Masukجملته الأخيرة جعلت عيني آناريا تتسعان بخفة، بينما أعادت نظرها نحو أراميس بفضول. كان هو الآخر يرمق جابرييل بنظراتٍ لائمة، ويبدو أنه لم يردها أن تعرف إلى أي قدرٍ تمكن منه الشعور بالذنب.
أعاد مقلتيه سريعًا نحو البرقية بين يديه دون أن ينبس بحرف حين لاحظ نظراتها نحوه، قبل أن يوجه جابرييل له الكلام: "سيدي… حرارتها معتدلة، أما ضغط الدم فمنخفض قليلًا، لكن هذا طبيعي، فهي لم تأكل منذ يومين قبل وجبتها السابقة." أنهى كلماته بينما يرفع نظره نحو أراميس، قبل أن يقول الآخر بصوتٍ أجش: "حسنًا… احرص على تفقدها مجددًا غدًا، واحرص أيضًا على ألّا يثرثر الطباخ بوجودي في المطبخ في وقتٍ سابق من اليوم." أنهى كلماته بضيق، بينما ينظر إلى جابرييل بضيق ١:٠٠ _الواحدة بعد منتصف الليل _ "امي...أبي..ريكاردو.." تمتمات متكررة خرجت من ثغر آناريا بينما تتقلب يمنةً و يسرى على السرير ، لحسن حظها لم تكن بمفردها فقد كان اراميس مُستلقٍ على الأرض بسبب احتكارها لمضجعه ، لكن على عكس آناريا التي غطت في نومٍ عميق فور ان لامست الوسادة ، لم يُكحِّل النوم جفنيه هو ، ربما بسبب صلابة الأرض؟ او بسبب نفَسٍ جديدٍ في حُجرته . كانت تمتماتها غير مفهومة في بادئ الامر لكنها باتت أكثر وضوحًا شيئا فَشيئا ، إستقام بجذعه العلوي رافِعًا رأسه نحوها وعلامات الإستفهام بادية على وجهه ، جثى على ركبة واحدة من مكانه مادًا يده ببطأ نحو وجهها ، بدت مُتعرقة كمن يخوض حربًا ضارية . كما توقع ، حرارتها مرتفعة ، تكاد تنافس إبريق شايٍ مغلي . احدودجت عينيه ثم سحب يده بسرعة بعد ان استدارت نحوه اثناء تقلباتها وقد كانت انفاسها تتعالى بإرتجافٍ واضح . إبتلع ريقه بخفة بعد ان إستقام بشكل كامل ليقف مُنتصِبًا و قد ادرك حاجتها لطبيبٍ بشكلٍ عاجل الأن . كانت يدها باردة على عكس انفاسها وجبهتها الملتهبة ، يبدو انها حمى داخلية ، لا بد انها تشعر بالبرد ؛ هذا ما تبادر لذهنه بينما يجول بعينيه في الغرفة باحثا عن ما يمكنه استعماله كغطاءٍ اضافي و كمادات ، لم يجد ما قد ينفعه في هذه الحالة ، فقد تم حزم اغلب امتعته الإضافية و مقتنيات الجنود الاخرى إستعداداً لشحنها و تفتيشها فور استلامهم الأمر بالعودة ولم يتبقى الا الأساسيات . وقعت عينه على أفرشته الموضوعة على الارض مكان إستلقائه ، رفعها دون تفكير ، يهزها مرارًا قبل ان يرميها عليها بخفة ثم انحنى بجزئه العلوي فوقها يدثرها بالغطاء جيدا و قد وضع وسادتيه خلفها فاصلاً بينها و بين قماش الخيمة الخفيف كي لا تتسلل نحوها البرودة من خلاله ، جذبت انتباهه خصلات شعرها الملتصقة بوجهها بسبب قطرات العرق المنسابة من جبهتها ، حرك يده نحوها ببطأ ينتشلها عن جبينها بخفه . "امي...