LOGINتحت تأثير الصدمة و الهلع، تراجعت أنفاس فاتح
-با الهي.... ما هذه المصيبه الان و بارتباك ضغط فاتح على الرقم المباشر ليعقوب. لم تمر سوى رنتين حتى أتاه صوت يعقوب العميق محاطا ب صوت موسيقي صاخبه :" تحدث يا فاتح، هل انتهت المهمة في فالينتار؟" ابتلع فاتح ريقه بصعوبة، و نظر إلى الفتاة الغارقة في دمائها، ثم قال بصوت مرتعش: "سيدي... هناك كارثة" ساد الصمت لثواني قال يعقوب ببرود "هل ناقضوا اتفقنا" بلع فاتح ريقه و قال " لا يا سيد يعقوب تلك المهمة تمت بسلام " يعقوب بنفاذ صبر" اذا ما هي الكارثه" قال فاتح و هو يرتعش "في طريق عودتي إلى إيفارا..... لقد.... لقد وجدتُ فتاة مصابة و تنزف و مغطاه بالعديد من الكدمات... تختبئ في أرضية سيارتك" ساد الصمت عبر الهاتف لثانية واحدة، قطعته أنفاس يعقوب التي أصبحت متحشرجة فجأة، ثم سأل بنبرة خفيضة و حادة: "هل هي حية؟" انحنى فاتح بجسده أكثر فوق المقعد الخلفي، و وجه ضوء كشافه نحو وجه الفتاة الشاحب. في اللحظة نفسها، تحركت شفاه الفتاه الذابلتان بصعوبة شديدة، و اهتزت أهدابها الملطخة بالدماء. خرج منها همس ضعيف، واهن، بالكاد سُمع وسط ضجيج المطر بالخارج:"س... سامي..." ثم ارتخى رأسها، و فقدت وعيها من جديد لتغرق في ظلام دامس.رفع فاتح رأسه بسرعة، و نقل الهاتف إلى أذنه مجدداً و هو يقول بنبرة متوترة :"نعم يا سيدي... إنها حية، لكنها قد لا تبقى كذلك طويلاً!" جاءه أمر يعقوب الصارم و القاطع فوراً، دون أي تردد:"انقلها إلى مستشفى الراشد الآن. سأكون هناك خلال عشر دقائق ادخلها من الباب الخلفي " طخ!أغلق يعقوب الخط بحدة. ظل فاتح واقفا لثوانٍ يحدق بذهول في هذه الفتاة الغامضة التي ظهرت من العدم داخل سيارة لا يفترض لأي إنسان أن يقترب منها، فما بالك بالاختباء في أرضيتها! نفض فاتح الأفكار عن رأسه، و حمل جسدها النحيل بعناية ليرفعه إلى المقعد، ثم عاد سريعاً إلى مقعد القيادة. ضغط على زر تشغيل المحرك، و قاد سيارة البنتلي بسرعة جنونية وسط العاصفة متجهاً نحو "مستشفى الراشد" التابع لمجموعة الرواد الطبية التي تملكها العائلة. عند وصوله إلى أبواب المشفى الخلفية، كانت الأوامر قد سبقتهم من يعقوب شخصياً؛ حيث استقبلهم طاقم طبي موثوق تم اختياره بعناية، و جرت الأمور بسرية تامة و كتمان مطلق بعيداً عن أعين الموظفين و الإعلام. نُقلت الفتاة فوراً إلى غرفة العمليات الطارئة لوقف النزيف و علاج جروحها البالغة .لم تمضِ سوى دقائق معدودة، حتى انفتحت أبواب المشفى الزجاجية بعنف، و دخل يعقوب الراشد بهيبته الطاغية و جسده الفارع. كانت علامات الغضب تكسو وجهه الصارم، و عيناه تشعان شرراً. اتجه مباشرة نحو فاتح الذي كان يقف بملابس مبتلة في الممر، و صرخ فيه بنبرة هادرة جعلت الممرضات يتراجعن للوراء رعباً: "كيف حدث هذا يا فاتح؟! كيف تخترق سيارتي فتاة و تنزف داخلها دون أن تشعر بها؟! "انحنى فاتح برأسه باحترام و خوف، و قال نادماً:"سيدي، أقسم لكِ أنني لا أعلم حقاً كيف حدث هذا! لا أدري إن كانت قد تسللت إلى السيارة بنفسها هرباً من شيء ما، أم أن هناك من وضعها هناك عن عمد لتوريطنا. سأقوم بعدة اتصالات مكثفة الآن، و سأفحص كاميرات المراقبة في كل الأماكن التي انتظرتْ فيها السيارة في فالينتار." ضرب يعقوب بقبضته على الجدار القريب منه، و استدار نحو زجاج غرفة العمليات حيث تقبع الفتاة الغامضة، ثم قال بغضب مكتوم يرتجف له المكان: "أريد أن أعلم كل شيء عن هذه الفتاة... اسمها...أصلها...، عائلتها، و من الذي فعل بها هذا... اريد كل شيء في غضون ساعة واحدة فقط، هل هذا مفهوم؟!"