Home / الرومانسية / سر في أحضان الثراء / الجزء الثالث: شباك الغرام وظلال الماضي

Share

الجزء الثالث: شباك الغرام وظلال الماضي

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-09-03 07:39:54

كانت قطرات المطر لا تزال تتساقط برفق على زجاج المقهى الهادئ في حي "المعاريف"، بينما كان غالي يجلس عند الطاولة الزاوية، يقلب قلمًا بين أصابعه بشرود غير معتاد. لم يكن من عادته أن يتشتت ذهنه عن جدول أعمال إمبراطورية والده أحمد، لكن وجه الشابة ذات العينين الخضراوين والملامح الحادة بعزة النفس لم يغادر مخيلته منذ تلك اللحظة التي التقاها فيها عند الممر الحجري.

في الجهة المقابلة من المدينة، داخل إحدى قاعات التدريب التابعة لإحدى شركات العقارات والخدمات الكبرى، كانت ياقوت تقف بثبات أمام لوحة العرض. كانت ترتدي بدلة بسيطة ولكنها أنيقة للغاية، وتتحدث بلسان فصيح وثقة تامة وهي تشرح تقريرًا ماليًا معقدًا أدهش الحاضرين. لم تكن تعلم أن هذه الشركة ليست سوى فرع جديد اشترته مجموعة "بنجلون" العقارية مؤخرًا، وأن الشاب الذي التقت به في الشارع هو المشرف العام على هذا المشروع.

عندما انفتح باب القاعة الخشبي ودخل غالي رفقة مدراء الفرع، ساد الصمت المكان. رفع غالي عينيه ليلتقي بنظرات ياقوت المفاجأة. اهتزت أحداقها لثوانٍ قُبيل أن تسترجع رباطة جأشها وتكمل العرض بنبرة قوية لا تشوبها شائبة.

بعد انتهاء الاجتماع، طلب غالي التحدث معها بمفردها في مكتب مدير الفرع.

وقفت ياقوت أمامه بحذر، وضغطت يداها على الملف الذي تحمله، وقالت بنبرة رسمية:

— "أتمنى أن يكون العرض المالي قد نال استحسانك يا سي غالي."

ابتسم غالي ابتسامة هادئة تذيب الجمود، وقال وهو يتفحص ملامحها بتمعن:

— "العرض كان ممتازًا يا آنسة ياقوت.. لكن ما أدهشني حقًا هو الذكاء والثقة التي تتحدثين بها. لم أكن أعلم أن الصدفة ستجمعنا مجددًا وفي نفس بيئة العمل."

ردت ياقوت بعزة نفس لا تخفى:

— "الصدف تجلب اللقاءات يا سي غالي، لكن الكفاءة هي التي تبقينا في أماكننا. أنا هنا لعملي فقط."

كانت هذه النبرة العصامية، الممتزجة بالأنفة والكبرياء، هي ما سحر غالي كليًا. اعتاد الشاب الغني على فتيات الطبقة الراقية اللاتي يركضن خلف اسمه وثروته، لكن ياقوت كانت مختلفة؛ زهرة برية نمت بين الشقوق الصلبة، تحمل في عينيها عمقًا وسحرًا خاصًا.

مع مرور الأيام والأسابيع، توطدت علاقة العمل بينهما، وسرعان ما تحول الإعجاب المتبادل إلى حب جارف وعميق. كان غالي يجد في ياقوت الراحة والبساطة التي يفتقدها في عالم القصور المليء بالرسميات والأقنعة، بينما وجدت ياقوت فيه الشهام والدفء والرجل الذي يحترم عقليتها وكيانها قبل أي شيء آخر

في قصر "أنفا"، كان أحمد يجلس في مكتبه الفخم، يراجع بعض الأوراق رفقة ابنه غالي. كان أحمد ينظر إلى غالي بفخر لا حدود له؛ فالشاب أثبت كفاءة عالية في إدارة الصفقات، وكان يتصرف بنضج وحكمة تشبه حكمة والده.

