تسجيل الدخوللم يكد ألكسندر ينهي جملته التحذيرية، حتى انفتح باب الحانة الخشبي بقوة، واندفعت برودة الليل العاصف إلى الداخل، ومسحت معها كل صخب المكان في ثانية واحدة.
دخل ثلاثة ضباط من الشرطة العسكرية السوفيتية، تتقدمهم ملامح صارمة وقاسية. صرخ قائد الدورية بصوت جهوري:
"الجميع يظل في مكانه! تفتيش مفاجئ للهويات والأوراق الثبوتية. أي شخص لا يملك تصريح عمل ليلي أو بطاقة عسكرية سيُساق فوراً للتحقيق بتهمة التهرب من الخدمة!"
دب الذعر في الحانة. التفتت إلينا بوجل نحو والدها، وتذكرت فجأة أنه غادر المصنع اليوم دون أن يختم تصريح خروجه الليلي بسبب العجلة، وفي هذا الوقت من عام 1940، خطأ كهذا قد يودي بصاحبه إلى معسكرات العمل الشاق (الغولاق) بتهمة التخريب أو التقاعس.
"بطاقتك يا عجوز!"
استيقظت إلينا من أفكارها على صوت الضابط وهو يقف فوق رأس والدها، وعيناه تتفحصان ملابسه الملوثة بالرماد بشك.
بدأ الوالد يتحسس جيوبه بارتباك واضح، محاولاً العثور على عذر: "أنا أعمل في مصنع الحديد.. لقد نسيت.."
قاطعه الضابط بخشونة وهو يمسك بكتفه: "نسيت؟ لا توجد أعذار في ستالينغراد. قف وتحرك معنا!"
وقفت إلينا غريزياً لتدافع عن والدها، لكن قبل أن تنطق بحرف، تحرك ألكسندر.
لم يرتبك، ولم ينهض بحماس، بل مد يده بهدوء شديد إلى داخل معطفه، وأخرج بطاقة حمراء صغيرة مغلفة بالجلد، لم تلمح إلينا منها سوى الرمز الذهبي المحفور عليها. وضعها أمام عيني الضابط مباشرة بحيث لا يراها أحد غيره.
بمجرد أن وقعت عينا الضابط الخشن على البطاقة، تجمدت الدماء في عروقه. انخفضت يده المرفوعة فوراً، وتلاشت النبرة الحادة من صوته ليحل محلها رعب مكتوم. تراجع الضابط خطوة إلى الوراء، وأدى تحية عسكرية شبه غير مرئية لألكسندر وهو يهمس: "المعذرة... لم نكن نعلم."
أشار ألكسندر بسبيله خفيفة نحو الباب دون أن ينطق بكلمة واحدة.
تراجع الضابط بسرعة قائلاً لجنوده: "أكملوا التفتيش في الطاولات الأخرى، اتركوا هذه الطاولة!"
انسحبت الدورية، وعاد الصمت ليخيم على طاولة إلينا. التفت الوالد بنظرة امتنعت فيها الكلمات، بينما التفتت إلينا نحو ألكسندر، وعيناها تتسعان بذهول صدمة اليقين. لم يعد هناك مجال للشك.
أعاد ألكسندر بطاقته السرية إلى جيب معطفه، والتفت إلى إلينا، وعيناه تشعان بذلك البرود الجليدي مجدداً، وقال بنبرة خافتة:
"الآن يا إلينا... أعتقد أن ساعي البريد قد أنهى عمله لهذا اليوم. حان وقت الرحيل."، كانت نبضات قلب إلينا تتسارع جنوناً، ليس فقط بسبب الخطر الذي زال عن والدها، بل بسبب هذا الزلزال الذي ضرب صورتها عن ألكسندر. ألكسندر... الشاب الأنيق، ذو الابتسامة الهادئة والملامح الوسيمة التي طالما سرقت قلبها وجعلتها تهيم به حبّاً، هو نفسه رجل السلطة الذي يرتعد منه الضباط القساة؟ كيف يمكن لهذا الدفء الذي شعرت به معه أن يخفي خلفه كل هذا الجليد والنفوذ؟
في هذه اللحظة، اقتربت "كاتيا"، صديقة إلينا المقربة التي كانت تجلس على طاولة مجاورة وتراقب ما حدث بأنفاس مقطوعة. كانت عينا كاتيا متسعتين بذهول لا يصدق، ونبرة صوتها وهي تهمس لإلينا كانت مزيجاً من الرعب والإعجاب الصاعق:
"إلينا... بحق السماء! ما الذي رأيته للتو؟ الفتى الوسيم الأنيق الذي كنتِ تحدثينني عنه... ساعي البريد البسيط... هو نفسه ضابط ذو نفوذ مرعب في الاستخبارات؟! لقد جعل الضابط العسكري يتراجع كأنه رأى شبحاً!"
