Home / الرومانسية / سر في أحضان الثراء / الجزء الثاني: ليلة التبادل وصرخة في العتمة

Share

الجزء الثاني: ليلة التبادل وصرخة في العتمة

Author: Oum saif
last update Petsa ng paglalathala: 2026-09-02 07:46:56

الجزء الثاني: ليلة التبادل وصرخة في العتمة

مرت الأسابيع الثقيلة على فريدة كأنها أعوام. كان بطنها المنتفخ يحمل سرها الخطيئة، بينما كان أحمد يعاملها باهتمام مشوب بالصرامة والانتظار، لا يتوقف عن الحديث عن "الوريث" الذي سيحمل اسمه ويغير مجرى عائلته. وفي الخفاء، كانت الخادمة رحمة تحبك خيوط الخطة مع أختها في الحي الشعبي المنسي ضواحي الدار البيضاء، حيث يعيش العمال والكادحون تحت سقف الفقر والأنين.

في ذلك الحي، وفي بيت صغير جدرانه متآكلة وتسكنه الرطوبة، كانت "فاطمة" تجلس على الفراش القماشي المتهالك، تأن من أوجاع المخاض التي باغتتها قبل موعدها. بجانبها، كان زوجها المريض بالسل يستعل بالمورفين والسعال المتواصل، لا يملك في جيبه درهماً واحداً لشراء دواء أو استدعاء طبيب. دخلت رحمة وأختها إلى ذلك البيت كالظل، يحملن صرة مليئة بالمال الفاخر.. مال يكفي لانتشال العائلة من الفقر، وشراء أدوية للزوج، وبناء حياة جديدة في مدينة أخرى بعيدة.

كان العرض قاسياً كالموت، لكن الفقر المدقع والاحتضار جعل فاطمة وزوجها يوافقان بدموع حارقة واستسلام عاجز: إعطاء المولود الذكر فور ولادته، وأخذ المولودة الأنثى مع المبلغ المالي الضخم، والمغادرة فوراً دون ترك أي أثر.

في الليلة الموعودة، كانت السماء فوق الدار البيضاء تمطر بغزارة استثنائية، والرعد يزمجر في الأفق. في مصحة خاصة وفاخرة وسط المدينة، خضعت فريدة لعملية قيصرية طارئة بتدبير محكم من رحمة التي رشت طبيبة قابلة تسعى للمال. وفي نفس الساعة تقريباً، وفي غرفة مظلمة بالحي الشعبي، كانت فاطمة تضع مولودها الذكر.

تمت العملية بنجاح شيطاني؛ سُلمت الرضيعة الأنثى الحقيقية لفريدة إلى رحمة التي نقلتها وسط الأمطار إلى الحي الشعبي، وأعطتها لفاطمة مع الصرة المليئة بالمال، بينما أُخذ الرضيع الذكر الشاحب البنية، ووُضع في حضانة المصحة الفاخرة بجانب فريدة.

عندما أشرقت شمس الصباح، دخل أحمد إلى غرفة المصحة بخطوات متسارعة، وعيناه تتلمسان المهد الذهبي المزين. عندما رفعت القابلة الطفل وقدمته له قائلة: "مبروك يا سي أحمد.. ولد كالقمر!"، انهمرت دموع الرجل الصلب لأول مرة.

ضم أحمد الرضيع إلى صدره بقوة، واستنشق رائحته، وشعر بقشعريرة هزت أركانه. نظرت فريدة من فراشها بقلب يرتجف خوفاً ورعباً، وهي ترى زوجها يقبل جبهة الطفل ويقول بصوت خنقته العبرات:

— "سميتك غالي.. لأنك أغلى ما أملك في هذه الدنيا، وأنت سند اسمي وعرشي."

في تلك اللحظة، ولد رباط عاطفي جارف بين أحمد وهذا الطفل؛ رباط سيكبر مع السنين ليصبح غالي قطعة من روح أحمد، ويده اليمنى، ورفيقه الذي لا يفضّل عليه أحداً.

وفي المقابل، في أطراف المدينة، كانت فاطمة تبكي وهي تضم الرضيعة الصغيرة ذات العينين الخضراوات والشعر الأسود الداكن، وتطلق عليها اسم "ياقوت".. ياقوتة وُلدت في الثراء، لكن القدر ألقى بها في أحضان الفقر والكفاح.

الجزء الثالث: سنوات النمو وزهرة في الركام

مرت عشرون سنة كاملة. كبر الأطفال وتغيرت الملامح، ودفنت الخديعة تحت أتربة الزمن، لكن الأقدار كانت تغزل خيوطها بهدوء لتجمع الأرواح المشتتة.

