Masukدخل حجرته بينما ينزع قناعه، كاشفًا عن وجهه. العمل مع جنود جدد في مهمة قيّمة كهذه يُتعبه. خلع مسدسه وحزام خصره الذي كان يتوسطه.
• أراميس فيكتور فاليرو • - المبارز المنتصر الشجاع - هذا معنى اسمه. لطالما كان وقعه يسبب رعبًا في صفوف خصومه. منذ نعومة أظافره، تعهّد بولائه الكامل لبلده، سائرًا في طريق والده، بعد أن كان هو الآخر جنرالًا في مكانة مرموقة قبل أن يتم اغتياله. صبي صغير بين أحضان عائلته لم يعرف معنى القسوة، إلى أن عاشها بموت والده. منذ ذلك الحين، وكل ما كان يجول في خاطره هو الانتقام. وحتى رغم حصوله على مبتغاه، إلا أنه لم يعد أبدًا كما كان. وكيف سيفعل، وقد أصبح جنرال حرب من المرتبة الأولى؟ لم يهزمه فارس، ولم يذق طعم الهزيمة من قبل. لا ينافس أحدًا قسوته. بوجهٍ خالٍ من التعابير، وعيونٍ مظلمة، لم تهزه صرخات الأضعف منه، ولا بكاء أطفال القرى. اليوم هو عيد ميلاده الواحد والثلاثين. "هل اجتمع الجنود في الساحة؟" سأل بصوت حازم، يترقب إجابة مساعده المخلص. "نعم سيدي، كما أمرت!" أجاب الآخر صارخًا بتأكيد. "حسنًا، انصرف." خرج الجندي إلى الساحة بعد أن أدى التحية. من وجهة نظر الجنرال أراميس ستكون ليلة طويلة… قلت مخاطبًا نفسي، بينما أعيد مسدسي لحزام خصري، متوجهًا نحو الباب قصد الساحة. الأحداث الأخيرة كانت صعبة. الجنود في حالة نفسية سيئة، وهناك نقص في المؤن. من الجيد أننا انتهينا، ولم يتبقَّ سوى أسبوع حتى يتم تعيين والٍ جديد بعد أن أسقطنا السابق، وسنتمكن من العودة للوطن بعدها. لكن ما يقلقني هو تصرفاتهم الأخيرة… أشعر بشيء يدور في المكان، لكنه لن يفوتني. سأكتشف ذلك عاجلًا أم آجلًا… لدي طرقي. "هل الجميع حاضر؟!" قلت صارخًا في الصفوف أمامي، قبل أن أتلقى إجابتهم بصوت واحد، مؤكدين حضورهم. لم يجرؤ أحد على النظر إليه مباشرة، والهمس بين الصفوف يزداد انخفاضًا. "لا بد أنكم تتساءلون عن سبب جمعي لكم في هذه الساعة هنا… حسنًا، أنا أيضًا لم أرد ذلك… لكني أشم رائحة سر… سر متعفن نتن… بالطبع أنتم أدرى بمصير الأسرار هنا… لا يمر شيء بدون علمي… حتى الهواء يستأذنني قبل دخول هذا المعسكر. لكن… ولأنني رجل رحيم… سأعطيكم فرصة، وإن انقضت ساعة قبل حصولي على بلاغ، لن يكون الثمن يسيرًا." بعد الخطاب الصغير الذي ألقيته عليهم، أعرف أن الريبة قد اخترقت صفوفهم بالفعل. لن يطول الوقت قبل أن يتمكن الذعر من أحدهم، ويسارع للاعتراف بالجميع. بالطبع، الحيل النفسية ليست كل ما أملك. بإمكاني إعطاء أمر تفتيش لكل المعسكر الآن، لكن ليس هذا ما أريده. نحن بالفعل نعاني نقصًا في الجنود، ولا يمكنني أن أخسر المزيد بسبب تهور أو طيش شبابي. أحتاج إلى اعتراف كي أتمكن من تمرير عقوبة أخرى عدا الإعدام. عدت لحجرتي، وارتميت على السرير، بينما أحمل كتابًا سيساعدني في تمرير الوقت إلى أن أنال مبتغاي. عودة لآناريا استيقظت برأس يعتصره الألم، وكل ما حولها كان ضبابًا حالكًا، إلا أشعة الضوء الصفراء التي تسربت من