ريكاردو" تشبثت بيده الموضوعة على وجنتيها بعد ان تمتمت مجددًا . لمسة بسيطة جعلت من القشعريرة تستوطن جسده لبرهة ، نظر إليها بخفوت ، يبدو تائهاً .. "ارجوك ...لا تتركني " قالت بصوتٍ متقطع تملأه الحاجة . اعاده هذيانها للواقع ، جاعلًا منه ينتفض بإرتباك ، لا تزال تتشبث بيده بإحكام كأنها تستنجد منه بعضً من الدفئ المسحوب منها نتيجة لِحُمّتِها المرتفعة ، شَدّ قبضته على يدها بما يكفي ليستشعر نبضِها قبل ان يعيدها لجانبها برفق تحت الأغطية . "ركز...ركز" ناشد عقله بكلمتين في محاولة لإستعادة انتباهه كي يتمكن من ايجاد حل دون الحاجة للإستنجاد بطبيب في هذه الساعة . "قماش..يجب ان اجد قطعة قماشٍ سميكة لإستعمالها كَكَماداتٍ " همس لنفسه بينما يسير متشتتًا في ارجاء حجرته بحثا عن غايته ، سحب منشفة صغيرة من درج مكتبه و اخذ قارورة مياهٍ من على الرف ثم توجه في عجل نحو مخرج الخيمة ؛ يجب ان يبللها في الخارج . لم تمضِ بضع دقائق حتى عاد بالمنشفة داخل وعاءٍ متوسط العُرض ملأهُ بالمياه ، سار نحوها بخطوات صامتة ، الهدوء سائد ، كل المعسكر في سبات بإستثناء بضع جنودٍ يحرسون المداخل ، و إنارةٍ خافتة منبعثة من براميل نال منها الصدأ نتيجةً لنيرانٍ تتغذا بإستمرارٍ على الحطب ، منتشرة بين الخيم بهدف التدفئة .شعرت بالحرارة ترتفع بوجهي، فقد كنا محط اهتمام جميع الجنود في تلك اللحظة، وما زادني ذاك الموقف سوى رجاءً لوجود الجنرال أراميس.خفضت بصري وتراجعت خطوة للخلف، بينما أشعر بعيني الآخر تخترقني."أعذره سيدي، سيبذل قصارى جهده من هنا فصاعدًا."اعتذر جابرييل من الواقف أمامنا نيابة عني، وما زاده ذلك سوى غرورٍ وتحدٍّ."إن كان يريد أن يمضي بقية حياته عاملًا في المطبخ، يلبي الاحتياجات الغذائية لأبطالنا، فدعوه يفعل... عملنا يتطلب فرسانًا أشداء لا مخنثين يجفلون لسماع طلقة واحدة."رمى بكلماته المسمومة بتعالٍ واضح، ثم استدار عائدًا لموقعه.يا له من رجل سخيف! أفهم الآن لما لا يطيقه أحد.حدثت نفسي بينما أكبح رغبتي لتصويب سلاحي نحوه وإردائه قتيلًا في تلك اللحظة، لولا أنني لا أجيد التصويب بعد.حاولت تجنب أي تواصل بصري مع ذاك المعتوه كي يتناسى وجودي قليلًا، أو هذا ما حسبته.لكن ما إن رفعت نظري نحوه، وجدته يخترقني بعينيه أكثر، وتزداد نظرته خبثًا مع كل تواصل بصري بيننا."توقف!"صرخ بتلك الكلمة فجأة، بينما كنت
حاولي أن لا تختلطي به كثيرًا"أخرجني من سلسلة أفكاري صوت جابرييل مجددًا يحذرني من ليوناردو.هززت رأسي بالإيماء بما أن التحدث خيار غير وارد في حالتي هذه."ستتوجهين نحو تدريبات الرماية بعد قليل، لا أدري إن كنتِ قد استعملتِ سلاحًا من قبل، لكن عليكِ أن تتظاهري بذلك على الأقل"حدثني جابرييل، لكن طريقته في الحديث بدت كأنه يخاطب نفسه أكثر من أنه يخاطبني.استعمل سلاحًا؟ أنا؟أخطر شيء استخدمته طيلة حياتي إلى الآن كان الخلاط الكهربائي في مخبزي... كيف لي أن أستخدم سلاحًا الآن؟أرجو أن يكون الجنرال آراميس هو المشرف على التدريب، على الأقل سيسهل علي التعامل مع الأمر أثناء وجوده."اتبعيني"قال جابرييل بحزم قبل ان ينهض فجأة من مكانه، ساحبًا إياي خلفه.تبعته بخطوات صامتة نحو خيمة أخرى على بعد بضع أمتار، وأثناء سيرنا كان الجنود يرمقوننا بنظرات استغراب واضحة جعلت من يدي تتعرق على الرغم من برودة الطقس.توقف أمام حارس تلك الخيمة مظهرًا له بطاقته كإذن بالعبور.دخلنا بعد أن تحقق الجندي منها، ويبدو أن تلك الخيمة كانت مخزنًا للأسلحة والدروع وكل مستلزمات الجنود
استيقظت صباح اليوم التالي على صوت جابرييل."جلبت لكِ زيًا إضافيًا كي تتمكني من التبديل بينهما، ستمضين اليوم برفقتي، هيا لقد تأخرنا على ميعاد إفطار الجنود أصلًا."تحدث جابرييل بحزم ثم اتجه نحو الخارج دون انتظار ردي.يبدو مشغول البال بشيء ما.سارعت في تغيير زيي فقد كنت قد ارتديت هذا ليومين متتاليين بعد كل شيء.لم أرَ الجنرال آراميس بعد، لكن توقعت أني سأمضي اليوم برفقته، أو على الأقل هذا ما أملته.توجهت للخارج بخطوات واثقة بعد أن أخذت نفسًا عميقًا في محاولة لتهدئة اضطراب قلبي.لم أخطُ بضع خطوات حتى وجدت جابرييل واقفًا مع جندي ثانٍ يتهامسان بشيء ما، وما إن اقتربت منهما حتى صمت كلاهما.نظر الجندي الثاني نحوي باستغراب.تحمحم جابرييل صادمًا مرفقه بكتفي."ألقِ التحية على من يعلوك رتبة، أيها المجند."تحدث بحزم موجهًا كلامه نحوي.ناظرته بإرتباك ثم فعلت كما قال، وقفت باستقامة شديدة ورفعت يدي نحو جبهتي ملوحة لهما.همهم كلاهما وسارا بي نحو خيمة الميس.ما إن ذلفنا حتى لفحت
وقف وتوجه نحوي بينما يتفحص هيئتي."لا يمكن لجندي أخرس مجهول أن يسير بمفرده في معسكر مليء بالرجال في هذه الساعة المتأخرة."ناظرته بانزعاج ثم نطقت بسخرية:"ماذا؟ هل أنت قلق علي؟""هه..."أطلق ضحكة ساخرة ثم انحنى ببطء كي يناسب طولها."أنا لا أثق بكِ يا آناريا... ما الذي يضمن لي أنكِ لن ترتكبي أي فعلٍ أخرق يكشف أمركِ ويهدد مسيرتي المهنية في هذا المعسكر؟"واصل كلماته بتحدٍّ دون أن يقطع التواصل البصري بينهما."مهما يكن، تفضل، من بعدك أيها الجنرال."لم ترد مجاراة جنونه أكثر من ذلك، فتراجعت إلى الخلف بأدبٍ مصطنع مفسحةً المجال له بينما تحدثت باستسلام.ناظرها باستعلاء بينما اعتدل في وقفته.تبقين الأمور مثيرةً للاهتمام يا آن.حدث نفسه، ثم سار إلى الخارج متخطيًا إياها.تبعته بخطوات سريعة غير قادرة على مجاراة خطواته العادية.كانت الأجواء في الخارج موحشة.بضع جنود متوزعين في الأرجاء، أغلبهم ضمن فريق الحراس، وبعضهم فارق النوم جفونه فخرج لاستنشاق بعض الهواء النقي.
