LOGINالفصل الثامن: مأدبة العائلة
جاء يوم الجمعة أسرع مما أردت. ارتديتُ فستانًا من الحرير الزمردي اختارته لي جدة آدم بنفسها بعدما أرسلت خيّاطتها إلى غرفتي، وقالت لي: «الزمرد لون الأميرات اللواتي لا يعتذرن». مشطتُ شعري في ضفيرة عالية، وتزيّنتُ بقرطين بسيطين، ونظرتُ إلى نفسي في المرآة فلم أعرف الفتاة التي تحدّق إليّ. كانت أقوى مما أنا عليه في الداخل. كانت مائدة العشاء في القاعة الكبرى ممتدة كنهر من الفضة والكريستال، وقد جلس حولها أفراد العائلة كأنهم أعضاء محكمة. في صدر المائدة جلست الجدة نورة، وإلى يمينها آدم وأنا. وعلى الجانب الآخر جلس رجل في الخمسينيات، ممتلئ الجسد، ذو ابتسامة لزجة كطبقة الزيت على الماء، هو «طارق الراوي». وإلى جواره زوجته «سوسن»، امرأة ذات ثياب فاخرة وعينين تقيسان الجميع بالمسطرة، وابنهما «فادي»، شاب في مثل عمري يحدّق فيّ بفضول بذيء. قال طارق بصوت مفعم بالمودّة المصطنعة: — أهلًا بكِ في العائلة يا ابنتي. سمعنا الكثير عن أسرتك… وعن الظروف الصعبة التي تمرّ بها. التفتت سوسن إليّ بابتسامة سامة: — نعم يا عزيزتي، مؤسف ما جرى لأبيك. الناس يقولون إن الشركة على وشك الإفلاس. لا بد أن الأمر مؤلم لكِ. لكن الزواج من آدم حلّ لكل المشكلات، أليس كذلك؟ ساد صمت مشحون. شعرتُ بأصابع آدم تشتدّ على ركبته تحت المائدة، لكنه لم يتدخل، وكأنه أراد أن يرى كيف سأتصرف. أخذتُ نفسًا عميقًا، ورفعتُ كأس الماء، وقلتُ بهدوء: — صحيح يا سيدتي، الظروف كانت صعبة. لكن تعلمتُ من أبي درسًا واحدًا مفيدًا في الإفلاس: حين يسقط الإنسان، يعرف من يقف بجانبه ومن يقف فوقه ليتفرج. وأنا محظوظة لأنني وجدتُ في هذا البيت من وقف بجانبي. نظر إليّ الجميع بدهشة. أما الجدة نورة فارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا خفية. وسعل فادي ليداري ضحكة كتمها. أما سوسن فاحمرّت وجنتاها من الغيظ، وأمسكت شوكتها بقوة حتى ابيضّت أصابعها. أما طارق فحدّق بي نظرة طويلة، وكأنه يعيد تقييم قطعة شطرنج ظنّها بيدقًا فإذا هي وزير. لم يستسلم طارق. رمى سؤاله الثاني بلطف مصطنع: — ولكن قولي لي يا ليلى، ما رأيك في مشروع الميناء الجديد الذي تنوي المجموعة إقامته؟ لا بد أن آدم أخبرك عنه. كان فخًّا واضحًا. لو تظاهرتُ بالمعرفة لكشفتُ جهلي، ولو اعترفتُ بالجهل لبدوتُ مجرد ديكور. نظرتُ إلى آدم لحظة، فرأيتُه يراقبني بترقب صامت. ثم ابتسمتُ وقلتُ: — لم يطلعني آدم على التفاصيل بعد يا عمي، فنحن لم نتجاوز مرحلة الحديث في الشعر والمطر. لكن سؤالي: هل الميناء لخدمة المدينة أم لخدمة من يملكون الأرض المجاورة له؟ تجمّد وجه طارق للحظة، ثم ضحك ضحكة متكلفة: — يا لها من زوجة ذكية! لكن الاقتصاد ليس للنساء يا ابنتي. — لحسن الحظ، — قال آدم أخيرًا ببرود قاتل، وهو يضع يده على يدي فوق المائدة، — زوجتي لا تحتاج إلى إذنك كي تفكر يا عمي. ساد صمت آخر. رأيتُ في عيني طارق شرارة كراهية سريعة قبل أن يغطيها بقناع الود. وفي تلك اللحظة أدركتُ أنني لم أنجح في اختبار العشاء فحسب، بل أعلنتُ الحرب دون أن أقصد. عندما صعدنا في النهاية إلى الدور العلوي، أمسك آدم بمعصمي في الممر الخافت وقال بصوت منخفض: — لم أطلب منك أن تكوني بهذه الجرأة. — ولم أطلب منك أن تتركني وحدي في الفخ. نظر إليّ طويلًا، ثم قال بشيء يشبه الاعتراف: — أردتُ أن أعرف إن كنتُ قد اخترتُ الشخص الصحيح. — وماذا وجدت؟ لم يجب. لكنه لم يترك معصمي فورًا أيضًا. سحبتُ يدي أخيرًا وهمستُ «تصبح على خير»، ودخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب. استندتُ إلى الخشب البارد وأنا أسمع دقات قلبي المتسارعة. كان الظفر بالمعركة أمام العائلة شعورًا رائعًا، لكن ما أقلقني هو أن أكثر ما هزّني تلك الليلة لم يكن نظرة طارق الحاقدة، بل يد آدم على يدي حين دافع عني. ---الفصل السادس والعشرون :نظرة الشك مرّ الأسبوع التالي كأنه شهر كامل. تحولتُ إلى شبح في القصر الذي طالما شعرتُ فيه بالانتماء تدريجيًّا؛ صلاحياتي معلّقة، وموظفو الشركة يتجنبون النظر إليّ في الممرات كأنني وباء، وحتى زينب عادت إلى برودتها الأولى، وكأن الشهور الماضية من الدفء لم تحدث قط. الأقسى من كل ذلك كان آدم نفسه. لم يعد يأتي إلى الإفطار، وصار يعود من مكتبه بعد منتصف الليل، وحين نلتقي في الممرات يكتفي بإيماءة باردة أو سؤال روتيني عن حالي. كنتُ أراه يبتعد أمام عيني، كجليد يتجمد من جديد فوق نهر بدأ يذوب للتو. كنتُ أمرّ بجانب مكتبه في طريقي كل صباح، آملة أن يفتح الباب ويناديني كما اعتاد، لكن الباب كان يبقى مغلقًا، وصوت اجتماعاته المتلاحقة يتسرب من خلفه كجدار إضافي بيننا. شعرتُ أنني أخسر شيئين معًا: مكانتي التي بنيتها بالكد، والرجل الذي بدأ قلبي يفتح له أبوابًا لم يفتحها لأحد من قبل. حاولتُ مرارًا أن أشرح له نظريتي عن فادي، لكنه كان يستمع بصبر ظاهري ثم يقول بحياد مؤلم: «سنترك الأمر للجنة التحقيق يا ليلى. لا أريد أن أتسرع في اتهام أحد، كما لا أريد أن أتسرع في تبرئة أحد». في أحد الأيام،
الفصل الخامس والعشرون: الاتهامبعد أيام من حفل الجمعية الخيرية، وبينما كان آدم يحاول احتواء الأضرار السياسية لإعلان طارق المفاجئ، انفجرت فضيحة جديدة هزّت الشركة من أساسها.استُدعي آدم فجأة إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة، ودُعيتُ أنا أيضًا، وهو أمر غير معتاد إلا في الأزمات الكبرى. حين دخلنا القاعة، وجدتُ وجوه الأعضاء متجهمة، وطارق يقف عند رأس الطاولة ممسكًا بملف أحمر سميك، وابتسامة الانتصار ترتسم على شفتيه بوضوح لا يخفيه.