نظر ألكسندر إلى كاتيا بنظرة هادئة لكنها كانت كافية لتجعلها تتراجع خطوة إلى الوراء وتلوذ بالصمت. ثم التفت بكامل جسده نحو إلينا. تخاذلت نظراته الجليدية قليلاً أمام عينيها الدامعتين والمليئتين بالتساؤلات، وظهرت في عينيه لمعة عاطفة حقيقية؛ فهو أيضاً كان معجباً بها، وبقلبها النقي الذي وجد فيه ملاذاً من قسوة عمله السري.
وقف ألكسندر، وعدّل من ياقة معطفه الأنيق، ثم انحنى قليلاً نحو إلينا وهمس بصوت دافئ لم يسمعه سوى والدها وكاتيا:
"المشاعر في زمن الحرب قد تكون نقطة ضعفنا الوحيدة يا إلينا... تمنيتُ لو بقيتُ في عينيكِ مجرد ساعي بريد، لكن القدر اختار خطة أخرى. سأرحل الآن، وتذكري... ما رأيتِه هنا، لم يحدث أبداً."
استدار ألكسندر ومشى نحو مخرج الحانة بخطوات واثقة ورشيقة، تاركاً خلفه عاصفة من الشكوك، وقلباً ينبض بالحب والخوف في آن واحد
لم تغمض لإلينا عين طوال الليل. كانت صورة ألكسندر تتأرجح في مخيلتها بين مشهدين متناقضين: الشاب الوسيم الأنيق الذي يهمس لها بكلمات عذبة، والرجل ذو النفوذ المرعب الذي جمدت نظراته ضباط الشرطة العسكرية. كيف يمكن للحب أن ينمو في أرض مليئة بالأسرار والخطورة؟
مع خيوط الفجر الأولى لمدينة ستالينغراد، لم تحتمل إلينا البقاء في المنزل. ارتدت معطفها الشتوي وخرجت مستسلمة لدافع واهٍ: "سأذهب إلى مكتب البريد المركزي". كانت تعلم في أعماقها أن ألكسندر لا ينتمي إلى ذلك المكان، لكنه الخيط الوحيد الملموس الذي تملكه.
عندما وصلت، كان الضباب يلف مبنى البريد الرمادي. دلفت إلى الداخل، وشقّت طريقها وسط طوابير الناس والموظفين المستغرقين في فرز الرسائل. اقتربت من موظف عجوز يضع نظارات سميكة، وسألته بنبرة حاولت أن تبدو عادية:
"أيها الرفيق، أبحث عن ساعي البريد ألكسندر... ألكسندر . هل خرج في جولته الصباحية؟"
نظر إليها الموظف العجوز باستغراب، ودقق في السجلات الملقاة أمامه، ثم هز رأسه قائلاً:
"ألكسندر؟ لا يوجد لدينا أي ساعي بريد بهذا الاسم يا آنسة. أنا أعمل هنا منذ عشر سنوات وأعرف كل السعاة... أظنكِ أخطأتِ في العنوان."
شعرت إلينا ببرودة تسري في أطرافها. التخمين أصبح حقيقة مطلقة؛ "ألكسندر" ليس سوى اسم مستعار، أو هويّة وهمية ذابت كالملح في الماء بمجرد انتهاء مهمته في الحانة.
استدارت لتغادر والمبنى يدور بها، لكنها ما إن خطت خطوتين نحو المخرج حتى اعترض طريقها رجل ضخم يرتدي معطفاً جلدياً أسود. انحنى نحوها وقال بصوت منخفض وحازم:
"الآنسة إلينا؟ هناك من ينتظركِ في السيارة بالخارج. أرجوكِ رافقينا دون إثارة الانتباه."
توقف قلبها لثانية. نظرت خلف الرجل عبر الزجاج، لتلمح سيارة سوداء فاخرة تقف عند الرصيف، وخلف زجاجها الخلفي المحجوب جزئياً بالضباب، لمحت تلك الملامح الأنيقة والوسيمة... لقد كان ألكسندر، لكن هذه المرة دون حقيبة بريد، بل يجلس في مقعد النفوذ والسطوة ،أخذت إلينا نفساً عميقاً لتستجمع شجاعتها، ونظرت إلى الرجل ذو المعطف الجلدي بثبات، ثم مشت بخطوات متزنة نحو السيارة السوداء. فتح لها الرجل الباب الخلفي، فدلفت إلى الداخل وأغلق الباب وراءها، ليعزلها تماماً عن ضجيج الشارع وضبابه، وتصبح في عالم ألكسندر الخاص.
كانت رائحة التبغ الفاخر والجلد تمطِر المكان. كان ألكسندر يجلس في المقعد الخلفي، مرتدياً بزّة عسكرية أنيقة وخالية من الرتب العادية، بدت تفاصيلها مخيطة بعناية لتناسب جسده المتناسق. التفت إليها، وبدت ملامحه الوسيمة هادئة، لكن عينيه كانتا تحملان عتاباً خفياً.
