LOGINابتلعت ريقها وردّت عليه بوجوم، وقد تفشّى الضيق في ملامحها:
- صباح النور. وجدت شفتيه تنفرجان عن بسمة رائقة، ومدّ يده نحو خصلاتها المبللة يزيحها عن عنقها وهو يسألها باهتمام: - متى استيقظتِ؟ على ما يبدو أنه لا يلحظ انطفاءها، فأدارت جسدها نحو الحقيبة، متظاهرة بالانشغال بما تخرجه منها، وأجابته بفتور: - منذ قليل. شعرت به في تلك اللحظة يحاوط جسدها من الخلف، ثم أتبع ذلك بلمسة رقيقة من شفتيه على عنقها، وقال بإعجابٍ واله: - كل شيء فيكِ جميل… لقد جننتيني بالأمس. عبارته التي قصد بها المدح لجسدها، رأت فيها إهانة لكيانها، وكأنها مجرد جسد يُشبع رغبته ويروي عطشه لا أكثر. كادت تبتعد عنه، وشعور النفور يتفاقم داخلها، إلا أنها وجدته في لمح البصر، وبسرعة لم تستطع مجاراتها، قد أدارها نحوه، وبدأ فيما يُتقنه ببراعة، يعيد ما فعله ليلة أمس، لكن هذه المرة بشغفٍ متزايد ولهفةٍ مؤججة. كان ماهرًا، خبيرًا بما تستجيب له الحواس؛ حتى كادت أن تزأر وتضطرب وتطلب المزيد. ربما نجح في أن يُخضع جسدها لتيار رغبته الملتهب، وأن يتحكم في أعماق إحساسها البكر، ونال ما أراد ظافرًا به، لكنه لم يصل إلى قلبها. كان أبعد ما يكون عن روحها. ومع ذلك، تبعثر كل ما بها من جديد، بعدما ظنت أنها استعادت تماسكها وهدوءها. ففي لحظاتٍ معدودة استحوذ عليها، وفرض حضوره على مقاومتها الخافتة، غير منتبهٍ لدموعها التي انسابت على صدغها في صمتٍ موجع. ❈-❈-❈ الطمع يُعمي صاحبه عن نصيبه، فيجعله يمدّ عينيه إلى ما في أيدي الآخرين، ويتمنى انتزاعه، وربما يحارب لأجله دون حق. كان جالسًا في مكتبه الخاص داخل منزله، شاردًا في ذكرياتٍ قديمة، من بينها ذكرى بعينها كانت سببًا فيما نشب بينه وبين أخيه من حقدٍ تحول إلى كراهية، ثم إلى عداءٍ ممتد. استعاد في ذاكرته حديثًا محتدمًا دار بينه وبين والده قبل أكثر من أربعة وثلاثين عامًا، يوم عاد إلى البيت بعد أن تزوج ابنة عدو والده دون رضاه، وعصى أمره، بل وأخذ مبلغًا ضخمًا من أموال والده من حسابه البنكي دون إذن، مستندًا إلى توكيله العام في إدارة الأعمال. واجهه والده بنظراتٍ مشتعلة بالغضب عند دخوله، بعد غياب شهرين، وهو يصرخ بخشونة ويضرب عصاه بالأرض: - أتسرقني يا نوح؟ تأخذ أموالي وتتزوج بها من خلفي ابنة فريد الصاوي! أغمض عينيه محاولًا ضبط أعصابه، وقال بجديةٍ واضحة وهو يتجه إلى غرفته لجلب أمتعته: - أبي، لم أسرقك. هذه أموالي، تعب سنوات عملي معك. تجاوزه "نوح" كي لا يطيل في ذلك الحديث، فسمع صوت والده يتمتم بنبرةٍ مبهمة: - إذًا أخذت أموالك يا نوح؟ التفت وقال بوجهٍ هادئ مؤكدًا دون تردد: - نعم يا أبي. حدجه والده بنظراتٍ باردة، وقال بجفافٍ صارم: - إذًا انسَ أنك ستحصل على أي شيء آخر مني. وبما أنك قسمت مالي مع حياة عيني، فكل ما أملكه سأكتبه لبكر. تجمدت ملامحه من وقع الكلمات، فحتى وإن كان ما أخذه يعادل نصف ثروة والده آنذاك، فإن أرباح العمل كانت ستتضاعف مع السنوات. عقد جبينه وقال بعدم تصديق: - ماذا تعني؟ استند الوالد إلى عصاه متجهًا نحو غرفته دون اكتراث، ثم قال عند العتبة بصوتٍ قاتم: - أعني أنه لا حق لك في الميراث يا نوح. تنهد "نوح" بكدرٍ وهو يستعيد تلك الذكرى الثقيلة، التي بدأ عندها كل شعورٍ غاضب يتفشى داخله؛ فكان ذلك اليوم نقطة التحول من ابنٍ بار إلى رجلٍ ناقم، ومن أخٍ محب إلى خصمٍ حاقد على ما يملكه أخوه. لم تكن المسألة مالًا فقط، بل امتدت إلى الحب والاعتراف والاهتمام الذي حُرم منه، بينما مُنح لغيره. ولو أن الأمر اختلف، ولو أن الصفح وُجد، ربما كان كل شيءٍ آخر تغيّر. لكن ذلك لم يحدث. ولهذا لن يتنازل عمّا حُرم منه، سواء من والده أو من أخيه من بعده. وفي خضم شروده، انتبه لطرقاتٍ على الباب. فاق من أفكاره، ونظر نحو الباب الذي فُتح، ودخل منه ابنه. تنهد وهو يزيح ما عكّر مزاجه جانبًا، وقال وهو يراقب اقترابه منه بنبرة تحمل مغزى واضحًا: - صباحٌ مبارك يا عريس. تقدم وجلس على أحد الكرسيين المقابلين لمكتبه، وابتسم عند سماعه العبارة، ثم قال بعدما استقر: - يبدو أنك استيقظت مبكرًا. استند والده بظهره إلى المقعد وأجاب بإيجاز: - منذ ساعة تقريبًا. ثم عاد العبث إلى ملامحه وهو يضيف: - غريب أنك أنت من استيقظ مبكرًا… ألم تُكن ليلة حافلة أم ماذا؟ رفع حاجبيه بتسلية، فابتسم الآخر بثقة وأجاب باعتدادٍ وزهو: - عيب أن تقول ذلك، أنا راغب الراشدي. أومأ ساخرًا وهو يضحك بخفة: - عيب عليّ فعلًا… خصوصًا أنني كنت أراك بعينيّ بالأمس تكاد تأكلها بنظراتك. ثم أضاف بسخرية: - وتقول إنها فتاة عادية! ضحك بخفة على تذكيره، ثم قال بنبرة إعجابٍ صريحة: - لم أكن أعلم أنها بهذه الروعة… لم ألاحظها جيدًا في عزاء عمي. ساد الصمت للحظة، ثم قال "راغب" وهو يحك ذقنه بإبهامه: - على كل حال، دعنا من هذا. جئت لأمرٍ آخر. انتباهه تحوّل إلى الجدية، فسأله بترقب: - ما هو؟ زم شفتيه لثانية، ثم قال مباشرة دون تمهيد: - كيان تعلم أنني تزوجتها من أجل الميراث.لم يمضي الكثير بدأ نوح في تنفيذ خطته التي ظل يحيكها في صمت، خطة دقيقة لا مجال فيها للصدفة، جعل من ابنه الأداة التي ستمضي بها إلى الواقع دون أن يلمس هو شيئًا مباشرًا، وسيحصل عن كريقه على كل شيء.استيقظ "راغب" على رنين جرس شقته التي اختار العيش فيها بمفرده. نهض ببطء، يجرّ خطواته نحو الباب وهو يتثاءب ويمسح أثر النوم عن عينيه. وما إن فتحه حتى ارتسمت على وجهه ملامح انزعاج واضحة عندما وجد والده أمامه.تجاوز الرجل ابنه دون استئذان، ودخل بخطوات واثقة كعادته، يحمل ذلك الهدوء البارد الذي يسبق العواصف. أفسح له راغب الطريق بصمت، ثم أغلق الباب بهدوء وتبعه إلى غرفة المعيشة.جلس الأب على أحد المقاعد، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ونظر إليه بنظرة ثابتة خالية من أي انفعال، قبل أن يقول بصوت جاف:— اجلس يا راغب، لديّ أمر أريد التحدث إليك فيه.جلس راغب على المقعد المقابل على مضض، وقد بدأ الفضول يزاحم انزعاجه. لم يعتد أن يراه منذ استقلاله بحياته، ولم يتوقع زيارة كهذه. أخرج الأب علبة سجائره، أشعل واحدة، ثم ألقى العلبة والقدّاحة بإهمال على الطاولة أمامه، ونفث دخانها ببطء قبل أن يقول دون أن ينظر إليه:— أريدك أن
