Se connecterبعد صدور قرار النيابة بإخلاء سبيله المشروط بعد عشرين يوم قضاها هذا المساهم على ذاك الجهاز في غرفةٍ معقمة، نقل إليها كما هو على نفس الوضعية بإحدى المستشفيات التابعة لكلية الطب بذات الجامعة.
توجه هذا العالم "ويلسون" مكبلًا بالأصفاد تحت حراسةٍ مشددة إلى ذاك المشفى الموجود به الجهاز، يرقد بداخله جثمان هذا الشاب، وقد حافظ هذا الجهاز على جثته وحال دون تحللها وتعفنها، الأمر الذي تعجب له سائر من أشرف على هذه الغرفة من طاقم الأطباء و الممرضين. وإذا كانت عقلية "ويلسون" الفاذة قد خانته في البداية؛ لجهله بتلك الإجراءات القانونية عندما شرع في هذه التجربة، فأقر بعدم وقوعه في نفس الخطأ مرةً أخرى. فعندما أصبح داخل المشفى أمام تلك الغرفة، توقف ساعده قبل أن يصل كفه إلى مقبض باب الغرفة، مستديرًا يقابل الحشد المُجتمِع في رواق الممر الموجود به الغرفة، قائلًا: -لن أقوم بفعل شيء قبل حضور المحامي الموكل بالقضية؛ ليعقد إتفاقًا قانونيًّا بموجبه يتنازل المُدعون في هذه القضية عن شكواهم ضدي وعدم المطالبة بأية حقوقٍ مدنية. وقد كان، وامتثلت لرغبته عائلة الشاب، فتقدم المحامي الحاضر بالفعل وسط هذا الحشد، يجلس على أحد المقاعد، يخرج من حقيبته بضعة أوراق دَوَّن بها تنازلًا خطيًّا، وقع عليه كل المتواجدين من عائلة هذا الشاب. وبعد ذلك دخل "ويلسون" إلى الغرفة، حالما فُكَّ قيده، رافضًا السماح لأحدٍ من الحضور بالولوج إليها، سواء كان فرد من العائلة المنكوبة، أو أحد الأطباء العاملين بالمشفى؛ متعللًا برغبته في الحفاظ على سرية هذه التجربة لحين توثيقها بشكلٍ قانونيّ. طالبًا ما يحتاجه من أدواتٍ ومواد كيميائية، وفرتها له إدارة المشفى بأمرٍ من النيابة العامة. لم يستغرق الأمر بالداخل ساعة واحدة، وقد خرج "ويلسون" من الغرفة سامحًا بالدخول لمَن بالخارج، فدخل والد الشاب، والطبيب المشرف على الحالة، وواحدٌ من مساعديه، وكذلك عددٌ من المراسلين الصحفيين لإحدى أشهر محطات البث الفضائي. تجمدت أطراف الوالجين، عندما وجدوا من أقر الأطباء بوفاته، جالسًا داخل هذا الجهاز، والذي يشبه في تركيبه التابوت. هرع والده إليه يقبل كل إنشٍ بوجهه، وعيناه تزرف دموعهما بفرحٍ، وأعين الجميع جاحظة بعدم تصديق، فما يحدث الآن فاق كل توقعاتهم، فكيف لميت أن يبعث مرة أخرى إلى الحياة؟! بعد خروج "ويلسون" قامت أفراد الأمن الموكلة بحراسته بتكبيله مرةً أخرى؛ استعداداً لإعادته إلى سرايا النيابة، ولكنه أبى التحرك دون تقرير طبي من الطبيب المشرف مختومًا من إدارة المشفى؛ ليعزز موقفه أمام النيابة وليقوم المحامي بطلب ضم التقرير والتنازل الذي وقعه أسرة الشاب إلى ملف القضية. وبعد أسبوع من وضع هذا الشاب تحت الملاحظة، وتأكيد الأطباء على استقرار حالته، وعدم وقوع ضرر عليه جراء ما حدث، قامت النيابة بإخلاء سبيل "ويلسون" بعد سقوط الإدعاء، وإثبات عدم الضرر بالأدلة والشواهد. مع إلزامه بعدم مزاولة المهنة وإيقافه عن العمل ومنعه التدريس بأية جامعة سواء حكومية أو