เข้าสู่ระบบعادت أنفاس فيروز إليها تدريجياً،
و شعرت بجسدها يستلقي مجدداً فوق الفراش الوثير بعد تلك الهزة العنيفة التي ضربت وعيها. تراجع الضباب قليلاً عن عقلها، و اختفت صورة "سامي" و حفل الزفاف لتترك مكانها الواقع الحالي الحارق. التفتت "فيروز" ببطء نحو الجسد الضخم الممدد بجوارها ، و رأت خيال وجه "يعقوب الراشد" الصارم و هو يراقبها بملامح جامدة لا يمكن تفسيرها. ابتلعت ريقها الجاف، و شعرت بأسف و خوف يجتاحان صدرها؛ فهي تعلم جيداً مدى خطورة غضب هذا الرجل. مدّت يدها المرتعشة بخفة، و لمست ذراعه الصلبة بنعومة و دلال و هي تهمس بنبرة رجاء حزينة: "لا تغضب مني... أرجوك." أغمض يعقوب عينيه لثانية واحدة، و زفر زفيراً حاداً أخرج فيه بقايا غيظه و تشنجه. لم يعاتبها، و لم يصرخ، بل اكتفى بتمتمه ساخره بصوته التمتمه المعهودة و هو يتحرك ليقترب منها قائلاً باقتضاب: "لننم الآن."و مع كلمته الأخيرة، امتدت ذراعه القوية كالطوق، ليلفها حول خصرها النحيل بحركة تملكية مألوفة، و جذب جسدها إليه حتى التصق اياها بصدره العريض، محيطاً إياها بدفء و هيبة يحبسان الأنفاس. رغم النبضات العنيفة التي كانت تدور في صدرها، إلا أن فيروز لم تستطع النوم. جافا النوم عينيها تماماً، و كان بالها مشغولاً و مشوشاً؛ فبعد كل نوبة توتر و ارتحال مفاجئ للذاكرة تصيبها، يتركها عقلها في حالة من الإرهاق النفسي و الأسئلة التي لا تنتهي.مرت الدقائق ثقيلة، بعد فتره بدأت تلاحظ انتظام أنفاس يعقوب العميقة ، فعلمت أنه استغرق في النوم أخيراً. في تلك اللحظة الساكنة من الليل، انسابت أفكارها رغماً عنها لتعود إلى الوراء... إلى نقطة الصفر. بدأت تفكر في ما حدث قبل اكثر من سنه و شهر تقريبا ، و هي كل عمر ذاكرتها الحية في هذه الدنيا. فقبل تلك الثلاث عشر شهر ، لم يكن هناك وجود لـ "فيروز"، و لم تكن تعرف شيئاً عن نفسها سوى تلك الليلة الماطرة التي غيرت كل شيء. قبل ثلاث عشر شهر..... .. .كانت قطرات المطر الغزيرة تضرب زجاج السيارة البنتلي الفاخرة بعنف، ممتزجة بصوت هطول العواصف على الطريق الدولي المنعزل. في داخل السيارة من طراز بنتلي السوداء، كان فاتح أحد أمهر و أخلص معاوني الملياردير يعقوب الراشد، يمسك بعجلة القيادة بتركيز شديد.كان فاتح قادماً من مدينة "فالينتار" الصاخبة بالفخامة و التجارة، متجهاً صوب مدينة "إيفارا"، بعد أن قضى يوماً طويلاً و شاقاً في إنجاز بعض المهام و الصفقات السرية و المهمة لصالح رئيسه يعقوب الراشد الطريق كان شبه مهجور بسبب العواصف ، و الظلام يبتلع جنبات الطريق السريع إلا من أضواء السيارة القوية التي تخترق جدار المطر. في منتصف طريق العوده تقريبا ، و بينما كانت السيارة تنهب الأرض نهباً، انخفض صوت الموسيقى الهادئة في الخلفية ليتسلل إلى أذن فاتح صوت غريب. تجمدت يداه على المقود و هو يستمع بتركيز. كان ذلك صوت تأوّه امرأة... أنين ضعيف، متقطع و محمل بألم يفوق الاحتمال، قادم من المقاعد الخلفية!ارتعب فاتح، و قشعريرة باردة سرت في عموده الفقري. لم يكن هناك أحد معه في السيارة عندما انطلق من فالينتار! ضغط على المكابح بعنف و قوة، لتصدر إطارات البنتلي صريراً حاداً قبل أن تتوقف السيارة تماماً على جانب الطريق المظلم.نزل فاتح من مقعد القيادة بسرعة و هو يتنفس بهلع، و فتح الباب الخلفي للسيارة الفاخرة، ثم أشعل كشاف هاتفه المحمول و وجهه نحو الأسفل ليفتش بدقة. و هناك، كانت الصدمة التي ألجمت لسانه .