تسجيل الدخولتوقفت الأصوات من حولها فجأة، وصمت الكون
في عينيها. لم تعد فريدة تسمع ما يتدفق من فم أمجد من مبررات واهية أو كلمات باردة تحاول ترميم ما لا يمكن إصلاحه . توقفت الأنفاس في صدرها الضيق، وشعرت بثقل داكن يجعل الدنيا كلها تكف عن الدوران ، وبأن الأرض الصلبة تميد وتتحرك تحت قدميها المرتجفتين ومن فرط الصدمة التي شلت أركانها ، انزلقت الكأس الزجاجية من يدها الأخرى دون أن تشعر بفقدانها. ارتطمت بالأرض بقوة أحدثت دويًا مرعبًا في الصمت المطبق ، وتناثرت شظاياها الحادة في كل اتجاه، لتخترق إحداها جلد قدمها العارية . لكنها لم تنتبه لألم الجسد، ولم تبالِ بقطع الزجاج المتناثرة، ولا بالدماء الدافئة التي بدأت تلوث الأرضية البيضاء. كانت تحدق أمامها بعينين فارغتين، غائمتين ومسلوبتي الحياة، وكأن عقلها الواعي يرفض بشكل قاطع تصديق واستيعاب ما استمعت إليه أذنها للتو. همست بصعوبة بالغة، وصوتها يخرج مخنوقاً ومتهدجاً كأنه آتٍ من قاع بئر عميق ومظلم: — "ماذا دهاك يا أمجد؟ أرجوك.... أخبرني ماذا قلت للتو؟ لا يمكن أن يكون هذا ما تقصده حقًا!" كرر جملته ببرود جليدي، وبنبرة ميتة مليئه بلا مبالاة فيها بتمزق روحها: — "لقد فكرت في الأمر مليًا يا فريدة، ووجدت أن جيلان هي الأنسب تمامًا لتكون زوجتي وشريكة حياتي المقبلة." تحول انكسار فريدة المفاجئ في لحظة واحدة إلى بركان ثائر من الغضب الممتزج بالقهر والظلم، فصرخت بصوت مكسور ومبحوح يملأ أركان الغرفة: — "حقاً؟! هل اكتشفت هذا الأمر الآن فقط بعد كل ما كان بيننا؟! بعد ثماني سنوات كاملة ؟!" خرج السؤال من أعماقها كأنما ينتزع روحها مع كل حرف ينطق به لسانها. أجاب أمجد بعد تردد قصير، محاولاً إخفاء ارتباكه خلف قناع من الرزانة المزيفة: — "فريدة، أرجوكِ منكِ أن تتفهمي الأمر بعقلانية وبعيدًا عن العواطف؛ هذا القرار هو الأفضل لمستقبل العائلتين ويدعم مصالحنا المشتركة، وهو ما أراده كبار العائلة بالفعل . جيلان في مركزها الاجتماعي الحالي وفي طبيعتها العملية تستطيع مساعدتي ودعم مسيرتي المهنية أكثر منكِ." عضت فريدة شفتها السفلى بقوة مفرطة ، حتى أحست بطعم الدم المالح والساخن يملأ فمها، وقالت بنبرة تقطر وجعاً : — "وماذا عني أنا؟ ماذا عن وعودك البراقة التي قطعتها لي وأحلامنا التي بنيناها معًا ماذا عن حياتي وسنوات عمري التي ربطتها بك وبمستقبلك؟" زفر أمجد بضيق وتململ واضح، كأنه يستكثر عليها حتى حق البكاء، وقال: — "لا تجعلي الأمر معقداً وتفسدي ما بقي بيننا يا فريدة، فالأيام كفيلة بمداواة كل شيء ، وسنكون جميعاً سعداء بهذا الوضع الجديد إذا نظرتِ إليه بنضج." لم تستطع الكلام مجدداً؛ إذ شعرت باختناق حاد وثقل جاثم يضغط على أنفاسها ، وكان صدرها يؤلمها بشدة وكأن أحدهم يغرس سكيناً ثلمة ويحركها ببطء وقسوة داخل قلبها. وفي غمرة ذهولها وضياعها ، أغلق