المصباح، لتخترق الظلام بعنفٍ خافت. لم تمضِ سوى دقائق حتى تراءت لها أصوات خطوات ثقيلة، متبوعة بأحاديث ذكورية بلغة غريبة. حاولت تحريك يديها وقدميها، لكن جسدها كان أسيرًا، فأهتزت على الكرسي بخفة يائسة. "مساء الخير، أيتها الأميرة." صوت مستهزأ اخترق مسامعها قبل أن يُزيح الغطاء عن وجهها. حاولت الصراخ، لكن لسانها كان مقيدًا بالقماش؛ فلم تخرج منها سوى بضع همهمات مكتومة كتحذير ضعيف. ابتسم الجندي بازدراء، وهمس لصديقه: "هل كانت قيلولتها مريحة؟ يبدو كذلك… وإلا لما نامت تسع ساعات كاملة." عدّل الجنديان جلستها على الكرسي، وكانت تستطيع التحرك قليلًا يمينًا ويسارًا فقط. أخرج أحدهما خنجراً من حزامه يوجهه نحو عنقها بينما يسحب شعرها للخلف جاعلا من حنجرتها مكشوفة . "ابقي ساكنة. هل تظنين أن أحدًا قد يسمعك هنا؟ أنت بعيدة كل البعد عن بر الامان. سننتهي منك ثم ستموتين كما كان يجب ان يحدث منذ البداية." رمى الخنجر جانبًا، وأفلت شعرها بحركة عنيفة أفرغت ما تبقى من هدوءها جعلت دموعها تنهمر على خديها بصمت. اصفرّ وجهها ، ويدها مكبلة للخلف، وقدماها مربوطتان بالكرسي. الرعب سيطر عليها بالكامل. فجأة، تخلل مسامعهم وقع خطوات قاسية، اقتحم الغرفة رجلان؛ الأول ضخم البنية، يفيض حضورًا وقوة، والثاني هزيل، ترتسم على محياه علامات الذعر والذنب. "من المسؤول عن هذا؟"راقبني لثوانٍ، ثم قال: "أين جابرييل؟" أشرت إلى الممر الذي غادر منه. "ذهب لإحضار الطعام؟" أومأت. لم يبدُ عليه الاقتناع، لكنه لم يسأل أكثر. بدلًا من ذلك، سحب صندوقًا خشبيًا صغيرًا وجلس عليه قبالتي، وكأنه قرر أن يجعل من منطقة الغسيل مكانًا مناسبًا لاجتماع عسكري. حدقت فيه بذهول. ماذا يفعل الآن؟! "تابعي عملك." نظرت إلى الصندوق الذي يجلس عليه، ثم إليه. "هل لديك شيء أفضل لتفعله من مراقبتي وأنا أغسل الملابس؟" رفع حاجبه. "هل تفضلين أن أضيف بعض الملابس إلى الكومة؟" توقفت عن الحركة فورًا. لا، شكرًا. لقد عرفت حدود شجاعتي. أعدت رأسي إلى الحوض وبدأت العمل بصمت. لكنني شعرت بنظراته تتجه نحوي بين الحين والآخر، حتى لم أعد أحتمل. "هل هناك شيء على وجهي؟" كادت الكلمات تخرج من فمي، لكنني تذكرت وجود بعض الجنود في الطرف الآخر
ظل الجندي يحدق بي، وكأن ملامحي تحولت إلى لغز يعجز عن حله.كنت أتمنى لو أستطيع انتزاع ذاكرته وإلقاءها في الحوض الذي أمامي، ثم أعود إلى غسل الملابس وكأن شيئًا لم يحدث.لكن، بالطبع، لم تكن الحياة بهذه الرحمة."هل أنت متأكد أنك رأيتني من قبل؟" كدت أسأله، لكنني ابتلعت الكلمات في اللحظة الأخيرة.أنا الجندي الأخرس، تذكري يا آناريا!اكتفيت بالنظر إليه بملامح جامدة، ثم أشرت إلى أذني، وبعدها إلى فمي، في إشارة واضحة إلى أنني لا أستطيع التحدث.قطب الجندي حاجبيه."أوه، صحيح... لقد أخبروني أنك لا تتكلم."ثم حك ذقنه، محاولًا استرجاع ذكرى بعيدة."ربما أكون مخطئًا. لكنني أقسم أنني رأيتك في مكان ما."ابتسم جابرييل ابتسامة متكلفة، ثم قال بنبرة ودودة:"يبدو أن وجوه الجنود الجدد تتشابه عليك. نحن نتلقى عشرات المجندين، ومن الطبيعي أن تختلط عليك الملامح."ألقى الجندي نظرة أخيرة نحوي، قبل أن يهز كتفيه."ربما. على كل حال، أبلغوا الجنرال أن الدورية عادت من الجهة الغربية."تبدلت ملامح ج