ابتسمت بلطفٍ مصطنع تختبر صبره أكثر."أنتِ..."لم يتمكن من إنهاء جملته قبل أن تقاطعه مجددًا."كفى كلامًا، وتعال للنوم، فغدًا سيكون لدينا يومٌ حافل... أيها الجنرال اللطيف."تحدثت مشيرةً إلى فراشه، وكانت قد جهزته له على الأرض بينما كان بالخارج في تلك اللحظات القليلة السابقة.نظر نحوه، وزادت انعقادة حاجبيه، إلا أنها سرعان ما تلاشت، وحلت محلها ابتسامة جانبية ونظرة خبيثة.سأثبت لكِ أني لست لطيفًا.حدث نفسه قبل أن يخلع حزام مسدسه عن خصره.ثم خلع قميصه العلوي، بينما انحنى شارعًا في خلع الحذاء.كان هناك وشم...وشمٌ لم تلاحظه في السابق، امتد على طول كتفيه.نجح ذلك الوشم في دب الرعب في أوصالها.لطالما خافت الرجال الموشومين لسببٍ مجهول.استقام فجأة، وقد خلع حذاءه أخيرًا، وامتدت ابتسامته الجانبية أكثر."أنا لن أنام على الأرض الليلة."سحبتها كلماته من حبل أفكارها بقوة.توسعت عيناها، ولم تتمكن من المحافظة على شجاعتها أكثر من ذلك. جعلتها تلك الابتسامة الجان
كلماته الأخيرة جعلت من القشعريرة تسري أسفل عمودها الفقري. يبدو أن أيامها القادمة ستكون عسيرة. وضعت الطبق من يدها، وكانت على وشك أن تسأل سؤالًا آخر، لولا دخول آراميس الحجرة. جال بعينيه فوقهما قبل أن يتحدث مشيرًا إلى جابرييل: "يمكنك العودة إلى حجرتك لأخذ قسط من الراحة." "حاضر سيدي." وقف جابرييل ناطقًا بحزم، يبدو أنه كان ينتظر هذه الكلمات منذ ساعات. "تصبحين على خير يا آن." توجه إلى الخارج، وقد سحب ذلك الطبق معه بينما يتمنى لآناريا ليلة سعيدة بابتسامته المعتادة. "أنت أيضًا بوسعك النوم يا... آن." نطق كلماته بابتسامة باردة ضايقتها. تنهدت بثقل قبل أن تقف من مكانها وتتوجه نحوه بخطوات صامتة. ابتلعت ريقها، ووقفت أمامه تنظر داخل عينيه بعمق بعينيها الواسعتين، حتى إن أنفاسهما تصادمت من ضآلة المسافة بينهما. أدخلت يدها بجيب سروالها السفلي دون أن تقطع التواصل البصري. لم تكن النظرة في عينيه تلك النظرة اللينة الممتلئة بالشفقة التي كانت على وجهه قبل ساعات، بل كانت أقرب إلى نظرة تحدٍ بانعقادة حاجبيه المعتادة. لكن سرعان ما اعتلت الصدمة ملامحه لما لمح ذلك البريق الذهبي المتلألئ
تقدم منها، بينما يسحب اللحاف من فوق رأسها بلطف، هامسًا بصوت مسموع: "مرحبًا… لا تخافي، أنا مساعد الجنرال. أحضرت لكِ طعامك. ألم يخبركِ أنه سيكون جاهزًا خلال دقائق؟" أنهى كلامه، موجهًا سؤاله نحو آناريا، بينما يضع الطبق في حضنها بعد أن جلست باعتدال. الجنرال… هو بالفعل أخبرها، لكن كل ما كان يتردد في ذ
فتحت آناريا عينيها ببطء، تستوعب الضوء المشع من فوقها. المكان غريب، رائحة السجائر تطغى عليه، مشيرةً إلى كيانٍ رجولي قريب. جسدها يؤلمها، والعينان المحدقتان بها من الزاوية تصبّان عليها التوتر وشعورًا بعدم الراحة. ابتلعت ريقها بصعوبة واضحة، بينما تعدل من جلستها فوق السرير. " لا تتحركي." قال أرامي
صرخ بغضبٍ يملأ الغرفة، فيما ارتجف الجندي الآخر مطأطئً رأسه ، متفادىً النظرات. نجحت خطة أراميس. لم تمضِ ساعة حتى دخل أحد الجنود حجرته، الخوف يعتريه، و اعترافٍ في جُعبتِه ، وبعد الاستماع له خرج مسرعًا لمنع الكارثة قبل وقوعها.
"أفلِتْ يدي!.. الآن" "على جُثتي... لن أُفلِتَ يدَكِ ولو سُحِبَتْ منّي آخرُ أنفاسي..". خرجت الكلمات من شفتيه كالنار في الهشيم، بينما يُحكِم قبضته على يدها كطوق نجاةٍ ارتبطت حياتُه به. كيف يمكن لجنديٍّ لم تنلْ منه معارك أودت بآلاف الرقاب أن يقع أسيرًا لفراشة سلامٍ كرهت قربه في المقام الأول؟ م







