تسجيل الدخولجلس في مكتبه داخل الشركة بعد انتهاء الاجتماع، منشغلًا بالحاسوب أمامه بتركيز تام، لا يقطعه سوى صمت الغرفة وثقل اللحظة.
ثم جاء صوت طرقتين خفيفتين على الباب، قبل أن يُفتح وتدخل “داليدا” تحمل بين يديها الملفات التي طلبها منها أثناء الاجتماع. تقدّمت بخطوات ثابتة، وضعت الأوراق أمامه على سطح المكتب، ثم قالت باقتضاب وملامح مشدودة لم تفارقها منذ أن علمت بزواجه: -تفضل… الملفات التي طلبتها. استدارت على الفور وكأنها تنوي المغادرة، لكن صوت “راغب” أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا: -داليدا… انتظري. أطلقت همهمة خافتة، ثم التفتت إليه ببطء. كان وجهها خاليًا من أي تعبير، وصوتها باردًا حين سألت: -ماذا تريد؟ نهض من مقعده، واتجه نحوها بخطوات هادئة مترددة، حتى توقف أمامها مباشرة. ملامحه كانت مثقلة بالأسف وهو يقول بصوت منخفض: -داليدا… أنا آسف. تنهدت بضيق، ثم أجابت بنبرة متماسكة، عملية على نحو لافت: -راغب، لست بحاجة للاعتذار. أنا لم أُنزعج من زواجك… أنا انزعجت لأنك لم تخبرني به. زفر سريعًا، ثم قال بصدق واضح: -صدقيني، زواجي من كيان لم يكن مخططًا له. والدي فاجأني بالأمر، وأتمّ كل شيء بسرعة، ولم أتمكن حتى من إخبار أحد. حدّقت به لحظة، ثم لوّحت بيدها بانفعال مكبوت: -كان يجب أن تخبرني أنت على الأقل. ماذا لو سألني أحد عن الأمر؟ ماذا كنت سأقول؟ وكيف كان سيبدو الموقف، خصوصًا وأنت تعلم كيف يظن الجميع أن علاقتنا ليست عادية؟ كان يدرك تمامًا كيف يراهم الآخرون؛ تلك الصورة التي تشكّلت عنهما مع الوقت، بين شراكة قوية في العمل وصداقة قريبة، أوحت لكثيرين بأن بينهما ما هو أعمق. ابتسم ابتسامة قصيرة وهو يلتقط أنفاسه، ثم قال وهو يمد يده ممسكًا بيدها برفق: -أعلم ذلك… وكنت سأخبرك أولًا، أقسم لك. لكن ما حدث أن والدي بدأ الحديث، ووقتها عرفتِ أنتِ منه، وكان قد حسم كل شيء تقريبًا. سحبت نفسًا طويلًا، ثم أطلقته ببطء وقالت بلا اهتمام واضح: -حسنًا يا راغب… لا بأس، انتهى الأمر. لكن صوته ظل يحمل شيئًا من القلق وهو يضيف بلطف: -لا أريدك أن تظلي غاضبة. أنتِ تعلمين كم أنتِ مهمة بالنسبة لي… ولا أريد لصديقتى الرائعة وشركة العمل الذكية أن تحمل ضغينة تجاهي. ابتسمت ابتسامة خفيفة مجاملة، ثم قالت بهدوء محسوب: -لقد انتهى الأمر بالفعل. وأنت تعلم أن أهم ما يشغلني هو العمل فقط. قطب جبينه مازحًا، وابتسم ابتسامة خفيفة وهو يرد: -ماذا؟ وأنا لست مهمًا بالنسبة لك؟ اتسعت ابتسامتها قليلًا، وهزت رأسها بالنفي قائلة بصدق: -بالطبع أنت مهم… أنت أفضل صديق لي، وأنت تعلم ذلك. --- وفي مكان آخر… استقبلها “نوح” داخل مكتبه في الفيلا، ما إن أُبلغ بوصولها، بابتسامة مشوبة بسخرية خفيفة لم تحاول إخفاءها. قال بنبرة هادئة لكنها لاذعة قليلًا: -أهلاً يا سمية… يبدو أن الفيلا أصبحت أكثر إشراقًا فجأة. وقفت أمامه مباشرة، بملامحها المعتادة التي تجمع بين الغطرسة والحدة، ثم قالت بصوت ثابت وجاف: -أين كيان؟ رفع أحد حاجبيه بدهشة مصطنعة عند سؤالها عن “كيان”، وكأنه لم يتوقع أن تأتي هنا أصلًا لأجلها. كان يدرك جيدًا برودها تجاه الطفلة، بل وتجاه فكرة الأمومة نفسها، لذلك لم يُخفِ سخرية خفيفة تسللت إلى صوته وهو يقول: -أحقًا؟ أتيتِ لتسألي عنها؟ رمقته بنظرة حادة، اشتعلت فيها نار مكتومة، وقالت بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب: -وما الغريب في ذلك؟ أليست ابنتي؟ انفجر ضاحكًا، وكأنها قالت نكتة غير متوقعة، ثم قال بعدما خفّت ضحكته تدريجيًا، بنبرة لا تزال تحمل أثر الاستهزاء: -هذه مشاعر أمومة متأخرة إذًا؟ أغمضت عينيها لثوانٍ، تحاول كبح انفعالها قبل أن ينفلت، ثم قالت بحدة واضحة: -جئت فقط لأطمئن عليها، ولأعرف ماذا تفعلون بها يا نوح. مال ثغره بابتسامة ساخرة، وردّ بنبرة متعمدة الاستفزاز: -مهما فعلنا بها، لن يكون أسوأ مما فعلته أنتِ يا سمية… تلك الفتاة تخلّصت منكِ. اشتدّ بريق عينيها، واتسعت حدقتاها غضبًا، ثم انفجرت بصوت حاد: -هذه لعبتك إذًا؟ تحاول أن تكره ابنتي فيّ، وتأخذها تحت جناحك لتستغلها كما تريد، لتأخذ ميراثها… لكن لن يحدث يا نوح. لن تأخذوا شيئًا يخص ابنتي. وإذا حدث ذلك، فسأرفع قضية، وسأتهمك بأنك… رفع يده أمام وجهها بهدوء بارد، قاطعًا إياها دون أن يرفع صوته: -تمهلي… تمهلي. أنتِ لا تستطيعين فعل شيء، يا سمية. اهدئي قليلًا، وعودي لصوابك قبل أن تفتحي على نفسك أبوابًا لن تُغلق. تجمّد الهواء بينهما للحظة. كانت تعرف تمامًا معنى كلماته، وتعرف جيدًا ما يملكه من أوراق قادرة على قلب كل شيء ضدها. أغمضت عينيها ببطء، تحاول السيطرة على أنفاسها المتسارعة، بينما كانت قبضتها ترتعش وهي تنغرس أظافرها في راحة يدها دون وعي، حتى احمرّت بشرتها من شدة الضغط. ثم استدارت فجأة وغادرت بخطوات سريعة، تكاد الأرض تحتها تشتعل من شدة الغضب. ظل “نوح” يراقب أثرها بصمت، وملامحه باردة، لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا أثقل من السخرية… شيئًا يشبه الحساب القديم. --- قبل بضعة أسابيع… كانت الغرفة غارقة في إضاءة خافتة، والدخان يتصاعد ببطء من سيجارة بين أصابعها. كانت مستلقية بجانبه على السرير، وقد انتهت للتو علاقة محرّمة جمعتهما، بينما كان هو ممددًا على ظهره، ذراعه فوق جبينه، وصدره العاري ظاهر تحت الغطاء. فتح عينيه عندما سمع صوتها، نبرة هادئة لكنها غامضة: -ألا تريد أن تستعيد أموالك؟ أبعد ذراعه عن جبينه، ونظر إليها جانبًا، ثم قال بسخرية خفيفة: -أموالي التي نهبها “بكر” طوال عشرين عامًا… وكل هذا المجد قائم عليها. نعم، أريدها. أخذت نفسًا عميقًا من سيجارتها، وزفرته ببطء وهي تحدق في الفراغ أمامها، قبل أن تقول بنبرة باردة محسوبة: -لقد فكرت في طريقة ستجعلك تستعيد أموالك، وفي الوقت نفسه… أستفيد أنا أيضًا من ثروة زوجي التي حُرمت منها. تغيرت ملامحه قليلًا، وانعكس الاهتمام في عينيه، ثم سأل ببطء: -ما هذه الطريقة؟ التفتت نحوه بالكامل، واضعة السيجارة جانبًا، وقالت بصوت ثابت لا يحمل ترددًا: -سنقتل “بكر”.بعد ثلاثة أعوام... لم تعد الفيلا هي المكان نفسه. ذلك المنزل الذي شهد يومًا صرخات... وخصامًا... وفقدًا... ودموعًا... كان يمتلئ الآن بأصوات مختلفة تمامًا. ضحكات أطفال. في الحديقة الواسعة... كانت "رها" تركض فوق العشب بساقيها الصغيرتين. تضحك بصوت مرتفع. ثم تلتفت خلفها كل عدة خطوات. وخلفها... كان أحمد الصغير يحاول اللحاق بها. يركض بخطوات غير متزنة... يتعثر أحيانًا... ثم يعاود الوقوف. صرخت "رها" وهي تضحك: — لن تمسكني! واصل الصغير الركض خلفها. حتى توقفت هي عمدًا. فأمسك بطرف ثوبها. ثم انفجرا معًا بالضحك. وفي الجهة الأخرى من الحديقة... كانت "كيان" تراقبهما. ابتسامة هادئة تستقر فوق شفتيها. لم تشعر باقتراب "راغب" منها... إلا عندما أحاطها بذراعيه من الخلف. أسندت جسدها إليه بصورة تلقائية. ووضع "راغب" ذقنه فوق كتفها. ثم نظر إلى الطفلين. وقال: — يبدو أن رها وجدت من تعذبه بدلًا مني. ضحكت "كيان". — أنت من علمتها الدلال. — ما زلتِ تصرين على اتهامي؟ — لأنك مذنب. ضحك. ثم انتقلت إحدى يديه ببطء... واستقرت فوق بطنها المنتفخة. وما إن فعل... حتى تحرك الجنين. توقف "را
تجمدت في مكانها. حدقت فيه... وكأنها تنتظر منه أن يبتسم ويخبرها أنه يمزح. لكنه لم يفعل. كان جادًا تمامًا. قالت بذهول: — نوح... ابتسم. — أعرف أن الأمر مفاجئ. — بل مفاجئ جدًا. ضحك بخفة. ثم قال: — ولهذا لن أطلب إجابتك الآن. رفعت حاجبها. — حقًا؟ — حقًا. صمتت "يسر" قليلًا. ثم نظرت ناحية ابنتها التي كانت تضحك بسعادة إلى جوار "يوسف". وعادت تنظر إليه. ارتسمت ابتسامة خجولة فوق شفتيها. وقالت: — سأجيبك... بعد انتهاء الفرح. رفع "نوح" حاجبه. — أهذا يعني أن هناك أملًا؟ حاولت إخفاء ابتسامتها. — قلت بعد انتهاء الفرح. ضحك. — حسنًا... سأنتظر. ابتعدت "يسر" عنه وهي تهز رأسها مبتسمة. أما "نوح"... فظل واقفًا مكانه. يتابعها بعينيه. والابتسامة لا تفارق وجهه. ربما... لم يكن العمر قد انتهى بعد. وربما كان من حقه هو الآخر... أن يبدأ من جديد. ❈-❈-❈ بعد عدة أشهر... كان الهدوء الذي يميز المستشفى ليلًا قد اختفى تمامًا أمام غرفة الولادة. كان "فارس" يتحرك ذهابًا وإيابًا أمام الباب للمرة التي لم يعد يستطيع عدها. يجلس دقيقة... ثم يقف. يمسك هاتفه... ثم يعيده إلى جيبه. ينظر إل
