Share

الفصل ١

last update publish date: 2026-07-31 12:56:40

لم يخطر ببالها يوماً أن السعادة يمكن أن تدنو

منها إلى هذا الحد، وتغمر روحها بمسحة

من الأمان الدافئ..

تماماً كما لم تتخيل أن هذا الحلم يمكن

أن يتحطم في كسر من الثانية،

ليتلاشى كدخان في مهب الريح.

وقفت فريدة أمام المرآة الصغيرة المثبتة

في زاوية غرفتها المتواضعة، وكانت يداها

المرتعشتان تمرران أصابعهما برفق مفرط

فوق قطعة القماش الناعم الذي يغلف فستان

الزفاف المعلق بجوار النافذة. كانت أشعة الصباح الذهبية

تتسلل بخجل عبر شقوق الستائر القديمة

البالية، فتنعكس على تفاصيل الفستان

وتمنحه بريقاً ساحراً يشبه الحكايات

الخيالية التي طالما قرأت عنها

. ابتسمت من أعماق قلبها، وشعرت برغبة

عارمة في الطيران، فأخذت تدور في الغرفة

بسعادة طفولية غامرة وهي تردد :

- بعد أسبوع واحد فقط.. أسبوع واحد لا غير

، وسأصبح زوجته أمام العالم.

ثماني سنوات كاملة مرت منذ أن خطت

أقدام أمجد عاشور حياتها؛ ثماني سنوات لم تكن

مجرد أرقام في رزنامة الأيام، بل كانت

بالنسبة لفريدة عمراً بأكمله، وتاريخاً

أُعيدت كتابته من أجله. لم يكن أمجد

مجرد رجل أحبته بصدق، بل كان العائلة

البديلة التي افتقدتها بعد رحيل جدتها

، والأمان المطلق الذي بحثت عنه طويلًا

في دروب الحياة القاسية، والمستقبل المشرق

الذي ظلّت ترسم ملامحه وتفاصيلهُ

في خيالها كل ليلة قبل أن تنام.

رفعت هاتفها المحمول بلهفة، وتأملت

صورته المبتسمة التي تزيّن شاشة القفل.

دقات قلبها تسارعت بحب جارف

، وهمست بنبرة دافئة ملؤها اليقين:

— "أسبوع واحد فقط يا أمجد...

وبعدها لن يفترق طريقنا أبداً."

أخذت نفساً عميقاً يملأ صدرها بالراحة

، ثم حركت إبهامها فوق الشاشة لتتصل به

وتسمع صوته الذي يبدأ به يومها. لكن...

، قبل أن تضغط على اسمه، اهتز الهاتف

بين يديها معلناً عن اتصال وارد منه.

اتسعت ابتسامتها ، وضغطت على زر الإجابة

بسرعة فائقة وهي لا تزال تدور حول نفسها

بخفة ونشاط:

— "كنت على وشك الاتصال بك حالا!"..

تابعت بنبرة تتدفق دلالاً:

"صباح الخير أيها الوسيم.. تذكر أن جدولنا حافل

اليوم، فعلينا الذهاب معاً لالتقاط صور الزفاف."

لكن الرد لم يأتِ.

ساد صمت مطبق ومريب لثوانٍ معدودات،

شعرَتْ خلالها وكأن الهواء قد تجمد في خطوط

الهاتف. أبعدت فريدة الهاتف عن أذنها قليلاً،

ونظرت إلى الشاشة لتتأكد من أن الاتصال

لا يزال قائماً ولم ينقطع خط الشبكة.

أعادته إلى أذنها بترقب، ثم جاء صوته أخيراً..

صوتاً غريباً، بارداً كالجليد، موحشاً

وكأنه يحمل فوق صدره جبالاً من الثقل والتباعد

— "فريدة.."

تجمدت الابتسامة على شفتيها، وشعرت

بوخزة خفيفة في قلبها، فقالت بنبرة حاولت

جعلها طبيعية:

— "ما الأمر يا أمجد؟ صوتك غريب"

تنفس الطرف الآخر ببطء شديد، وزفر

زفرة مثقلة بالبرود الحاد الذي يقطع الأنفاس

، ثم قال بجفاء :

— "لن نستطيع إتمام هذا الزواج يا فريدة."

