เข้าสู่ระบบخرجت وتين من القبو البارد مع إشراقة الفجر، وجسدها يصرخ أضلاعاً وآلاماً من قسوة الليلة الماضية على التراب الرطب. كانت العلامات الداكنة التي تركها أيهم على طول عنقها وكتفها تشتعل وجعاً، لكنها أصلحت زي الخدم الرمادي ورفعت شعرها الأسود الطويل بثبات، متجاهلة نظرات الشماتة التي ترميها بها سعاد في الممرات السفلى.
وقف أيهم في شرفة مكتبه العلوي، يرتدي قميصه الأسود المعتاد، وفي يده فنجان القهوة المر. كانت عيناه الجليديتان تتابعان وتين وهي تحمل دلاء الماء الثقيلة عبر الحديقة متجهة نحو الصالة الرئيسية. رغم شحوب وجهها والإرهاق الصارخ تحت عينيها، إلا أن خطواتها لم تكن خطوات امرأة مكسورة؛ كان تمردها الصامت يشتعل في أعماقه، ليذكره بفشله في إخضاعها بالكامل. في الصالة الرئيسية، كانت وتين تجثو على ركبتيها لتمسح الأرضية الرخامية الباردة. كانت الأصابع الناعمة تكتوي بماء التنظيف، لكن عقلك كان يعمل بسرعة. كلام مريم عن تردد سعاد على جناح الضيوف قبل اختفاء العقد لم يكن مجرد صدفة؛ كان خيط اللعبة الوحيد. "أسرعي يا هذه!" جاء صوت أم سعد الصارم من خلفها، وهي تحثها ببرود: "أمامك تنظيف جناح الباشا ومكتبه الخاص قبل الظهيرة، وإن قصّرتِ في شيء فتعلمين عقابكِ." أومأت وتين برأسها دون أن تنطق بكلمة. عندما صعدت وتين لتنظيف المكتب الخاص بـ أيهم، كان الجناح خالياً بعد أن غادر أيهم للقاء بعض كبار رجال الأعمال برفقة جسار. بدأت بمسح الأرفف الخشبية الداكنة وتنسيق الأوراق، حتى وصلت إلى الطاولة الجانبية حيث يضع أيهم مستنداته الهامة وشاشات المراقبة الخاصة بالمدخل المكتبي والجناح السفلي. تسارعت ضربات قلبها وهي تنظر إلى جهاز التسجيل المربوط بكاميرات الممرات الجانبية! تذكرت وتين أن القصر يحتوي على نظام مراقبة قديم يغطي الممرات المؤدية لأجنحة الضيوف، وهو أمر ربما نسيته كرمة وسعاد في غمرة تسرعهما لتأطير التهمة بها. بأصابع مرتجفة، اقتربت من شاشة المراقبة الخاصة بليلة الحادثة. كانت تعلم أن اقتراف أي خطأ هنا أو ضبطها متلبسة بلمس أغراض أيهم الخاصة قد يكلفها حياتها أو يتسبب في حبسها للأبد. فجأة، سُمِعت خطوات ثقيلة ومحسوبة تصعد الدرج المؤدي للمكتب! كان ذلك صوت حذاء أيهم! انقبض صدر وتين بالرعب، وأغلقت الشاشة بسرعة قبل أن تستعد لتلميع الطاولة الرخامية بجانب الباب. دخل أيهم المكتب بخطواته المتسلطة، يخلع سترة بدلته برعونة وهو يلقي بملامحه الحادة نحوها. كانت رائحة عطره النفاذ ونبرة السطوة تسبقانه في كل مكان. وقف أمامه تماماً، يطوقها بظله الضخم الذي ابتلع جسدها الصغير. نظر إلى عينيها الكحيلتين بعمق مسموم، ثم انحنى قليلاً حتى لامست أنفاسه الدافئة أذنها: "تتظاهرين بالعمل الدؤوب يا وتين؟ أم أنكِ تبحثين عن شيء آخر تسرقينه من مكتبي؟" رفعت وتين رأسها بثبات رغم القرب الجسدي المحرم والتحدي المشتعل بينهما: "أنا لا أسرق يا أيهم.. والحقيقة التي تغلق عينيك عنها ستخرج للعلن رغماً عنك وعن عشيقتك." ابتسم أيهم ابتسامة مظلمة ومليئة بالتملك، وامتدت يده الفولاذية لتقبض على فكها بضغط قاسي يجبرها على النظر إليه: "الحقيقة الوحيدة هنا هي أنكِ تحت رحمتي.. وإن حاولتِ اللعب من خلف ظهري، سأريتكِ جوانب من مظلمتي لم تتخيلي وجودها بعد." ازداد ضغط أصابع أيهم الفولاذية على فك وتين، وعيناه الزرقاوان تنبضان بشغف مظلم ونفرة كاسحة في آن واحد. مسح نظراتها الجريئة باستخفاف، ثم