LOGINهوى قلب الداهية، وباتت كلمات الآخر التي لم يفسر مغزاها للآن خناجر مصوبة إلى مضغته النابضة تنتظر إشارة؛ لتغرز بوحشية وتلك الإشارة هي ما سيجيب به الآخر على سؤاله المعذب. "ريكا" وقد احتل الحزن معالم وجهه، وهو يسأل بصدر اختنق بداخله هواء الزفير الذي احتبس دون إرادته:-لِم لا "أريان"؟! أجاب مباشرةً ولا تتلاعب بي فقد بلغ صبري مبلغه، وعادة التقطير في الحديث تلك لا أستصيغها. وقبل أن ينطق "أريان" بكلمة، فُتح باب غرفة الكشف، فتوجه الجالسان بنظرهما صوب الباب وهيئة الاثنتان أبلغ من ألف حديث، ولكن "أريان" نظر إلى غادة بالتماس؛ كي تتحدث وتأكد له ما قالت تلك المطأطأة الرأس بخزي قبل طلبه الكشف عليها، وتجلي قليلاً من سخطه جازمةً بأنها لازالت عذراء كما زعمت. ولكن لم تجبه الكلمات، وإنما اكتفت "غادة" بإشارة نفي عندما حركت رأسها يميناً ويساراً تنكر صدق الأخرى، وتعلن بذلك بما لا يقبل الشك حماقة "أريان" ودنائة تلك الحقيرة. بينما رفع "ريكا" كلا راحتيه يمسح بهما على وجهه غضباً؛ فلم يروي "أريان" عطشه لمعرفة أسباب استحالة علاقته بها، وكذلك انتظاراً لتفجير ثورة غضب الآخر وهو يصب جم حنقه وسخطه على تلك الكاذب
*في سجن الجزيرة. تحديداً أمام غرفة الكشف. أحدهم يجلس بإهمالٍ وشرود في تلك المهرة الأصيلة التي يحتار في ترويضها، والآخر سيطرة عليه حالة من الترقب المضني. والدقائق القليلة التي انقضت منذ خروجهما من غرفة الكشف مرت عليه كسنواتٍ عجاف. نعم قلبه يخشى أن تكن كاذبة وتخذله أمام عقل يخرج لسانه إليه الآن ساخراً من بلاهته، فجزءاً منه يصدقها، وروح تكاد تبلغ الحلقوم كلما وعى لحاله على ما فعله بها الآن أمامهما. هو يعلم جيداً عزة نفسها وكبريائها الذي تشربت أبجدياته على يديه، فإذا كانت صادقة فيما قالت هو من سيسعى خلفها يطلب الصفح والغفران. ولكن ماذا عن أسبابها؟! رفع عينيه إلى السقف وبؤبؤيها يدوران داخل محجريهما بمللٍ، يزفر أنفاسه بضجرٍ، ماسحاً بيده على وجهه بضيق، من ذلك الذي يقطع الممر أمام غرفة الكشف ذهاباً وإياباً، والتوتر يبدو جلياً على ملامحه ولغة جسده. وكأن نهاية العالم متوقفة على هذا الفحص، فبالطبع "ريكا" ليس على علمٍ بما يحدث معه الآن وكذلك الصراع المحتدم بأغواره. فبرأي "ريكا" وحسب منظوره، طالما الحب موجود. فماذا يعني هذا الكشف؟! وما جدوى العائد في الفائت؟! الحب يصنع المعجزات يذيب
أصبح الآن خلفهما مباشرةً، فقال بصوتٍ وقور: -انتظري سيادة الضابط. توقفت الضابطة في التو ما إن استمعت إلى صدوح صوته ذو النبرة المميزة، تستدير لتقابله وهي ترفع يدها مؤديةً التحية العسكرية. تقف بانضباط ومن ثم أسدلت راحتها تهندم من زيها العسكري، وهي ترمقه بنظرات إعجابٍ لم يلحظها هو، ولكن بالطبع التقطها ردار تلك العاشقة. الضابطة بهيامٍ: -أوامرك سيدي القائد. نبرة صوتها الناعمة أثارت حفيظة تلك