خاصة. ولكن هذا لم يفقده شغفه وجنونه، فلازال دؤوب البحث، يجري تجاربه الخارقة على الحيوانات، بمعملٍ أعده وجهزه بمنزله على أعلى مستوى، يفكر كيف يستفيد بمهاراته وعلمه في جمع المال، مادام فشل بتحقيق الذات، غير عابئٍ بالطريقة كل ما يهمه الآن المال وحسب. وقد زاد نبذه بعد تلك الحادثة من عدوانيته، فانتابته حالة من الهوس تقُوده إلى رغبةٍ في الدمار والخراب. وذات يوم منذ ما يقارب شهر، توجه إلى مكتب صديقه "نيكولاس"، بعد أن هاتفه، طالبًا مقابلته لأمرٍ هام، قد يدر على كليهما مالًا كثيراً. ونظرًا لجشع "نيكولاس" وحبه للمال؛ وافق على الفور. وتمت المقابلة التي شرح فيها المهووس للإنتهازي تلك الفكرة الخبيثة التي طرأت بخاطره، وهي أن يقوم "ويلسون" بتخليق نوعاً من الفيروسات يهاجم إنزيمات الدم المحملة بالأكسچين، مسببًا حالة من الإرهاق، والضعف الشديد لحامل الفيروس، تسمى تلك الحالة "البورفيريا"، مخفيًا عنه الأعراض الأخرى لتلك الحالة. وكذلك سيقوم بإعداد تركيبة الترياق المعالج للحالة، حيث يقومان بنشر هذا الفيروس بين الناس؛ لتحتكر شركات "نيكولاس" إنتاج هذا المصل، ويزيد الطلب على هذا العقار، ومن ثم تتضاعف مبيعات شركاته، محققًا أرباح خيالية في وقتٍ قصير، على أن يتقسما الأرباح فيما بينهم مناصفةً. في تلك الأثناء لم ينجذب "نيكولاس" للفكرة، خاصةً وأن تلك المضاربات في البورصة العالمية، يجني من وراءها أموالًا طائلة، فما حاجته أن يشاركه أحداً في أرباحه. أما الآن فهو بحاجة لأي وسيلة تعوضه خسارته الفاضحة فإن استطاع التفاوض مع المساهمين؛ لمنحه بعض الوقت، وتمكن من تأخير الإجراءات البنكية المتخذة في حالته تلك، لن يستطع المراوغة لفترة طويلة، فعليه الإسراع ل"ويلسون" ليشرعا في تنفيذ مخططاتهما الدنيئة. عودة إلى مكتب "نيكولاس" الذي دبت بجسده الحياة؛ بعد لحظات شروده تلك. ينتصب من مجلسه، ملتقطًا هاتفه ومفاتيح سيارته، يركض بلهفة شاب في ريعان شبابه، خارجًا من مقر شركته. ولم ينتظر حتى يهاتف السائق، وإنما استقل سيارته منطلقًا بها، مخلفًا وراءه سحابة من الغبار الناجم عن احتكاك إطارات سيارته المسرعة بالأسفلت. داخل سجن الجزيرة. بعد نجاح ذلك المراقب في تسديد طعنة مباغتة ل"ريكا"، استهدفت صدره وأصابته بجرحٍ غائر. وتمكن "ريكا" من السيطرة على المهاجم برغم نزيف جرحه، مهددًا إياه بالقتل بأفظع الطرق، إن لم يفصح عن هوية المحرض على قتله. جحظت أعين المكبل أمامه وهو يهز رأسه برفضٍ، فخفف "ريكا" من قبضته على نحره؛ ليسعل الآخر ملتقطًا أنفاسًا مسلوبة، والحديث يخرج من فمه دفعة واحدة، قائلًا: -لا، بربك، سأتحدث، مَن أمرني بفعل ذلك هو القائد، والمُوصي بقتلك شخصٌ يدعى "نك". "ريكا" وقد استنزفت طاقته، قائلًا بعدم تصديق ف"نك" آخر شخص قد يشك به: -ماذا تقول؟! هل يجب علي تصديق هراءك هذا؟! أنت تلصق فعلتك ب"نك"؛ لتحمي محرضك. أخذ الآخر يتوسله أن يرحمه، ويصدق ما قال: -أقسم، أن هذا هو اسم الشخص الذي ذكره القائد، وهو يتواصل مع أحدهم عبر جهاز اللاسلكي ذاك؛ ليخبره أن يذهب ل"نك" هذا، حتى يعطي زوجتي المال مقابل قتلي لك. هنا تلاشت طاقته، فقام بتسديد ضربة قوية بقبضته على رأس القابع بين يديه من الخلف، أدت إلى سقوطه أمامه، وبدأ جسد "ريكا" في الترنح قبل أن تبتلعه دوامةٌ سوداء. تجلس إحدى الحوريات بزيها الأبيض، وقد أنهكها التعب، بعد تلك الجراحة التي أجرتها لهذا الوسيم ذو البشرة القمحية، بملامحه الرجولية، وذقنه الذي أنبت لحية قصيرة زادته وسامة وأضفت على ملامحه جاذبية. يرقد أمامها على السرير الطبي يحتله بطوله الفارع، وجسده المعضل عاري الصدر كما تشاهده من نافذة غرفة الكشف الخاصة بطاقم الإداريين، في أوقات النزال التي تنظمها إدارة السجن كل يوم ثلاثاء بين المحتجزين كنوع من النشاط الرياضي ينفس فيه السجناء عن طاقتهم، بدلاً من استخدامها في إيذاء بعضهم. وقد غادر الطبيب المسئول عن عيادة السجناء في طائرة الدعم التي تمد السجن بالغذاء والمؤن اللازمة لهذا العدد من السجناء والضباط والعاملين بالوظائف الإدارية والخدمات كما الحال معها. من غيرها سيقوم بعمل اللازم في ظروف طارئة كتلك ،فهذا موعد الإجازة السنوية للطبيب، فكل من يعمل بهذا الصرح، لا يستطيع الحصول على إجازةٍ إلا مرةً واحدة في العام لمدة أربعين يومًا. يعجبها تعترف بهذا فبرغم اختلافهما، ولكنه يعجبها. هو أحد المساجين، وهي "غادة" طبيبة السجن، مصرية وهو بالنسبة لأصولها العربية أجنبيّ، مسلمةٌ وهو لا يُعرف له ملة ولا مذهب. مدت كفها الرقيق تتحسس جبهته، تستشعر حرارته، وكأن برؤياه أمامها بهذا القرب نسيت كل ما تعرفه عن الطب ودرسته بالجامعة. يدها المستكشفة تحولت إلى أخرى مداعبة، تتلمس تقسيمات وجهه بإفتتان هائم. تنبهت حواسه لشيءٍ قريب من وجهه، ففي أثناء غيبوبته تلك، تلاحقت بمخيلته الأحداث التي مر بها قبل فقده الوعي، وكأنها شريط سينمائي إنتهى لتوه، غافلًا عن مرور أكثر من ست ساعاتٍ على تلك الوقعة. يشعر بألمٍ حاد في صدره، وسقيع لا يعرف مصدره، وكأنه لايرتدي شيئاً على جزءه العلوي، كما تلتقط أذنه صوت اضطراب أنفاس أحدهم إلى جواره، لا يعرف سبب ارتفاع دقات قلب المجاور له، إذا كانت خوف أو شيء آخر. وتساءل وهو على مشارف الوعي تاركًا خلفه دوامة اللاوعي تلك، عن نية صاحب اليد القريبة إلى وجهه، وجاءه الجواب من عقله الباطن يؤكد حتمية غدر صاحبها. فتحفزت حواسه ،متغلبًا على ألمه، وهو يتحكم في الاستمرار بأداء حالة الثبات تلك، حتى يخدع هذا الماكث بجواره، وإذا به يقبض سريعاً على معصم تلك اليد. جاذبًا صاحبها، وهو ينهض بخفة تناقض حالة الوهن التي كانت تراه عليها منذ قليل، يستبدل الأوضاع. طارحًا صاحب اليد مكانه على السرير يعتليه، وهو يفرج أهدابه ليتعرف هوية المهاجم تلك المرة. وما إن وقعت عينيه على وجه مهاجمه، حتى أصبح أسير المهاجم، يتغزل بها ولسان حاله يقول: -يالا جمال المهاجم، وعيني المهاجم، وشفتي المهاجم. مال بجسده إليها، فأصبح وجهه قريب إلى وجهها، مشرف عليها بجسده، وساقيه تحاوط جسدها على الجانبين، يجثو فوقها مرتكزًا