LOGIN
القاعة التي كانت منذ دقائق تفوح بعطر
الورد الفاخر، تحولت الآن إلى ساحة حرب مصغرة تعمها الفوضى المطلقة. أصوات الصراخ الحادة تمزق بقايا الموسيقى الكلاسيكية التي توقفت فجأة مخلفة طنيناً موحشاً ، الكؤوس الكريستالية المهشمة تتناثر شظاياها اللامعة كقطع ألماس رخيصة على الأرضية الرخامية الباردة، ونظرات الحاضرين المتصلبة تتأرجح بين صدمة عارمة شلت الألسن، وشماتة حاقدة يداريها البعض خلف الأيدي المرفوعة على الأفواه بداعي القلق المصطنع. وسط هذه المعمعة والصدمة الجماعية، كانت هناك شجارات جانبية صاخبة قد نشبت بالفعل بين أقارب العائلتين ، وجلبة عارمة لا تهدأ تكبر ككرة ثلج. وحدي كنت أقف هناك. في تلك الزاوية البعيدة، المنعزلة، المظلمة نوعاً ما، بعيداً عن الأضواء الكاشفة التي كانت مسلطة عليّ لأيام . بثبات شديد لا يتزعزع، وبرود جليدي لا يليق أبداً بحجم الكارثة المحيطة بي ، وسلام داخلي عميق لم أختبر طعمه منذ سنوات طويله ، كنت أراقب المشهد المتهاوي أمام ناظريّ. ارتسمت على شفتيّ ابتسامة هادئة، دافئة، وربما ممتلئة بسعادة حقيقية ونصر عزيز لم يستوعبه أحد ممن رمقوني بنظرات الشفقة والازدراء في عيونهم قبل قليل قلت في نفسي، وأنا أراقب جيلان وهي تنهار ببكائها الهستيري وتمزق فستان خطوبتها المخملي ، وأمجد الذي تآكلت هيبته الزائفة بالكامل أمام الجميع وتحول كبرياؤه إلى غبار: "أنا أقف تماماً في الزاوية التي حددوها لي بكل قسوة.." لطالما اعتقدت دائماً وآمنت في أعماقي أن الفوضى هي أصل كل الأشياء، ومن ركامها وحده يُعاد ترتيب العالم المائل . نعم.. أنا فريدة الشناوى.. ومن دون أي شعور بالذنب، من تسببت بهذا الخراب الشامل في حفل خطوبة أختي غير الشقيقه ! أرجوكم لا تحكموا عليّ سريعاً بالقسوة أو الشر. ربما يجب أن أحكي لكم الحكاية من البداية.. .اممم. ولكن، أي بداية يمكن أن أبدأ بها في متاهة كهذه؟ فالوفاء والخيانة، الحب الطاهر والغدر الخسيس، كلها تدور في فلك واحد غامض . البداية ما هي إلا نقطة من نقاط الدائرة اللانهائية، وجميع نقاط الدائرة تصلح لأن تكون بداية للوجع. حسنا.. حسناً، سأبدأ معكم من ذلك اليوم الذي تلاشت فيه غشاوة المغفلة الساذجه عن عينيّ، ورأيت الأمور على حقيقتها العارية. ذلك اليوم الذي قررت فيه صراحة ألا أكتفي بدفع الثمن، وألا ألعب دور "سندريلا " الضحية في هذه الحكاية البائسة. لن أنتظر مجدداً في الزاوية الباكية المظلمة حتى يأتي أميري على حصانه الأبيض ليحقق العدالة لي، أو ينصفني من ظلم ذوي القربى الذين باعوني بلا ثمن.ها أنا ذا اليوم.. أقف بكبرياء في ذات الزاوية التي أرادوا نفيي إليها وسجني في عتمتها، لكنني لا أبكي ولا أستجدي عطفاً.. بل أحقق عدالتي بيدي! نظرتُ بثقة إلى الوشاح الأسود الصغير في يدي، ، ثم رفعت بصري إلى شاشة العرض الكبرى في منتصف القاعة و التي كانت منذ قليل تعرض صوراً "رومانسية" ل جيلان و أمجد مليئة بالوعود الكاذبة، قبل أن تتحول إلى مسرح الفضيحة الأكبر والأكثر تدميراً في تاريخ العائلتين. التقت عينا أمجد بعينيّ يتوسل وسط تلك الفوضى العارمة، كان يدور حول نفسه ويبحث يائساً عن طوق نجاة أو مخرج يحفظ ماء وجهه ، لكنه لم يجد في نظراتي الثابتة سوى الرماد البارد الذي خلفه حريقي الإنتقامي. التفتُّ بهدوء وثقة،و اتسعت ابتسامتي ثم عدّلتُ من وضع فستاني الأسود الراقي ، ومشيتُ بخطوات واثقة، متزنة، غادرت بها القاعة ، تاركة خلفي النيران المستعرة تأكل كل شيء بنهم.. خرجت وانا مستعد تماماً وبكل جوارحي للخطوة التالية. الي كل من اثرت انتباهه ربما ترحل معي الي ذلك اليومكانت الغرفة التي خصصها لها كاظم في غاية الجمال والرقي ، جدرانها مغطاة بورق حائط حريري بلون كريمي دافئ ، وفي منتصفها يربض فراش وثير وضخم ذو أعمدة خشبية محفورة ببراعة ، تتدلى منها ستائر شيفون بيضاء ناعمة. الثريا الكريستالية المعلقة في السقف تطلق إضاءة خافتة ومريحة ، بينما افترشت الأرضية بساطاً عتيقاً يحمل نقوشاً يدوية نادرة وثمينة.