كان “نوح” و“سمية” الأسوأ بين الجميع، علاقة محرّمة امتدت في الخفاء لسنوات، قائمة على خيانة مزدوجة؛ خيانةٍ لشقيقه من جهة، ولزوجها من جهة أخرى، بينما كان كلٌّ منهما يبرر سقوطه بطريقته الخاصة، دون أن يجرؤ على الاعتراف الكامل بما أصبحا عليه.وبعد مرور عدة أيا من انتهاء مراسم العزاء، عاد كل شيء إلى ما كان يُخفى دائمًا… أو ربما إلى ما كان ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر من جديد.طرق مرتين على باب غرفتها وانتظر لبضع ثوانٍ حتى فُتح الباب وقابلته بزيها الأسود وابتعدت قليلا سامحة له بالدلوف ، أغلق الباب خلفه وتوجه نحوها وهو يقول بهدوء :-من المؤكد أنك لن تظلي حبيسة بغرفبك هكذا يا سمية قابلته بابتسامة مقتضبة وتكلمت وهى تنظر لأسفل :-أنا لست حبيسة، ولكنك تعلم أنه لا ينبغي أن أفعل غير ذلك، لأظهر في صورة الزوجة الأصيلة التي حزنت على فراق زوجها.رفعت نظرها إليه فى نهاية ردها ورمقته بنظرة خبيثة وابتسامة تتلاعب على شفتيها ليقترب هو منها وحاوط خصرها وقربها إليه قائلا بخبث مماثل لخبثها :-وهل يوجد زوجة أصيلة مثلك!ضحكت بخفوت كى لا يستمع إليهما أحد ثم تمتمت متسائلة بترقب :-هل رآك أحد أثناء قدومك؟أومأ بال
في ذلك اليوم، عندما علم “راغب” بوفاة عمه، لم يظهر عليه أي أثر حقيقي للصدمة. كان الخبر بالنسبة له أقرب إلى معلومة رسمية يجب التعامل معها، لا حدثًا يهزّ داخله أو يغير ملامحه. كان في اجتماع عمل حين دلف والده إلى قاعة الاجتماعات دون استئذان، لتشتعل ملامح الموظفين توترًا ودهشة. رفع “نوح الراشدي” يده على الفور، موجّهًا حديثه بنبرة حاسمة إلى الجميع:- انتهى الاجتماع. غادروا إلى مكاتبكم. تردد الحضور للحظة، ثم بدأوا في الانصراف واحدًا تلو الآخر، بينما ظل الجو مشحونًا بثقل غير مفهوم. استند “راغب” إلى ظهر مقعده في نهاية الطاولة الطويلة، يراقب والده بعينين رماديتين هادئتين، لا تحملان أي ارتباك. في المقابل، كان “نوح” يقف أمامه مباشرة، ملامحه جامدة كعادته، خالية من أي تعبير يمكن قراءته. ساد صمت قصير قبل أن يتكلم “نوح” بصوت ثابت:- عمك مات. قم معي. سنذهب لحضور الدفن، ويجب أن نكون هناك مبكرًا للعزاء. ارتفع حاجبا “راغب” قليلًا، ليس أكثر من رد فعل سريع، ثم قال بنبرة خافتة لكنها واضحة:- مات؟ أومأ “نوح” بإيجاز، وكأنه يعلن حقيقة لا تقبل النقاش:- نعم. هيا، سأنتظرك في السيارة. ثم استدار وغادر القاع
كانت منهارة تمامًا، حطام أنثى، لا من الحزن وحده، بل من ثقل ما جرى بينها وبين “راغب” في إطار الزواج الإجباري، جلست أرضًا في المرحاض، تحدق في الفراغ كأنها تحاول استعادة أنفاسها، بينما كانت ذاكرتها تعيد عليها المشهد مرة بعد أخرى… كلمات لم تُقل، وروح تسلب، وحدود تكسرت بصمت مؤلم.