قبل أن ينطق بحرف، بادرت إلينا بنبرة حادة وموجوعة:
"ألكسندر؟ أم يجب أن أختار اسماً آخر من سجلات الاستخبارات؟ ذهبتُ إلى مكتب البريد وأخبروني أنك لا وجود لك! من أنت حقاً؟ ولماذا جعلتني أعيش وهم حبّ شاب بسيط، بينما أنت رجل يملك نفوذاً يرتعد منه الجميع؟"
نظر ألكسندر إليها، وتلاشت النبرة الرسمية من ملامحه ليحل محلها ذلك الدفء الذي أحبته فيه. أخذ نفساً وقال بصوت منخفض وعميق:
"إلينا... الاسم حقيقي، ومشاعري نحوكِ كانت الشيء الوحيد الحقيقي في حياتي خلال الأشهر الماضية. عندما أكون معكِ، أتنفس الحرية التي حرمني منها عملي. تمنيتُ لو استمرت اللعبة، ليس لخداعكِ، بل لأحمي هذا النقاء الذي في عينيكِ من قذارة عالمي."
مالت إلينا برأسها، والدموع تحتبس في عينيها:
"والحقيبة الجلدية؟ والرسائل التي كنت توزعها؟"
ابتسم ألكسندر ابتسامة مريرة:
"غطاء مثالي، أليس كذلك؟ ساعي البريد يمر على الجميع، يدخل البيوت، يستمع للشكاوى، ويعرف أدق تفاصيل المدينة دون أن يشك فيه أحد. أنا لست هنا لأؤذي الأبرياء يا إلينا... أنا هنا لحماية ستالينغراد من الجواسيس والخونة مع اقتراب الحرب. لكن فضولكِ وفضول والدكِ الليلة الماضية وضعنا جميعاً في موقف خطر."
اقترب ألكسندر منها قليلاً، ومد يده ليلمس أطراف أصابعها الباردة، وتابع بنبرة جادة:
"أنا أحبكِ يا إلينا، وهذا بالذات ما يخيفني الآن. في عالمي، من نحبهم يصبحون نقطة ضعفنا... والآن، بعد أن كُشفت هويتي أمامكِ وأمام صديقتكِ، أصبحتِ جزءاً من اللعبة رغماً عنكِ."
سحبت إلينا يدها ببطء من بين أصابعه، وكأن لمستها أصبحت جمراً يرسل القشعريرة في جسدها. نظرت إلى بزته العسكرية الأنيقة، ثم إلى عينيه الوسيمتين اللتين طالما رأت فيهما الأمان، وانفجرت بالبكاء، تاركة دموعها الحبيسة تنساب بحرية على وجنتيها الباردتين.
هزت رأسها برفض قاطع، وقالت بنبرة مخنوقة بالدموع:
"لا يا ألكسندر... أنا لا أستطيع فعل هذا. لا أستطيع أن أستيقظ كل يوم وأنا أتساءل إن كان الرجل الذي بجانبي هو الشاب الذي أحببته، أم ضابطاً ينفذ الأوامر في الظلام. الحب لا يعيش في الغرف السرية، ولا يتنفس خلف الأقنعة والكذب. اطلب من رجالك أن يفتحوا الباب... يجب أن نبتعد."
تصلب جسد ألكسندر، وظهرت في عينيه مسحة حزن عميق لم يظهرها لأحد من قبل. شعر بالعجز لأول مرة؛ فالرجل الذي يهابه الضباط، يقف الآن عاجزاً أمام دموع الفتاة التي أحبها. أشار برأسه للسائق، ففُتح قفل الباب فوراً.
أمسكت إلينا بمقبض الباب، وقبل أن تطأ قدمها رصيف الشارع الضبابي، التفتت إليه التفاتة أخيرة. كانت نظرتها مزيجاً من الانكسار، الوداع، والحب الجارف الذي لم يستطع نفوذه وسلطته أن يمحواه.
نظرت في عينيه، وقالت بصوت يرتجف، لكنه يحمل كل صدق العالم:
"رغم كل شيء... ورغم هذا القناع المرعب الذي ترتديه الآن... ستبقى دائماً شخصي المفضل يا أليكس."
نزلت من السيارة بسرعة وأغلقت الباب خلفها، وانطلقت راكضة وسط الضباب، دون أن تلتفت وراءها، تاركة دموعها تمتزج بقطرات المطر الصباحي.
داخل السيارة، ظل ألكسندر جالساً في مكانه دون حراك، يراقب طيفها وهو يختفي وسط الضباب. ردد كلماتها الأخيرة في عقله: "أنت شخصي المفضل يا أليكس". أخذ نفساً عميقاً، واستعاد قناعه الجليدي الصارم، ثم التفت إلى السائق وقال بنبرة حاسمة:
"تحرك... لدينا عمل لننجزه."
مرت أسابيع قاسية على ستالينغراد، تبدلت فيها ملامح المدينة مع اقتراب فصل الشتاء المقرص. لم يعد الحديث في الشوارع يدور حول الإنتاج والمحاصيل، بل غطت عليه همسات المخاوف من تمدد الحرب في أوروبا، واقتراب الخطر من الحدود السوفيتية.