تقدم كاظم نحو خزانة الملابس الخشبية الواسعة الممتدة على طول الجدار ، وفتح ضفتيها ببطء وهو يشير إلى ما بداخلها قائلاً بنبرة هادئة:"لقد أحضرتُ لكِ بعض الملابس الجديدة هنا.. أتمنى أن تناسب ذوقكِ الخاص."نظرت فريدة إلى محتويات الخزانة بدهشة ، وقالت :"ولماذا فعلت ذلك ؟ وما الداعي كنت ساحضر ملابسي غدا ؟"التفت إليها كاظم وثبّت نظراته في عينيها و قال:- :"أنتِ زوجتي الآن يا فريدة ، ومن الطبيعي جداً أن أهتم بكِ وبكل شؤونكِ."فتحت فريدة فمها بغيظ لترد عليه بكلمات حارقة وتذكره بحدود صفقتهم، إلا أنه قاطعها قبل أن تنطق بحرف ، مائلاً برأسه قليلاً وسألها بمكر:"أم أنكِ.. لا تريننا كزوجين حتى الآن ؟"ابتلعت فريدة كلماتها النارية التي كانت تنوي التفوه بها
ارتجف جسد فريدة بالكامل، واندفعت الكلمات من بين شفتيها بنبرة توسل مرعوبة:"أرجوك! لا تفعل ذلك ب ريم! حسناً.. سأبقى، وسأكمل العقد معك كما اتفقنا!"تظاهر كاظم بالتفكير والتردد، و تراجع خطوة وقال ببرود متقن:"أنا آسف.. العقد انتهى بيننا تماماً. أنا رجل ألتزم بكلمتي، وأنتِ ترين الآن أنني ورطتكِ في عملية احتيال وتزوير هوية لا تليق بكِ.. لقد تم فُسخ الاتفاق."قالت فريدة بسرعة فائقة وهي تحاول استعطافه:"لا.. لم تورطني في شيء! وحتى إذا فعلتَ ذلك، أنا أتقبل الأمر بكامل إرادتي ! أرجوك.. فقط لا تؤذِ ريم !"رد كاظم ملوحاً بيده بلامبالاة مصطنعة:"ولكنني لا أستطيع إجباركِ على البقاء هنا.. طوال حياتي لم أُجبر امرأة قط على فعل شيء لا ترغب فيه."رفعت فريدة حاجبها الأيسر برغم رعبها ، وقالت بنبرة لاذعة خافتة:"بالطبع لا تجبرهم.. أنت تقتلهم فقط دون مقدمات!"تظاهر كاظم بالغضب الشديد ، وضيق عينيه قائلاً بجفاء:"لأنكِ سيئة الظن بي دائماً ، وتتهمينني بالوحشية.. أنا لا أريد إكمال هذا العقد. ارحلي من هنا الآن، ، أرجوكِ."تشبثت فريدة بقميصه وقالت بإصرار مستميت:"لن ارحل! وسأفعل أي شيء تطلبه مني ف
حاولت فريدة استجماع شتات شجاعتها وسط حصاره الطاغي لها ، وقالت بنبرة حاولت جعلها حازمة:"حسناً يا سيدي .. ربما يجب علينا أن نضيف شروطاً جديدة ومشددة لهذا العقد بيننا ."تراجع كاظم خطوة للخلف ، تاركاً خصرها ببطء،، ثم رفع حاجبه الأيسر وتفرس في ملامحها متسائلاً ببرود:"ولماذا قد أفعل ذلك ونعدل الاتفاق،يا فريدة ؟ لقد اتفقنا ووقعنا العقود بالفعل هذا الصباح.. أم أنكِ تبحثين عن حيلة الآن للتهرب من دفع نسبتي من أموال الوصية ؟"ردت فريدة بغيظ وضيق شديد وهي تربع ذراعيها امام صدرها :"ولكن يا سيدي أكاذيبك وهويتك المفبركة ستجعلني لا أحصل على سنت واحد من تلك الوصية ! إذا اضطررنا للذهاب إلى المحكمة لفتح التركة ، ربما يكتشف القاضي والمحامون فوراً أن عقد الزواج هذا مزيف كلياً!"نظر إليها كاظم باندهاش وابتسامة خفيفة تداعب شفتيه وقال:"ولكن عقد الزواج الذي في يدكِ موثق وليس مزيفاً يا فريدة الم نذهب معا و قمنا بالإجراءات هذا الصباح ."صاحت فريدة بنبرة مشحونة بالخوف والإنكار:" نعم فعلنا ولكن هوية العريس نفسها مزيفة،! أخبرني .. كيف أكون متزوجة قانوناً من رجل مات وقُتل في حادث منذ سبع