وضَع أحمد يده على كتف غالي وقال بنبرة ملؤها الحنان والأبوة الدافئة:

— "أنت فخري يا غالي.. كل ما بنيته من مجد وثروة لا يساوي شيئاً بدونك. أنت السند الذي دعَوْتُ الله أن يرزقني إياه، ولن يهدأ لي بال حتى أراك متوجًا على رأس هذه الإمبراطورية وتختار الزوجة التي تليق بمقامك ومقام عائلتنا."

ابتسم غالي بارتباك، واستجمع شجاعته ليقول:

— "يا أبتِ.. الحسب والنسب ليسا كل شيء. المهم هو المعدن والأخلاق.. هناك فتاة أودّ أن تتحدث معها وأعرفك عليها قريبًا."

تهللت ملامح أحمد وقال بحماس:

— "من هي هذه المحظوظة؟ ابنة أي عائلة من معارفنا في الشغل؟"

رد غالي بهدوء:

— "ليست من أصحاب الملايين يا أبتِ، لكنها تملك من الذكاء والكرامة ما يزن جبالاً.. تعمل معنا في الفرع الجديد وربت نفسها بعرق جبينها."

في تلك اللحظة بالذات، كانت "فريدة" تقف خلف الباب المفتوح قليلاً تحمل بعض المشروبات، وسمعت كل كلمة دارت بينهما. تسللت قشعريرة باردة في جسدها، وشعرت بساقيها تعجزان عن حملها. سارعت بالابتعاد ودخلت غرفتها الخاصة وهي تلهث مذعورة، واستدعت الخادمة "رحمة" فورًا وأغلقت الباب بالمفتاح.

وقفت فريدة تذرع الغرفة جيئة وذهابًا وهي تضغط على رأسها بيدين مرتجفتين:

— "رحمة! مصيبة ستسقط على رؤوسنا! غالي يتحدث عن فتاة تعمل في الفرع الجديد.. يقول إنها عصامية وفقيرة وتدعى ياقوت!"

شحبت ملامح رحمة وورد الذعر في عينيها:

— "ياقوت؟! هل قال ياقوت يا لالة؟!"

فريدة بصوت خنقته العبرات والرعب:

— "نعم! ياقوت! الاسم الذي اخترتموه لتلك الرضيعة قبل عشرين عاماً! هل يعقل أن تكون هي؟ هل يعقل أن تجمع الأقدار بين الابن المتبدل والابنة الحقيقية في نفس مكان العمل ويقعا في الحب؟!"

ردت رحمة وهي تحاول تهدئة سيدتها رغم ارتعاش صوتها:

— "اهدأي يا لالة فريدة.. الدار البيضاء فيها آلاف البنات باسم ياقوت. يجب أن نتيقن أولاً قبل أن نصاب بالجنون."

فريدة بحدّة وانهيار:

— "يجب أن نعرف أصلها وعائلتها فوراً! إن كانت هي ابنتي الحقيقية وكان غالي يحبها.. فهذه النهاية! إن اكتشف أحمد أنني حرمته من ابنته الحقيقية وجلبت له غالي بالخديعة، سيمحوني من الوجود! سيقتلننا جميعًا يا رحمة! أحمد يعز غالي كروحه، وصدمته في هذه الخديعة ستدمر العائلة كلياً!"

في اليوم التالي، أرسلت رحمة أحد معارفها القدامى في الحي الشعبي للتقصي عن عائلة الفتاة "ياقوت". وسرعان ما عادت الأخبار كالصاعقة التي هزت أركان القصر: ياقوت هي بالفعل تلك الطفلة التي وُلدت في ليلة المطر والتُقطت من حضن العائلة الفقيرة مقابل المال، وتعيش حالياً مع والدتها المريضة فاطمة في حي درب السلطان!

عندما سمعت فريدة الحقيقة المؤكدة، انهارت على الأرض تبكي بحرقة ورعب. كانت صورتان تتصارعان في ذهنها: صورة ابنتها الحقيقية التي حرمتها من العز والجاه وعاشت طوال عمرها في الفقر والشقاء، وصورة زوجها أحمد الذي يحب غالي حبًا أعمى قد يتحول إلى كراهية وانتقام مدمر إذا انبلج الفجر عن هذا السر المظلم.