بالنسبة لإلينا، كانت تلك الأسابيع أشبه بمحاولة العيش برئة واحدة. التزمت بعملها، وحاولت جاهدة إشعال النيران في قلبها الخامد، لكن عبارة "أنت شخصي المفضل يا أليكس" كانت تفاجئها في ليالي الصقيع، وترن في أذنيها كأغنية وداع حزينة. لم تره منذ ذلك الصباح الضبابي، ولم يظهر أي ساعي بريد وسيم يطرق بابها. لقد اختفى تماماً وكأنه لم يكن سوى طيف في خيالها.
في أحد الأيام، كانت إلينا عائدة من السوق برفقة صديقتها كاتيا، وكانت السماء تمطر ثلجاً خفيفاً. فجأة، دوت صافرات الإنذار التجريبية في أرجاء المدينة، وبدأ الجنود ينتشرون في الميادين لتوزيع منشورات "الدفاع المدني" وتوجيه المواطنين لكيفية التصرف في حال وقوع غارات عسكرية.
قالت كاتيا وهي تشد معطفها: "الأجواء تصبح مرعبة يا إلينا... والدي يقول إن المصانع بدأت تحول خطوط إنتاجها بالكامل لصنع الدبابات والمصفحات. الحرب قادمة لا محالة."
أومأت إلينا بصمت، لكن عينيها كانتا تتأملان حشود الجنود والمسؤولين. وفي تلك اللحظة بالذات، توقفت شاحنة عسكرية كبيرة بجانب الميدان الرئيسي، وترجل منها مجموعة من الضباط الكبار يرتدون معاطف شتوية ثقيلة.
تسمرت إلينا في مكانها، وسقطت الحقيبة من يدها.
وسط هؤلاء الضباط الكبار، كان يقف هو. لم يكن يرتدي ملابس ساعي بريد، ولا تلك البزة العادية التي رأته بها في السيارة. كان يرتدي زياً رسمياً مهيباً للاستخبارات العسكرية، ووعلى كتفيه رتبة رفيعة تعكس ثقل مكانته. كان يوجه الأوامر للضباط من حوله بحزم، وملامحه الوسيمة أصبحت أكثر صرامة وكبرياءً، وعيناه تمسحان المكان بذكائه المعهود.
التفتت كاتيا ونظرت إلى حيث تنظر إلينا، وشهقت بصوت مسموع: "إلينا... انظري! إنه هو... ألكسندر! لكنه يبدو الآن... يبدو كقائد يدير المدينة بأكملها!"
وفي تلك اللحظة، وكأن مشاعرها اخترقت المسافة بينهما، التفت ألكسندر برأسه فجأة نحو الحشد، وتلاقت عيناه بعيني إلينا وسط ندف الثلج المتساقطة
وسط زحام الميدان وصخب الجنود وندف الثلج المتساقطة، توقف الزمن تماماً بالنسبة لألكسندر وإلينا. اختفت أصوات صافرات الإنذار، وتلاشت حشود البشر من حولهما، ولم يبقَ في الميدان سواهما.
التفت ألكسندر بكامل جسده نحوها، وتغيرت ملامحه العسكرية الصارمة في ثانية واحدة؛ تراخت حدة عينيه الجليديتين ليحل محلهما دفء لم يره أحد فيه من قبل. أخذ يناظرها بطريقة ساحرة، كأنها فراشته الوحيدة التي تلون عالمه الرمادي، ويطالعها بشغف كأنها مستقبله المعهود والجميل الذي يقاتل من أجله وسط هذه الحرب الوشيكة. ارتسمت على شفتيه ابتسامه عذبة وهادئة، ابتسامة خاصة بها وحدها، كأنها أنثاه الجميلة التي لا يرى في هذا الكون سواها.
أما إلينا، فقد تجمدت الكلمات في حنجرتها، وانتابها شعور عارم بالحب امتزج بخجل أنثوي شديد جعل وجنتيها تشتعلان حمرةً رغم صقيع الشتاء. خفق قلبها بعنف، وتلاشت كل مخاوفها وشكوكها السابقة في تلك اللحظة؛ فمهما كانت هويته، ومهما كان نفوذه مرعباً، هو في النهاية ألكسندر... رجلها الذي طالما انتظرته، والأمان الذي كانت تبحث عنه دائماً.
أرادت أن تخفض عينيها خجلاً من نظراته المحيطة بها، لكن قلبها رفض المشيح عنه.
تحدث ألكسندر بكلمات سريعة مع الضابط الذي يقف بجانبه، مشيراً له بمتابعة العمل، ثم بدأ يتحرك بخطوات واثقة وأنيقة وسط الثلج متجهاً مباشرةً نحوها، تاركاً خلفه همسات الجنود وتعجب صديقتها كاتيا التي كانت تراقب المشهد بذهول.