جلست أمام الحوض، وأخذت أعبث بقطعة ملابس مبللة بينما أروي له ما حدث. "سألني كيف استطعت إصابته بمرفقي في المرة الماضية، ثم بدأ يتحدث عن أنني أخفي شيئًا وأن آراميس يعرفه. وكأنني لست محاطة بما يكفي من المشكلات!" تغيرت ملامح جابرييل فورًا. "هل ذكر اسم الجنرال صراحة؟" رفعت رأسي إليه. "نعم، جابرييل. قال إنه يظن أن الجنرال يعرف ما أخفيه." صمت قليلًا، ثم ألقى نظرة حذرة حولنا قبل أن يجلس بجانبي. "استمعي إليّ جيدًا، آناريا. ليوناردو ليس شخصًا يسهل خداعه. إنه يلاحظ التفاصيل الصغيرة، ويجمعها حتى يصل إلى النتيجة التي يريدها." أطلقت زفرة ساخرة. "رائع. كنت أحتاج فعلًا إلى شخص آخر يذكّرني بأن حياتي في خطر." "أنا جاد." "وأنا أيضًا! هل تعرف كم أتمنى العودة إلى مخبزي الآن؟ أقسم إنني سأخبز له كعكة كاملة، وأكتب عليها: شكرًا لأنك جعلتني أقدّر الحياة العادية!" كتم جابرييل ضحكة قصيرة، لكنه سرعان ما عاد إلى جديته. "ل
لم تعجبني تلك الجملة إطلاقًا. أشار إلى السلاح الذي أحمله. "ضعه على الطاولة." فعلت ما طلبه، ثم وقف أمامي وراح يشرح لي بعض الأساسيات المتعلقة بسلامة التعامل مع السلاح وكيفية تثبيت الوقفة. لم تكن تعليماته صعبة، لكن طريقته في إلقائها كانت كافية لجعل أبسط الأمور تبدو كأنها امتحان مصيري. وبعد دقائق، أشار إلى هدف أقرب من السابق. "لن نطلق النار اليوم. أريدك فقط أن تتخذ وضعية التصويب الصحيحة، ثم تخفض السلاح عندما آمرك بذلك." شعرت ببعض الارتياح. على الأقل لن أضطر إلى سماع ذلك الصوت مجددًا. رفعت السلاح التدريبي غير المحشو، وثبتُّ قدميّ كما تعلمت سابقًا، ثم ركزت بصري على الهدف. "أفضل." كانت تلك أول كلمة إيجابية أسمعها منه منذ وصولنا. كدت أشعر بالفخر، لكنني تذكرت بسرعة أن المتحدث هو ليوناردو، فقررت ألّا أرفع سقف توقعاتي كثيرًا. "والآن، اخفضه." أنزلت السلاح. "مرة أخرى." كررت
تجمد الدم في عروقي. ذلك الصوت الأجش كان آخر ما أحتاج إلى سماعه. استدرت ببطء لأجد ليوناردو واقفًا خلفي، واضعًا يديه خلف ظهره، بينما تتفحصني عيناه من رأسي حتى قدميّ. ابتسم ابتسامة لم تحمل أي قدر من الود. "ألم يكن من المفترض أن تكون في منطقة الغسيل، أيها الجندي الصغير؟" حاولت الحفاظ على ملامحي جامدة، ثم أشرت إلى فمي وتظاهرت بأنني لا أستطيع الكلام. اقترب خطوة. "لا تحاول خداعي. لقد رأيتك تتحدث من قبل." اتسعت عيناي رغمًا عني. اللعنة! هل رآني حقًا؟ أم أنه يحاول استفزازي حتى أرتكب خطأ؟ انحنى قليلًا، وأصبح وجهه قريبًا من وجهي على نحو جعلني أتراجع خطوة. "أتعرف ما الذي يثير فضولي بشأنك؟" هززت رأسي بالنفي، محافظة على دور الجندي الأخرس. "أن الجنرال آراميس يبدو مهتمًا بك أكثر مما ينبغي."