مرّت الأيام...وبدأت الحياة، شيئًا فشيئًا، تستعيد هدوءها بعد كل ما حدث، لم تختفِ الجراح تمامًا، ولم تُمحَ الذكريات المؤلمة من القلوب، لكن الجميع تعلموا أن بعض الأشياء لا تُنسى... وإنما نتعلم فقط كيف نعيش بعدها.وجاء اليوم الذي انتظره الجميع...يوم زفاف "يوسف" و"داليدا".منذ ساعات الصباح الأولى، كانت الأجواء مختلفة، امتلأت القاعة بالزهور البيضاء، وتدلت الأضواء الصغيرة من السقف، وانعكست فوق الطاولات بطريقة جعلت المكان يبدو أكثر دفئًا، بينما كانت الموسيقى الهادئة تنساب في الخلفية وسط أصوات الضحكات والأحاديث.وبعد كل ما عاشته العائلة خلال الشهور الماضية...كان ذلك اليوم أشبه باستراحة طويلة من الحزن.يومًا قرر فيه الجميع، ولو لساعات قليلة، أن يتركوا خلفهم كل ما حدث...ويفرحوا فقط.وقفت "داليدا" أمام المرآة داخل غرفتها، تتأمل صورتها بفستانها الأبيض، ولم تستطع منع دموعها من التجمع في عينيها، كانت تبتسم، ثم تبكي، ثم تعود للابتسام من جديد، وكأنها لا تصدق أن اليوم الذي انتظرته طويلًا قد جاء أخيرًا.أما "يوسف"...فمنذ أن وقعت عيناه عليها، لم يستطع إبعاد نظره عنها.ظل يراقبها وهي تتقدم نحوه ببطء،
ما إن دوّى صوت "فريدة":— سمية... انتهى الأمر...!حتى التفتت "سمية" نحوها.ساد صمت ثقيل...وتشابكت نظرات الأختين لثوانٍ بدت وكأنها عمرٌ كامل.ارتجفت يد "سمية"...ثم أفلتت المسدس الذي تمسكه.لم ينتظر "راغب" لحظة واحدة.اندفع بكل قوته نحو "رها"، واحتضنها بين ذراعيه، ثم تراجع بها سريعًا وهو يضمها إلى صدره كأنما يخشى أن تختفي مرة أخرى.انطلقت "كيان" نحوه، وما إن وقعت عيناها على صغيرتها حتى انهارت باكية.مدت يديها إليها وهي تنتحب:— رها... صغيرتي...ضمها "راغب" إلى أمها، فأخذتها "كيان" بين ذراعيها، وأغرقتها بالقبلات، وهي تبكي وتحمد الله أنها عادت إليها.لكن الهدوء لم يدم.في لحظة خاطفة...تحول الموقف إلى فوضى.تعالت الصرخات...وتحرك الجميع في آن واحد.ثم دوّى صوتٌ حاد داخل الشقة. أطلقت سمية طلقة من المسدس أصأبت جسد راغبتجمدت "كيان" في مكانها.ورأت "راغب" يترنح إلى الخلف قبل أن يسقط على الأرض.اتسعت عيناها بفزع.وانطلقت صرختها تمزق المكان:— راغب...!وفي اللحظات التالية...تحرك "نوح" غريزيًا ليوقف الخطر قبل أن يمتد إلى أحد آخر، وقام بإطلاق رصاصة عليها استقرت في كتفها.وبعد ثوانٍ قليلة...
لم يستغرق الأمر سوى دقائق...حتى كانت سيارة "راغب" تشق الطريق بسرعة جنونية.جلس خلف المقود...وعيناه لا تفارقان الطريق.كانت قبضتاه مشدودتين فوق المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه.أما "كيان"...فكانت تجلس إلى جواره.تضم بطانية "رها" الصغيرة إلى صدرها.وشفتاها لا تكفان عن التمتمة بالدعاء.وفي المقعد الخلفي...جلس "نوح".لم ينطق بكلمة واحدة.كان يحدق من النافذة بشرود.كل دقيقة تمر...كانت تزيد شعوره بالذنب.لو لم يجمعه عداء مع سمية..لما وصلت الأمور إلى هذا الحد.قطع "راغب" الصمت وهو يقول بصوت أجش:— كم بقي؟نظر "نوح" إلى شاشة هاتفه.ثم قال:— شارِعان فقط.أسرع "راغب" أكثر.حتى توقفت السيارة أخيرًا أمام بناية قديمة.لم ينتظر أحد.فتحوا الأبواب في اللحظة نفسها.وأسرعوا إلى الداخل.---كان المصعد في الطابق الأخير.فلم ينتظروه.صعدوا الدرج ركضًا.أنفاسهم تتلاحق...وقلوبهم تكاد تخرج من صدورهم.توقفت "كيان" أمام باب الشقة.كان الباب مواربًا.نظرت إلى "راغب" بعينين امتلأتا بالرعب.همست:— الباب... مفتوح.لم يجبها.دفع الباب ببطء.فصدر عنه صرير خافت.دخل أولًا...ثم تبعه "نوح".أما "كيان"...فدخلت