المستشاطة غيرة، ولكن للآن لم تتجاوز الأخرى بالحديث، بينما أردف "أريان" قائلاً : -اذهبي أنتِ وفضي حشد طابور العرض حتى تُخلي الساحة للقوات لمتابعة عملهم. الضابطة وهي ترفع راحتها؛ لتعيد أناملها ترتيب بعض الخصلات المتمردة من شعرها أسفل غطاء رأسها الأميري، فاحتسبتها الأخرى محاولة تأنق وزاد ذلك من استعار نيران الغيرة، وخاصة بعد أن أجابت الأخرى بنفس النبرة مع إضفائها مزيداً من الغنج وكذلك ياء الملكية تلك، وهي تقول: -عُلِم سيدي القائد، ولكن ماذا بشأن تلك؟! قالت الأخيرة وهي تشير إليها بسبابتها في تقليل وتحقير دون أن تلتفت إليها، إلى هنا وبات تعقلها في خبر كان، فقامت المشاغبة مفتعلة المشاحنات بالقبض على
في سجن الجزيرة. هناك حيث الساحة المخصصة لسكنات النساء، تسير مقيدةً خلف ضابطة النظام، بعد إصداره أمر بتدويرها مكتب. وإلى جانب قهرها؛ بسبب تعنيفه لها أمام هاتين السمجتين اللتين تجرأتا وتغزلتا به، وبدلاً من أن ينهرهما على تطاولهما وقلة حيائهما أدارها هي مكتب. استوقفها الصراع الدائر بعقلها عند نقطة ما لم تتبين معناها، وبات تساؤل يتردد داخلها: "لحظة!! ماذا يقصد بتدويري مكتب تلك؟!" بينما من عنفها يشعر بالأسى حيالها، ولكنه إذا لم يتخذ معها هذا الإجراء سيعرضها لشر هاتين السجينتين معدومتي الرحمة. أخذ يتابع انسياقها القهري خلف الصادر لها أمر بذلك وشعرها الذي يشبه سلاسل الذهب يتطاير خلفها. -ماذا!! شعرها المنسدل!! والذي أقر أنه لن يتهاون أو يتأثر بما يصدر منها أو ما يخصها لحين ثبوت صدق ما قالت أو نفيه وذلك بعد أن يتم إجراء هذا الفحص. غامت عيناه بغضب أسود وهو يرى عيون كل من تمر أمامهم سواء أكانوا رجال من حراس السجن أو سيدات ممن يناظرنها بغيرة وحقد لحسنها الفتَّان، ومنهن من ترمقناها بنظرات شغوفة. شتاتٌ وضجر أوقف نشاط العقل وأعمل خاصية الغيرة، فوجد حاله يندفع خلفها دون أن ينتظر حتى نهاية
رفع رأسه لأعلى ينفث زفيراً مختنقاً وهو يخاطب حاله وكأنه أصيب بانفصام في الشخصية، فهتف قائلاً بتعنيف:-هااااي "ريكا"، اللعنة اهدأ يا زعيم، لا تشتت انتباهك، أهم شيء الآن هي أن لا تجعلها تذهب إلى هناك، وبعدها سنجد حلاً لقصة انتقالك تلك.مر ما يقارب العشر دقائق ولم تأتيه، ولم يرد إليه الحارس خبر، أخذ يدور حول نفسه كأسد جائع محجوز بقفصٍ، متخصراً بكلا راحتيه يزفر بضيق رافعاً رأسه لأعلى محاولاً تنظيم أنفاسه الثائرة غضباً وخنقة.مضت خمس دقائق أخرى وقد زاده الانتظار غضباً وثورة، فرفع قدمه اليمنى يحط بها بقوة على مقعد الكرسي العاجي يشقه نصفين، وأخذ يزأر بحنقٍ وضيق قائلاً بسخط:-آهٍ يا زعيم جاء اليوم؛ ليقيدك باب لعين كهذا.- لا قسماً بكل يمين معظم طوق عنق كل معاهدٍ إذا ما جاءت لن يحول بيني وبينها ألف باب.ومن ثم توجه إلى مكتبها فاتحاً كل درج من أدراجه على التوالي عابثاً بمحتوياته يبحث عن شيء ما يستعين به لفتح قفل باب الغرفة.التمعت عينه ببريق الانتصار، وقد عثر على أحد المشارط الجراحية فقبض عليه غير عابئ بإعادة تنظيم تلك الفوضى التي تسبب بها، وإنما توجه بما في يده ناحية الباب عازماً على الخروج با