في القصر الفاخر بـ "أنفا"، كبر غالي ليصبح شاباً وسيماً، يمتلك هيبة والده أحمد وحزمه، لكنه كان يتميز بقلب أرحم ونفس تواقة للعدالة. كانت العلاقة بين أحمد وغالي تدعو للذهول؛ فلم يكن غالي مجرد ابن للسي أحمد بنجلون، بل كان ظله ومستشاره الأول، يرافقه في كافة اجتماعات الشركة، ويأتمنه أحمد على أصغر وأكبر أسراره التجارية والشخصية. كان أحمد يرى فيه امتداداً لشبابه، بينما كانت الأم "فريدة" تعيش في رعب مكتوم كلما رأت أحمد يضم غالي، عالمةً أن هذا الحب العظيم سينقلب إلى بركان مدمّر لو انكشفت الحقيقة يوماً.

أما في حي "درب السلطان" الشعبي العريق بالدار البيضاء، كانت ياقوت قد كبرت لتصبح شابة رائعة الجمال، ذكية وعصامية. رغم وفاة الرجل الذي رباها وصراع والدتها فاطمة مع المرض، لم تستسلم ياقوت للفقر. كانت تدرس في كلية الاقتصاد والتدبير نهاراً، وتعمل في المساء بشركة صغيرة للخدمات لتعيل والدتها المريضة وتدفع مصاريف علاجها. كانت ياقوت تتميز بعزة نفس عالية وكرامة لا تتزحزح، تجعل كل من يرراها يشعر بأنها تنتمي إلى عالم آخر غير الأزقة الضيقة التي نشأت فيها.

في صباح يوم مطير، كان غالي يقود سيارته الفاخرة متجهاً إلى إحدى الشركات التابعة لإمبراطورية والده أحمد لحل مشكلة إدارية طارئة. وفي منتصف الطريق القريب من الحي الجامعي، تعطلت حافلة نقل عام، ونزلت منها ياقوت وهي تحمل أوراقها ومحفظتها، تحاول الاحتماء من المطر الغزير.

توقفت سيارة غالي فجأة عند الممر الحجري، وترجل منها ليعرض المساعدة بعدما رأى محفظة أوراقها تقع في البركة المائية. عندما التقت أعينهما لأول مرة، ساد صمت غريب، وكأن الزمن توقف؛ شعر غالي بنفضة غريبة في أعماق قلبه، وشعرت ياقوت بانجذاب غامض لا تفسير له، وكأن روحيهما تتعارفان من زمن بعيد جداً.

تبادلا كلمات قليلة، واعتذرت ياقوت بلباقة وعزة نفس رفعت بها رأسه ورفضت ركوب سيارته، مكتفية بشكره برقة أربكت الشاب الغني الذي اعتاد على تودد الجميع له.

طوال ذلك اليوم، لم تفارق صورة ياقوت وعيناها الخضراوان بال غالي، بينما كانت فريدة في القصر تجلس مع رحمة، تشعر بضيق مفاجئ في صدرها، وكأن هاتفاً يخبرهما بأن السر الذي حفظتاه عشرين عاماً بدأ يتسرب من تحت أقدامهما.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • سر في أحضان الثراء   الجزء العاشر: شباك العنكبوت ورقعة الشطرنج

    لم تكن ليلة الدار البيضاء هذه المرة ناعمة أو هادئة؛ بل كانت الأمطار الهائلة تسكب بؤساً متواصلاً على زجاج البرج الشاهق لشركة "بنجلون"، وكأن السماء تغسل خطايا القوم أو تشاركهم غضبهم المكتوم.في جناح الاجتماعات الخاص بالأب أحمد في الطابق العلوي، كان الضوء الخافت ينعكس على الخرائط العقارية والمجلدات المكدسة فوق الطاولة البيضاوية. جلس غالي بعد أن أسرع بالعودة من مدينة آسفي فور سماعه بضربة المحضر القضائي، وكانت ثيابه المشبعة برطوبة الطريق تجسد حجم الإرهاق والعناء، بينما كانت رائحة الملح والطين لم تفارقه بعد. بجانبه، كانت ياقوت تقف أمام لوحة زجاجية ضخمة، تمسك بقلم عريض وتخطط خطوط العلاقات المشبوهة بين شركات "المهدي بناني" والشركات الصورية التي يستخدمها لتبييض الأموال وتلفيق الديون المزورة.نظر غالي إلى ياقوت، وكانت نبرة صوته تحمل مزيجاً من التعب والامتنان الدفين:— "ياقوت.. الوثائق التي أتى بها المحضر القضائي إلى ورشتي في آسفي ليست مجرد أوراق ديون عادية. لقد نبشوا في أرشيفات البلدية القديمة، واستخرجوا عقداً مزوراً يعود لسنة 2005، يحمل توقيعاً محاكاة لتوقيع والدي المرحوم العربي. المهدي بناني

