحقيقة: "كنت تزور القصر... وتساعدنا في البحث عن الوصي." ابتسم مروان بسخرية. "أفضل مكان للاختباء... هو الوقوف بجوار من يبحث عنك." ساد صمت ثقيل. كان الحاج مصطفى يحاول رفع رأسه، لكنه كان مرهقًا من شدة التعذيب. قال بصوت ضعيف: "لا... تصدقه يا بني..." اقترب مروان من الحاج مصطفى، ثم وضع يده على كتفه. "لا تقلق... لن يموت اليوم." ثم التفت إلى ياسين. "جئت لأنهي اللعبة." قال ياسين بغضب: "أنت من أحرق الجزيرة؟" أجاب مروان: "لا." "لكنني كنت هناك." "وشاهدت كل شيء." رفع ياسين سلاحه نحوه. "إذن أخبرني الحقيقة." ابتسم مروان. "الحقيقة لا تُقال مجانًا." ثم مد يده. "أعطني الشر
ساد الارتباك داخل البنك القديم بعد إطلاق الرصاص. كان صوت الطلقات يتردد في الممرات الحجرية، بينما احتمى ياسين ورفاقه خلف الأعمدة الخرسانية. ضغط فارس على جهاز الاتصال وقال: "هناك ثلاثة قناصة على سطح المبنى المقابل... ولا أستطيع تحديد موقع الرابع." ألقى ياسين نظرة سريعة من خلف العمود، فعادت رصاصة لتصطدم بالحائط على بعد سنتيمترات من رأسه. قال بهدوء: "إنهم لا يريدون قتلنا." نظر إليه كريم باستغراب. "كيف عرفت؟" أجاب وهو يراقب حركة القناصة: "لو أرادوا ذلك لفعلوا منذ الطلقة الأولى. إنهم يمنعوننا من الخروج فقط." في هذه الأثناء، كانت ليلى تحاول إيقاف نزيف نادر الإدريسي. مزقت جزءًا من وشاحها وربطت به كتفه، بينما كان يتنفس بصعوبة. فتح نادر عينيه بصعوبة وهمس: "الوثيقة..." اقتربت ليلى منه. "أين هي؟" ابتسم ابتسامة متعبة. "ليست... في الحقيبة." نظر ياسين إليه بسرعة. "ماذا تقصد؟" رفع نادر يده المرتجفة وأشار إلى ساعة الجيب الفضية التي وجدوها داخل الخزانة. قال بصوت خافت: "افتحوا... الغطاء الداخلي." أخذ ياسين الساعة، وقلبها بين يديه. كانت تبدو عادية، لكنه لاحظ وجود شق صغير للغاية.
كانت الأمواج ترتطم بصخور جزيرة النوار بعنف، بينما وقف ياسين ورفاقه عند المرسى القديم، يراقبون الزورقين الأسودين يقتربان بسرعة. لم يعد هناك مجال للهرب، لكن شيئًا في تصرف الرجال القادمين لم يكن طبيعيًا. رفع قائد المجموعة يده، فأمر رجاله بخفض أسلحتهم. قال بصوت هادئ: "لسنا هنا لقتالكم." ابتسم كريم بسخرية وقال: "هذه الجملة سمعتها كثيرًا... ودائمًا تنتهي بالرصاص." تقدم الرجل خطوة أخرى، ثم وضع ظرفًا أسود على الأرض. "هذه رسالة من الوصي." نظر ياسين إلى الظرف دون أن يلمسه. قال ببرود: "قل ما لديك وارحل." ابتسم الرجل وقال: "الوصي لا يريد المفتاح... بل يريد من يحمل المفتاح." تبادل الجميع النظرات. قطبت ليلى حاجبيها وسألت: "ماذا يعني ذلك؟" أجاب الرجل: "الخزانة رقم سبعة وعشرون لا تُفتح بالمفتاح وحده، بل بوجود الوريثين معًا." شعر ياسين أن الرسائل القديمة التي تركها والده بدأت تكتمل. إذن لم يكن المفتاح النحاسي سوى جزء من السر. انحنى فارس والتقط الظرف بحذر، ثم فتحه. وجد داخله صورة قديمة بالأبيض والأسود. اقترب الجميع. كانت الصورة لواجهة بنك قديم في الدار البيضاء. وفي أسفل الصورة
ساد صمت ثقيل داخل القاعة السرية. وقف ياسين في مكانه، غير قادر على إبعاد عينيه عن الرجل الواقف أمامه. همس بصوت يكاد لا يُسمع: "كريم..." ابتسم الرجل ابتسامة باردة، لكنها كانت تخفي سنوات طويلة من الألم. قال: "لم أتوقع أن تتذكر اسمي." اقترب خطوة إلى الأمام. كانت ملامحه مختلفة، لكن عينيه كانتا كما يتذكرهما ياسين في طفولته. قال ياسين: "قالوا إنك مت في الحريق." ضحك كريم ضحكة قصيرة. "هذا ما أخبروك به... أما الحقيقة، فلم يحاول أحد أن يبحث عنها." تقدمت ليلى بحذر. "إذا كنت حيًا... فلماذا تختبئ كل هذه السنوات؟" نظر إليها كريم. ثم قال: "لأن هناك من أراد أن أموت مرتين... مرة في الحريق، ومرة في ذاكرة الجميع." نظر سامي إليه بعينين مليئتين بالندم. "كنت أبحث عنك." أجابه كريم بحدة: "بحثت متأخرًا." ثم أخرج من جيبه صورة قديمة. رماها أمام ياسين. انحنى ياسين والتقطها. كانت الصورة تجمعه مع كريم وهما طفلان، وخلفهما والداهما يقفون مبتسمين. لكن ما لفت انتباهه... وجود شخص خامس يقف بعيدًا عنهم. وجهه غير واضح، لكنه كان يراقب الجميع. قال كريم: "انظر جيدًا." رفع ياسين الصورة نحو الضوء