ضحكت فريدة بعفوية:

— "أمجد.. أرجوك لا تبدأ يومك بهذه المزحات

السخيفة منذ الصباح الباكر! لدينا الكثير من الأمور

والترتيبات التي يجب علينا الانتهاء منها اليوم."

لكن الصمت عاد ليزداد ثقلاً، صمت يحمل

في طياته نذير شؤم. قال أمجد بعدها بنبرة خاوية

تماماً من أي مشاعر، نبرة جافة جردت ثماني

سنوات من كل دفقاتها:

— "أنا لا أمزح يا فريده ."

في تلك اللحظة، شعرت فريدة بشيء بارد

للغاية يسري في عروقها، كأن دماءها

تحولت إلى صقيع. ارتعشت أصابعها حول

الهاتف حتى كاد يسقط منها، ونطقت بصوت يرتجف:

— "ماذا.. ماذا تقصد بذلك؟"

هنا، نطق أمجد بالجملة التي كانت بمثابة

خنجر مسموم مزق عالمها كله، وهدم صرح

أحلامها في ثانية واحدة:

— "سأتزوج أختكِ جيلان."

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (2)
goodnovel comment avatar
رغد الشيباني
شكرا لك على كلماتك التشجيعيه
goodnovel comment avatar
دعاء السبكى
قصه رائعه استمرى
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • سرقت اختي خطيبي فاصبحت الكابوس الذي يطاردهم    الفصل ٥٧

    نظر إليه مروان باهتمام،:— ماذا هناك؟ ما الأمر ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه كاظم — أعتقد أن هذا الخبر بالذات سيسعد قلبك ا، وسيخفف عنك الكثير.تغيرت ملامح العجوز فجأة، وانقشعت غيوم الحزن جزئياً لتحل محلها نظرة ترقب وفرحة طفيفة:— هل يعقل ؟ هل اخترت أخيرًا عروسًا لك من بين تلك الفتيات وبنات العائلات الراقية اللواتي أرسلت لك صورهن وملفاتهن الشخصية هذا الأسبوع ؟ابتسم كاظم :— لقد اخترت عروسًا بالفعل.ثم أضاف ببرود :— لكنها... ليست واحدة من تلك القائمة، ولا تنتمي لأي من تلك الملفات.مط مروان شفتيه بامتعاض وعدم رضا ضارباً بعصاه الأرض:— وهل تعجبك حقاً وتليق بمقامك ومقام عائلتك ؟ أم أنه اختيار طائش؟رد كاظم بثقة — نعم، تعجبني كثيرا .تساءل العجوز بنبرة فاحصة:— وهل هي فتاة حسنة السلوك والسمعة ؟ ومن هي عائلتها ؟أجاب كاظم :— سأحضرها إلى هنا قريبًا جداً، وستجلس معها وتتعرف عليها وتحكم عليها بنفسك.أومأ مروان برأسه ، وبدا أنه بدأ يتقبل الفكرة رغبة منه في رؤية أحفاد يحملون اسمه:— حسنًا، هذا منصف. أحضرها في أسرع وقت ممكن حتى نلتقي بها ونبدأ فوراً في ترتيبات عقد القران والزفاف

