تسجيل الدخول195تجمدت عيناي وانا انظر اليه: ــ ماذا؟ــ هي ابنة أخت نوال، زوجة أبي. نوال طلبت مني أن آتي إليها وأطمئن عليها لأنها وحدها ومريضة.ما إن سمعت اسم نوال حتى شعرت بشيء يغلي في داخلي.... نوال...نوال مرة أخرى... حتى هنا... حتى في اللحظة التي كنت أظن أنني أواجه فيها أكبر كوابيسي، كان اسمها حاضرا بطريقة أو بأخرى.. متى سأتخلص من هذه المرأة.. شعرت بأن رأسي يكاد ينفجر، واختلط الغضب بالألم حتى لم أعد أعرف أيهما يؤلمني أكثر. نظرت إلى ليث بعينين غارقتين بالدموع.... نوال... ترددت الكلمة في رأسي مرارا، وشعرت بأن مجرد سماع اسمها جعلني أنهار أكثر. ثم قال ليث بهدوء:ــ وانسكبت القهوة على قميصي اقسم لك حدق بي للحظة، ثم أشار إلى البقعة الواضحة على قميصه.. نظرت إلى البقعة. ثم رفعت عينيَّ إليه. خرجت مني ضحكة ساخرة، مرتجفة ومختنقة بالبكاء: ــ القهوة؟مسحت دموعي بيدي، لكن دموعا أخرى انهمرت فورا.. هل يريدني حقا أن أصدق هذا العبث... بعد كل ما رأيته... بعد الصور والرسائل، وبعد أن وجدته في غرفة امرأة أخرى... يريدني أن أصدق أن القهوة هي تفسير كل شيء.. ضحكت مرة أخرى، لكن صوتي انكسر في منتصفها: ــ يا إلهي..
194تجمدتُ في مكاني...لم أستطع أن أحرك قدميَّ، ولا حتى أن ألتقط أنفاسي... بقيت عيناي معلقتين بليث، وكأن عقلي يرفض أن يستوعب الصورة التي أمامي. كان يقف في منتصف الغرفة عاري الصدر، بينما كانت امرأة أخرى مستلقية على السرير خلفه... امرأة لا أعرفها... امرأة أخبرني شخص مجهول قبل دقائق أنني سأجده معها. شعرتُ بقلبي ينقبض بعنف... لا... لا يمكن... حاولت أن أتمسك بكل شيء أعرفه عن ليث. بطريقته معي في الأيام الأخيرة، بخوفه عليَّ، باهتمامه، وبوعده لي...لقد بدأنا نقترب من بعضنا من جديد. بدأت أصدّق أن ما بيننا لم ينتهِ... ولهذا تحديدا كان المشهد أمامي مؤلما إلى هذا الحد. لأنني لم أكن مستعدة لأن أخسره مرة أخرى... رفع ليث عينيه نحوي، وبدا الذهول واضحا على وجهه. ظل ينظر إليَّ لثوانٍ وكأنه لا يستطيع تصديق أنني أمامه فعلا: ــ ملاك...ارتجف قلبي عند سماع صوتي باسمه، لكنني لم أستطع الرد... في تلك اللحظة تحركت المرأة، ثم جلست على السرير قبل أن تنهض ببطء.شعرت بدموعي تنهمر فجأة... لم أعد أرى وجه ليث بوضوح. كل شيء أمامي أصبح ضبابيا. حتي قال ليث بسرعة: ــ ملاك، اهدئي... دعيني أشرح لكِ.اقترب مني خطوة، فتراجعت
193بعد أن انتهينا من الطعام وصلنا إلى مدينة فانتازيا بعد أن اقترحتُ على الحارس أن يدلنا على مكان مناسب نقضي فيه بقية المساء، فذكر لي هذا المكان. كنتُ قد سمعت عن فانتازيا من قبل، لكنني لم أزرها يوما، ولم أتخيل أنها ستكون بهذا الحجم... ما إن دخلنا حتى شعرت وكأننا انتقلنا إلى عالم آخر... كانت المدينة واسعة ومليئة بالأضواء الملونة، تتوزع فيها ألعاب الأطفال من كل جانب، وتعلو أصوات الضحكات والحماس من حولنا. وفي الساحات الواسعة كانت تقام عروض موسيقية واستعراضية، بينما انتشرت المطاعم والمقاهي على جانبي الممرات... ولم تكن الألعاب وحدها ما يميز المكان، فقد كانت هناك متاجر صغيرة كثيرة تبيع الهدايا التذكارية؛ دمى صغيرة، وميداليات، وأساور، وقلائد، وأشياء تحمل اسم المدينة أو يمكن نقش أسماء عليها لتبقى ذكرى من الزيارة.وكان واضحا أن المكان مقصد للعائلات والعشاق معا؛ رأيتُ الكثير من الأزواج يسيرون جنبا إلى جنب، وبعضهم يلتقط الصور، وآخرون يتوقفون أمام متاجر الهدايا لاختيار شيء يتبادلون به الذكريات. أما ليان، فلم تمنحني فرصة حتى لألتقط أنفاسي. حتي اخذت ساره وذهبوا ضحكتُ عندما رأيتها تسحب سارة معها، و