بركبتيه على السرير. يتأمل ملامحها بجرأة، ينخفض بنظره وهو يعض بأسنانه على جانب شفته السفلية متفحصًا جسدها بوقاحة، وبرغم حشمة زيها إلا أن نظراته تلك جعلتها تشعر وكأنها ترتدي زي سباحة. "ريكا" بصوتٍ متأثر لوضيعتهما هذه، وقد بدأ يشك أنه للآن مازال في غيبوبةٍ، يحلم بقربها كما كان يتمنى قبل أن يهاجمه هذا السجين، أو ربما فارقت جسده الروح، قائلًا: -ماذا فعلت "ريكا"؛ لتنتقل إلى الفردوس؟! وما كان منها إلا........سبة نابية تنبست بها شفاهه وقد تحول الصقيع الذي تملكه إلى ارتفاع شديد في درجة الحرارة نجم عن إحساسه بالغل والغضب، فتلك المراوغة لا يمكن توقع ما يمكن أن تفعل!! فبأول يوم قد غادر به بعد أن أخبر "كيارا" بإعلامها بسفره، طلب منها التخلص من ما بحيازة "ساندي" من عقارات وأقراص تحتفظ بها في حقيبة يدها وذلك دون أن تشعر. وأمرها كذلك بتفتيش الغرفة التي تشغرها حالياً ولا تترك شبراً بها، إلا وبحثت به ملياً علها تخفي بعضًا من تلك المواد المخدرة بأي ركن داخلها.وقد أخبرته "كيارا" أنها تخلصت منها بالفعل، وأنه بعد الجرد المتفحص لكل محتويات الغرفة وأرجائها لم تعثر على شيءٍ سوى ما ذكره "نك" بالوصف والعدد. ولكن إذا وقع خطأ، فمنه!! وذلك كونه لم ينبه عليهم بضرورة التحري عن كل ما تطلبه قبل إدخاله إلى القصر. أغلق "نك" الهاتف في وجه البومة الذي زفه الخبر المشئوم، وإحساسٌ بالضياع والفقد حل ليقلب كل موازين الثبات هادمًا حصون عجرفته؛ وهو يدور حول نفسه بالغرفة كالليث الجريح يشد على خصلات شعره بقهر. ومن ثم أخذت أنامله تعبث بشاشة هاتفه يتصل بخبير المراقبة الذي عثر عليها أول مرة عن طريق تتبع هاتفه الذي سرقته مسب
*في كنداخرج "نك" من مرحاض الغرفة القاطن بها بأحد الفنادق الشهيرة هناك، فهو لم يَرِد أن يُقِم في القصر الخاص بالداهية؛ حتى يكن لديه شهود بأنه منذ أن تم الحجز باسمه وهو نزيل تلك الغرفة وبالطبع ميعاد الحجز كان قبل ضبط حقيبة متفجراته ضمن محتويات الشحنة الخاصة ب"سام". أما عن الشهود فهو ليس بحاجة لهم، ولِم قد يحتاجهم ولَم يتم ذكر اسمه في القضية من الأساس!! والتسجيل الذي كان "چاسم" يعتمد عليه كسند واهي، قد حصل عليه رجاله قبل وصوله هو و"هانز" إلى ساحة القضاء.فبرغم عدم اعتداد هيئة المحلفين بهذا التسجيل كونه سُجِل بدون إذن نيابة، إلا أنه كان من الممكن أن يثر جلبة ويوجه الأنظار إليه.وبما أن ما كان يعتمد عليه محامي الدفاع الخاص ب"سام" لم يعد له وجود. فلا يمكن لأي محامٍ ولو مبتدأ أن يأت على ذكر إناس أبرياء كذئبنا "نك" في قضية كهذه بدون دليل.وإلا عرض هذا المحامي حاله هو وموكله إلى التنديد من قبل هذا الرجل المحترم "نك"، وربما رفع دعوى إدعاء ورد اعتبار ضد كليهما، وهذا قد يؤدي إلى تحميل الموكل وهو "سام" مبلغ مالي كبير كتعويض. أما بخصوص المحامي فبذلك سيوقع حاله بورطة كبيرة كأن يتم إيقافه عن مزا
