LOGINالقرار الذي لم تعرفه ياراكانت السيارة تسير في طريق العودة بهدوء، لكن الصمت هذه المرة لم يكن ثقيلًا كما كان في طريق الذهاب، فقد كان بين سليم ويارا شيء يشبه الطمأنينة الجديدة، وكأنهما بعد سنوات من المسافة عادا أخيرًا إلى المساحة نفسها التي جمعتهما يومًا، حتى إن يارا لم تعد تشعر بالحاجة إلى مراقبة كل كلمة يقولها أو كل تعبير يظهر على وجهه خوفًا من أن يختفي فجأة ذلك الجزء من الرجل الذي أحبته.كان سليم يقود بيد، بينما ظلت يده الأخرى ممسكة بيدها فوق الكونسول بينهما.نظرت يارا إلى أصابعهما المتشابكة، ثم ابتسمت.قال دون أن ينظر إليها:"بتبصي على إيدينا ليه؟"ضحكت."علشان مستغربة.""من إيه؟""إنك بقيت بتعمل كده من نفسك."رفع حاجبه."هو أنا كنت مش بعمل كده؟""كنت."سكت لحظة."بس؟"ابتسمت."بس بعد الحادث بقيت كل مرة أمد إيدي أخاف إنك تسحب إيدك."شد سليم على يدها قليلًا."مش هسحبها."نظرت إليه."وعد؟""وعد."ظلت تبتسم، لكن شيئًا في كلامه جعل قلبها ينقبض، فقد كان يتحدث بثقة لم تعتدها منذ فقد ذاكرته.قالت:"إنت اتغيرت.""للأحسن ولا للأسوأ؟""للأحسن."ثم أضافت بخفة:"بس متغرش."ضحك."متأخر."ضحكت هي
ما أخفته يارا طوال هذه السنواتظل سليم ممسكًا بالورقة، وعيناه لا تفارقان يارا، بينما بقيت هي واقفة أمامه دون أن تحاول الهرب من نظرته هذه المرة، فقد أدركت أن اللحظة التي حاولت تأجيلها لسنوات وصلت أخيرًا، وأن ما بقي من الحقيقة لم يعد من حقها أن تخفيه عنه، خصوصًا بعدما بدأ يستعيد ذكرياته بنفسه.رفع سليم الورقة قليلًا."إنتِ شوفتي الكلام ده قبل كده."لم يكن سؤالًا بقدر ما كان حقيقة.خفضت يارا عينيها."أيوه."ساد صمت طويل.قال سليم بهدوء:"إمتى؟""بعد الحادث.""يعني قبل ما أنا أفتكر؟"أومأت."أيوه."تنفس ببطء، ثم وضع الورقة فوق الطاولة."وليه مخبيتيش عليا؟"رفعت عينيها إليه."كنت خايفة.""مني؟"هزت رأسها."عليك."لم يفهم.اقتربت منه، وقالت بصوت خافت:"بعد الحادث، الدكتور قال إن أي ضغط على ذاكرتك ممكن يزيد حالتك سوءًا، وإن محاولة إجبارك على تذكر حاجة ممكن تسببلك مشاكل أكتر."ظل صامتًا."علشان كده كل مرة كنت بتسألني عن اللي حصل، كنت بقولك إنك محتاج وقت."ابتسم ابتسامة حزينة."وأنا كنت فاكر إنك مش عايزة تقولي.""كنت عايزة."توقفت للحظة."بس كنت عايزة أرجعلك من غير ما أكون سبب في وجع جديد."اق
المفتاح رقم 12ظل المفتاح الصغير مستقرًا في راحة يد يارا، لكنها لم تكن تنظر إليه بقدر ما كانت تنظر إلى سليم، فقد كانت ملامحه تخبرها أن الرقم البسيط المحفور عليه أعاد إليه شيئًا لم يكن مستعدًا لمواجهته بعد.قالت بهدوء:"إنت متأكد إننا لازم نروح البيت القديم؟"ظل سليم صامتًا للحظات.ثم أومأ."أيوه.""ليه؟"نظر إلى المفتاح."لأن آخر حاجة افتكرتها قبل الحادث كانت إني حطيته هناك."اقتربت منه."طيب نروح بكرة."رفع عينيه إليها."مش النهارده؟"