أطلق سراح فكها بنفرة واضحة، وكأنه يطهر يديه من ملامستها. "انتهي من تنظيف المكتب وغادري،" قالها بصوت جاف كالقطع، "لا أريد أن أرى وجهكِ هنا حين أعود." في هذه الأثناء، كان جسار يقف عند باب المكتب، يرتدي معطفه ويحمل حقيبته الجلدية. نظر إلى وتين بنظرة تقييم شامتة، ثم التفت إلى أيهم وقال مبتسماً: "أنا مغادر الآن يا أيهم، سأعود إلى بيتي.. أراك غداً في مقر الشراكة. لا تدع أمور الخدم تُعطل جدول أعمالك." أومأ أيهم لرأسه ببرود: "أراك غداً يا جسار." غادر جسار القصر، بينما ساد الصمت المكتب مجدداً. وقف أيهم عند النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف، يراجع بعض الأوراق الرسمية بملامح صارمة. كان ذكاؤه الوقاد يحثه على العودة لضبط إمبراطوريته المالية بعد فترة انشغال؛ فغداً هو يوم عودته الرسمي لمباشرة عمله في "الجارحي القابضة". ولم يكن ذلك كل شيء؛ فقد اتخذ أيهم قراراً يزيد من خناق انتقامه ويكرّس إهانة وتين؛ حيث قرر تعيين كرمة الهاشمي—عشيقته وحبيبته السابقة—في منصب المساعدة الشخصية له في الشركة، لتكون بوابته اليومية ورفيقته أمام المجتمع والأعمال. ولكي يضمن راحة كرمة ويُبعدها عن مشاكل القصر، اشترى لها فيلا فاخرة في أحد أحياء الراقية في المدينة، ليتخذها ملاذاً خاصاً يتجه إليه كلما أراد الهرب من جهنم كبريائه، ليمارس معها رغباته العنيفة ويغرق في ليالي الخمر والسهر. ألقى أيهم بنظرة أخيرة على وتين التي كانت تجمع أدوات التنظيف بأصابع مرتجفة، قبل أن يخرج من المكتب بخطوات ثقيلة ومحسوبة، تاركاً إياها تنشد أنفاسها في عتمة المكان. أنزلت وتين أدوات التنظيف إلى القبو البارد مع هبوط الليل. كانت المقاومة تستهلك طاقتها، لكن كبرياءها كان السد الوحيد أمام انهيارها. تسللت مريم إلى القبو كعادتها، وهي تحمل هاتفها الذكي المخبأ بين طيات ثوبها. اقتطعت جزءاً من خبزها وقدمته لوتين، ثم جلست بجانبها على التراب. "وتين.. أنظري إلى هذا،" همست مريم بصوت حزين وهي تفتح شاشة الهاتف. قرّبت مريم الجهاز من عينَي وتين، لتظهر صفحة كرمة على مواقع التواصل الاجتماعي. كانت الصور مقاطع حديثة نشرتها كرمة قبل ساعات؛ تظهر فيها داخل فيلا مذهبة الأركان، تشرب الخمر برفقة أيهم في أجواء حميمة صريحة، وكتبت أسفلها عبارات تتغزل فيها بسخائه وبأنه أهداها هذا القصر الصغير وعيّنها يده اليمنى في الشركة. تأملت وتين الصور بقلب ينبض بوجع مكتوم. رأت أيهم ينظر لـ كرمة بابتسامة تملك وراحة زائفة، يغرق في الخمر وماتعه، بينما هي تُركت هنا في القبو الترابي تُعامل كأقل خادمة وتُتهم بالسرقة. مسحت وتين الدمعة الشاردة من عينها الكحيلة قبل أن تسقط، ورفعت رأسها بنبرة صوت حادة وثابتة: "دعيه يعيش سعادته المزيفة يا مريم.. دعيه يغرق في خمره وعشيقته. كلما زاد طغيانه وغفلته، كلما كانت سقطته أقسى." أغلقت مريم الهاتف وأمسكت بيد وتين الداكنة من التعب: "وماذا ستفعلين الآن؟" ردت وتين وهي تنظر نحو شباك القبو المظلم: "غداً سيعود للشركة وسينشغل بـ كرمة.. وهذا هو الوقت المناسب لنبدأ خطتنا."حين أرخى الليل سدوله فوق قرية الضباب، وغطت سحابة رقيقة من الندى أسطح الحجر العتيقة، تحول الكوخ الصغير إلى واحة من السكينة الهشة وسط عالم يعج بالحروب. كانت النيران المشتعلة في المدفأة الحجرية تلقي بظلالها الدافئة والراقصة على الجدران، وتنعكس ببريق خافت على وجه وتين وهارون.