فتحت فريدة باب الفيلا باستخدام نسختها من المفتاح ، ودخلت بخطوات حذرة ، وقلبها يخفق بعنف.وهي تتذكر حديثها مع ريم ألقت نظرة سريعة على الردهة والصالون ثم هتفت سيد كاظم لقد عدت هل انت بالمنزل لم ياتيها رد هتفت مره اخري لم ياتي رد ايضا ، تنفست براحة عندما تأكدت من أن كاظم لم يعد بعد من الخارج .شعرت براحه في قلبها و قالت بهمس :- هذه فرصه ربما لن تعود لابد من استغلالها جيدا فمنذ أن أخبرتها ريم أن كاظم الرويعي الحقيقي مات منذ سبع سنوات ، لم يتوقف عقلها عن طرح الأسئلة. من يكون هذا الرجل الذي تزوجته،؟ ولماذا انتحل هوية رجل ميت ؟ وما علاقته الحقيقية بعائلة الرويعي،؟و الان هل زواجهم يعتبر باطل و هل تكون شريكته في الجريمه عندما يكتشف انه مزور و انه تزوجها باسم رجل اخر و ماذا عن وصيه الجده اذا لجأت الي المحاكم سينفضح امر التزوير عليها ان تحل الامر مع ابيها دون الحاجة للمحاكم قررت أن تبحث بنفسها عن الإجابات و عن هويه هذا الرجل الحقيقية تناست تمامًا تحذيرات كاظم، واتجهت إلى مكتبه الموجود في الطابق السفلي. فتحت الباب ببطء، ، ثم دخلت وأغلقته خلفها.كان المكتب منظمًا بصورة مثا
نظر إليه مروان باهتمام،:— ماذا هناك؟ ما الأمر ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه كاظم — أعتقد أن هذا الخبر بالذات سيسعد قلبك ا، وسيخفف عنك الكثير.تغيرت ملامح العجوز فجأة، وانقشعت غيوم الحزن جزئياً لتحل محلها نظرة ترقب وفرحة طفيفة:— هل يعقل ؟ هل اخترت أخيرًا عروسًا لك من بين تلك الفتيات وبنات العائلات الراقية اللواتي أرسلت لك صورهن وملفاتهن الشخصية هذا الأسبوع ؟ابتسم كاظم :— لقد اخترت عروسًا بالفعل.ثم أضاف ببرود :— لكنها... ليست واحدة من تلك القائمة، ولا تنتمي لأي من تلك الملفات.مط مروان شفتيه بامتعاض وعدم رضا ضارباً بعصاه الأرض:— وهل تعجبك حقاً وتليق بمقامك ومقام عائلتك ؟ أم أنه اختيار طائش؟رد كاظم بثقة — نعم، تعجبني كثيرا .تساءل العجوز بنبرة فاحصة:— وهل هي فتاة حسنة السلوك والسمعة ؟ ومن هي عائلتها ؟أجاب كاظم :— سأحضرها إلى هنا قريبًا جداً، وستجلس معها وتتعرف عليها وتحكم عليها بنفسك.أومأ مروان برأسه ، وبدا أنه بدأ يتقبل الفكرة رغبة منه في رؤية أحفاد يحملون اسمه:— حسنًا، هذا منصف. أحضرها في أسرع وقت ممكن حتى نلتقي بها ونبدأ فوراً في ترتيبات عقد القران والزفاف
في وسط هذه الغرفة الحزينة، وقف مروان الرويعي بجسده المائل بفعل السنين. كان العجوز يحدق في إحدى الصور بعينين حمراوين ممتلئتين بالدموع، وقد كتم غصته وأخفى انكساره بصعوبة بالغة أمام الجدران.راقبه كاظم لثوانٍ معدودة من عند الباب، وشعر بوخزة في صدره. ثم قرر في داخله أن يترك كل خلافاته العميقة مع جده جانبًا، ولو لبضع ساعات. فهذا اليوم ليس يوم العتاب وتصفية الحسابات القديمة؛ إنه ذكرى موت والده ووالدته، اليوم الذي انقسمت فيه حياته إلى نصفين.شعر مروان بحركة خفيفة ، فاستدار ببطء شديد مستندًا على عصاه. وحين وقعت عيناه على كاظم، ارتجفت ملامحه الصارمة قليلًا، وظهرت عليه علامات المفاجأة.قال بصوت متحشرج ومتهدج من أثر البكاء المكتوم:— هل قررت أخيرًا زيارة جدك العجوز في هذا اليوم تحديداً يا كاظم؟ أم أن المصادفة هي ما أتت بك؟تقدم كاظم خطوة إلى الأمام :— وهل يهتم جدي العظيم حقًا بغيابي أو وجودي ؟ لقد اعتدت أن ترتب كل شيء في غيابي وكأنني غير موجود.انخفضت عينا مروان المتعبتان للأرض للحظة، وشعر بثقل الكلمات. ثم قال بنبرة يملؤها الأسف والأسى:— هل ما زلت تريد إشعاري بالذنب وجلدي بكلما