قالت رحمة بنبرة خبيثة ومستستميتة لإعادة السيطرة:

— "سمعيني جيداً يا لالة فريدة! لا وقت للدموع ولا للندم الآن! السر يجب أن يبقى مدفونًا في التراب حتى لو اضطررنا للقتال. إذا انكشف السر، السي أحمد سينسف القصر فوق رؤوسنا، وغالي سيكرهكِ، وياقوت ستطالب بحقها. يجب أن نفصل بين غالي وياقوت بأي ثمن كان، ونبعد الفتاة عن الدار البيضاء تماماً!"

في ظهر اليوم التالي، استغلت فريدة خروج أحمد وغالي في رحلة عمل خارج المدينة لعدة أيام، وقررت القيام بجرأة انتحارية. أخذت عنوان بيت ياقوت، واستقلت سيارة سوداء غير ملفتة متجهة نحو حي "درب السلطان".

نزلت فريدة بعباءتها الفاخرة ونظاراتها المظلمة، تمشي بخطوات مضطربة بين الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة الفقر والرطوبة. كانت تنظر حولها بقرف وخوف، وقلبها يعتصر ألمًا حين أدركت أن ابنتها الحقيقية نشأت في هذه الجدران المتهالكة.

وصلت إلى باب البيت الصغير، وطرقته بصلابة محاولة إخفاء ارتعاد يديها.

انفتح الباب الخشبي القديم، وظهرت ياقوت وهي ترتدي ملابس منزلية بسيطة، وتضع شالاً خفيفًا على شعرها. عندما رأت المرأة الفاخرة الواقفة أمامها، عقدت حاجبيها باستغراب وقالت بلباقة:

— "نعم يا سيدتي؟ هل تائهة عن عنوان معين؟"

تجمعت الدموع في عيني فريدة وهي تتأمل وجه ياقوت؛ الملامح، العينان الخضراوان، طريقة الوقفة.. كلها كانت نطقًا صارخًا بأنها ابنتها وقطعة من أحشائها. لكن الخوف على عرشها ومكانتها غلب عاطفة الأمومة.

استجمعت فريدة قسوتها المصنوعة وقالت بنبرة حادة وباردة:

— "أنتِ ياقوت؟ الفتاة التي تحاول الالتفاف على ابني غالي بنجلون؟"

اتسعت عينا ياقوت صدمةً، لكن كرامتها العالية جعلتها تستقيم وتنظر بثبات في عيني فريدة:

— "أنا ياقوت.. ويا سيّدة، أنا لا ألتف على أحد. السي غالي زميلي وأحترمه، وهو من يطلب الحديث معي."

خطت فريدة خطوة نحو الداخل، وأخرجت من حقيبتها الفاخرة دفتر شيكات وقلمًا ذهبيًا، وقالت بقسوة تجرح القلب:

— "اسمعيني جائعة المال! أنا أعرف أشكالكم جيدًا.. بنات الأحياء الشعبية اللاتي يحلمن بالقفز إلى القصور عن طريق السيطرة على قلوب الشباب الأغنياء. غالي ابن أحمد بنجلون، وله مكانة ونسب لا يمكن أن يتشرف بارتباطه بامرأة مثلكِ نبتت في الفقر والزقاق!"

شعت عين ياقوت بشرار الكرامة الجريحة، واشتد ساعدها وهي ترد بنبرة كالصلب:

— "احترمي نفسكِ يا سيدة! الفقر ليس عيبًا ولا جريمة! نحن نعيش بكرامتنا وبعرق جبيننا، ولا نبيع شرفنا ولا كرامتنا بالمال! وغالي يعلم جيداً من أكون، ولم أطلب منه يوماً قرشاً واحداً!"

فتحت فريدة دفتر الشيكات وكتبت رقمًا خياليًا ثم قطعت الورقة ورمتها على الطاولة القريبة من الباب:

— "هذا شيك بمبلغ سيغير حياتكِ أنتِ وأمكِ المريضة كلياً.. يشتري لكِ بيتاً فاخراً ويضمن علاج والدتكِ. بشرط واحد: أن تستقيلي من الشركة فوراً، وتختفي من حياة غالي تماماً، وتغادري هذه المدينة بدون ترك أي أثر! وإن رفضتِ.. أقسم لكِ أنني سأدمّر مستقبلكِ المهني وسأجعل العمل في أي مكان بالبلد حلمًا مستحيلاً عليكِ!"