192حلّ الليل بهدوء على مجمع تاج الفيروز، كانت أضواء المدينة تتسلل من النوافذ الكبيرة إلى داخل الشقة، بينما وقفتُ في المطبخ أتنقل بين الأواني وأنا أشعر بسعادة غريبة لم أشعر بها منذ وقت طويل... كان صوت ضحكات ليان يصلني من غرفة المعيشة، تتخلله أصوات سارة وريم وهما تتحدثان معها وتلاعبانها. ابتسمتُ دون أن أشعر. بعد كل ما مررنا به... كان منظرهن معًا يمنحني شعورا بالراحة... أغلقتُ الفرن، وأخرجتُ الدجاج المشوي بالأعشاب والخضروات، ثم وضعته إلى جوار الأرز بالخضار، وحساء الفطر الكريمي، وشرائح البطاطا الحلوة المشوية، وسلطة الأفوكادو والذرة. نظرتُ إلى المائدة التي امتلأت بالأطباق، وابتسمتُ دون أن أشعر... لم أعرف لماذا شعرتُ برغبة في إعداد كل هذا الطعام، ربما لأنني أردتُ أن نجلس جميعًا حول مائدة واحدة... دون خوف، أو صراخ، أو دماء. خصوصا سارة. منذ أن خرجت من المستشفى وهي أفضل بكثير، لكن الطبيب أوصاها بأن تهتم بطعامها، وأن تبتعد تماما عن المشروبات الحكوليه ، لذلك قررت أن أعتني بها بنفسي.. أما ليان، فكنتُ أريدها أن تأكل طعاما صحيا أيضا نظرتُ إلى الأطباق مرة أخرى، ثم تنهدتُ بسخرية خفيفة.. رغم كل هذا..
191ظللتُ متشبثة بملابس ليث من الخلف، أرفض أن أبتعد عنه، بينما كان هو يحدق أمامه بسلاحه المرفوع. قال دون أن يلتفت إليَّ:ــ اذهبي إلى الغرفة، وأغلقي الباب عليكِ.هززتُ رأسي بسرعة: ــ لا... لن أترككالتفت إليَّ للحظة، فرأى الخوف واضحا في عينيَّ: ــ ملاك...لم أستطع الرد، فقط تشددت أصابعي أكثر حول قميصه، ورفضت أن أتركه. كان قلبي لا يزال يخفق بعنف، وصدى الرصاصة ما زال عالقا في أذني... راقبني لثوانٍ، وكأنه فهم أخيرا حجم خوفي، فأنا لم أكن مستعدة لأن أبتعد عنه بعد كل ما حدث... لكنه لم يقل شيئا، فقط أعاد نظره إلى الباب، وظل واقفا أمامي كحاجز يحجبني عن أي خطر... تقدم نحو باب الشقة، وأنا خلفه تماما وما إن فتحه حتى رفع سلاحه في مواجهة الخارج... تجمدتُ في مكاني. كان هناك عدد كبير من الرجال يقفون أمام الشقة، جميعهم مسلحون. ومن بينهم رأيت ريان... ثم وقعت عيناي على شخص آخر... فيكتور.. اتسعت عيناي برعب... فيكتور... أخو أميرة.فهمتُ الأمر فورا.. جاء لينتقم لأخته... تشبثتُ بملابس ليث أكثر، وتراجعت خلفه. لكن ما صدمني حقا كان ليث نفسه... خفض سلاحه بكل برود، ثم رفع عينيه إلى فيكتور بنظرة جامدة خالية من
190 قال ليث بحدة:ــ هيا، قولي.. اخبريني بكل شئنظرتُ إليه بتوتر، ثم سألته بصوت خافت:ــ إذا أخبرتك... هل ستصدقني؟أجابني دون أن يتردد، ودون حتى أن يمنح نفسه لحظة واحدة للتفكير:ــ سأصدقكِ.توقفتُ للحظة، وحدقتُ فيه بدهشة... كان رده سريعا إلى درجة جعلتني لا أستوعبه في البداية... لم يسألني عن الدليل، ولم يشكك في كلامي، ولم يحاول حتى أن يجد عذرا لعدم تصديقي، بل قالها ببساطة وكأنه حسم أمره منذ البداية... شعرتُ بشيء غريب يتحرك داخلي. ليث مستعد فعلا لأن يصدقني... بعد كل تلك السنوات، وبعد كل ما حدث بيننا، لم يقل لي... أثبتي كلامكِ، ولم يقل إنني أكذب، ولم يطلب مني أن أخبره أين الدليل... بل كان مستعدا لأن يبحث عنه بنفسه.... ترددتُ قليلًا، ثم قلتُ وأنا أراقب ملامحه:ــ وإذا قلتُ إن زوجة أبيك هي السبب... هل ستعاقبها حتى لو لم أخبركِ أين الدليل؟ثبت عينيه عليَّ وقال بهدوء حاسم:ــ سأبحث عن الدليل بنفسي. لن أطلب منكِ أن تخبريني أين هو، فقط أخبريني بالحقيقة.اتسعت عيناي قليلًا. لم أكن أتوقع أن يقول ذلك بهذه البساطة. لطالما كان ليث يطلب مني الدليل، أو يشك في كلامي، أو يريد أن يعرف كل شيء قبل أن يصد