في سجن الجزيرة.تحديداً بغرفة الكشف الخاصة بطبيبتنا الحسناء "غادة".يجلس هذا الناقم على السرير ساقٍ مدلاة أرضاً والأخرى يثنيها أسفله يهز الساق الحرة بسأم، يشعر بضجر فظيع، فمنذ أن غادرت ليلاً عقب انصراف القائد، وهو لم يغمض له جفن جالسٌ على وضعه هذا، شارداً بكل تفاصيلها.قام من مجلسه يجوب أنحاء الغرفة، فهذا هو حاله منذ سطوع الشمس، يقطع دورته بالغرفة مروراً بالباب ملقياً نظرة عبر تلك الفتحة الموجودة به مستكشفاً ما إذا كانت بالجوار، عله يلمح طيفها.ولكن لا فائدة فلا أثر لها على مدد البصر قدر ما تسمح له تلك الطاقة المُراقِب من خلالها.في أثناء تربصه خلف الباب لمح هذا الحارس ويدعى "بنيامين" ذاك الحارس التابع له والذي هو نفسه حلقة الوصل بينه وبين ذلك الخائن "نك"."ريكا" بصوت منخفض بعدما اقترب "بنيامين" من الباب ماراً أمامه، وقبل أن يتجاوزه استمع إلى صوت أحدهم يهتف باسمه ولم يتبين مصدر أو صاحب الصوت، فأخذ يتلفت حوله إلى أن نطق صاحب النداء قائلاً:-هااااي "بينو"، انظر هنا على يسارك.التفت "بنيامين" جهة اليسار حسب إرشادات صاحب الصوت، فاقترب ليكشف عن هوية مخاطبه ففتحة الباب لا تظهر سوى عينيه فقط
جلسا على الطاولة الخاصة بهم، وأتى مدير المطعم شخصياً، ويتبعه النادل؛ لتلقي طلباتهما. المدير بترحيب:-أهلاً "چاسم" باشا، أنرت المكان، لك فترة طويلة لم تشرفنا بزيارتك. نظرت "چيسيكا" إلى "چاسم" وهي تشير برأسها إلى المتحدث، تجيب عوضاً عنه، فهما زبونان دائمان للمكان، وعلى معرفة بصاحبه:-أرأيت "چيه"؟!
بعد ما يقرب الخمسون دقيقة يقف چاسم أسفل الدرج، ينظر إلى ساعة يده بضجر، فلم يستغرق إبداء كامل حلته عشر دقائق، وقد قام قبل ارتداء ملابسه بحجز طاولة لفردين بمطعمهما المفضل. وها هو يقف بانتظارها عندما استمع لصوت وقع حذائها ذو الكعب العالي يقترب أعلى الدرج. فقد أتت على ما يبدو بذكر تقديراً وهمي للوقت
بعد أن وصل "چاسم" إلى منزله ورآها تجلس عابسة آلامه قلبه كثيراً. واضعاً باقة الورود من يده جانباً على أقرب مقعد وتوجه إليها بهدوء، راكعاً أرضاً أمامها محاولاً مراضاتها، وهي للحقيقه لم تبخل عليه بحبها وحنانها.وبعد أن تسائلت عمَّ به، اعتدل يجلس بين ساقيها كم هو علئ الأرض، يلقي برأسه إلى الوراء، مسند
بعدها غادر چاسم يستقل سيارته، ومن ثم طلب رقم والده، على شريحة الهاتف القديمة، يستمع إلى رنين المكالمة، حتى أجاب والده على الطرف الآخر:-"چاسم" كيف حالك بني؟ "چاسم":-لست بخير أبي، أحتاج إليك. الأب بلهفة وارتياع:-ما بك "چاسم"؟ أخبرني بني. "چاسم" بتنهيدة ألم:-لا تقلق أبي، هناك بعض المتاعب بالعمل