  • سر في أحضان الثراء   الجزء التاسع: حرب الشائعات وضربة الممر المظلم

    أشرقت شمس الدار البيضاء محملة بغيوم رمادية ثقيلة، تبث في الأجواء شعوراً بالترقب والمصير المجهول. أمام البرج الزجاجي الشاهق لشركة "بنجلون للعقارات والاستثمار"، كانت الحركة غير عادية؛ سيارات الفضوليين والمحطات الإعلامية تتراكم عند الرصيف، بينما يتناقل الموظفون بالهمس والغمز آخر الأنباء عن الصراع المحتدم بين أحمد بنجلون وخاله السابق المهدي بناني.ترجّلت ياقوت من السيارة المصفحة رفقة والدها. كانت ترتدي بدلة سوداء أنيقة ذات طابع عصري حاد، وضعت فيها لمسة من الوقار والكبرياء الشعبي. دخلت إلى البهو الفسيح برأس مرفوع وخطوات ثابتة، غير أبهة بالنظرات الفضولية التي تطاردها من كل زاوية.لكن في الطابق الثامن والعشرين، داخل قاعة الاجتماعات الكبرى ذات الطاولة البيضاوية الفاخرة، لم يكن الاستقبال مرحباً أبداً.كان أعضاء مجلس الإدارة يجلسون بوجوه متجهمة، وفي صدارتهم المهدي بناني الذي كان يحضر بصفته رئيساً لشركة حليفة ويمتلك نسبة من الأسهم. كان يبتسم ببرود وهو يطالع ملفات أعدها بعناية.جلس أحمد في رأس الطاولة، وأشار لياقوت بالجلوس عن يمينه، ثم قال بصوت حازم يقطع الوشوشات:— "أهلاً بكم يا سادة.. أعلن اليو

  • سر في أحضان الثراء   الجزء الثامن: حياكة الأفاعي وظلال انتقام جديد

    لم تكن قاعة الجلسات في المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء مجرد مكان لتطبيق العدالة، بل كانت مسرحاً صاخباً لتصادم الأحقاد. كانت رائحة الرطوبة وأوراق الملفات القديمة تمتزج بالتوتر الشديد الذي يملأ الأجواء.جلس الأب أحمد بنجلون بجانب ياقوت في الصف الأول للمقاعد الخشبية الصلبة. كان وجهه كقناع من صخر صلد، يتأمل اللاشيء، بينما كانت ياقوت تفرك أصابعها المرتجفة ببعضها البعض. ورغم محاولاتها إظهار الثبات، إلا أن تسارع أنفاسها كان يشي بالمعركة النفسية التي تخوضها. وعلى بعد مقعدين فقط، كان غالي يجلس بصمت مطبق، مرتدياً بدلة سوداء بسيطة خالية من أية مظاهر ترف، يعقد ساعديه وعيناه مشدوهتان نحو القفص الحديدي.في القفص، كانت "فريدة" تقف ببدلة السجن الرمادية الخشنة. زال عنها التكابر، وتساقطت مساحيق التجميل الفاخرة لتكشف عن وجه شاحب تجعدت أطرافه بفعل الذعر. بجانبها كانت الخادمة "رحمة" تصارع نوبة بكاء هستيرية وتغمغم بدعوات متقطعة، كأنها تحاول دفع المصير المحتوم.انفتح الباب الجانبي ودخلت هيئة المحكمة برئاسة القاضي، ليعمّ القاعة صمت كالمقابر. وقف الجميع باحترام، قبل أن يبدأ القاضي في تلاوة الحيثيات بصوت جهو