توقف على بعد خطوتين منها، وكانت أنفاسه الدافئة تتصاعد في الهواء البارد، ونظر في عينيها الهائمتين وقال بنبرة منخفضة تفيض بالحب:
"ألم أخبركِ يا إلينا... أن المشاعر في زمن الحرب هي نقطة ضعفنا؟ لكنني أمام عينيكِ، أجد نفسي مستعداً لأكون أضعف الرجال."
أمسك ألكسندر بوجل يد إلينا الباردة، وابتعدا عن صخب الميدان ليعودا مجدداً إلى ذات الحانة. دخلا وجلسا على الطاولة نفسها في الزاوية المعتمة، لكن الأجواء هذه المرة لم تكن مشحونة بالشك، بل كانت محاطة بصدق المشاعر وتلهف القلوب.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يبدأ ألكسندر في شرح وجهة نظره. نظر في عينيها وقال بنبرة هادئة تملؤها الحقيقة:
"إلينا، أنا لم أختر هذه الحياة، ولم أختر أن أعيش خلف الأقنعة. لكن بلادنا تقف على حافة الهاوية، والسرية هي سلاحي الوحيد لحماية الأبرياء... لحمايتكِ وحماية والدكِ. عندما كنتُ أمثل دور ساعي البريد، لم يكن ذلك تلاعباً بكِ، بل كانت تلك الطريقة الوحيدة التي سمحت لي بأن أكون قريباً منكِ دون أن ألتفت لثقل رتبتي أو خطورة واجبي."
كانت إلينا تستمع إليه بإنصات شديد، وتتأمل نبرة الصدق في صوته. تلاشت كل الشكوك من عقلها، وتفهمت تماماً حجم التضحية والعبء الذي يحمله هذا الرجل على كتفيه. تفهمت أن نفوذه وقسوته مع الآخرين ليست سوى درع يحمي به من يحب.
ومع هذا التفهم، خانتها دمعة دافئة وهربت من عينيها لتسيل على خدها.
لم يحتمل ألكسندر رؤية دموعها؛ مد يده الدافئة برقة متناهية، ووضع كفه على خدها الناعم، وبإبهامه مسح دموعها ببطء وحنان بالجين. نظرت إليه بعينين تفيضان بالحب والخجل، وشعرت بأنفاسه تقترب.
لم يعد لأي منهما القدرة على المقاومة؛ تلاشت كل الحواجز والكلمات، ومالا نحو بعضهما ليتعانقا عناقاً طويلاً وعميقاً وسط الحانة. كان عناقاً اختصر أسابيع الفراق والجفاء، عناقاً ثبت فيه ألكسندر يديه حول جسدها كأنه يحمي مستقبلة، بينما دفت إلينا رأسها في صدره، مستسلمة لدفء رجلها الذي طالما انتظرته، والملجأ الوحيد لها في هذا العالم المهدد بالحرب،
لم يكن العناق الدافئ في الحانة مجرد تلاقٍ للقلوب، بل كان نقطة التحول التي غيرت مسار حياة إلينا بالكامل. لقد أدركتْ أن ألكسندر لن يعود ساعي بريد، وأن الحرب الوشيكة ستأخذه إلى الخطوط الأمامية حيث الموت والظلال. ولم تكن مستعدة للجلوس خلف النافذة وتنتظر رسالة قد لا تأتي أبداً.
في صباح اليوم التالي، اتخذت إلينا قرارها الحاسم دون تراجع. توجهت بخطوات ثابتة نحو مركز التجنيد التابع للجيش الأحمر في ستالينغراد. كانت قاعات المركز تكتظ بالشباب والنساء المستعدين للتضحية.
وقفت أمام مكتب التسجيل، وقالت للمسؤولة بنبرة حازمة:
"أريد التطوع في جبهة الدفاع... في قسم الممرضات الميدانيات."
نظرت إليها الضابطة بمسحة من الشفقة والإعجاب: "العمل في التمريض الميداني شاق وخطر يا آنسة، فالجبهة لا ترحم."
أجابت إلينا وعيناها تشعان ببريق لم يعرف الخوف: "أنا ابنة عامل صلب، وأعلم كيف أتحمل النيران. أريد أن أكون حيث يحتاجني وطني... وحيث ينبض قلبي."
بعد أسابيع من التدريب المكثف والقاسي على الإسعافات الأولية وتضميد الجراح تحت دوي المدافع التجريبي، ارتدت إلينا البذلة العسكرية البيضاء، ووضعت شارة الهلال الأحمر على ذراعها. أصبحت ممرضة في الجيش.
في أول يوم لها في المعسكر الرئيسي للقيادة، كانت الأجواء مشحونة بالتحضيرات العسكرية. بينما كانت إلينا تنقل الصناديق الطبية رفقة الممرضات، توقفت سيارة القيادة السوداء. ترجل منها ألكسندر، محاطاً بحراسه وضباطه كالعادة، وعلامات الإرهاق والتفكير بادية على وجهه الوسيم بسبب تقارير الاستخبارات المعقدة.