أمجد الخط بكل بساطة، وبكل خسة ونذالة، أغلق حكاية دامت ثماني سنوات بكبسة زر واحدة، تاركاً خلفه ركاماً من المشاعر المحطمة وأنقاض امرأة صدقت وعوده نزلت ببطء لتجلس على الأرض الصلبة الباردة، محاطة بقطع الزجاج المكسور التي جرحت كبرياءها ونفسها قبل أن تجرح جسدها. وأمام عينيها الباكيتين، استقر الفستان الأبيض المعلق يتلألأ بنقاء زائف . كانت تحدق إليه بذعر شديد، وكأنه استحال فجأة إلى حفرة مظلمة وعميقة على وشك أن تبتلعها وتنهي وجودها من هذا العالم. بدأت الأسئلة تنهال على رأسها كالمطارق الثقيلة: "كيف حدث هذا الكابوس؟"، "أين أخطأتُ في حقه ومتى قصرت؟" ، "متى توقف عن حبي وكيف استطاع تزييف مشاعره طوال تلك الشهور؟" . لكن عقلها، وفي محاولة يائسة للهروب من قسوة الحاضر المرير، أخذها إلى مسار آخر . فكرت أين أخطأت، لكن لا، لم تكن هي المخطئة أبدًا! لقد حدث الأمر مجدداً، وكأن هذه اللعنة قصة تتكرر بانتظام بأبطال آخرين، لكنها هي القاسم المشترك والضحية في الحكايتين. لقد فعل جيلان وأمجد اليوم ما فعله أبوها ، حافظ الشناوي، وسعاد أم جيلان بأمها في الماضي. لقد ترك حافظ أمها قبل زواجهما بأيام قليلة، وتزوج من سعاد رضوخًا للمال والسلطة، ولم يثنه عن قراره توسلات أمها ولا حملها بفريدة، لتولد هي في هذا العالم كابنة غير شرعية ل عائلة الشناوي، بينما تولد جيلان بعدها بشهرين فقط لتنعم بكل شيء . لقد كان أبوها يخون أمها حتى قبل أن يفترقا ، والآن يعيد التاريخ نفسه بأبشع الطرق.نظر إليه مروان باهتمام،:— ماذا هناك؟ ما الأمر ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه كاظم — أعتقد أن هذا الخبر بالذات سيسعد قلبك ا، وسيخفف عنك الكثير.تغيرت ملامح العجوز فجأة، وانقشعت غيوم الحزن جزئياً لتحل محلها نظرة ترقب وفرحة طفيفة:— هل يعقل ؟ هل اخترت أخيرًا عروسًا لك من بين تلك الفتيات وبنات العائلات الراقية اللواتي أرسلت لك صورهن وملفاتهن الشخصية هذا الأسبوع ؟ابتسم كاظم :— لقد اخترت عروسًا بالفعل.ثم أضاف ببرود :— لكنها... ليست واحدة من تلك القائمة، ولا تنتمي لأي من تلك الملفات.مط مروان شفتيه بامتعاض وعدم رضا ضارباً بعصاه الأرض:— وهل تعجبك حقاً وتليق بمقامك ومقام عائلتك ؟ أم أنه اختيار طائش؟رد كاظم بثقة — نعم، تعجبني كثيرا .تساءل العجوز بنبرة فاحصة:— وهل هي فتاة حسنة السلوك والسمعة ؟ ومن هي عائلتها ؟أجاب كاظم :— سأحضرها إلى هنا قريبًا جداً، وستجلس معها وتتعرف عليها وتحكم عليها بنفسك.أومأ مروان برأسه ، وبدا أنه بدأ يتقبل الفكرة رغبة منه في رؤية أحفاد يحملون اسمه:— حسنًا، هذا منصف. أحضرها في أسرع وقت ممكن حتى نلتقي بها ونبدأ فوراً في ترتيبات عقد القران والزفاف
