LOGINابتلعت ريقها وردّت عليه بوجوم، وقد تفشّى الضيق في ملامحها:
- صباح الخير. وجدت شفتيه تنفرجان عن بسمة رائقة، ومدّ يده نحو خصلاتها المبللة يزيحها عن عنقها وهو يسألها باهتمام: - متى استيقظتِ؟ على ما يبدو أنه لا يلحظ انطفاءها، فأدارت جسدها نحو الحقيبة، متظاهرة بالانشغال بما تخرجه منها، وأجابته بفتور: - منذ قليل. راقبها لثوانٍ بصمت، وكأن شيئًا في ردّها استوقفه، إلا أنه لم يعلّق. اقترب منها أكثر حتى شعرت بحضوره خلفها، ثم قال بنبرة دافئة: - كان ينبغي أن توقظيني. أغلقت الحقيبة، وتمتمت دون أن تنظر إليه: - لم أشأ إزعاجك. اقترب منها حتى أصبح على مقربة شديدة، ثم قال بصوت خافت: - وهل تظنين أنني قد أنزعج إن كان السبب أنكِ أنتِ من أيقظتني؟ لم تعلق على ما ظن أنه سيؤثر بها، بينما تابع هو بنبرة يغمرها الود: - بالعكس... كنت سأعتبرها أفضل طريقة للاستيقاظ. خفضت رأسها أكثر، متجنبة النظر إليه، بينما استمر هو في تأملها بإعجاب ظاهر. رفع يده وأزاح خصلة أخرى مبللة استقرت فوق كتفها، ثم قال وهو يتأملها: - أتعلمين؟ لم أرى امرأة يومًا بهذا الجمال. شعرت به يحيط خصرها بذراعه برفق، مستندًا بذقنه إلى كتفها للحظة، قبل أن يضيف بابتسامة رائقة: - بل إنني لا أظن أن هناك صباحًا مر عليّ أجمل من هذا الصباح. أغمض عينيه مستمتعًا بقربها، ثم همس بالقرب من أذنها: - يكفيني أن أفتح عينيّ فأجدك أمامي. أتبع ذلك بلمسة رقيقة من شفتيه على عنقها، وقال بإعجابٍ واله: - كل شيء فيكِ جميل... لقد جننتِني بالأمس. عبارته التي قصد بها المدح لجسدها، رأت فيها إهانة لكيانها، وكأنها مجرد جسد يُشبع رغبته ويروي عطشه لا أكثر. كادت تبتعد عنه، وشعور النفور يتفاقم داخلها، إلا أنها وجدته في لمح البصر، وبسرعة لم تستطع مجاراتها، قد أدارها نحوه، وبدأ فيما يُتقنه ببراعة، يعيد ما فعله ليلة أمس، لكن هذه المرة بشغفٍ متزايد ولهفةٍ مؤججة. كان ماهرًا، خبيرًا بما تستجيب له الحواس؛ حتى كادت أن تزأر وتضطرب وتطلب المزيد. ربما نجح في أن يُخضع جسدها لتيار رغبته الملتهب، وأن يتحكم في أعماق إحساسها البكر، ونال ما أراد ظافرًا به، لكنه لم يصل إلى قلبها. كان أبعد ما يكون عن روحها. ومع ذلك، تبعثر كل ما بها من جديد، بعدما ظنت أنها استعادت تماسكها وهدوءها. ففي لحظاتٍ معدودة استحوذ عليها، وفرض حضوره على مقاومتها الخافتة، غير منتبهٍ لدموعها التي انسابت على صدغها في صمتٍ موجع. ❈-❈-❈ الطمع يُعمي صاحبه عن نصيبه، فيجعله يمدّ عينيه إلى ما في أيدي الآخرين، ويتمنى انتزاعه، وربما يحارب لأجله دون حق. كان جالسًا في مكتبه الخاص داخل منزله، شاردًا في ذكرياتٍ قديمة، من بينها ذكرى بعينها كانت سببًا فيما نشب بينه وبين أخيه من حقدٍ تحول إلى كراهية، ثم إلى عداءٍ ممتد. استعاد في ذاكرته حديثًا محتدمًا دار بينه وبين والده قبل أكثر من أربعة وثلاثين عامًا، يوم عاد إلى البيت بعد أن تزوج ابنة عدو والده دون رضاه، وعصى أمره، بل وأخذ مبلغًا ضخمًا من أموال والده من حسابه البنكي دون إذن، مستندًا إلى توكيله العام في إدارة الأعمال. واجهه والده بنظراتٍ مشتعلة بالغضب عند دخوله، بعد غياب شهرين، وهو يصرخ بخشونة ويضرب عصاه بالأرض: - أتسرقني يا نوح؟ تأخذ أموالي وتتزوج بها من ورائي ابنة فريد الصاوي! أغمض عينيه محاولًا ضبط أعصابه، وقال بجديةٍ واضحة وهو يتجه إلى غرفته لجلب أمتعته: - أبي، لم أسرقك. هذه أموالي، تعب سنوات عملي معك. تجاوزه "نوح" كي لا يطيل في ذلك الحديث، فسمع صوت والده يتمتم بنبرةٍ مبهمة: - إذًا أخذت أموالك يا نوح؟ التفت وقال بوجهٍ هادئ مؤكدًا دون تردد: - نعم يا أبي. حدجه والده بنظراتٍ باردة، وقال بجفافٍ صارم: - إذًا انسَ أنك ستحصل على أي شيء آخر مني. وبما أنك قسمت مالي وأنا على قيد الحياة، فكل ما أملكه الحين سأكتبه لبكر. تجمدت ملامحه من وقع الكلمات، فحتى وإن كان ما أخذه يعادل نصف ثروة والده آنذاك، فإن أرباح العمل كانت ستتضاعف مع السنوات. عقد جبينه وقال بعدم تصديق: - ماذا تعني؟ استند الوالد إلى عصاه متجهًا نحو غرفته دون اكتراث، ثم قال عند العتبة بصوتٍ قاتم: - أعني أنه لا حق لك في الميراث يا نوح. تنهد "نوح" بكدرٍ وهو يستعيد تلك الذكرى الثقيلة، التي بدأ عندها كل شعورٍ غاضب يتفشى داخله؛ فكان ذلك اليوم نقطة التحول من ابنٍ بار إلى رجلٍ ناقم، ومن أخٍ محب إلى خصمٍ حاقد على ما يملكه أخوه. لم تكن المسألة مالًا فقط، بل امتدت إلى الحب والاعتراف والاهتمام الذي حُرم منه، بينما مُنح لغيره. ولو أن الأمر اختلف، ولو أن الصفح وُجد، ربما كان كل شيءٍ آخر تغيّر. لكن ذلك لم يحدث. ولهذا لن يتنازل عمّا حُرم منه، سواء من والده أو من أخيه من بعده. وفي خضم شروده، انتبه لطرقاتٍ على الباب. فاق من أفكاره، ونظر نحو الباب الذي فُتح، ودخل منه ابنه. تنهد وهو يزيح ما عكّر مزاجه جانبًا، وقال وهو يراقب اقترابه منه بنبرة تحمل مغزى واضحًا: - صباحٌ مبارك يا عريس. تقدم وجلس على أحد الكرسيين المقابلين لمكتبه، وابتسم عند سماعه العبارة، ثم قال بعدما استقر: - يبدو أنك استيقظت مبكرًا. استند والده بظهره إلى المقعد وأجاب بإيجاز: - منذ ساعة تقريبًا. ثم عاد العبث إلى ملامحه وهو يضيف: - غريب أنك أنت من استيقظ مبكرًا… ألم تُكن ليلة حافلة أم ماذا؟ رفع حاجبيه بتسلية، فابتسم الآخر بثقة وأجاب باعتدادٍ وزهو: - عيب عليك أن تقول ذلك، أنا راغب الراشدي. أومأ ساخرًا وهو يضحك بخفة: - عيب عليّ فعلًا… خصوصًا أنني كنت أراك بعينيّ بالأمس تكاد تأكلها بنظراتك. ثم أضاف بسخرية: - وتقول إنها فتاة عادية! ضحك بخفة على تذكيره، ثم قال بنبرة إعجابٍ صريحة: - لم أكن أعلم أنها بهذه الروعة… لم ألاحظها جيدًا في عزاء عمي. ساد الصمت للحظة، ثم قال "راغب" وهو يحك ذقنه بإبهامه: - على كل حال، دعنا من هذا. جئت لأمرٍ آخر. انتباهه تحوّل إلى الجدية، فسأله بترقب: - ما هو؟ زم شفتيه لثانية، ثم قال مباشرة دون تمهيد: - كيان تعلم أنني تزوجتها من أجل الميراث.بعد ثلاثة أعوام... لم تعد الفيلا هي المكان نفسه. ذلك المنزل الذي شهد يومًا صرخات... وخصامًا... وفقدًا... ودموعًا... كان يمتلئ الآن بأصوات مختلفة تمامًا. ضحكات أطفال. في الحديقة الواسعة... كانت "رها" تركض فوق العشب بساقيها الصغيرتين. تضحك بصوت مرتفع. ثم تلتفت خلفها كل عدة خطوات. وخلفها... كان أحمد الصغير يحاول اللحاق بها. يركض بخطوات غير متزنة... يتعثر أحيانًا... ثم يعاود الوقوف. صرخت "رها" وهي تضحك: — لن تمسكني! واصل الصغير الركض خلفها. حتى توقفت هي عمدًا. فأمسك بطرف ثوبها. ثم انفجرا معًا بالضحك. وفي الجهة الأخرى من الحديقة... كانت "كيان" تراقبهما. ابتسامة هادئة تستقر فوق شفتيها. لم تشعر باقتراب "راغب" منها... إلا عندما أحاطها بذراعيه من الخلف. أسندت جسدها إليه بصورة تلقائية. ووضع "راغب" ذقنه فوق كتفها. ثم نظر إلى الطفلين. وقال: — يبدو أن رها وجدت من تعذبه بدلًا مني. ضحكت "كيان". — أنت من علمتها الدلال. — ما زلتِ تصرين على اتهامي؟ — لأنك مذنب. ضحك. ثم انتقلت إحدى يديه ببطء... واستقرت فوق بطنها المنتفخة. وما إن فعل... حتى تحرك الجنين. توقف "را
تجمدت في مكانها. حدقت فيه... وكأنها تنتظر منه أن يبتسم ويخبرها أنه يمزح. لكنه لم يفعل. كان جادًا تمامًا. قالت بذهول: — نوح... ابتسم. — أعرف أن الأمر مفاجئ. — بل مفاجئ جدًا. ضحك بخفة. ثم قال: — ولهذا لن أطلب إجابتك الآن. رفعت حاجبها. — حقًا؟ — حقًا. صمتت "يسر" قليلًا. ثم نظرت ناحية ابنتها التي كانت تضحك بسعادة إلى جوار "يوسف". وعادت تنظر إليه. ارتسمت ابتسامة خجولة فوق شفتيها. وقالت: — سأجيبك... بعد انتهاء الفرح. رفع "نوح" حاجبه. — أهذا يعني أن هناك أملًا؟ حاولت إخفاء ابتسامتها. — قلت بعد انتهاء الفرح. ضحك. — حسنًا... سأنتظر. ابتعدت "يسر" عنه وهي تهز رأسها مبتسمة. أما "نوح"... فظل واقفًا مكانه. يتابعها بعينيه. والابتسامة لا تفارق وجهه. ربما... لم يكن العمر قد انتهى بعد. وربما كان من حقه هو الآخر... أن يبدأ من جديد. ❈-❈-❈ بعد عدة أشهر... كان الهدوء الذي يميز المستشفى ليلًا قد اختفى تمامًا أمام غرفة الولادة. كان "فارس" يتحرك ذهابًا وإيابًا أمام الباب للمرة التي لم يعد يستطيع عدها. يجلس دقيقة... ثم يقف. يمسك هاتفه... ثم يعيده إلى جيبه. ينظر إل