عند هذه النقطة انتبه على حاله يبتعد عنها، مناجياً ربه طالباً المغفرة على ما لا يملك، فقلوبنا ليست بإيدينا بل بيد بارئها يقلبها كيفما يشاء، ويألفها بمن يشاء. تحمحم سام محاولاً تحطيم تلك الحلقة التي استحكمت لتربطهما معًا، محاولاً بغشم التطرق إلى صلب الموضوع كوسيلة لقطع الجسر الذي مده الشيطان بينهما، قائلاً: -مَن هو؟! وكيف فعلها ليجعلك تتمنين الرجوع بالزمن لتفعلي به ما فعلتِ؟! اعتدلت "سيدرا" في جلستها، وارتكزت ببصرها على نقطة ما في الفراغ شاخصة بها، وكأنها انفصلت عما حولها، تستكمل باقي فصول روايتها التي حتماً انتهت نهاية مأساوية فوجودهما معًا على متن الطائرة مغلليْن بهذه القيود دليل على إسدال الستار بموت وقتل وسجن: -منذ أربعة أعوام كنت أنا و"سالي" بآخر يوم لنا بالمدرسة الثانوية، وآخر مادة لنا بالامتحانات. -شَعرتْ حينها بوعكة جراء إجهاد كلانا في المذاكرة فقد وضع والدنا أملاً علينا في أن نكلل تعبهما وكفاحهما من أجلنا. -فقد كانا يقتصدان من احتياجاتهما في سبيل تأمين مصروفات المدرسة "الإنترناشونال" التي ألحقانا بها أنا و"سالي"، لذا كنا نبذل قصارى جهدنا من أجل أن نكن عند حسن ظنه
الأمان لحظات إنصات غالية تجعل القلوب قادرة على التنفس.وهذا ما نحن بصدده الآن.فبطلتنا الوقحة "سيدرا" جنت عليها المواقف وحولتها الأشخاص.سؤال نطق به "سام" وكان جوابها أنني أشعر معك بالأمان والراحة.يا الله كم أبدعت في التعبير!فتناغم الأرواح وتواصلها يكمن في الكلمات الثلاثة تلك:شعور - أمان - راحة.عقَّب على جوابها، وها قد هامت روحه بعينيها، فنطق لسانه بما شعر به:-اتصرف كيف دلوك يا جلب "سام"؟! -أي "ماذا أفعل الآن يا قلب "سام"؟! ابتسمت وقد التقطت من جملته كلمتين احتارت في تفسير الأولى ولكن هداها قلبها إلى معناها، فما نطق به لسانه فسرته نظرة عينيه، رددت داخلها:- نعم، هو يعنيها ب"قلب سام". يا لا تعاستك "سام" أنت تفضي وهي تنتقي وتفسر أهذا من حسن حظها، أم من سوء طالعك.تحمحم يجلي صوته، يبتعد مرةً أخرى بناظريه عن مرمى فيروزيتيها، قائلاً:-لَم تخبريني عمَّ أوصلك إلى ما أنت به الآن!!ومن ثم ارتد ببصره إليها يلتمسها النفي، وهو يستطرد مستفسرًا:-هل حقًا قتلتِ؟!أومأت بالإيجاب والغريب أنه لم يلمح بعينيها ولا ذرة ندم، ولكنها قالت بإبهام:-بمفهومهم قتلت، ولكن الحقيقة أنني حققت العدالة، ولو عا
قطبت جبينها، تتسائل بعدم فهم:-يمكنني ماذا؟!"سام" بإيضاح:-كيف لفتاة في مثل عمرك أن تُقبِل على القتل، وليس لمرة واحدة بل لمرتين كما ذكر الضابط!!-لازلتِ صغيرة على ما يبدو، لِم قررت أن تقضي حياتك بأكملها في السجن؟! -ما الذي قد يدفعك إلى فعل هذا؟!ابتسمت بزاوية فمها تقول بسخرية:-انظروا من يسأل؟! وهل أنت ذاهباً لقضاء عطلة في جزر البهاما؟! الحال من بعضه يا رفيق."سام" بفضول:-دعينا مني الآن، وأخبريني ما قصتك.سبت تحت أنفاسها، فهي من أرادت أن تعرف عنه، لا أن يأتِ هو على ذكر مواجعها ومآسيها ويذكرها بها، ولكنها قالت بمقايضة:-حسناً سأشبع فضولك، ولكن بعدها ستخبرني ما قصتك.أومأ بإيجاب، وهو يبتعد بعينيه عنها فقربها منه إلى هذا الحد، وجلوسها بأريحية وذراعيهما المكبلين جنباً إلى جنب، والتلامس الذي حدث دون عمد من الطرفين أثار حفيظته؛ لينكمش على حاله بمقعده محاولاً تفادي أي تقارب قدر الإمكان.احتارت في أمر الجالس إلى جوارها. هي بالفعل لم تتعمد التقرب منه برغم انبهارها به، ولكن نفوره هذا جعلها تسأل بسفور:-هاااي، أنت؟! ما بك؟! لم كل هذا التحفظ؟!-ألست جذابة إلى هذا الحد بنظرك أم إنك مثلي؟!ارتد