التفت ألكسندر ليتفحص المستشفى الميداني الجديد، وتجمدت خطواته تماماً.
وقع نظره على فتاة برداء أبيض وشعر ملموم، تحمل طبيعتها الرقيقة بصلابة عسكرية. فرك عينيه ليتأكد، نعم... إنها إلينا! فراشته الجميلة أصبحت ترتدي بزة الموت والحياة.
تلاقت عيناهما، وارتسمت على وجه ألكسندر صدمة عارمة تلاها مزيج من الرعب عليها، والاعتزاز اللامتناهي بشجاعتها. مشى نحوها بسرعة، متجاهلاً نداءات الضباط خلفه، وتوقف أمامها مباشرة وأنقاسه متسارعة:
"إلينا؟! ما الذي تفعلينه هنا؟ بحق السماء... هذا ليس مكاناً لكِ!"
نظرت إليه إلينا، وابتسمت ابتسامة هادئة تفيض بالحب والثقة، وقالت بنبرة واثقة:
"لقد قلتَ لي إن المشاعر نقطة ضعف يا أليكس... وأنا هنا لأكون نقطة قوتك. لن أتركك تواجه الظلام وحدك، أينما ذهبتَ كقائد... ستجدني بجانبك كممرضة تحمي ظهرك وتداوي جراح رجالك."
تغيرت ملامح ألكسندر في ثانية واحدة؛ اختفى الدفء وحل محله غضب عارم نابع من رعب حقيقي على حياتها. التفت إلى الضباط المحيطين به وصاح بنبرة حاسمة: "اتركونا بمفردنا فوراً!". تراجع الجميع بسرعة، تاركين القائد وممرضته في مواجهة عاصفة.
أمسك ألكسندر بذراع إلينا برفق ولكن بحزم، واقتادها إلى زاوية معزولة خلف الخيام الطبية. نظر في عينيها وعروق رقبه بارزة من شدة التوتر:
"هل جننتِ يا إلينا؟! التمريض الميداني ليس نزهة في حديقة، إنه الجحيم بعينه! ستريين أشلاءً ودماءً، والقذائف الألمانية لن تميز بين ضابط وممرضة. أنا أقاتل في الظلال لأجلكِ ولأجل عائلتكِ، فكيف تأتين بقدميكِ إلى مقصلة الموت؟"
مد يده بسرعة إلى جيب معطفه وأخرج ورقة رسمية وقلم، وتابع بنبرة سلطوية صارمة:
"بصفتي قائداً في الاستخبارات العسكرية، سأصدر أمراً فورياً بإلغاء تطوعكِ ونقلكِ إلى المستندات الخلفية في موسكو، أو إعادتكِ إلى منزلكِ فوراً. لن أسمح لكِ بالبقاء هنا يوماً واحداً!"
وقفت إلينا بثبات لم يعهده فيها من قبل. لم ترتبك أمام غضبه ولا أمام سلطته المرعبة التي يرتعد منها الجميع. مدت يدها بهدوء ووضعتها فوق الورقة التي يمسكها، لتمنعه من الكتابة، ونظرت في عينيه بنظرة ثاقبة قائلة:
"تستطيع أن تأمر جيشاً بأكمله يا ألكسندر، وتستطيع أن تجعل كبار الضباط ينحنون لك... لكنك لا تملك سلطة على قلبي وقراري. أنا لم آتِ إلى هنا كحبيبة ضعيفة تختبئ خلف نفوذك، أنا جئت كمواطنة سوفيتية تطوعت بملء إرادتها لحماية وطنها."
اقتربت منه خطوة حتى شعرت بأنفاسه الغاضبة، وتابعت بنبرة تفيض بالكبرياء والحب المتحدي:
"إذا استخدمت نفوذك لإلغائي من هذا المعسكر، سأذهب إلى معسكر آخر تحت اسم مستعار. الحرب قادمة يا أليكس، وإذا كُتب علينا الموت، فأنا أفضّل أن أموت وأنا أداوي جراح رجالك وأكحل عيني برؤيتك، على أن أموت من الخوف والشوق في منزلي مستمعة لأخبار الجبهة من الراديو. أوراقك ونفوذك لن يثنوني عن البقاء بجانبك."
توقف ألكسندر عن الكلام. تلاشت نبرة الغضب ببطء أمام هذا الإصرار الفولاذي الذي يغلف رقتها. نظر إلى عينيها اللتين تشعان شجاعة وعشقاً، وشعر بقلبه ينهزم أمام كبريائها. مزق الورقة التي في يده ببطء، وأخذ نفساً عميقاً يداري به اعتزازه الشديد بها، وقال بنبرة خافتة تحمل هزيمة عاشق:
"أنتِ عنيدة بشكل قاتل يا إلينا... تمنيتُ لو كنتِ أقل شجاعة. حسناً، ستبقين... لكن أقسم لكِ، إذا تعرضتِ لأدنى خدش، سأحرق هذه الجبهة بمن فيها."