مرّت الأيام...وبدأت الحياة، شيئًا فشيئًا، تستعيد هدوءها بعد كل ما حدث، لم تختفِ الجراح تمامًا، ولم تُمحَ الذكريات المؤلمة من القلوب، لكن الجميع تعلموا أن بعض الأشياء لا تُنسى... وإنما نتعلم فقط كيف نعيش بعدها.وجاء اليوم الذي انتظره الجميع...يوم زفاف "يوسف" و"داليدا".منذ ساعات الصباح الأولى، كانت الأجواء مختلفة، امتلأت القاعة بالزهور البيضاء، وتدلت الأضواء الصغيرة من السقف، وانعكست فوق الطاولات بطريقة جعلت المكان يبدو أكثر دفئًا، بينما كانت الموسيقى الهادئة تنساب في الخلفية وسط أصوات الضحكات والأحاديث.وبعد كل ما عاشته العائلة خلال الشهور الماضية...كان ذلك اليوم أشبه باستراحة طويلة من الحزن.يومًا قرر فيه الجميع، ولو لساعات قليلة، أن يتركوا خلفهم كل ما حدث...ويفرحوا فقط.وقفت "داليدا" أمام المرآة داخل غرفتها، تتأمل صورتها بفستانها الأبيض، ولم تستطع منع دموعها من التجمع في عينيها، كانت تبتسم، ثم تبكي، ثم تعود للابتسام من جديد، وكأنها لا تصدق أن اليوم الذي انتظرته طويلًا قد جاء أخيرًا.أما "يوسف"...فمنذ أن وقعت عيناه عليها، لم يستطع إبعاد نظره عنها.ظل يراقبها وهي تتقدم نحوه ببطء،
ما إن دوّى صوت "فريدة":— سمية... انتهى الأمر...!حتى التفتت "سمية" نحوها.ساد صمت ثقيل...وتشابكت نظرات الأختين لثوانٍ بدت وكأنها عمرٌ كامل.ارتجفت يد "سمية"...ثم أفلتت المسدس الذي تمسكه.لم ينتظر "راغب" لحظة واحدة.اندفع بكل قوته نحو "رها"، واحتضنها بين ذراعيه، ثم تراجع بها سريعًا وهو يضمها إلى صدره كأنما يخشى أن تختفي مرة أخرى.انطلقت "كيان" نحوه، وما إن وقعت عيناها على صغيرتها حتى انهارت باكية.مدت يديها إليها وهي تنتحب:— رها... صغيرتي...ضمها "راغب" إلى أمها، فأخذتها "كيان" بين ذراعيها، وأغرقتها بالقبلات، وهي تبكي وتحمد الله أنها عادت إليها.لكن الهدوء لم يدم.في لحظة خاطفة...تحول الموقف إلى فوضى.تعالت الصرخات...وتحرك الجميع في آن واحد.ثم دوّى صوتٌ حاد داخل الشقة. أطلقت سمية طلقة من المسدس أصأبت جسد راغبتجمدت "كيان" في مكانها.ورأت "راغب" يترنح إلى الخلف قبل أن يسقط على الأرض.اتسعت عيناها بفزع.وانطلقت صرختها تمزق المكان:— راغب...!وفي اللحظات التالية...تحرك "نوح" غريزيًا ليوقف الخطر قبل أن يمتد إلى أحد آخر، وقام بإطلاق رصاصة عليها استقرت في كتفها.وبعد ثوانٍ قليلة...
لم يستغرق الأمر سوى دقائق...حتى كانت سيارة "راغب" تشق الطريق بسرعة جنونية.جلس خلف المقود...وعيناه لا تفارقان الطريق.كانت قبضتاه مشدودتين فوق المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه.أما "كيان"...فكانت تجلس إلى جواره.تضم بطانية "رها" الصغيرة إلى صدرها.وشفتاها لا تكفان عن التمتمة بالدعاء.وفي المقعد الخلفي...جلس "نوح".لم ينطق بكلمة واحدة.كان يحدق من النافذة بشرود.كل دقيقة تمر...كانت تزيد شعوره بالذنب.لو لم يجمعه عداء مع سمية..لما وصلت الأمور إلى هذا الحد.قطع "راغب" الصمت وهو يقول بصوت أجش:— كم بقي؟نظر "نوح" إلى شاشة هاتفه.ثم قال:— شارِعان فقط.أسرع "راغب" أكثر.حتى توقفت السيارة أخيرًا أمام بناية قديمة.لم ينتظر أحد.فتحوا الأبواب في اللحظة نفسها.وأسرعوا إلى الداخل.---كان المصعد في الطابق الأخير.فلم ينتظروه.صعدوا الدرج ركضًا.أنفاسهم تتلاحق...وقلوبهم تكاد تخرج من صدورهم.توقفت "كيان" أمام باب الشقة.كان الباب مواربًا.نظرت إلى "راغب" بعينين امتلأتا بالرعب.همست:— الباب... مفتوح.لم يجبها.دفع الباب ببطء.فصدر عنه صرير خافت.دخل أولًا...ثم تبعه "نوح".أما "كيان"...فدخلت