نظرت ياقوت إلى الشيك بزهو وازدراء، ثم رفعت رأسها ونظرت في عيني فريدة المليئتين بالرعب المتخفي خلف القسوة، وأمسكت ورقة الشيك بكل هدوء.. وتمزقت الورقة إلى قطع صغيرة تناثرت على الأرض أمام قدمي فريدة!

قالت ياقوت بصوت يرتجف قهرًا وكرامة:

— "أموالي وكرامتي لا تشترى بأوراقكِ يا سيدة بنجلون! خذي تهديداتكِ وأموالكِ واخرجي من بيتي فوراً قبل أن أستدعي الجيران! غالي إذا كنتُ سأتركه، فسأتركه بكرامتي وبإرادتي لأنني لا أتشرف بالدخول إلى عائلة تجرح الناس بمالها، وليس خوفاً منكِ!"

خرجت فريدة وهي ترتجف غضبًا ورعبًا، بينما أغلقت ياقوت الباب وانهمرت دموعها بحرقة، وهي تستشعر ثقل الضغوط الفوارق الطبقية التي تحاول أن تطحن حبها النقي لغالي.

هل أعجبتك هذه الأحداث الدرامية المحبوكة والمواجهة القوية بين الأم وابنتها الحقيقية؟

إذا كنتِ جاهزة، سنواصل في الجزء القادم تصعيد الصراع مع عودة غالي ومحاولات فريدة الخبيثة لإبعاد ياقوت!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سر في أحضان الثراء   الجزء العاشر: شباك العنكبوت ورقعة الشطرنج

    لم تكن ليلة الدار البيضاء هذه المرة ناعمة أو هادئة؛ بل كانت الأمطار الهائلة تسكب بؤساً متواصلاً على زجاج البرج الشاهق لشركة "بنجلون"، وكأن السماء تغسل خطايا القوم أو تشاركهم غضبهم المكتوم.في جناح الاجتماعات الخاص بالأب أحمد في الطابق العلوي، كان الضوء الخافت ينعكس على الخرائط العقارية والمجلدات المكدسة فوق الطاولة البيضاوية. جلس غالي بعد أن أسرع بالعودة من مدينة آسفي فور سماعه بضربة المحضر القضائي، وكانت ثيابه المشبعة برطوبة الطريق تجسد حجم الإرهاق والعناء، بينما كانت رائحة الملح والطين لم تفارقه بعد. بجانبه، كانت ياقوت تقف أمام لوحة زجاجية ضخمة، تمسك بقلم عريض وتخطط خطوط العلاقات المشبوهة بين شركات "المهدي بناني" والشركات الصورية التي يستخدمها لتبييض الأموال وتلفيق الديون المزورة.نظر غالي إلى ياقوت، وكانت نبرة صوته تحمل مزيجاً من التعب والامتنان الدفين:— "ياقوت.. الوثائق التي أتى بها المحضر القضائي إلى ورشتي في آسفي ليست مجرد أوراق ديون عادية. لقد نبشوا في أرشيفات البلدية القديمة، واستخرجوا عقداً مزوراً يعود لسنة 2005، يحمل توقيعاً محاكاة لتوقيع والدي المرحوم العربي. المهدي بناني