— أعتذر عن هذا الاستدعاء المفاجئ، — بدأ طارق بصوت رسمي مصطنع، — لكن أمرًا خطيرًا وصل إلى علمي، يمسّ أمن هذه الشركة من الداخل.فتح الملف، وأخرج أوراقًا مطبوعة، ووزعها على الأعضاء. نظرتُ إلى النسخة أمامي فتجمد الدم في عروقي: كانت رسائل بريد إلكتروني، تبدو وكأنها مرسلة من حسابي الشخصي، إلى عنوان بريد يخص «مجموعة الحمداني»، تحتوي على تفاصيل حساسة عن استراتيجية تمويل مشروع الميناء، وعن نقاط ضعف قانونية في عقد الشراكة مع بنك فيبر.— هذه ليست رسائلي! — قلتُ بصوت مرتجف من الصدمة والغضب معًا.شعرتُ بعشرات العيون تحدّق فيّ حول الطاولة، بعضها بشفقة، وبعضها بريبة صريحة، وبعضها الآ
الفصل الرابع والعشرون: فخّ في الحفل جاء حفل الجمعية الخيرية الذي حذّرتني منه أذني في السوق القديم أسرع مما توقعت. أقيم في فندق «الأندلس» نفسه الذي التقيتُ فيه آدم أول مرة، وكأن القدر يحب أن يغلق دوائره في الأماكن نفسها. كنتُ أرتدي فستانًا فضيًّا اختارته الجدة نورة بنفسها، وشعرتُ لأول مرة منذ أسابيع بسعادة حقيقية، فآدم لم يفارق جانبي طوال الطريق، ويده تمسك يدي بثبات جديد لا علاقة له بالتمثيل أمام الكاميرات. لكن السعادة لم تدم طويلًا. فور دخولنا القاعة، لمحتُ من بعيد وجهًا لم أتوقع رؤيته هناك: أبي، يقف بجانب سالم الحمداني، وكلاهما يتحدث بجدية مع طارق الذي بدا مبتهجًا بشكل غير معتاد. اقترب منا سامر بوجه قلق، وهمس في أذن آدم بشيء جعل ملامحه تتجمد. التفت إليّ آدم وقال بصوت منخفض: — ليلى، يبدو أن عمي أعدّ إعلانًا مفاجئًا الليلة. لا أعرف تفاصيله، لكن كن حذرة. قبل أن أسأل أكثر، صعد طارق إلى المنصة وطلب الميكروفون من منظمي الحفل، بحجة «مفاجأة سارة تخص عائلته الكريمة». اعتلى المنصة بابتسامته الزيتية المعتادة، ونظر مباشرة نحوي بنظرة انتصار مسبق. — أيها الحضور الكرام، يسعدني أن أعلن الليلة
الفصل الثالث والعشرون: القلب يتمرّدفي الأيام التي تلت الحفل، بدأت رنا الخوري تظهر بشكل متكرر في حياة الشركة، تحت غطاء «الشراكة الاستراتيجية» التي ذكرتها. كانت تحضر الاجتماعات، وتتصل بآدم مباشرة دون المرور بسامر، وتترك في مكتبه هدايا صغيرة أنيقة بذريعة الصداقة القديمة. لاحظتُ أن آدم يتعامل معها بحذر شديد، لكنه لا يستطيع أن يرفض التعاون التجاري الذي تمثله، فالبنك الذي تديره ضروري لتمويل مرحلة جديدة من مشروع الميناء.كنتُ أراقب كل هذا بصمت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق مهني، لكن قلبي كان يعرف الحقيقة أفضل مني: كنتُ أغار، غيرة حقيقية خالصة لا علاقة لها بالعقد أو بالمصلحة.في مساء أحد الأيام، دخلتُ مكتب آدم لأسلمه بعض الأوراق الموقعة، فوجدتُ رنا تجلس أمامه، تضحك على شيء قاله، ويدها تلمس ذراعه بثقة زائدة. توقفتُ عند الباب لحظة، فشعر آدم بحضوري وسحب ذراعه بسرعة كطفل ضُبط متلبسًا، لكن الأذى كان قد وقع بالفعل في قلبي.— ليلى، — قال بصوت متوتر، — كنا فقط نناقش تفاصيل التمويل.— لا داعي للتفسير، — قلتُ بهدوء بارد وضعتُ الأوراق على المكتب. — هذا عملك، لا شأن لي به.خرجتُ من المكتب