بعد أن انتهت هذه الأمسية الدافئة التي أعادت لروحهما نبض الحياة، ودّع ألكسندر وإلينا السيدة إيفان بعبارات ملؤها الامتنان والوعود بلقاءات قريبة مبهجة.خرج الاثنان إلى شوارع ستالينغراد التي غلفها سكون الليل الجميلسار ألكسندر وإلينا جنباً إلى جنب في الأزقة الهادئة. لم يكن الليل في ستالينغراد مظلماً وموحشاً كما كان في أيام الحصار؛ بل كانت فوانيس الشوارع التي أُعيد تشغيلها حديثاً تبدد العتمة برفق، وكأنها ترسم لهما طريقاً آمناً نحو الغد.ساد بينهما صمتٌ حميمي مريح، تتخلله نسمات الصيف العليلة وصوت خطواتهما المنتظمة على الحجارة المرصوفة. كانت يد إلينا دافئة في يده، تشعره بحقيقة وجودها بعد أن كانت مجرد طيف يزوره في مناماته بين الثلوج.عند وصولهما إلى عتبة بيتها، توقفا والتفتت إلينا نحوه، عيناها تعكسان ضوء النجوم الدقيق."شكراً لك على هذا اليوم يا ألكسندر... لقد أعاد إليّ روحي التي ظننتها تاهت في الحرب."ابتسم ألكسندر وانحنى ببطء ليطبع قبلة دافئة على جبينها وقال بصوت خفيض يملؤه السكون:"بل شكراً لانتظاركِ الذي أبقاني حياً يا إلينا. اذهبي وارتاحي الآن، فغداً ينتظرنا يومٌ جديد سنبدأ فيه ببناء كل
سارت إلينا بجانب ألكسندر، والبهجة تملأ محياهما بعد تلك اللحظات الدافئة في الحقول. غادرا السهول المفتوحة وعادا إلى أطراف المدينة، متوجهين نحو زقاق هادئ نجا بأعجوبة من الدمار الشامل. هناك، كانت تتدلى لافتة خشبية صغيرة نُقش عليها بخط يدوي أنيق اسم دكان السيدة إيفان لحياكة الفساتين والأقمشة.كانت السيدة إيفان امرأة طيبة في الستين من عمرها، خفيفة الظل وسريعة الحركة، تشتهر بضحكتها الصافية وبأناملها السحرية التي حوّلت قطع القماش البسيطة إلى فساتين تمنح الفتيات الأمل في أحلك ظروف الحرب.دفع ألكسندر الباب الخشبي الذي أصدر صريرًا مألوفًا، فامتزجت في استقبالهما رائحة الأقمشة القطنية الجديدة والكتان، ونسمة خفيفة من عطر الياسمين الذي اعتادت السيدة إيفان وضعه في زوايا الدكان.كانت السيدة إيفان تنحني على طاولة خشبية كبيرة، تضع اللمسات الأخيرة على فستان ربيعي زاهي الألوان. ما إن رأت ألكسندر يقف عند الباب بقامته المهيبة وهدوء ملامحه، حتى أفلتت مقصها الحديدي ليرتطم بالطاولة، واتسعت عيناها بذهول وفرحة عارمة."ألكسندر! يا إلهي... أيها البطل الصغير!"صاحت بنبرة دافئة واندفعت نحوه لتغمره بعناق أموي حار، كا
استمر في السير بجانب البروفيسور إيفان حتى بوابات المحطة الخارجية، حيث ودعه بوعدٍ قاطع باللقاء مجددًا فور استقرار الأمور. لم يكن هناك متسعٌ من الوقت لإضاعته؛ فالشوق الذي كبحه ألكسندر لسنوات خلف جدار الواجب العسكري، كان ينبض الآن بعنف في صدره، يدفعه نحو القطار المتجه جنوبًا... نحو ستالينغرادطوال الرحلة نحو الجنوب، كان مشهد الأرض يتغير تدريجيًا. لم تعد هناك غابات الشمال الكثيفة ولا ثلوج النرويج؛ بل حلت محلها السهول الروسية الواسعة التي بدأت تنفض عنها غبار الحرب. من نافذة القطار، كان ألكسندر يرى القرى والبلدات وهي تنفض الأنقاض، والناس يبنون بيوتهم من جديد، والأطفال يركضون في حقول القمح الصيفية بعد أن غابت الطائرات وهدأت المدافع.كان يرى في كل حجر يُرفع، وفي كل ابتسامة تُولد على وجوه العائدين، صدىً لانتصاره ونضاله.وعندما أعلن سائق القطار الاقتراب من محطة ستالينغراد، وقف ألكسندر وضغط بقبضته على الحقيبة الجلدية. قلبه لم يكن يخفق فحسب، بل كان يرتجف بلهفة لم يعهدها حتى في أحلك ساعات التخطيط للمعارك ،ترجل ألكسندر من القطار ليرى ستالينغراد؛ المدينة التي تركها حطامًا متفحمًا وجبالًا من الركام.