كلما حاولت تجاهله، عاد فضولها أقوى. وفي النهاية، لم تستطع مقاومة رغبتها في معرفة الحقيقة. نهضت من مكانها، أخذت حقيبتها ، ثم غادرت متجهة إلى مطعم الياقوت. عندما وصلت ، دخلت المطعم بهدوء ، ثم أخذت تبحث بعينيها حتى وجدته جالساً في إحدى الزوايا ، كما أخبرها. تقدمت نحوه وجلست أمامه، ثم قالت مباشرة: — لن أستطيع البقاء هنا طويلاً يا طارق. أخبرني ما الذي أردتني أن أراه. نظر إليها للحظات، ثم ألقى نظرة حول المكان قبل أن يسأل: — هل أتيتِ إلى هذا المكان من قبل ؟ رفعت آسيا حاجبها باستغراب. — لا، لم آتِ إلى هنا من قبل. ارتسمت على وجه طارق ابتسامة ساخرة. — غريب. نظرت إليه باستفهام: — ما الغريب؟ أجاب وهو يشير بنظره إلى المكان: — هذا المطعم واحد من ممتلكات زوجكِ يعقوب. اتسعت عينا آسيا بدهشة حقيقية. للحظة، عادت إلى ذاكرتها صورة قديمة؛ كانت قد ذكرت ليعقوب ذات مرة أنها ترغب في تناول العشاء في مطعم الياقوت ، لكنه رفض فوراً وبحدة ، وأخبرها أن المكان سيئ ولا يستحق الزيارة. قالت بارتباك: — لم أكن أعرف أنه يملكه. يعقوب يملك الكثير من الأماكن ثم نظرت إلى ط
بعد رحيل يعقوب ببضع ساعات ، كانت آسيا تجلس بمفردها في هدوء ثقيل ، تحاول أن تستوعب كل ما حدث خلال الأيام الماضية. كان عقلها مزدحماً بالكثير من الأفكار، إلا أنها لم تكن ترغب في مطاردة أي منها حتى النهاية. شعرت أنها بحاجة إلى بعض الهدوء، وإلى أن تضع مسافة بينها وبين كل ما يتعلق بالماضي. وفجأة، اهتز هاتفها فوق الطاولة معلناً عن اتصال وارد. مدت يدها نحوه بلا اهتمام في البداية ، لكن ما إن وقعت عيناها على الاسم الظاهر على الشاشة حتى توقفت للحظات. **طارق بدر.** ظلت تحدق في الاسم لثوانٍ، وكأنها تتساءل إن كان عليها الرد أم ترك الاتصال يمر . كان ظهور طارق الآن يعني عودة امور كانت تحاول بكل طاقتها أن تغلق بابها. تنفست ببطء ، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءها صوته : — آسيا... كيف حالكِ ؟ أردت أن أطمئن عليكِ. أجابت ببرود واضح، متعمدة أن تجعل نبرتها رسمية: — أنا بخير ، شكراً لك يا طارق. ساد صمت قصير، ثم قال : — لم أسمع منكِ منذ فترة. إلى أين وصلت الأمور في البحث الذي كنا نقوم به ، ؟ خفضت آسيا عينيها إلى الأرض ، وسرعان ما بدأت الأفكار تدور في رأسها . كانت تعرف أن هذا السؤ
" الصباح التالي ل ليله الشرفة" تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى عبر ستائر الغرفة الشفيفة الفاخرة ، لترسم خطوطاً ممتدة من الضوء الدافئ والسكينة فوق الفراش الوثير. فتح يعقوب عينيه ببطء شديد ، وتخلص من بقايا النوم والثقل في جسده المتعب ، ليلتفت تلقائياً نحو الجانب الآخر من السرير كما اعتاد أن يفعل كل صباح.كانت آسيا ما زالت مستغرقة في نوم عميق . شعرها الأسود الثائر كان مبعثراً بغزارة على الوسادة البيضاء الناصعة كشلال داكن من الحرير الخالص، وملامحها الهادئة كانت خالية تماماً من مساحيق التجميل، تبدو في قمة نقائها الطبيعي .استند يعقوب على كوعه بخفة ، وأخذ يتأمل تفاصيل وجهها بصمت يفيض بالمشاعر . فكر انني ذلك الرجل القاسي الذي لم يعرف الأمان أو طعم الراحة يوماً في حياته ، والذي يبيت ليله دائماً وعقله يصارع الشكوك ، والخطط، والعداوات ، والذكريات المظلمة،، كيف اشعر فجأة بأن الوقت قد توقف تماماً و انا معها كيف استطاعت ان تنسيني هذا العذاب و تخلق لي ذكريات دافئة و بعد تلك الاعترافات العاصفةِ التي قالتها خديجة . امتدت يده الكبيرة ببطء شديد وحذر ، كأنه