في أرضية الجزء الخلفي المظلم لسيارة البنتلي، كان يقبع جسد امرأة نحيل للغاية. كانت ترتدي بقايا ثوب ممزق و متسخ، و جسدها كله مصاب بجروح بالغة و كدمات زرقاء، و الدماء الغزيرة تسيل من رأسها و جسدها لتلطخ سجادة السيارة الفاخرة. كانت شبه غائبة عن الوعي، و تتحرك بألم و هي تطلق ذلك الأنين الضعيف. ارتجفت يد فاتح و هو يرى هذا المشهد المرعب؛ كيف وصلت هذه الفتاة إلى هنا؟ و من تجرأ على استخدام سيارة يعقوب الراشد كمهرب؟كلما حاولت تجاهله، عاد فضولها أقوى. وفي النهاية، لم تستطع مقاومة رغبتها في معرفة الحقيقة. نهضت من مكانها، أخذت حقيبتها ، ثم غادرت متجهة إلى مطعم الياقوت. عندما وصلت ، دخلت المطعم بهدوء ، ثم أخذت تبحث بعينيها حتى وجدته جالساً في إحدى الزوايا ، كما أخبرها. تقدمت نحوه وجلست أمامه، ثم قالت مباشرة: — لن أستطيع البقاء هنا طويلاً يا طارق. أخبرني ما الذي أردتني أن أراه. نظر إليها للحظات، ثم ألقى نظرة حول المكان قبل أن يسأل: — هل أتيتِ إلى هذا المكان من قبل ؟ رفعت آسيا حاجبها باستغراب. — لا، لم آتِ إلى هنا من قبل. ارتسمت على وجه طارق ابتسامة ساخرة. — غريب. نظرت إليه باستفهام: — ما الغريب؟ أجاب وهو يشير بنظره إلى المكان: — هذا المطعم واحد من ممتلكات زوجكِ يعقوب. اتسعت عينا آسيا بدهشة حقيقية. للحظة، عادت إلى ذاكرتها صورة قديمة؛ كانت قد ذكرت ليعقوب ذات مرة أنها ترغب في تناول العشاء في مطعم الياقوت ، لكنه رفض فوراً وبحدة ، وأخبرها أن المكان سيئ ولا يستحق الزيارة. قالت بارتباك: — لم أكن أعرف أنه يملكه. يعقوب يملك الكثير من الأماكن ثم نظرت إلى ط
بعد رحيل يعقوب ببضع ساعات ، كانت آسيا تجلس بمفردها في هدوء ثقيل ، تحاول أن تستوعب كل ما حدث خلال الأيام الماضية. كان عقلها مزدحماً بالكثير من الأفكار، إلا أنها لم تكن ترغب في مطاردة أي منها حتى النهاية. شعرت أنها بحاجة إلى بعض الهدوء، وإلى أن تضع مسافة بينها وبين كل ما يتعلق بالماضي. وفجأة، اهتز هاتفها فوق الطاولة معلناً عن اتصال وارد. مدت يدها نحوه بلا اهتمام في البداية ، لكن ما إن وقعت عيناها على الاسم الظاهر على الشاشة حتى توقفت للحظات. **طارق بدر.** ظلت تحدق في الاسم لثوانٍ، وكأنها تتساءل إن كان عليها الرد أم ترك الاتصال يمر . كان ظهور طارق الآن يعني عودة امور كانت تحاول بكل طاقتها أن تغلق بابها. تنفست ببطء ، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءها صوته : — آسيا... كيف حالكِ ؟ أردت أن أطمئن عليكِ. أجابت ببرود واضح، متعمدة أن تجعل نبرتها رسمية: — أنا بخير ، شكراً لك يا طارق. ساد صمت قصير، ثم قال : — لم أسمع منكِ منذ فترة. إلى أين وصلت الأمور في البحث الذي كنا نقوم به ، ؟ خفضت آسيا عينيها إلى الأرض ، وسرعان ما بدأت الأفكار تدور في رأسها . كانت تعرف أن هذا السؤ
" الصباح التالي ل ليله الشرفة" تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى عبر ستائر الغرفة الشفيفة الفاخرة ، لترسم خطوطاً ممتدة من الضوء الدافئ والسكينة فوق الفراش الوثير. فتح يعقوب عينيه ببطء شديد ، وتخلص من بقايا النوم والثقل في جسده المتعب ، ليلتفت تلقائياً نحو الجانب الآخر من السرير كما اعتاد أن يفعل كل صباح.كانت آسيا ما زالت مستغرقة في نوم عميق . شعرها الأسود الثائر كان مبعثراً بغزارة على الوسادة البيضاء الناصعة كشلال داكن من الحرير الخالص، وملامحها الهادئة كانت خالية تماماً من مساحيق التجميل، تبدو في قمة نقائها الطبيعي .استند يعقوب على كوعه بخفة ، وأخذ يتأمل تفاصيل وجهها بصمت يفيض بالمشاعر . فكر انني ذلك الرجل القاسي الذي لم يعرف الأمان أو طعم الراحة يوماً في حياته ، والذي يبيت ليله دائماً وعقله يصارع الشكوك ، والخطط، والعداوات ، والذكريات المظلمة،، كيف اشعر فجأة بأن الوقت قد توقف تماماً و انا معها كيف استطاعت ان تنسيني هذا العذاب و تخلق لي ذكريات دافئة و بعد تلك الاعترافات العاصفةِ التي قالتها خديجة . امتدت يده الكبيرة ببطء شديد وحذر ، كأنه