في غرفة "سمية"...كانت "فريدة" لا تزال واقفة في الغرفة نفسها.لم تغادر، ولم تستطع.كانت تنظر إلى أختها...وكأنها تحاول أن تجد فيها ملامح المرأة التي عرفتها يومًا.لكنها لم تجد سوى وجهٍ أنهكه الحقد.قطع الصمت رنين هاتف "سمية".ألقت نظرة سريعة إلى الشاشة.ثم أغلقت الخط دون أن ترد.عقدت "فريدة" حاجبيها.وقالت باستغراب:— لماذا لم تُجيبي؟أجابتها ببرود:— لا شأن لك.اقتربت "فريدة" منها.وقالت بصوتٍ منخفض:— إلى أين أخذتها؟لم تجب.— أرجوك يا سمية... هذه طفلة رضيعة.إن كانت لا تعنينك... فلتفكري في ذنبها.استدارت "سمية" إليها ببطء.وقالت بجمود:— قلت لك... لن تموت.أغمضت "فريدة" عينيها بيأس.ثم قالت وهي تهز رأسها:— لم أعد أعرفك.والله... لم أعد أعرفك.استدارت متجهة نحو الباب.لكنها توقفت قبل أن تخرج.ثم التفتت إليها مرة أخيرة.وقالت بنبرة امتزج فيها الألم بالغضب:— اسمعيني جيدًا...إن أصاب تلك الصغيرة مكروه...فلن أسامحك ما حييت.ولن تسامحي أنتِ نفسك أيضًا.خرجت...وأغلقت الباب خلفها.---ما إن ابتعدت عدة خطوات...حتى أخرجت هاتفها بسرعة.كانت يداها ترتجفان.ظلت تنظر إلى الشاشة للحظات...ثم
ابتلعت ريقها وردّت عليه بوجوم، وقد تفشّى الضيق في ملامحها: - صباح الخير. وجدت شفتيه تنفرجان عن بسمة رائقة، ومدّ يده نحو خصلاتها المبللة يزيحها عن عنقها وهو يسألها باهتمام: - متى استيقظتِ؟ على ما يبدو أنه لا يلحظ انطفاءها، فأدارت جسدها نحو الحقيبة، متظاهرة بالانشغال بما تخرجه منها، وأجابته بف
أغمض عينيه كاتمًا انفعاله، كي لا ينهال عليها بصفعات متعاقبة، عقابًا على ما أقحمته فيه، وهدر بعد أن فتحهما: -إذًا بمَ تفسّرين سبب تعبه؟ قضمت شفتيها بغلٍ من هديرة المستثير لأعصابها، وقالت بنبرة مزعوجة: -ربما يكون قد عاد من السفر فجأة لأنه متعب. لغوها الفارغ، وثرثرتها التي لا يوجد منها فائدة لا
بدا حفل عقد القران وكأنه مشهد مُعدّ بعناية، تزيّنت فيه الوجوه بابتساماتٍ مصطنعة، ورُسمت على الملامح علامات سرورٍ متكلفة، فقط ليبدو الجمع أمام الحضور وكأنه مناسبة سعيدة مكتملة. خاصة أولئك الذين استغربوا التوقيت؛ فالموت لم يمضِ عليه سوى شهرٍ واحد، وكان من الصعب عليهم تقبّل إقامة مثل هذه المناسبة بهذه
اشتعلت السخونة في وجهها فور رؤيته، وسرعان ما أبعدت عينيها عنه. فقد كان قد خرج من الحمّام للتو، يكتفي بارتداء بنطال أسود قطني، بينما بقي جذعه العلوي عاريًا. ابتلعت ريقها في ارتباك، وحاولت أن تستعيد توازنها، ثم أجابت بصوت مهتز قليلًا: - سأنام. اقترب منها قبل أن تتمدد على الأريكة، وأمسك بذراعها ليو