  • سرقت اختي خطيبي فاصبحت الكابوس الذي يطاردهم    الفصل ٥٦

    في وسط هذه الغرفة الحزينة، وقف مروان الرويعي بجسده المائل بفعل السنين. كان العجوز يحدق في إحدى الصور بعينين حمراوين ممتلئتين بالدموع، وقد كتم غصته وأخفى انكساره بصعوبة بالغة أمام الجدران.راقبه كاظم لثوانٍ معدودة من عند الباب، وشعر بوخزة في صدره. ثم قرر في داخله أن يترك كل خلافاته العميقة مع جده جانبًا، ولو لبضع ساعات. فهذا اليوم ليس يوم العتاب وتصفية الحسابات القديمة؛ إنه ذكرى موت والده ووالدته، اليوم الذي انقسمت فيه حياته إلى نصفين.شعر مروان بحركة خفيفة ، فاستدار ببطء شديد مستندًا على عصاه. وحين وقعت عيناه على كاظم، ارتجفت ملامحه الصارمة قليلًا، وظهرت عليه علامات المفاجأة.قال بصوت متحشرج ومتهدج من أثر البكاء المكتوم:— هل قررت أخيرًا زيارة جدك العجوز في هذا اليوم تحديداً يا كاظم؟ أم أن المصادفة هي ما أتت بك؟تقدم كاظم خطوة إلى الأمام :— وهل يهتم جدي العظيم حقًا بغيابي أو وجودي ؟ لقد اعتدت أن ترتب كل شيء في غيابي وكأنني غير موجود.انخفضت عينا مروان المتعبتان للأرض للحظة، وشعر بثقل الكلمات. ثم قال بنبرة يملؤها الأسف والأسى:— هل ما زلت تريد إشعاري بالذنب وجلدي بكلما

  • سرقت اختي خطيبي فاصبحت الكابوس الذي يطاردهم    الفصل ٥٥

    قاد كاظم سيارته عبر الطريق المؤدي إلى قصر الرويعي التاريخي. كانت ملامحه جامدة كالصخر ، وعيناه مثبتتين على الطريق الإسفلتي ، بينما تتسارع الأفكار في رأسه لتضاهي سرعة المحرك. كان القصر ينتصب خلف بواباته الحديدية الضخمة المطليّة باللون الأسود. تلك الجدران لم تكن مجرد حجر، بل كانت الخزانة الحية التي شهدت أسرار عائلة الرويعي، صراعاتها، صعودها، وانكساراتها لعقود طويلة. ما إن عبر كاظم البوابة الداخلية واصطفّت سيارته ، حتى وجد عماد في انتظاره كالعادة. كان عماد المساعد الشخصي لجده ، والرجل السري الذي بقي مشتبكًا مع عائلة الرويعي لأكثر من خمسين عامًا. لم يكن في نظر أحد مجرد خادم أو موظف مأجور، بل كان الصندوق الأسود ، وأحد أكثر الأشخاص معرفة بأعمق أسرار العائلة وأكثرها خطورة. تقدم عماد نحو السيارة بخطوات ، وقال بنبرة هادئة وخفيضة تحمل تحذيرًا مبطنًا وواضحًا: — سيد كاظم... أرجوك، لا تغضبه اليوم. هذا اليوم ليس كباقي الأيام ، إنه عصيب وحزين عليه للغاية ، ونبضه لم يعد يحتمل الكثير. زفر كاظم بضيق شديد ، وخرجت أنفاسه حارة في الهواء البارد، ثم قال بمرارة : — أل

  • سرقت اختي خطيبي فاصبحت الكابوس الذي يطاردهم    الفصل ٥٤

    في تلك الأثناء، وداخل المقر الرئيسي والضخم لمؤسسة الرويعي، دلف كاظم بخطواته الثابتة والمهيبة إلى مكتبه الشاسع ذي الإطلالة الزجاجية الساحرة. نهضت السكرتارية فوراً وحيّته باحترام شديد قائلة:"أهلاً بك يا سيد كاظم.. هل تريد مني أن أتلو عليك مواعيد وجدول أعمال اليوم ؟" رد كاظم : "لا.. أرسلي لي كريم إلى المكتب أولاً." أومأت السكرتارية برأسها مطيعة ، ثم خرجت لتنفيذ الأمر.بعد قليل، دخل كريم وهو يحمل بين يديه حزمة كبيرة من الملفات والصور الشخصية، وقال وهو يبتسم بتهكم وسخرية: "ثمرة اليوم وصلت للتو من قصر الجد مروان الرويعي ، ومعها رسالة تحذيرية شديدة اللهجة ؛ يخبركِ فيها العجوز أنك ستختار إحدى هؤلاء الفتيات للزواج منها هذه المرة ، ولن تلقي بملفاتهن في القمامة كالسابقات ، وإلا فإنه سيختار العروس بنفسه ويجبرك على الزواج منها رغماً عن أنفك." امتدت يد كاظم القوية وسحبت تلك الملفات والصور من يد كريم ، ودون أن ينظر إليها لثانية واحدة ، ألقى بها جميعاً في سلة المهملات المجاورة لمكتبه وقال ببرود:"لن أنظر إليها حتى." رد كريم بسخط وقلق شديد: "كاظم! الجد مروان أب