لأول مرة منذ أسابيع طويلة، ومنذ ذلك الهروب المروع في الغابة، وجدا أنفسهما محبوسين تحت سقف واحد وفي غرفة واحدة. لم يكن هناك سوى سرير خشبي عريض في زاوية الغرفة خصصته العجوز أراليندا لوتين، بينما وُضعت وسادة سميكة وبطانية صوفية ثقيلة على الأريكة العريضة المجاورة للمدفأة لهارون.ساد الغرفة صمت ثقيل ومحمّل بالكلمات التي لم تُقال بعد. كانت وتين جالسة على حافة السرير، تنظر إلى النار بذهول وهدوء ظاهري، بينما كان هارون مستلقياً على الأريكة، يضع ذراعيه خلف رأسه، وعيناه المظلمتان لا تهبطان عنها لثانية واحدة. كان يراقب كل حركة، وكل رفعة لعينها، وكل تنهيدة تخترق صدرها الخائف.كسر هارون الصمت المطبق بصوت خشن وهامس قطع سكون المكان:"أتعتقدين حقاً أنني سأترككِ تضيعين مني مرة أخرى يا وتين؟"أشاحت وتين بوجهها نحوه، وقالت بنبرة لا
تسمّر هارون في مكانه عند عتبة الغرفة الجانبية، وكأن روحه عادت إليه بعد سنوات من الموت. كانت عيناه المظلمتان والمحملتان بعواصف الشوق والغيظ مثبتتين بالكامل على وتين التي كانت تقف متجمدة في زاوية الغرفة، ترتجف أطرافها وكأنها ترى شبحاً خرج من أعمق كوابيسها.أما العجوز أراليندا، فنهضت ببطء مستندة إلى عصاها، وابتسمت ابتسامة خفيفة ودافئة قبل أن تتسلل بهدوء خارج الغرفة وتغلق الباب خلفها، تاركة إياهما وحدهما في ذلك الصوت المحمل بكهرباء التوتر العالي.كسر هارون ذلك الصمت القاتل، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة، وكأنه يخشى أن تكون مجرد سراب يتبدد إن اقترب أكثر. قال بصوت خشن ومبحوح يقطر برجفة غريبة لم يعتدها أحد منه:"أحقاً أنتِ هي.. أم أن روحي هي التي تهلوس؟"ابتلعت وتين ريقها بصعوبة بالغة، وجمعت ما تبقى من كبريائها المتبقي، فقالت بصوت متهدج يحمل عتباً خفياً:"أنا حقيقية يا هارون.. لست سراباً. لكن الأجدر بك أن تجيبني أنت: كيف.. كيف وجدتني في هذا المكان المنسي وسط الجبال؟"وقف هارون أمامها مباشرة، ومد يده المرتجفة ليلمس خصلات شعرها المنسدلة على كتفها، وكأنه يتأكد من وجودها المادي، وقال بنبرة
استجاب الرسام لمطالب هارون الملحة، وقاده برفقة ديمتري ونخبة من رجاله عبر طرق وعرة ومتاهات جبلية نائية، وصولاً إلى تلك البقعة النائية قرب النهر حيث أقسم أنه رأى وتين بعينيه قبل أيام. لكن ما إن وصلوا إلى هناك، حتى أصابتهم خيبة أمل مريرة؛ لم يجدوا سوى الصخور المصقولة بفعل الطبيعة، وأوراق الشجر المتساقطة، ومياه النهر الجارية بسكون.أمر هارون رجاله بتمشيط المنطقة، فانتشر العشرات منهم يفتشون الأرض شبراً بشبر، يقلبون الصخور ويسألون كل عابر طريق. بعد ساعات طويلة من البحث المضني، عاد قائد الفرقة بخيبة أمل ليقول له:"سيدي.. قمنا بتفتيش كل شبر، ولم نجد لها أي أثر ولا أي دليل على وجود شخص هنا."التفت هارون نحو الرسام بوجه ملؤه التوتر والغضب الجنوني، وأمسك بتلابيب قميصه بقسوة، وصرخ بصوت يكاد يقتلع الأشجار:"أين هي؟! لقد قلت إنك رأيتها هنا! إن كنت تكذب عليّ.."تضرع الرسام بخوف شديد، ورفع يديه مردداً بصوت مرتعش:"أقسم لك أنني لست كاذباً! لقد رأيتها بوضوح، لا يمكن أن يتهيأ لي وجه كهذا.. إنها هنا، لا بد أنها موجودة في مكان قريب من هذا النهر!"أفلت هارون الرسام بعنف، وتركهم يبتعدون، ثم سقط على ركبت