في وسط هذه الغرفة الحزينة، وقف مروان الرويعي بجسده المائل بفعل السنين. كان العجوز يحدق في إحدى الصور بعينين حمراوين ممتلئتين بالدموع، وقد كتم غصته وأخفى انكساره بصعوبة بالغة أمام الجدران.راقبه كاظم لثوانٍ معدودة من عند الباب، وشعر بوخزة في صدره. ثم قرر في داخله أن يترك كل خلافاته العميقة مع جده جانبًا، ولو لبضع ساعات. فهذا اليوم ليس يوم العتاب وتصفية الحسابات القديمة؛ إنه ذكرى موت والده ووالدته، اليوم الذي انقسمت فيه حياته إلى نصفين.شعر مروان بحركة خفيفة ، فاستدار ببطء شديد مستندًا على عصاه. وحين وقعت عيناه على كاظم، ارتجفت ملامحه الصارمة قليلًا، وظهرت عليه علامات المفاجأة.قال بصوت متحشرج ومتهدج من أثر البكاء المكتوم:— هل قررت أخيرًا زيارة جدك العجوز في هذا اليوم تحديداً يا كاظم؟ أم أن المصادفة هي ما أتت بك؟تقدم كاظم خطوة إلى الأمام :— وهل يهتم جدي العظيم حقًا بغيابي أو وجودي ؟ لقد اعتدت أن ترتب كل شيء في غيابي وكأنني غير موجود.انخفضت عينا مروان المتعبتان للأرض للحظة، وشعر بثقل الكلمات. ثم قال بنبرة يملؤها الأسف والأسى:— هل ما زلت تريد إشعاري بالذنب وجلدي بكلما
قاد كاظم سيارته عبر الطريق المؤدي إلى قصر الرويعي التاريخي. كانت ملامحه جامدة كالصخر ، وعيناه مثبتتين على الطريق الإسفلتي ، بينما تتسارع الأفكار في رأسه لتضاهي سرعة المحرك. كان القصر ينتصب خلف بواباته الحديدية الضخمة المطليّة باللون الأسود. تلك الجدران لم تكن مجرد حجر، بل كانت الخزانة الحية التي شهدت أسرار عائلة الرويعي، صراعاتها، صعودها، وانكساراتها لعقود طويلة. ما إن عبر كاظم البوابة الداخلية واصطفّت سيارته ، حتى وجد عماد في انتظاره كالعادة. كان عماد المساعد الشخصي لجده ، والرجل السري الذي بقي مشتبكًا مع عائلة الرويعي لأكثر من خمسين عامًا. لم يكن في نظر أحد مجرد خادم أو موظف مأجور، بل كان الصندوق الأسود ، وأحد أكثر الأشخاص معرفة بأعمق أسرار العائلة وأكثرها خطورة. تقدم عماد نحو السيارة بخطوات ، وقال بنبرة هادئة وخفيضة تحمل تحذيرًا مبطنًا وواضحًا: — سيد كاظم... أرجوك، لا تغضبه اليوم. هذا اليوم ليس كباقي الأيام ، إنه عصيب وحزين عليه للغاية ، ونبضه لم يعد يحتمل الكثير. زفر كاظم بضيق شديد ، وخرجت أنفاسه حارة في الهواء البارد، ثم قال بمرارة : — أل
في تلك الأثناء، وداخل المقر الرئيسي والضخم لمؤسسة الرويعي، دلف كاظم بخطواته الثابتة والمهيبة إلى مكتبه الشاسع ذي الإطلالة الزجاجية الساحرة. نهضت السكرتارية فوراً وحيّته باحترام شديد قائلة:"أهلاً بك يا سيد كاظم.. هل تريد مني أن أتلو عليك مواعيد وجدول أعمال اليوم ؟" رد كاظم : "لا.. أرسلي لي كريم إلى المكتب أولاً." أومأت السكرتارية برأسها مطيعة ، ثم خرجت لتنفيذ الأمر.