الفصل الثاني والعشرون: المرأة الثالثةلم يمض أسبوع حتى وصلت دعوة أنيقة إلى القصر، من نوع لم أتوقعه: حفل استقبال يقيمه بنك «الشرق للاستثمار» لتكريم كبار عملائه، وعلى رأس المدعوين اسم لم أسمعه من قبل: السيدة «رنا الخوري»، الشريكة الجديدة للبنك، والتي وُصفت في بطاقة الدعوة بأنها «صديقة قديمة للسيد آدم الراوي».حين رأى آدم بطاقة الدعوة على الطاولة، توقف للحظة، وظهر على وجهه تعبير لم أفهمه، مزيج من المفاجأة وشيء آخر أعمق.— من هي رنا الخوري؟ — سألتُ بفضول لم أخفه.— كنا... معًا، قبل سنوات. في إنجلترا، أثناء الجامعة. — قال بحذر، وكأنه يقيس كل كلمة. — انفصلنا حين عدتُ لأتولى الشركة بعد وفاة أبي. لم أرها منذ ذلك الحين.شعرتُ بشيء يشبه الغيرة يتسلل إلى صدري، غيرة لم أكن أتوقع أن أشعر بها تجاه ماضٍ لا علاقة لي به. لكنني تذكرتُ نفسي بسرعة: أنا زوجة على الورق، لا يحق لي أن أغار.وقفتُ أمام مرآتي قبل الحفل بساعة، أرتدي الفستان الفضي وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق عابر، لكن يدي كانتا ترتجفان وأنا أثبّت أقراطي، وأدركتُ أن قلبي بدأ يتصرف بطريقة لم أعد أسيطر عليها، رغم كل التحذيرات التي و
الفصل الحادي والعشرون: هدنة هشّةبعد ليلة الشرفة، بدا القصر وكأنه يتنفس بإيقاع مختلف. صار آدم يأتي إلى الإفطار كل صباح بدل أن يكتفي بفنجان قهوة يحمله إلى مكتبه، وصرنا نتناقش في الأخبار والكتب كزوجين حقيقيين، لا كشريكين في صفقة. حتى زينب لاحظت التغيير، وبدأت تعاملني بلطف أعمق من مجرد الواجب.لكن الهدنة، كما تعلمتُ في هذا البيت، لا تدوم طويلًا دون أن يخترقها ظل من الماضي.كنتُ أستمتع بتلك الأيام الهادئة رغم معرفتي أنها مؤقتة، كمن يجلس في عين العاصفة يستجمع قواه قبل أن تعصف به الرياح من جديد. كنتُ أتعلم أن أستمتع باللحظة دون أن أسأل نفسي إلى متى ستدوم، وهو درس لم أكن أجيده من قبل، فحياتي علّمتني دائمًا أن أترقب الضربة القادمة أكثر مما أستمتع بلحظة السكينة.في أحد الأيام، طلبت مني الجدة نورة مرافقتها إلى السوق القديم لشراء بعض التوابل النادرة التي لا تجدها إلا هناك، عادة سنوية تحرص عليها رغم تقدمها في السن. أثناء تجوّلنا بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالباعة وروائح البهارات، توقفتُ فجأة أمام محل صغير لبيع الأقمشة، إذ لمحتُ امرأة تفحص قطعة حرير أزرق، وكان وجهها يشبه وجهًا أعرفه جيدًا.كانت سو