كان شتاء عام 1945 يحمل معه رائحة مختلفة... لم تكن رائحة الموت والخوف كما في السنوات السابقة، بل كانت رائحة النصر الوشيك الذي ينذر بالهزيمة الساحقة للجيش الألماني النازي.لقد أطبق الزمهرير الروسي القارص فكه على قوات العدو. في ساحة المعركة المحيطة بمصنع الحديد والصلب، تحولت جبهة الألمان إلى مقبرة من الجليد؛ فالبرد الشديد وصل إلى درجات غير مسبوقة تسببت في تجمد وقود الدبابات والمجنزرات الألمانية داخل خزاناتها، لتتوقف آلاتهم الحربية المرعبة عن الحركة تماماً، وتتحول إلى كتل حديدية باردة لا نفع منها، بينما انخفضت عزيمة جنودهم الذين أنهكهم الجوع والصقيع.من فوق أسوار المصنع، التفت ديميتري (والد إلينا) إلى العمال والجنود المحيطين به، وأشار بيده نحو الساحة قائلاً بنبرة فخر: "انظروا إليهم! الحديد الذي صنعناه بصبرنا أقوى من نيرانهم... الشتاء يلتهمهم الآن!"وفي تلك اللحظة الحاسمة، دوت أصوات محركات المدرعات السوفيتية التي لا توقفها الثلوج. انشق خط الأفق عن كتيبة ألكسندر المندفعة بقوة كإعصار أبيض. كان ألكسندر يقف في مقدمة مدرعته القيادية، معطفه الأسود يتطاير مع الرياح الثلجية، وعيناه تلمعان ببريق ال
لم يعد الخطر مجرد تخمينات، ولم تعد الحرب طبولاً تُدق في الأفق البعيد؛ لقد وصلت الجحيم إلى قلب ستالينغراد.في شتاء عام 1942، انشقت السماء عن هدير مرعب لطائرات "اللوفتوافه" الألمانية. في ثوانٍ معدودة، تحولت المدينة الجميلة، بشوارعها العتيقة ومصانعها الشامخة، إلى مسرح من الركام والنيران. سقطت القذائف كالمطر لتذيب الثلوج المتركمة، واختلط صراخ الأطفال والنساء بدوي المدافع، وبدأت الملحمة الأكثر شراسة في التاريخ.داخل المستشفى الميداني القريب من الخطوط الأمامية، كان الوضع يفوق الوصف. امتلأت الممرات بأشلاء الجنود والجرحى، وكانت رائحة الدم والبارود تخنق الأنفاس وسط أجواء الصقيع القارس. وسط هذا الذهول والدمار، لم تكن إلينا تلك الفتاة الخجولة التي تخشى الأصوات المرتفعة؛ بل كانت تتحرك كالملاك الثائر برباطة جأش أدهشت الجميع.ثوبها الأبيض الذي طالما تعهد ألكسندر بالحفاظ عليه ناصعاً، تلطخ بالدماء والرماد منذ الساعة الأولى للقصف. كانت تضمد الجراح، تثبت الأطراف المكسورة، وتهمس بكلمات الأمل في آذان الجنود المنازعين. عندما هزت قذيفة عنيفة أركان المستشفى وتناثر زجاج النوافذ ليدخل هواء الشتاء المتجمد، لم
لم يكد ألكسندر ينهي جملته التحذيرية، حتى انفتح باب الحانة الخشبي بقوة، واندفعت برودة الليل العاصف إلى الداخل، ومسحت معها كل صخب المكان في ثانية واحدة.دخل ثلاثة ضباط من الشرطة العسكرية السوفيتية، تتقدمهم ملامح صارمة وقاسية. صرخ قائد الدورية بصوت جهوري:"الجميع يظل في مكانه! تفتيش مفاجئ للهويات والأوراق الثبوتية. أي شخص لا يملك تصريح عمل ليلي أو بطاقة عسكرية سيُساق فوراً للتحقيق بتهمة التهرب من الخدمة!"دب الذعر في الحانة. التفتت إلينا بوجل نحو والدها، وتذكرت فجأة أنه غادر المصنع اليوم دون أن يختم تصريح خروجه الليلي بسبب العجلة، وفي هذا الوقت من عام 1940، خطأ كهذا قد يودي بصاحبه إلى معسكرات العمل الشاق (الغولاق) بتهمة التخريب أو التقاعس."بطاقتك يا عجوز!"استيقظت إلينا من أفكارها على صوت الضابط وهو يقف فوق رأس والدها، وعيناه تتفحصان ملابسه الملوثة بالرماد بشك.بدأ الوالد يتحسس جيوبه بارتباك واضح، محاولاً العثور على عذر: "أنا أعمل في مصنع الحديد.. لقد نسيت.."قاطعه الضابط بخشونة وهو يمسك بكتفه: "نسيت؟ لا توجد أعذار في ستالينغراد. قف وتحرك معنا!"وقفت إلينا غريزياً لتدافع عن والدها، لكن