لم تكن قادرة على استيعاب أن ما ينبغي أن يحدث بين الزوجين بقبول وتناغم، يحدث قسرًا وبرغبة منقطعة من ناحيتها، كل ما تشعر به الآن أن شيئًا داخلها كان قد انكسر، وترك خلفه فراغًا غريبًا جعل كل ما تلاه يبدو أكثر قسوة وأقل احتمالًا. وكل ذلك كان نتيجة لابتعاد من كان يلوذ عنها، من كان حصنها وملجأها، نتيجة لموت والدها---في ذلك اليوم وفي تلك اللحظة…دوى صراخ حاد في أرجاء البيت، هزّ أركانه من شدته، حتى انتفض جميع من في الداخل فور سماعه. هرعوا نحو مصدر الصوت، ليجدوا “كيان” في غرفة والدها، حيث لم تغادرها منذ أن دخل في غيبوبته.كانت هي من أصرت على بقائه في المنزل بدلًا من المستشفى، رافضة أي نقاش في الأمر، ومكتفية بإشراف الطبيب الخاص عليه، بينما وفّرت كل الأجهزة والأدوية التي يحتاجها. لم يكن الأمر مجرد قرار طبي بالنسبة لها، بل
انتفض من موضعه في الفراش فور سماع ما قالت، ورفع جسده قليلًا متكئًا على مرفقه، وقد اتسعت عيناه بصدمة واضحة، ثم قال بصوت متقطع من شدة الذهول:-ماذا قلتِ؟رمقته بنظرات باردة خالية من أي انفعال، وكأن الأمر لا يتجاوز فكرة عابرة، وقالت باستخفاف:-ما المشكلة؟ قلتُ سنقتله. في جميع الأحوال هو سيموت، نحن فقط سنُسرّع الأمر لا أكثر.تابعت وهي تراقب ملامحه التي بدأت تتغير بوضوح، بين صدمة وتردد واضطراب، ثم أخرجت شيئًا صغيرًا من حقيبتها الموضوعة قرب السرير، ورفعته أمام عينيه قائلة بهدوء محسوب:-هذه الحقنة… سنضعها في المحلول الذي يتناوله. ستنتقل إلى دمه تدريجيًا، وبعدها يحدث توقف مفاجئ في القلب… وتنتهي المسألة. وستحصل أنت على أموالك في صورة ميراث، وأنا كذلك بصفتي زوجته. وبعد أن تنتهي الفترة القانونية، نتزوج نحن الاثنين.ظل يحدق في الشيء بين يديها، ثم في وجهها، وقد بدا عليه الارتباك الشديد وكأنه يحاول استيعاب ما يسمعه. أما هي فكانت تنتظر، مائلة برأسها قليلًا، تترقب جوابه ببرود:-حسنًا يا نوح… ماذا تقول؟ابتلع بصعوبة، وتصارعت داخله أفكار متناقضة. كان يكره شقيقه منذ زمن، ويشعر أنه سُلب حقه، لكن فكرة الق
جلس في مكتبه داخل الشركة بعد انتهاء الاجتماع، منشغلًا بالحاسوب أمامه بتركيز تام، لا يقطعه سوى صمت الغرفة وثقل اللحظة.ثم جاء صوت طرقتين خفيفتين على الباب، قبل أن يُفتح وتدخل “داليدا” تحمل بين يديها الملفات التي طلبها منها أثناء الاجتماع.تقدّمت بخطوات ثابتة، وضعت الأوراق أمامه على سطح المكتب، ثم قالت باقتضاب وملامح مشدودة لم تفارقها منذ أن علمت بزواجه:-تفضل… الملفات التي طلبتها.استدارت على الفور وكأنها تنوي المغادرة، لكن صوت “راغب” أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا:-داليدا… انتظري.أطلقت همهمة خافتة، ثم التفتت إليه ببطء. كان وجهها خاليًا من أي تعبير، وصوتها باردًا حين سألت:-ماذا تريد؟نهض من مقعده، واتجه نحوها بخطوات هادئة مترددة، حتى توقف أمامها مباشرة. ملامحه كانت مثقلة بالأسف وهو يقول بصوت منخفض:-داليدا… أنا آسف.تنهدت بضيق، ثم أجابت بنبرة متماسكة، عملية على نحو لافت:-راغب، لست بحاجة للاعتذار. أنا لم أُنزعج من زواجك… أنا انزعجت لأنك لم تخبرني به.زفر سريعًا، ثم قال بصدق واضح:-صدقيني، زواجي من كيان لم يكن مخططًا له. والدي فاجأني بالأمر، وأتمّ كل شيء بسرعة، ولم أتمكن حتى من إخبار أحد.