  • سر في أحضان الثراء   الجزء السابع: مواجهة مع الركام واسترجاع الهوية

    لم تكن شمس الصباح التالي على مدينة الدار البيضاء تشبه أي شمس أشرقت على قصر "أنفا" من قبل. كانت الممرات الرخامية، التي اعتادت أن تهتز لخطوات فريدة الحازمة وأوامرها الصارمة، تغرق في صمت كئيب وأشعة شاحبة تتسلل من الخلال العالية.داخل جناح المكتب الرئيسي لشركة "بنجلون للعقارات والاستثمار"، كان الأب "أحمد" يجلس خلف مكتبه الأبنوسي الضخم، لكنه لم يكن ينظر إلى الشاشات التي تعالي فيها مؤشرات الأسهم، بل كان يسند رأسه بين يديه المتعبتين. بجانبه، كانت تقف ياقوت بتردد، ترتدي ثوباً بسيطاً ولكن حضورها كان يفرض هيبة لا تخطئها العين، بينما كان غالي يذرع القاعة جيئة وذهابًا، وملامحه تحمل ثقل سنين من الذهول والانكسار.التفت أحمد نحو ياقوت، وانخفضت نبرته إلى دفء أبوي صادق:— "يا بنيتي.. من اليوم، لن تعودي إلى تلك الغرفة الصغيرة في المحمدية سوى لاصطحاب أغراضكِ. المحامي أتم إعداد وثائق إثبات النسب الرسمية، وبدأت الإجراءات القانونية لتسجيلكِ باسمي: ياقوت بنجلون. هذا حقكِ الشرعي والقانوني الذي حرمتِ منه طوال عشرين سنة، واليوم ستأخذين مكتبكِ هنا كشركة وشريكة أساسية في كل ما أملك."نظرت ياقوت إلى الأوراق المجه

  • سر في أحضان الثراء   الجزء السادس: ليلة السقوط والأصفاد الباردة

    لم يكن زلزال الحقيقة سوى بداية لانهيار هائل أخذ يعصف بأركان قصر "أنفا". ساد الصمت لثوانٍ معدودة، صمت خادع أشبه بالسكون الذي يسبق اقتلاع الأشجار في العواصف الهوجاء. كان أحمد يقف في منتصف الصالون، وتنفّسه العالي المتردد يملأ الأرجاء، بينما كانت فريدة منكمشة على الأريكة كالورقة اليابسة، ورحمة تختبئ خلف ستارة مخملية ثقيلة كأنها تحاول الهروب من المجهول. التفت أحمد بنظرته نحو سكرتيره الخاص الذي كان يدخل القصر حاملًا بعض الأوراق الدورية، وحين رأى منظر العائلة والدموع المنهمرة، توقف مذهولاً عند الباب. قال أحمد بصوت قاطع كالسيف، نبرة تحكمها القسوة المطلقة التي غيبت كل مشاعر الماضي: — "اتصل بالشرطة فوراً.. أخبرهم أن هناك بلاغاً طارئاً عن جريمة تزوير، واختطاف رضيعة، وتغيير نسب! أريد سيارة أمن أمام هذا الباب في ظرف عشر دقائق!" ارتجفت فريدة وصرخت بصوت بحه البكاء والذعر، وجثت عند قدمي أحمد وهي تمسك بطرف بنطاله: — "أحمد! أرجوك.. لا تفعل هذا! أنا زوجتك وأم بناتك الثلاث! أتريد أن تفضحنا أمام الصحافة وسوق العقارات؟ أتريد أن تراني خلف الأسرّة الحديدية في السجن؟ أعدك أنني سأصلح كل شيء، سأكتب كل أمل

  • سر في أحضان الثراء   الجزء الخامس: زلزال في العرش وانهيار الأقنعة

    ساد الصالون الفسيح صمتٌ مرعبٌ وثقيل، كأن الأكسجين سُحب فجأة من المكان. كانت الجدران المغطاة بالورق الفاخر والثريات الكريستالية الضخمة تعكس ذهول الوجوه المصدومة. وقعت كلمات فريدة كأنها مطرقة من حديد صلب هُشّم بها رأس كل من في القاعة، فتجمد الزمان وتوقفت الأنفاس. تراجع غالي خطوتين إلى الخلف، وكانت عيناه تتنقلان بين وجه أمه الشاحب كالموت وبين وجه والده أحمد الذي تحول إلى قناع من صخر. أخذ غالي يهز رأسه بنفي طفولي مذعور، وصوته يخرج يابساً مكسوراً كأنه يتوسل أن يكون ما سمعه مجرد كابوس: — "أمي.. ماذا تقولين؟ هل فقدتِ عقلكِ؟ عودي إلى وعيكِ أرجوكِ! أنا ابنكِ.. أنا غالي ابن أحمد بنجلون! كيف تقولين هذا الكلام وأمام من؟ أمام ياقوت وأمام أبي؟!" أما أحمد، فلم يتحرك إنشاً واحداً من مكانه. شحب وجهه كلياً، واختفت نبرة السلطة والشموخ التي اعتادها الجميع فيه. انخفضت حدقتاه إلى الأرض لثوانٍ، وكأنه يحاول استيعاب معنى أن تكون حياته بأكملها، وإمبراطوريته، وعاطفته الأبوية التي أفناها في هذا الشاب.. مجرد خديعة حبكتها المرأة التي شاركته فراشه لثلاثين عاماً. رفع أحمد عينيه ببطء، وكانت تشعان بحمرة من الغضب

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status