ساد الصمت داخل القاعة لثوانٍ طويلة، حتى بدا وكأن الجميع فقد القدرة على الكلام. كانت كلمات خديجة لا تزال معلقة في الهواء ، ثقيلة وقاسية، بينما ظلت سمية واقفة أمامها دون أن تحيد عينيها عنها. لم تكن الصدمة التي ارتسمت على وجه سمية مجرد دهشة مما سمعته، بل كانت أشبه بإعادة ترتيب كاملة لكل المشاعر التي حملتها طوال سنوات طويلة. لقد عاشت عمرها وهي تحمل في قلبها غضباً لا يهدأ تجاه آل التهامي ، وكانت ترى فيهم أصل المأساة التي حطمت حياتها وحياة ابنها. لكن الحقيقة التي سمعتها الآن جعلت الصورة مختلفة تماماً. تأملت سمية وجه خديجة طويلاً، وكأنها تحاول أن ترى خلف ملامح المرأة التي أمامها كل السنوات التي مرت بها، وكل الألم الذي تحملته وحدها. قالت سمية بصوت خافت، وقد تخلت نبرتها عن حدتها : — إذن... أنتِ من فعلتِ ذلك بنوح؟ رفعت خديجة عينيها إليها بثبات، ولم تحاول إنكار شيء. — نعم يا سمية... أنا من فعلت. ساد صمت قصير من جديد. اقتربت سمية خطوة أخرى، وظلت تحدق فيها لم تعد تراها مجرد واحدة من آل التهامي، كانت ترى أماً فقدت ابنها، كما فقدت هي الرجل الذي أحبته.
ساد الصمت داخل ردهة القصر الكبير بعد كلمات خديجة، كان الجميع يحتاج إلى لحظات ليستوعب الحقيقة التي خرجت أخيراً من بين جدران الماضي. ظل يعقوب جالساً في مكانه دون أن يتحرك، وعيناه معلقتان بخديجة. لم يكن قادراً على استيعاب أن المرأة التي تنتمي إلى العائلة التي حملها طوال حياته مسؤولية موت والده، تقف أمامه الآن وتخبره بأنها جدته. رفع يده إلى جبينه، ومسح عليه ببطء، ثم قال بصوت متعب: — أنا لا أصدق .. كيف يمكن أن تكوني جدتي ، انت من آل التهامي؟ نظرت إليه خديجة بألم واضح، وقالت : — حياتي لم تكن بسيطة كما تتخيل يا يعقوب. اتسعت عينا يعقوب أكثر، والتفت فوراً نحو معتز. —و أنت يا جدي كيف استطعت إخفاء الامر ؟ أطرق معتز رأسه قليلاً، ثم أجاب بصوت ثقيل: — لا تحكم علينا يا يعقوب و لكن الظروف من فرضت ذلك . هز يعقوب رأسه بعدم تصديق، وقال بمرارة: — لا استطيع ان استوعب ان حياتي كلها مبنيه على اكاذيب رفعت خديجة عينيها إليه، وقالت: — لأن الحقيقة كانت مرتبطة بعائلة التهامي كلها، وبنوح تحديداً. كنت أعلم أن ظهوري من جديد قد يشعل حرباً . عاد إلى يعقوب السؤال الذي كان يؤلمه منذ سم
شقّ سكون القصر الكبير لآل الراشد صوت البوابات الحديدية وهي تنفتح ببطء، كأن المكان كله يستيقظ فجأة من نوم طويل. دخلت سيارة يعقوب الفارهة، وتوقفت أمام المدخل الرئيسي. نزل يعقوب، عدّل سترته ، ونظر حوله كمن يتوقع أن يجد شيئاً غير عادي في هذه الساعة المتأخرة .في اللحظة نفسها تقريباً، وصلت سيارة سمية. كانت عائدة من الخارج بعد اتصال معتز الذي قال لها بصوت حازم : «ارجعي فوراً، الي المنزل هناك امر هام ». ملامحها كانت متوترة، عيناها تضيقان من الترقب ، ويدُها ترتجف قليلاً وهي تمسك بمقبض الباب . لم تكن تعرف لماذا الاستدعاء المفاجئ ، لكنها شعرت أن شيئاً ثقيلاً ينتظرها داخل القصر. خطت سمية داخل الردهة الكبرى، خطواتها متوترة . عبرت عتبة صالة الاستقبال الرئيسية... وفجأة تجمدت. رأت خديجة التهامي جالسة هناك، هادئة كأنها تمتلك المكان. كأن صاعقة نزلت علي سميه تحولت ملامحها في ثانية واحدة إلى رعب وصدمة ، ثم إلى غضب جنوني اشتعل في عينيها. صرخت بصوت عالٍ : — ما الذي تفعله هذه المرأة اللعينة هنا في بيتنا ؟! كيف تجرؤ كبيرة آل التهامي على تدنيس قصر آل الراشد؟ انتفض ي