هزت رأسها."إنت محتاج ترتاح."ابتسم."إنتِ لسه بتأمري."ضحكت."وأنت لسه مش بتسمع الكلام.""يبقى واضح إننا فعلًا كنا متجوزين."ضحكت يارا، لكن ضحكتها سرعان ما تحولت إلى ابتسامة هادئة.كانت سعيدة.لأول مرة منذ سنوات، كانت تشعر أنها لا تتحدث مع رجل يحاول أن يتعرف عليها من جديد، بل مع زوجها الذي بدأ يعود إليها ببطء.---في صباح اليوم التالي، خرجا معًا.لم يأخذ سليم أحدًا معهما.كانت يارا تجلس إلى جواره في السيارة، بينما بقي المفتاح داخل حقيبتها.طوال الطريق، كان الصمت هادئًا.حتى قال سليم فجأة:"كنتِ بتحبي البيت القديم؟"نظرت من النافذة."أيوه.""ليه؟""لأنه
الليلة التي سبقت النسيانلم تستطع يارا أن تتجاهل نظرة سليم إلى الدفتر بعد أن خرجا من المكتب، فقد كانت تعرف أن الصفحات الأخيرة منه تحمل تفاصيل من الأيام التي سبقت الحادث، وهي الأيام التي حاولت طوال السنوات الماضية ألا تتذكرها كثيرًا، ليس لأنها كانت تخشى الحقيقة، بل لأنها كانت تخشى أن تكون بعض الذكريات أقوى من قدرتها على احتمالها.جلسا إلى مائدة الطعام، وحاولت يارا أن تتصرف بصورة طبيعية، بينما كان سليم يراقبها بين الحين والآخر.قال وهو يرفع كوب الماء:"إنتِ ساكتة ليه؟"ابتسمت."مفيش.""يارا."نظرت إليه."إنت عارف إني بقيت أعرف لما بتقولي مفيش."ضحكت بخفة."واضح إنك بدأت تفتكر حاجات أكتر.""يمكن."ثم مد يده وأمسك يدها فوق الطاولة."بس لو في حاجة مضايقاكي، قوليلي."ترددت للحظة.ثم قالت:"الأيام اللي قبل الحادث كانت صعبة."تغيرت ملامحه."ليه؟"تنهدت."كنا بنتخانق كتير."رفع حاجبه."بسبب إيه؟""بسبب إنك كنت مشغول جدًا، وكنت بتتجنب الكلام عن مشاكل حصلت في الشغل."صمت سليم.بدأت كلماتها تفتح بابًا صغيرًا في ذاكرته.رأى نفسه يدخل المنزل متأخرًا.يارا تنتظره في الصالة.كانت غاضبة.قالت:"إنت وع
حين بدأت الذاكرة تختارهالم تستطع يارا أن تتحرك للحظات بعد أن قال سليم إنه تذكر أنه اختارها، فقد ظلت تنظر إليه وكأنها تخشى أن تتنفس حتى لا تختفي تلك اللحظة، بينما كان هو يقف أمامها وفي عينيه شيء جديد لم تره منذ الحادث، شيء يشبه الرجل الذي عرفته قبل أن تضيع ذاكرته، لكن أكثر هدوءًا وصدقًا.قالت بصوت خافت:"إنت متأكد إنك افتكرت؟"ابتسم."مش كل حاجة... بس الإحساس كان واضح."اقتربت منه قليلًا."إحساس إيه؟"نظر إلى يديها، ثم أمسكهما بين كفيه."إني كنت شايفك اختياري، مش مجرد حاجة حصلتلي."ارتعشت شفتاها.لم تعرف ماذا تقول.كان هذا أكثر ما احتاجت إلى سماعه طوال السنوات الماضية.جلس سليم على طرف الأريكة، وسحبها لتجلس إلى جواره.ظل صامتًا للحظات، ثم قال:"احكيلي.""عن إيه؟""عننا."نظرت إليه بدهشة."كل حاجة؟"ضحك."مش هقدر أسمع كل حاجة في يوم واحد."ابتسمت."يبقى نبدأ من الأول."هز رأسه موافقًا.وبدأت تحكي.عن أول مرة رآها فيها، وعن أول خلاف بينهما، وعن اليوم الذي أدرك فيه أنه لم يعد يستطيع تخيل حياته من دونها.كان يستمع إليها باهتمام شديد، وأحيانًا يبتسم قبل أن تكمل الجملة، وكأن جزءًا من ذاكرته