بعد قليل، دخل كريم وهو يحمل بين يديه حزمة كبيرة من الملفات والصور الشخصية، وقال وهو يبتسم بتهكم وسخرية: "ثمرة اليوم وصلت للتو من قصر الجد مروان الرويعي ، ومعها رسالة تحذيرية شديدة اللهجة ؛ يخبركِ فيها العجوز أنك ستختار إحدى هؤلاء الفتيات للزواج منها هذه المرة ، ولن تلقي بملفاتهن في القمامة كالسابقات ، وإلا فإنه سيختار العروس بنفسه ويجبرك على الزواج منها رغماً عن أنفك." امتدت يد كاظم القوية وسحبت تلك الملفات والصور من يد كريم ، ودون أن ينظر إليها لثانية واحدة ، ألقى بها جميعاً في سلة المهملات المجاورة لمكتبه وقال ببرود:"لن أنظر إليها حتى." رد كريم بسخط وقلق شديد: "كاظم! الجد مروان أب
أخذت ريم نفسًا عميقًا قبل أن تقول: — منذ سبع سنوات، وقع حادث تصادم مروع على أحد الطرق السريعة خارج المدينة. في ذلك الحادث توفي مؤمن الرويعي وزوجته نادية ، وابنهما الوحيد كاظم. تجمدت فريدة.— ابنهم الوحيد ؟ أومأت ريم. — نعم. كاظم كان الابن الوحيد لمؤمن الرويعي ، وكان مؤمن نفسه الابن الوحيد والوريث الشرعي لعميد عائلة الرويعي ، مروان الرويعي. ابتلعت فريدة ريقها.و قالت :- هل انت متاكده نظرت ريم إليها باندهاش . — بالطبع. الحادث كان معروفًا للجميع ، والجنازة كانت من أكبر الجنازات التي شهدتها المدينة في ذلك الوقت. ثم أضافت: — بل أنني حضرت مراسم الجنازة مع عائلتي . كان عمري أصغر وقتها ، لكن المشهد لا يزال عالقًا في ذاكرتي. شعرت فريدة بقشعريرة تسري في جسدها. قالت بصوت منخفض: — إذًا... الرجل الذي يعيش معي الآن ليس كاظم الحقيقي. — هذا ما أحاول أن أخبركِ به. أمسكت ريم هاتفها وبدأت تعبث به دون أن تفتحه. — وبعد وفاة مؤمن وزوجته وابنه، أصبحت الأمور داخل عائلة الرويعي أكثر تعقيدًا. رفعت فريدة عينيها إليها— كيف ذلك ؟ ردت ريم — لأن مروان الرويعي بقي على رأس العائلة ،
نظرت فريدة إلى ريم بعينين متسعتين ، وكأن عقلها يرفض استيعاب الكلمات التي سمعتها للتو. كان وجهها قد شحب تمامًا ، وأصابعها ما تزال ترتجف فوق حافة الطاولة. قالت بصوت متقطع: — ماذا تقولين يا ريم ؟ كيف حدث ذلك ؟ ومن أخبركِ بهذه القصة ؟ ولماذا تعرفين أنتِ بالذات هذه المعلومة الخطيرة عن كاظم وعائلته ؟ أمسكت ريم بيديها محاولة تهدئتها ، ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا: — أولًا، عليكِ أن تهدئي تمامًا. لن يفيدنا الذعر الآن ، وسأخبركِ بكل ما أعرفه . اشربي بعض الماء أولًا. ناولتها ريم كوبًا كان على الطاولة . أخذته فريدة بيد مرتعشة ، وجرعت منه قليلًا ، لكنها لم تستطع إخفاء اضطراب أنفاسها. وضعت الكوب أمامها ببطء ، ثم رفعت عينيها إلى ريم. سألتها ريم: — هل هدأتِ الآن قليلًا ؟ حدقت فريدة فيها بعدم تصديق. — بالطبع لا ! كيف لي ان أهدأ وأنا أكتشف أن الرجل الذي تزوجته يحمل اسم شخص ميت منذ سبع سنوات الا يكفي انه زعيم لمافيا او عصابه ما ؟ تنهدت ريم ، ثم ضربت يد فريده بغيظ وهي تقول بضيق: — بالطبع لن تهدئي ! كيف تفعلين هذا بنفسك يا فريدة ؟! أنتِ لم تكتفي بخيانة أمجد لكِ بعد ان قض