"سيدرا" بحاجبٍ مرفوع، وباتت تشك بأمر تلك اللغة الغريبة، فأردفت متسائلة:-ماذا؟! "سام" باستدراك:-أعني اصمتي، سحقاً لما سنلقى من عقاب. "سيدرا" بأعين جاحظة، قائلة باستنكار:-عن أي عقابٍ تتحدث؟! ومن ثم أشارت إلى هيئته، مستكملة بتعجب:-ألا تنظر في المرأة يا رجل؟! أنت إذا تجشأت في وجههم سيعودون بطن أمهاتهم وكأنهم لم يولدوا بعد. اعتبر هذا ثناء ومدح؛ فتدرج وجهه بحمرة الخجل ليتهرب بنظراته عنها. مما أثار فضولها كثيراً؛ لتعرف عنه المزيد وهي في قمة الغرابة والعجب أيوجد من هم مثله، أم أنه آخر الرجال المحترمين؟! رفعت يدها تدير وجهه إليها، فزاد توتره وزاغت عينه، وربما ارتفعت حرارته قليلاً، فسألته بفضول:-ما بك؟! ولِمَ تتحاشى النظر إليَّ؟! تهتهة أصابت "سام" فبرغم لباقته وصرامته في العمل، وشخصيته التي كانت تظهر خفة ظلها مع المقربين إليه.إلا أن عزيزنا "سام" يختلف كلياً عن جميع أبطالنا، فإذا أطلقنا على "ريكا" زير النساء، وعلى "أريان" ذو العلاقات المتعددة، و"نك" السادي، فيمكننا أن نطلق على "سام" فاقد التجارب. نعم فلا تجارب له لا بالحب ولا علم له بمتطلبات العلاقة الحميمية، وذلك ليس لعلة، فهذا ال
أصبح الآن خلفهما مباشرةً، فقال بصوتٍ وقور: -انتظري سيادة الضابط. توقفت الضابطة في التو ما إن استمعت إلى صدوح صوته ذو النبرة المميزة، تستدير لتقابله وهي ترفع يدها مؤديةً التحية العسكرية. تقف بانضباط ومن ثم أسدلت راحتها تهندم من زيها العسكري، وهي ترمقه بنظرات إعجابٍ لم يلحظها هو، ولكن بالطبع التقط
تدخلت تلك التي تتميز غيظاً وغيرة، ولم تشغل بالها من هي ولا مع من ستفتعل المشكلة.ولا عاقبة ما ستقول وما سيحدث، كل ما بها الآن نيران ستنشب بجسد كل من تحاول أن تتقرب أو تتودد له. لا الوضع أخطر بكثير، بل إنها ستفتك بكل من شردت بخيالها ليكن "أريانها" بطل أحلام الغفوة أو اليقظة لواحدة غيرها. فقالت تنه
خفضت رأسها بخجل من تعقيبه الأخير، وهي تقول بتردد:-عندما كنت معك بغرفة المكتب بعد أن أغشي عليك وخلعت عنك قميصك رأيت تلك الآثار على ظهرك وكتفك وكأنها تشبه جلدات السوط، هل.. أعني.. أقصد أنك تحب العنف في علاقاتك مع الجنس الآخر!! -هل لديك ذلك الشغف المقزز وتدع إحداهن توشم جسدك بتلك العلامات السادية مس
هوى قلب الداهية، وباتت كلمات الآخر التي لم يفسر مغزاها للآن خناجر مصوبة إلى مضغته النابضة تنتظر إشارة؛ لتغرز بوحشية وتلك الإشارة هي ما سيجيب به الآخر على سؤاله المعذب. "ريكا" وقد احتل الحزن معالم وجهه، وهو يسأل بصدر اختنق بداخله هواء الزفير الذي احتبس دون إرادته:-لِم لا "أريان"؟! أجاب مباشرةً ولا