ارتجف جسد وتين ذعراً، واصفرّ وجهها شحوباً حين سقط بصرها فجأة على الرجل الواقف أمامها. في عالمها المظلم الذي عاشت فيه طويلاً بين جدران قصر فالكون وبطش المافيا، لم تكن تعلم أين هي، ولا ما إذا كان هذا الراعي شيخاً طيباً حقاً أم فخاً جديداً مدبراً من رجال جان لوك لاستدراجها. تراجع جسدها المنهك إلى الوراء حتى استند بخشونة إلى جذع الشجرة المعمرة، وتسللت أصابعها المرتجفة نحو تراب الأرض كأنها تبحث عن حجر تدافع به عن نفسها.لاحظ الراعي ذلك الخوف العميق المرتسيم في عينيها الواسعتين، فلم يتحرك خطوة إضافية ولم يقترب. اكتفى بابتسامة خفيفة ووديعة انطبعت على وجهه الذي حفرته طقوس الطبيعة وصمت الجبال، ثم تحدث بصوت منخفض، هادئ، وخالٍ تماماً من أي خبث:"لا تخافي يا ابنتي.. لا خوف عليّ، ولا شر لديّ. اسمي صالح."تأملت وتين ملامحه الهادئة لبرهة طويلة، فاستشرت في روحها طمأنينة غريبة بددت جزءاً من ذعرها. تنفست بعمق لتسترد بعضاً من توازنها، فلاحظ الشيخ حالة الإعياء والعطش الشديدين اللذين ترتسمان على محياها، فمد يده بهدوء وأخرج من جعبة جليدية معلقة بكتفه زجاجة ماء فخارية صغيرة، ومدها إليها قائلاً بنبرة حنون
كان هواء مرسيليا البارد محملاً برائحة البحر ورطوبة الفجر حين هبطت طائرة هارون الخاصة على المدرج السري في ضواحي المدينة. لم تكن رحلة استجمام، بل كانت رحلة انتقام واجتثاث. تحرك موكب السيارات الأسود بسرعة جنونية نحو العقار القديم العائد لعائلة جان لوك، وهو قصر حجري ضخم يقع على حافة المنحدرات المطلة على المتوسط، تحيط به أشجار الصنوبر العتيقة.ترجل هارون من السيارة ومعه ديمتري ونخبة من رجاله الأقوياء. لم تكن هناك أي مظاهر للحراسة المشددة، وكأن المكان مهجور منذ سنوات. ارتسمت على محيا هارون علامات الريبة والتوتر، لكنه لم يتراجع. دفع الباب الخشبي الضخم بقدمه القوية، ليدوي صدى دفعه في أرجاء الردهة الواسعة."توزعوا.. ابحثوا في كل زاوية!" أمر هارون بصوت جاد وحاسم.انتشر الرجال في أنحاء القصر، بينما صعد هارون بنفسه نحو الطابق العلوي، وتحديداً نحو غرفة المكتب الرئيسية التي أشارت إليها الإحداثيات المشفرة. فتح الباب بعنف، لتتراءى له غرفة مظلمة يغطيها الغبار. في منتصف الغرفة، كان هناك مكتب خشبي قديم، وعليه وُضعت شاشة حاسوب صغيرة تومض بضوء أحمر متقطع.اقترب هارون بحذر، وضغط على زر التشغيل في الحاس
كانت خطوات هارون تشبه دقات قصر ميت، ثقيلة، بطيئة، ومحمولة بغضب أسود يكفي لإحراق مدينة بأكملها. عندما اقتحم هو ورجاله بوابات المصنع المهجور، كان التوتر يبلغ ذروته في الهواء. رَفَع سلاحه الآلي متأهباً لإطلاق النار على أي كائن يتحرك، وعيناه تشتعلان بنيران لا ترحم. تحركت الفرق الخاصة بخفة واحترافية عالية، مقتحمين الغرف الجانبية والممرات المظلمة الواحد تلو الآخر، وسط دوي أصوات تحطيم الأبواب والزجاج.لكن ما وجدوه.. لم يكن سوى الصدمة المطلقة.توقف هارون في منتصف القاعة الرئيسية الواسعة للمصنع. لم يكن هناك سوى الفراغ، والغبار المتطاير، وأعمدة الحديد الصدئة التي تداعبها الرياح الباردة القادمة من النوافذ المكسورة. على الأرض، في وسط المكان، كانت هناك سلاسل حديدية سميكة ملقاة بعناية، وإلى جوارها قطعة قماش سقطت سهواً.. كانت تلك القطعة التي وضعت على وجه وتين حين اختطفت.اقترب هارون بخطوات متجمدة، وانحنى ليلتقط السلاسل الحديدية بيده القوية. كانت لا تزال باردة، مما يعني أنهم غادروا المكان للتو، لكنها كانت مسرحاً مرسوماً بعناية فائقة. لم تكن هناك أي جثث، لم يكن هناك أي حراس، ولم يكن هناك سوى الصدى