  • سر في أحضان الثراء   الجزء التاسع: حرب الشائعات وضربة الممر المظلم

    أشرقت شمس الدار البيضاء محملة بغيوم رمادية ثقيلة، تبث في الأجواء شعوراً بالترقب والمصير المجهول. أمام البرج الزجاجي الشاهق لشركة "بنجلون للعقارات والاستثمار"، كانت الحركة غير عادية؛ سيارات الفضوليين والمحطات الإعلامية تتراكم عند الرصيف، بينما يتناقل الموظفون بالهمس والغمز آخر الأنباء عن الصراع المحتدم بين أحمد بنجلون وخاله السابق المهدي بناني.ترجّلت ياقوت من السيارة المصفحة رفقة والدها. كانت ترتدي بدلة سوداء أنيقة ذات طابع عصري حاد، وضعت فيها لمسة من الوقار والكبرياء الشعبي. دخلت إلى البهو الفسيح برأس مرفوع وخطوات ثابتة، غير أبهة بالنظرات الفضولية التي تطاردها من كل زاوية.لكن في الطابق الثامن والعشرين، داخل قاعة الاجتماعات الكبرى ذات الطاولة البيضاوية الفاخرة، لم يكن الاستقبال مرحباً أبداً.كان أعضاء مجلس الإدارة يجلسون بوجوه متجهمة، وفي صدارتهم المهدي بناني الذي كان يحضر بصفته رئيساً لشركة حليفة ويمتلك نسبة من الأسهم. كان يبتسم ببرود وهو يطالع ملفات أعدها بعناية.جلس أحمد في رأس الطاولة، وأشار لياقوت بالجلوس عن يمينه، ثم قال بصوت حازم يقطع الوشوشات:— "أهلاً بكم يا سادة.. أعلن اليو

  • سر في أحضان الثراء   الجزء الثامن: حياكة الأفاعي وظلال انتقام جديد

    لم تكن قاعة الجلسات في المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء مجرد مكان لتطبيق العدالة، بل كانت مسرحاً صاخباً لتصادم الأحقاد. كانت رائحة الرطوبة وأوراق الملفات القديمة تمتزج بالتوتر الشديد الذي يملأ الأجواء.جلس الأب أحمد بنجلون بجانب ياقوت في الصف الأول للمقاعد الخشبية الصلبة. كان وجهه كقناع من صخر صلد، يتأمل اللاشيء، بينما كانت ياقوت تفرك أصابعها المرتجفة ببعضها البعض. ورغم محاولاتها إظهار الثبات، إلا أن تسارع أنفاسها كان يشي بالمعركة النفسية التي تخوضها. وعلى بعد مقعدين فقط، كان غالي يجلس بصمت مطبق، مرتدياً بدلة سوداء بسيطة خالية من أية مظاهر ترف، يعقد ساعديه وعيناه مشدوهتان نحو القفص الحديدي.في القفص، كانت "فريدة" تقف ببدلة السجن الرمادية الخشنة. زال عنها التكابر، وتساقطت مساحيق التجميل الفاخرة لتكشف عن وجه شاحب تجعدت أطرافه بفعل الذعر. بجانبها كانت الخادمة "رحمة" تصارع نوبة بكاء هستيرية وتغمغم بدعوات متقطعة، كأنها تحاول دفع المصير المحتوم.انفتح الباب الجانبي ودخلت هيئة المحكمة برئاسة القاضي، ليعمّ القاعة صمت كالمقابر. وقف الجميع باحترام، قبل أن يبدأ القاضي في تلاوة الحيثيات بصوت جهو

  • سر في أحضان الثراء   الجزء السابع: مواجهة مع الركام واسترجاع الهوية

    لم تكن شمس الصباح التالي على مدينة الدار البيضاء تشبه أي شمس أشرقت على قصر "أنفا" من قبل. كانت الممرات الرخامية، التي اعتادت أن تهتز لخطوات فريدة الحازمة وأوامرها الصارمة، تغرق في صمت كئيب وأشعة شاحبة تتسلل من الخلال العالية.داخل جناح المكتب الرئيسي لشركة "بنجلون للعقارات والاستثمار"، كان الأب "أحمد" يجلس خلف مكتبه الأبنوسي الضخم، لكنه لم يكن ينظر إلى الشاشات التي تعالي فيها مؤشرات الأسهم، بل كان يسند رأسه بين يديه المتعبتين. بجانبه، كانت تقف ياقوت بتردد، ترتدي ثوباً بسيطاً ولكن حضورها كان يفرض هيبة لا تخطئها العين، بينما كان غالي يذرع القاعة جيئة وذهابًا، وملامحه تحمل ثقل سنين من الذهول والانكسار.التفت أحمد نحو ياقوت، وانخفضت نبرته إلى دفء أبوي صادق:— "يا بنيتي.. من اليوم، لن تعودي إلى تلك الغرفة الصغيرة في المحمدية سوى لاصطحاب أغراضكِ. المحامي أتم إعداد وثائق إثبات النسب الرسمية، وبدأت الإجراءات القانونية لتسجيلكِ باسمي: ياقوت بنجلون. هذا حقكِ الشرعي والقانوني الذي حرمتِ منه طوال عشرين سنة، واليوم ستأخذين مكتبكِ هنا كشركة وشريكة أساسية في كل ما أملك."نظرت ياقوت إلى الأوراق المجه