في غرفة "سمية"...كانت "فريدة" لا تزال واقفة في الغرفة نفسها.لم تغادر، ولم تستطع.كانت تنظر إلى أختها...وكأنها تحاول أن تجد فيها ملامح المرأة التي عرفتها يومًا.لكنها لم تجد سوى وجهٍ أنهكه الحقد.قطع الصمت رنين هاتف "سمية".ألقت نظرة سريعة إلى الشاشة.ثم أغلقت الخط دون أن ترد.عقدت "فريدة" حاجبيها.وقالت باستغراب:— لماذا لم تُجيبي؟أجابتها ببرود:— لا شأن لك.اقتربت "فريدة" منها.وقالت بصوتٍ منخفض:— إلى أين أخذتها؟لم تجب.— أرجوك يا سمية... هذه طفلة رضيعة.إن كانت لا تعنينك... فلتفكري في ذنبها.استدارت "سمية" إليها ببطء.وقالت بجمود:— قلت لك... لن تموت.أغمضت "فريدة" عينيها بيأس.ثم قالت وهي تهز رأسها:— لم أعد أعرفك.والله... لم أعد أعرفك.استدارت متجهة نحو الباب.لكنها توقفت قبل أن تخرج.ثم التفتت إليها مرة أخيرة.وقالت بنبرة امتزج فيها الألم بالغضب:— اسمعيني جيدًا...إن أصاب تلك الصغيرة مكروه...فلن أسامحك ما حييت.ولن تسامحي أنتِ نفسك أيضًا.خرجت...وأغلقت الباب خلفها.---ما إن ابتعدت عدة خطوات...حتى أخرجت هاتفها بسرعة.كانت يداها ترتجفان.ظلت تنظر إلى الشاشة للحظات...ثم
أغمض عينيه كاتمًا انفعاله، كي لا ينهال عليها بصفعات متعاقبة، عقابًا على ما أقحمته فيه، وهدر بعد أن فتحهما: -إذًا بمَ تفسّرين سبب تعبه؟ قضمت شفتيها بغلٍ من هديرة المستثير لأعصابها، وقالت بنبرة مزعوجة: -ربما يكون قد عاد من السفر فجأة لأنه متعب. لغوها الفارغ، وثرثرتها التي لا يوجد منها فائدة لا
اشتعلت السخونة في وجهها فور رؤيته، وسرعان ما أبعدت عينيها عنه. فقد كان قد خرج من الحمّام للتو، يكتفي بارتداء بنطال أسود قطني، بينما بقي جذعه العلوي عاريًا. ابتلعت ريقها في ارتباك، وحاولت أن تستعيد توازنها، ثم أجابت بصوت مهتز قليلًا: - سأنام. اقترب منها قبل أن تتمدد على الأريكة، وأمسك بذراعها ليو
بدا حفل عقد القران وكأنه مشهد مُعدّ بعناية، تزيّنت فيه الوجوه بابتساماتٍ مصطنعة، ورُسمت على الملامح علامات سرورٍ متكلفة، فقط ليبدو الجمع أمام الحضور وكأنه مناسبة سعيدة مكتملة. خاصة أولئك الذين استغربوا التوقيت؛ فالموت لم يمضِ عليه سوى شهرٍ واحد، وكان من الصعب عليهم تقبّل إقامة مثل هذه المناسبة بهذه
فستان العرس، حين يُقدَّم عادةً للعروس كهدية من العريس، يكون لفتةً رقيقة تبقى عالقة في الذاكرة وتترك أثرًا دافئًا في القلب. غير أن الأمر معها كان مختلفًا تمامًا. كانت تحدّق بسخرية في العلبة المفتوحة فوق السرير، حيث بدا فستان أبيض أنيق التصميم، لو أنها رأته في ظرفٍ آخر لأُعجبت به وبكل تفاصيله الراقي