  • سرقت اختي خطيبي فاصبحت الكابوس الذي يطاردهم    الفصل ٥٣

    أخذت ريم نفسًا عميقًا قبل أن تقول: — منذ سبع سنوات، وقع حادث تصادم مروع على أحد الطرق السريعة خارج المدينة. في ذلك الحادث توفي مؤمن الرويعي وزوجته نادية ، وابنهما الوحيد كاظم. تجمدت فريدة.— ابنهم الوحيد ؟ أومأت ريم. — نعم. كاظم كان الابن الوحيد لمؤمن الرويعي ، وكان مؤمن نفسه الابن الوحيد والوريث الشرعي لعميد عائلة الرويعي ، مروان الرويعي. ابتلعت فريدة ريقها.و قالت :- هل انت متاكده نظرت ريم إليها باندهاش . — بالطبع. الحادث كان معروفًا للجميع ، والجنازة كانت من أكبر الجنازات التي شهدتها المدينة في ذلك الوقت. ثم أضافت: — بل أنني حضرت مراسم الجنازة مع عائلتي . كان عمري أصغر وقتها ، لكن المشهد لا يزال عالقًا في ذاكرتي. شعرت فريدة بقشعريرة تسري في جسدها. قالت بصوت منخفض: — إذًا... الرجل الذي يعيش معي الآن ليس كاظم الحقيقي. — هذا ما أحاول أن أخبركِ به. أمسكت ريم هاتفها وبدأت تعبث به دون أن تفتحه. — وبعد وفاة مؤمن وزوجته وابنه، أصبحت الأمور داخل عائلة الرويعي أكثر تعقيدًا. رفعت فريدة عينيها إليها— كيف ذلك ؟ ردت ريم — لأن مروان الرويعي بقي على رأس العائلة ،

  • سرقت اختي خطيبي فاصبحت الكابوس الذي يطاردهم    الفصل ٥٢

    نظرت فريدة إلى ريم بعينين متسعتين ، وكأن عقلها يرفض استيعاب الكلمات التي سمعتها للتو. كان وجهها قد شحب تمامًا ، وأصابعها ما تزال ترتجف فوق حافة الطاولة. قالت بصوت متقطع: — ماذا تقولين يا ريم ؟ كيف حدث ذلك ؟ ومن أخبركِ بهذه القصة ؟ ولماذا تعرفين أنتِ بالذات هذه المعلومة الخطيرة عن كاظم وعائلته ؟ أمسكت ريم بيديها محاولة تهدئتها ، ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا: — أولًا، عليكِ أن تهدئي تمامًا. لن يفيدنا الذعر الآن ، وسأخبركِ بكل ما أعرفه . اشربي بعض الماء أولًا. ناولتها ريم كوبًا كان على الطاولة . أخذته فريدة بيد مرتعشة ، وجرعت منه قليلًا ، لكنها لم تستطع إخفاء اضطراب أنفاسها. وضعت الكوب أمامها ببطء ، ثم رفعت عينيها إلى ريم. سألتها ريم: — هل هدأتِ الآن قليلًا ؟ حدقت فريدة فيها بعدم تصديق. — بالطبع لا ! كيف لي ان أهدأ وأنا أكتشف أن الرجل الذي تزوجته يحمل اسم شخص ميت منذ سبع سنوات الا يكفي انه زعيم لمافيا او عصابه ما ؟ تنهدت ريم ، ثم ضربت يد فريده بغيظ وهي تقول بضيق: — بالطبع لن تهدئي ! كيف تفعلين هذا بنفسك يا فريدة ؟! أنتِ لم تكتفي بخيانة أمجد لكِ بعد ان قض

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status