الوعد الذي لم ينسه قلبهظل سليم واقفًا أمام يارا، وعيناه معلقتان بها، وكأن السنوات التي فصلتهما عن تلك الليلة اختفت للحظات، فلم يعد يرى أمامه سوى زوجته كما كانت في ذاكرته القديمة، المرأة التي أمسك يدها يومًا ووعدها بأنه مهما حدث فلن يسمح لهذا البيت بأن يمتلئ بالدموع، لكن الغريب أنه لم يكن قادرًا على تذكر كل التفاصيل، فقط ذلك الإحساس الدافئ الذي اجتاح صدره فجأة، وكأن قلبه فتح بابًا ظل مغلقًا طويلًا.قالت يارا بصوت مرتجف:"إيه الوعد اللي افتكرته؟"لم يجبها فورًا، بل أغلق عينيه وحاول أن يستعيد المشهد كاملًا.ظهر أمامه ضوء خافت، وستائر تتحرك مع نسمة ليلية، وصوت ضحكتها، ثم يده وهي تمسك يدها.كانا يقفان في هذه الغرفة نفسها.كانت يارا ترتدي فستانًا بسيطًا، وشعرها منسدل على كتفيها، بينما كان هو ينظر إليها وكأنه لا يرى في العالم كله سواها.ثم سمع صوته القديم بوضوح:"وعديني إنك مهما حصل مش هتسيبيني أواجه حاجة لوحدي."توقفت أنفاسه.فتح عينيه فجأة.كانت يارا تنتظر إجابته، والدموع تلمع في عينيها.قال بصوت خافت:"أنا اللي طلبت منك الوعد..."اتسعت عيناها."أيوه."ابتسمت رغم دموعها."طلبت مني أوعدك إ
"بابا فاق؟!"خرجت الكلمات من فم يارا بصورة مرتجفة، وكأنها لا تصدق ما سمعته للتو، بينما كانت تنظر إلى يوسف بوجه شاحب وعينين متسعتين من الصدمة.أومأ يوسف ببطء."الممرضة هي اللي اتصلت دلوقتي."تقدمت نحوه بسرعة."هو كويس؟ اتكلم؟ قال حاجة؟"هز رأسه."قالت إنه أول ما فاق طلب يشوفك."ساد الصمت.ثم أكملت ي
"إيه علاقة بابا بالموضوع؟!"خرج صوت يارا مرتفعًا وممتلئًا بالصدمة وهي تنظر إلى الهاتف في يد سليم وكأنها تنتظر أن يعود يوسف للرد، لكن الخط انقطع بالفعل، ولم يبقَ في الغرفة سوى الصمت الثقيل ونظرات متبادلة يسيطر عليها التوتر وعدم الفهم.أما سليم فكان لا يزال ينظر إلى شاشة الهاتف.والألم داخل رأسه يعود
الفصل الثالث عشر"إنتِ بتقولي إنك ما استلمتيش الظرف؟!"خرج صوت سليم مرتفعًا بصورة أربكت الجميع، بينما كانت عيناه مثبتتين على شاشة الحاسوب التي تعرض اللقطة المجمدة من الفيديو، تلك اللقطة التي تظهر يارا بوضوح وهي تمد يدها وتأخذ الظرف الأبيض من الرجل الذي يحمل ملامحه نفسها تقريبًا، أما يارا فكانت تنظر
"أخويا؟!"خرجت الكلمة من فم سليم كأنها صدمة جسدية تلقاها في صدره، بينما ظل كريم واقفًا في منتصف غرفة المعيشة ممسكًا الهاتف بيد مرتجفة، أما يارا فكانت تنظر بينهما غير قادرة على استيعاب ما تسمعه، إذ بدا لها أن كل إجابة يحصلون عليها لا تؤدي إلا إلى مزيد من الأسئلة.مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يتكلم سليم مج


![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)