  • سر في أحضان الثراء   الجزء السادس: ليلة السقوط والأصفاد الباردة

    لم يكن زلزال الحقيقة سوى بداية لانهيار هائل أخذ يعصف بأركان قصر "أنفا". ساد الصمت لثوانٍ معدودة، صمت خادع أشبه بالسكون الذي يسبق اقتلاع الأشجار في العواصف الهوجاء. كان أحمد يقف في منتصف الصالون، وتنفّسه العالي المتردد يملأ الأرجاء، بينما كانت فريدة منكمشة على الأريكة كالورقة اليابسة، ورحمة تختبئ خلف ستارة مخملية ثقيلة كأنها تحاول الهروب من المجهول. التفت أحمد بنظرته نحو سكرتيره الخاص الذي كان يدخل القصر حاملًا بعض الأوراق الدورية، وحين رأى منظر العائلة والدموع المنهمرة، توقف مذهولاً عند الباب. قال أحمد بصوت قاطع كالسيف، نبرة تحكمها القسوة المطلقة التي غيبت كل مشاعر الماضي: — "اتصل بالشرطة فوراً.. أخبرهم أن هناك بلاغاً طارئاً عن جريمة تزوير، واختطاف رضيعة، وتغيير نسب! أريد سيارة أمن أمام هذا الباب في ظرف عشر دقائق!" ارتجفت فريدة وصرخت بصوت بحه البكاء والذعر، وجثت عند قدمي أحمد وهي تمسك بطرف بنطاله: — "أحمد! أرجوك.. لا تفعل هذا! أنا زوجتك وأم بناتك الثلاث! أتريد أن تفضحنا أمام الصحافة وسوق العقارات؟ أتريد أن تراني خلف الأسرّة الحديدية في السجن؟ أعدك أنني سأصلح كل شيء، سأكتب كل أمل

  • سر في أحضان الثراء   الجزء الخامس: زلزال في العرش وانهيار الأقنعة

    ساد الصالون الفسيح صمتٌ مرعبٌ وثقيل، كأن الأكسجين سُحب فجأة من المكان. كانت الجدران المغطاة بالورق الفاخر والثريات الكريستالية الضخمة تعكس ذهول الوجوه المصدومة. وقعت كلمات فريدة كأنها مطرقة من حديد صلب هُشّم بها رأس كل من في القاعة، فتجمد الزمان وتوقفت الأنفاس. تراجع غالي خطوتين إلى الخلف، وكانت عيناه تتنقلان بين وجه أمه الشاحب كالموت وبين وجه والده أحمد الذي تحول إلى قناع من صخر. أخذ غالي يهز رأسه بنفي طفولي مذعور، وصوته يخرج يابساً مكسوراً كأنه يتوسل أن يكون ما سمعه مجرد كابوس: — "أمي.. ماذا تقولين؟ هل فقدتِ عقلكِ؟ عودي إلى وعيكِ أرجوكِ! أنا ابنكِ.. أنا غالي ابن أحمد بنجلون! كيف تقولين هذا الكلام وأمام من؟ أمام ياقوت وأمام أبي؟!" أما أحمد، فلم يتحرك إنشاً واحداً من مكانه. شحب وجهه كلياً، واختفت نبرة السلطة والشموخ التي اعتادها الجميع فيه. انخفضت حدقتاه إلى الأرض لثوانٍ، وكأنه يحاول استيعاب معنى أن تكون حياته بأكملها، وإمبراطوريته، وعاطفته الأبوية التي أفناها في هذا الشاب.. مجرد خديعة حبكتها المرأة التي شاركته فراشه لثلاثين عاماً. رفع أحمد عينيه ببطء، وكانت تشعان بحمرة من الغضب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status