لم أقطع سوى خطوات قليلة قبل أن أسمع صوته يهدر من أمامي :"آناريا!"توقفت رغمًا عني، وشعرت بقلبي يقفز إلى حلقي. التفت نحوي بحنق واضح ، وكانت نظرته كفيلة بجعلي أتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتني في تلك اللحظة."ألم أقل لكِ أن تبقي مكانك؟""وأنا لم أطلب منك أن تأمرني بما أفعل!"خرجت الكلمات من فمي قبل أن أدرك مدى حماقتها. يا إلهي، هل أمتلك غريزة تدفعني إلى استفزاز هذا الرجل كلما أتيحت لي الفرصة؟!اقترب مني بخطوات سريعة، وأمسك بذراعي ليجبرني على النظر إليه."استمعي إليّ جيدًا، أيتها الجندية الحمقاء. ما سيحدث في الخارج ليس شأنكِ، وإذا اكتشف أحدهم حقيقتكِ، فلن يكون غسل الملابس أسوأ ما قد تواجهينه."اختفت الكلمات الساخرة من لساني.كان محقًا، وهذا ما أزعجني أكثر.نظرت إلى يده التي تطوّق ذراعي، ثم رفعت عينيّ إليه."إذًا لا تدعهم يكتشفونها."للحظة، لم يقل شيئًا.ثم أطلق ذراعي، واستدار من جديد."عودي إلى مكانك.""ماذا؟""هذا أمر.""لن أبقى هنا
جملته الأخيرة جعلت عيني آناريا تتسعان بخفة، بينما أعادت نظرها نحو أراميس بفضول. كان هو الآخر يرمق جابرييل بنظراتٍ لائمة، ويبدو أنه لم يردها أن تعرف إلى أي قدرٍ تمكن منه الشعور بالذنب. أعاد مقلتيه سريعًا نحو البرقية بين يديه دون أن ينبس بحرف حين لاحظ نظراتها نحوه، قبل أن يوجه جابرييل له الكلام: "س
تقدم منها، بينما يسحب اللحاف من فوق رأسها بلطف، هامسًا بصوت مسموع: "مرحبًا… لا تخافي، أنا مساعد الجنرال. أحضرت لكِ طعامك. ألم يخبركِ أنه سيكون جاهزًا خلال دقائق؟" أنهى كلامه، موجهًا سؤاله نحو آناريا، بينما يضع الطبق في حضنها بعد أن جلست باعتدال. الجنرال… هو بالفعل أخبرها، لكن كل ما كان يتردد في ذ
فتحت آناريا عينيها ببطء، تستوعب الضوء المشع من فوقها. المكان غريب، رائحة السجائر تطغى عليه، مشيرةً إلى كيانٍ رجولي قريب. جسدها يؤلمها، والعينان المحدقتان بها من الزاوية تصبّان عليها التوتر وشعورًا بعدم الراحة. ابتلعت ريقها بصعوبة واضحة، بينما تعدل من جلستها فوق السرير. " لا تتحركي." قال أرامي
صرخ بغضبٍ يملأ الغرفة، فيما ارتجف الجندي الآخر مطأطئً رأسه ، متفادىً النظرات. نجحت خطة أراميس. لم تمضِ ساعة حتى دخل أحد الجنود حجرته، الخوف يعتريه، و اعترافٍ في جُعبتِه ، وبعد الاستماع له خرج مسرعًا لمنع الكارثة قبل وقوعها.