ساد الصمت داخل القاعة لثوانٍ طويلة، حتى بدا وكأن الجميع فقد القدرة على الكلام. كانت كلمات خديجة لا تزال معلقة في الهواء ، ثقيلة وقاسية، بينما ظلت سمية واقفة أمامها دون أن تحيد عينيها عنها. لم تكن الصدمة التي ارتسمت على وجه سمية مجرد دهشة مما سمعته، بل كانت أشبه بإعادة ترتيب كاملة لكل المشاعر التي حملتها طوال سنوات طويلة. لقد عاشت عمرها وهي تحمل في قلبها غضباً لا يهدأ تجاه آل التهامي ، وكانت ترى فيهم أصل المأساة التي حطمت حياتها وحياة ابنها. لكن الحقيقة التي سمعتها الآن جعلت الصورة مختلفة تماماً. تأملت سمية وجه خديجة طويلاً، وكأنها تحاول أن ترى خلف ملامح المرأة التي أمامها كل السنوات التي مرت بها، وكل الألم الذي تحملته وحدها. قالت سمية بصوت خافت، وقد تخلت نبرتها عن حدتها : — إذن... أنتِ من فعلتِ ذلك بنوح؟ رفعت خديجة عينيها إليها بثبات، ولم تحاول إنكار شيء. — نعم يا سمية... أنا من فعلت. ساد صمت قصير من جديد. اقتربت سمية خطوة أخرى، وظلت تحدق فيها لم تعد تراها مجرد واحدة من آل التهامي، كانت ترى أماً فقدت ابنها، كما فقدت هي الرجل الذي أحبته.
ساد الصمت داخل ردهة القصر الكبير بعد كلمات خديجة، كان الجميع يحتاج إلى لحظات ليستوعب الحقيقة التي خرجت أخيراً من بين جدران الماضي. ظل يعقوب جالساً في مكانه دون أن يتحرك، وعيناه معلقتان بخديجة. لم يكن قادراً على استيعاب أن المرأة التي تنتمي إلى العائلة التي حملها طوال حياته مسؤولية موت والده، تقف أمامه الآن وتخبره بأنها جدته. رفع يده إلى جبينه، ومسح عليه ببطء، ثم قال بصوت متعب: — أنا لا أصدق .. كيف يمكن أن تكوني جدتي ، انت من آل التهامي؟ نظرت إليه خديجة بألم واضح، وقالت : — حياتي لم تكن بسيطة كما تتخيل يا يعقوب. اتسعت عينا يعقوب أكثر، والتفت فوراً نحو معتز. —و أنت يا جدي كيف استطعت إخفاء الامر ؟ أطرق معتز رأسه قليلاً، ثم أجاب بصوت ثقيل: — لا تحكم علينا يا يعقوب و لكن الظروف من فرضت ذلك . هز يعقوب رأسه بعدم تصديق، وقال بمرارة: — لا استطيع ان استوعب ان حياتي كلها مبنيه على اكاذيب رفعت خديجة عينيها إليه، وقالت: — لأن الحقيقة كانت مرتبطة بعائلة التهامي كلها، وبنوح تحديداً. كنت أعلم أن ظهوري من جديد قد يشعل حرباً . عاد إلى يعقوب السؤال الذي كان يؤلمه منذ سم
شقّ سكون القصر الكبير لآل الراشد صوت البوابات الحديدية وهي تنفتح ببطء، كأن المكان كله يستيقظ فجأة من نوم طويل. دخلت سيارة يعقوب الفارهة، وتوقفت أمام المدخل الرئيسي. نزل يعقوب، عدّل سترته ، ونظر حوله كمن يتوقع أن يجد شيئاً غير عادي في هذه الساعة المتأخرة .في اللحظة نفسها تقريباً، وصلت سيارة سمية. كانت عائدة من الخارج بعد اتصال معتز الذي قال لها بصوت حازم : «ارجعي فوراً، الي المنزل هناك امر هام ». ملامحها كانت متوترة، عيناها تضيقان من الترقب ، ويدُها ترتجف قليلاً وهي تمسك بمقبض الباب . لم تكن تعرف لماذا الاستدعاء المفاجئ ، لكنها شعرت أن شيئاً ثقيلاً ينتظرها داخل القصر. خطت سمية داخل الردهة الكبرى، خطواتها متوترة . عبرت عتبة صالة الاستقبال الرئيسية... وفجأة تجمدت. رأت خديجة التهامي جالسة هناك، هادئة كأنها تمتلك المكان. كأن صاعقة نزلت علي سميه تحولت ملامحها في ثانية واحدة إلى رعب وصدمة ، ثم إلى غضب جنوني اشتعل في عينيها. صرخت بصوت عالٍ : — ما الذي تفعله هذه المرأة اللعينة هنا في بيتنا ؟! كيف تجرؤ كبيرة آل التهامي على تدنيس قصر آل الراشد؟ انتفض ي







